البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الاستعمار والتعليم حوارٌ مع الدكتور طلال عتريسي

الباحث :  حاوره د. عمّار عبد الرزّاق الصغير
اسم المجلة :  الاستعمار
العدد :  6
السنة :  شتاء _ 2026 م
تاريخ إضافة البحث :  January / 27 / 2026
عدد زيارات البحث :  59
تحميل  ( 395.856 KB )
الملخص
تتناول الحوارية تأثير الاستعمار على الهويّة العلميّة والتعليميّة للعالم الإسلامي. وتشير إلى أنّ التعدّد الثقافي واختلاف تجارب الاستعمار حالا دون تشكيل هويّة علميةٍ موحّدة، بينما كان للاستعمار تأثير أقوى على ثقافة هذه الشعوب. وقد كان التعليم أداةً مهمّةً لنشر النفوذ الأجنبي، بهدف إعداد جيلٍ تابعٍ فكريًّا ونفسيًّا، وتأسيس جيشٍ من النخب المحليّة لخدمة السياسات الاستعماريّة الخارجيّة.
تميّز التعليم في فترة الاستعمار بإعداد جيلٍ لخدمة الإدارات الاستعماريّة وإضعاف التعليم المحلّي التقليدي، كالمدارس القرآنيّة. وبعد خروج المحتلّ، استمرت مؤسّساته التعليميّة والثقافيّة؛ ممّا أحدث انقسامًا بين التعليم الأصولي المنسجم مع الهويّة الإسلامية، والتعليم ذي الأسس الغربيّة. كما تسبّب التفكير الغربي الاستعلائي في نشأة مصطلحات مثل (العالم الثالث).
عمل الاستعمار على تهميش اللغة المحليّة كعنصرٍ ثقافيّ ليفقد الإنسان شعوره بهويّته، وتعمد إبقاء معظم السكّان في حالةٍ من الجهل، وتأسيس المدارس على النمط الغربي أدّى إلى اغترابٍ ثقافيّ لدى الخريجين ونظرةٍ دونيّةٍ لمجتمعاتهم.
ولمواجهة استعمار التعليم، يجب استبدال المناهج الغربيّة بأخرى تنتمي إلى ثقافتنا وتاريخنا، والتحوّل من نقل المعرفة إلى إنتاج المعرفة انطلاقًا من مرجعيّتنا الدينيّة والتاريخيّة والثقافية، خاصّةً في التعليم الجامعي والعلوم الإنسانيّة.

الكلمات المفتاحيّة: الاستعمار، التعليم، الهويّة، اللغة، العلوم الإنسانيّة.

الأستاذ الدكتور طلال عتريسي المحترم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. نرجو أنْ تكونوا في تمام الصحّة والعافية. يسرّنا أن نرحّب بكم أجمل ترحيبٍ ونحن نستهلّ معكم حواريّة هذا العدد، متطلّعين إلى فيض معرفتكم للإجابة عن تساؤلاتنا، بما يضمن تقديم مادّةٍ علميّةٍ رصينةٍ ونافعةٍ لقرّائنا الكرام.نأمل منكم إعطاءَ صورةٍ كليّةٍ عن الهويّة العلميّة للعالم الإسلامي؟
إنّ ما يمكن أن نلحظه كمقدمةٍ للإجابة عن سؤال الهويّة العلميّة للعالم الإسلامي هو أوّلًا تعدّد مكوّنات هذا العالم، واختلاف مكوّنات الهويّة بسبب اختلاف التجارب والثقافات المشكّلة لهذه الهويّة عبر مئات السنين، وبسبب اختلاف تجارب الاستعمار مع هذه البلدان وكيفيّة تعامله معها. خاصّة أنّ العالم الإسلامي عالمٌ مترامي الأطراف، ويحتوي شعوبًا وثقافاتٍ وعاداتٍ وتقاليد مختلفة، وكذلك تجارب متفاوتة مع الاستعمار الذي احتلّ بلدانه؛ ولهذا السبب لم تسمح الظروف بتشكّل هويّة علميّةٍ موحّدة لهذا العالم.

كما أنّ تاريخ كلّ بلدٍ من البلدان الإسلامية كان له نصيبه من تشكّل هويّته العلميّة. فالثقافة العربية الإسلامية شكّلت أحد مكوّنات هويّة العرب العلميّة الثقافيّة. والثقافة الفارسيّة بدورها كانت أحد مكوّنات الهويّة الثقافيّة للشعب الإيراني المسلم، وهكذا بالنسبة إلى تركيا وباكستان وأفغانستان. إنّ القاسم المشترك بين هذه البلدان هو الإسلام، الذي لم يتبلور بشكلٍ واضحٍ وقويّ في المجال العلمي والمعرفي في حقبات الاستعمار، في حين كان للقاسم المشترك الآخر الذي هو الاستعمار التأثير الأقوى على ثقافة هذه الشعوب والبلدان الإسلامية طوال عقود. لم يتبلور هذا القاسم المشترك بنحوٍ واضحٍ وقويّ ومهيمنٍ في المجال الثقافي في الوقت نفسه. وما يمكن أنْ نعدّه أيضًا قاسمًا مشتركًا بين هذه البلدان في العالم الإسلامي هو تأثير الاستعمار المباشر على هويّة هذه البلدان الثقافيّة والتعليميّة في المراحل المختلفة خصوصًا في المرحلة الجامعيًة، وخاصّة في العلوم الإنسانيّة التي تشمل كلّ ما نعرفه اليوم من اختصاصاتٍ في التربية، وعلم النفس، وعلم الاجتماع، والإدارة، والاقتصاد، والفلسفة، وسواها ممّا يقع في هذا المجال من الدارسة أو التخصّص.
وعندما نؤكّد على هذا التأثير للعلوم الإنسانيّة، في تشكّل الهويّة فلأنّ بعض بلدان العالم الإسلامي حقّقت تقدّمًا في العلوم التطبيقيّة لكنّها بقيت تابعةً ومقلِّدةً في العلوم الإنسانيّة، ومتأثرةً بالثقافات الاستعماريّة الغربيّة؛ لهذا السبب تختلف صورة التعليم في العالم الإسلامي، وهي ليست صورةً موحّدة. هناك عدّة صورٍ لهذه الهويّة التعليميّة، تختلف باختلاف بلدان هذا العالم. كما أنّ الإرث التاريخي الإسلامي بوصفه عاملًا مشتركًا بين هذه الدول لم يتمكّن في مرحلة الاستعمار من تشكيل هويّةٍ علميّةٍ موحّدة للعالم الإسلامي، لا بل قد تكون هذه الهويّة في بعض الدول موضع تهميشٍ لحساب الهويّة العلميّة الغربيّة.

إنّ المرجعيّة الإسلاميّة لهذه الهويّة التي تعني مرجعية الإسلام والقرآن، ومرجعيّة الأخلاق ومرجعيّة المشروع الحضاري الإسلامي، لم تتبلور في مرحلة الاستعمار، ولم تشكّل ما نبحث عنه من هويّة علمية للعالم الإسلامي. هذا في حين تذكر المراجع التاريخيّة أنّ هذه الهويّة العلميّة كانت ساطعةً ومشرقةً في المجالات التعليميّة والفكريّة والفلسفيّة، وفي علوم الفلك والرياضيّات والطبّ وسواها... في الوقت الذي كان الغرب (المستعمِر لاحقًا) يغرق في قرونه الوسطى وفي ما أُطلق عليه (عصر الظلمات).

مِن أهمّ أقسام الاستعمار استعمارُ التعليم، فحبّذا لو تتفضّلون ببيان أبرز صوره ودوافعه؟
خلافًا لما تُشيعه دوائر بحثيّةٌ وتربويّةٌ وغيرها من أنّ الاستعمار هو السبب خلف النهضة التعليميّة في كثيرٍ من بلدان العالم الإسلامي، فإنّ الوثائق التاريخيّة ومراسلات القناصل الأجانب في بلدان العالم الإسلامي تؤكّد أنّ التعليم كان أحد الأدوات المهمّة لنشر النفوذ الأجنبي، الذي تداخل مع عمل ونشاط الإرساليّات التبشيريّة والتعليميّة، والتي كانت مختلفة الانتماءات وتتبع لأكثر من دولةٍ غربيّةٍ أوروبيّة. كان الهدف من نشر هذه الإرساليّات ونشر التعليم وتعليم الدين في الوقت نفسه هو جذب جزءٍ من أبناء الشعب لكي يصبحوا لاحقًا تابعين على مستوى الفكري والنفسي للدولة التي أسهمت بتعليمهم. هذه نقطةٌ أساسيّةٌ في دوافع التعليم. أي إنّ الهدف من نشر التعليم والمدارس، والإرساليّات لم يكن النهضة العلميّة، إنّما كان الهدف سياسيًّا. يؤكّد أحد المسؤولين الفرنسيين في منتصف القرن التاسع عشر دي. بريتون عام 1841 هذا الهدف عندما يتحدّث عن لبنان فيقول: «حين ننشر في هذا البلد بواسطة اللغة الفرنسيّة التعليم والأخلاق والفنون المفيدة والزراعة فإنّنا سنسيطر على الشعب، وسيكون لفرنسا هنا في كلّ وقتٍ جيشٌ متفانٍ».

هذا الأنموذج وهذا الهدف تكرّر مع البريطانيين في مصر وفي الهند، وفي دولٍ أخرى كما كررته فرنسا أيضًا في أفريقيا وفي الجزائر وتونس والمغرب.
إنّ الفكرة المركزيّة من نشر مؤسّسات التعليم الأجنبيّة كان تأسيس جيشٍ من أبناء الشعب أو من النخب المحلّية لتكون في خدمة السياسات الخارجيّة الاستعماريّة. هذه هي الدوافع الأساسيّة للاستعمار من تأسيس المدارس الخاصّة به التي فتح أبوابها لأبناء الشعب أثناء الاحتلال.

وفقًا لما تقدّم، هل ترون بأنّ تأثير الاستعمار على التعليم في حقبة الاستعمار القديم يختلف عن حقبة الاستعمار الجديد (ما بعد الاستعمار)؟
من ميزات التعليم في أثناء فترات الاحتلال الاستعماري المباشر أمران: الأمر الأوّل هو إعداد جيلٍ يستطيع أن يخدم في المؤسّسات الإداريّة الاستعماريّة؛ لأنّ الاستعمار كان يحتاج في مؤسّساته المختلفة الاجتماعيّة والاقتصاديّة والإداريّة والصناعيّة والأمنيّة إلى موظّفين وعاملين من البلد الذي يحتلّه. ولهذا كان التعليم يركز على اللغة الأجنبيّة للبلد المستعمر الفرنسيّة أو الإنكليزيّة أو الإيطاليّة أو غيرها. والهدف هو خدمة إدارة الاستعمار في هذه البلدان؛ لأنّ هذا الشاب أو الموظّف من هذا البلد الإسلامي أو ذاك يعرف ثقافة شعبه وعاداته وتقاليده، لكنّه يحتاج إلى لغةٍ أجنبيّةٍ ليتفاهم مع الفرنسي أو الإنكليزي أو الإيطالي أو غيره، وليساعدهم في إدارة شؤون الاحتلال.

والأمر الثاني الذي يميّز حقبة الاستعمار المباشر هو إضعاف التعليم المحلّي؛ لأنّ كلّ جوانب الحياة كانت تحت سلطة المستعمِر، وكان الناس يحتاجون في كثيرٍ من الأحيان إلى إذنٍ، أو تصريحٍ من المستعمِر لممارسة أجزاءٍ كبيرةٍ من حياتهم الطبيعيّة الاجتماعيّة أو التعليميّة أو غيرها، وحتى التنقل كان يحتاج إلى تصريحٍ خاص.
على مستوى آخر كان التعليم المحلّي في تلك المرحلة من الاستعمار المباشر في القرن التاسع عشر تعليمًا قرآنيًّا. وكانت الكتاتيب التي تنتشر في المدن والبلدات والقرى تعلّم الناس المعارف القرآنيّة واللغة العربيّة التي هي لغة القرآن، وكذلك سِير الأولياء والأنبياء والأئمّة والصالحين وغيرهم.

لقد ذهب الاستعمار إلى إضعاف هذا التعليم المحلّي التقليدي التاريخي، وإلى تبخيس دوره وقيمته، في مقابل التشجيع على الالتحاق بالمؤسّسات التبشيريّة والأجنبيّة لخدمة الاحتلال واحتياجاته اليوميّة. وربما تختلف هذه الاستراتيجيّة نسبيًّا بين احتلالٍ وآخر، كما حصل بين الفرنسيين والبريطانيين الذين كانوا أكثر تساهلًا مع المؤسّسات التعليميّة المحليّة، لكنّهم كانوا يعمدون إلى توظيف أساتذةٍ من جانبهم في هذه المؤسّسات المحلّية بدل إقفالها، ليكون التأثير أقوى على التلاميذ. في حين عمد الفرنسيّون إلى تهميش هذه المؤسسات وإضعافها بشكلٍ مباشر.

ما بعد الاستعمار وخروج المحتلّ أصبحنا أمام مرحلةٍ جديدةٍ مختلفة كليًّا على المستويات السياسيّة والنفسيّة والمعنويّة والإداريّة وغير ذلك. وكان التعليم جزءًا من هذا الوضع الجديد. فلم يعد هناك احتلالٌ مباشرٌ يتدخّل في الشأن التعليمي، لكن المؤسّسات التعليميّة الأجنبيّة مثل الإرساليّات وغيرها بقيت واستمرّت في هذه البلدان. أي إنّ الاستعمار خرج كقوةٍ عسكريّةٍ لكن مؤسّساته الثقافيّة والتعليميّة بقيت في معظم بلدان العالم الإسلامي. وهكذا بدأت مرحلةٌ جديدةٌ في النظر إلى التعليم ومؤسّساته. بحيث بات النظر إلى المؤسّسات التعليميّة القرآنيّة التقليديّة نظرة استعلاءٍ واحتقارٍ، وما كان يُعدّ تعليمًا ضروريًّا في المدارس القرآنيّة، بات يُنظر إليه على أنّه تخلّفٌ وتأخّرٌ عن مواكبة العصر. وهذا هو جوهر الإرث الاستعماري في التعليم.

وستشهد بلدان العالم الإسلامي بعد خروج الاستعمار هذا الانقسام والمواجهة بين التعليم الأصولي الذي ينسجم مع هويّة الشعوب الإسلاميّة، وبين التعليم الذي أرسى أسسه ومدارسه الاستعمار الغربي، بحيث بات الالتحاق بالمدارس على الطراز الغربي وفق مناهج التعليم الأجنبيّة يعدّ رافعة للتقدّم والتطوّر والحداثة. وهذا الانقسام هو انعكاس للنقاش الذي بدأ في نهايات مرحلة الاستعمار وما بعد خروج الاستعمار، حول سبل النهضة في البلدان الإسلامية، وكيف تتحقّق؟ هل تتحقّق بالعودة إلى التراث الإسلامي وإلى الهويّة الدينيّة الإسلامية؟ أم تتحقّق بالالتحاق بحداثة الغرب وتقدّم الغرب؟ وقد توسّع هذا النقاش في الإطار نفسه إلى التساؤل عن دور العلم والدين في هذه النهضة. وقد أراد البعض تحويل الدين، مثل التعليم التقليدي إلى رمزٍ للتخلّف والتقوقع، في مقابل العلم الذي هو رمز التقدّم والتطوّر والحداثة، كما حصل في النموذج الغربي الذي تخلّى عن الدين في مساره الحداثي منذ القرن التاسع عشر.

لقد استنزف هذا النقاش جهود المفكّرين والمثقّفين والعلماء طوال عقود. ولم يكن الهدف الحقيقي من هذا النقاش سوى تبيان أنّ الدين هو سبب التخلّف، وأنّ طريق النهضة طريقٌ واحدٌ هو تقليد ومحاكاة النموذج الغربي في مساراته المختلفة وخاصّة في مسار التعليم ومناهجه وتخصّصاته المختلفة تدرّس في الجامعات الأجنبيّة.
هذا المخطّط المُمنهج في تفتيت التعليم المحلّي وإيجاد تعليمٍ بديلٍ له أهدافه، يعكس نظرةً فوقيّةً دفعت الدول الاستعماريّة لإطلاق مصطلح العالَم الثالث على المستوى التعليمي لكثيرٍ من البلدان، فهل يمكن بيان المجالات التي مرّ بها هذا المصطلح؟ والتحوّلات التي أسهمت في هبوط حقله العنصري؟

إنّ إطلاق مصطلح العالَم الثالث على بعض دول العالم، حتى في الكتب التعليميّة، يعود إلى منطق الغرب الاستعلائي، الذي يعدّ نفسه مركز العالم، أو ما يُطلق عليه المركزيّة الأوروبيّة أو المركزيّة الغربيّة؛ لأنّ الغرب يعدّ نفسه بحسب هذا المنطق الاستعلائي العالم الأول، وأنّ الاتّحاد السوفياتي في ذلك الوقت هو العالم الثاني، وأنّ العالَم الثالث هو العرب والمسلمون وإفريقيا. وليس لهذ التصنيف أيّ أسسٍ منطقيّةٍ أو علميّة، بل فضائل وميزات اقتصاديّة أو سياسيّة أو حضاريّة ينسبها الغرب لنفسه. في حين سيترك مثل هذا الترتيب تأثيراتٍ نفسيّةً وثقافيّةً وسياسيّةً على من يكون ترتيبه الأخير في هذا التصنيف.

وقد شاع استخدام هذا المصطلح كثيرًا في الأدبيّات السياسيّة والاقتصاديّة والحضاريّة، مثل نظريّات التنمية في العالم الثالث، والتعليم في العالَم الثالث، وثقافة شعوب العالَم الثالث وسوى ذلك من محاولاتٍ لتطبيق الدراسات في الاختصاصات المتخلّفة على العالَم الثالث. ومع مثل هذا التصنيف سيُنظر الى هذا العالم نظرة احتقارٍ واستعلاءٍ، لها أسسها في المرحلة الاستعماريّة المباشرة، كما ستجعل مثل هذه التسمية شعوب العالَم الثالث تنظر إلى نفسها نظرة ضعفٍ وفقرٍ علميّ وثقافيّ، وستشعر بأنّ أهمّ ما تريد الحصول عليه هي أنْ تصبح مثل العالم الأول، أو الثاني. وهذا يعني أنّ هذه الشعوب لن تبحث عن هويّتها الثقافيّة والتعليميّة والأخلاقيّة أو الدينيّة أو غيرها.
تراجع استخدام هذا المصطلح، بعد تحوّلاتٍ فكريّةٍ وثقافيّةٍ وسياسيّة، وخاصّة بعد سقوط الاتّحاد السوفيتي عام 1990، فلم يعد هناك عالم ثانٍ، ولم يكن من الممكن أن يُطلق الغرب على شعوبنا العالم الثاني؛ لذا بدأ الحديث عن عالم الشمال وعالم الجنوب. عالم الشمال هو الغرب، بعدما خرج الاتّحاد السوفياتي من ترقيمهم. وعالم الجنوب هو ما كان يسمّى العالم الثالث يعني إفريقيا والدول العربيّة والإسلاميّة. لكن بقيت النظرة هي نفسها نظرة الاستعلاء ونظرة التبعية، وأنّ النموذج العالمي في التقدّم والتطوّر والتعليم والحداثة هو نموذج الشمال، وأنّ على الجنوب السعي، وبذل الجهد ليكون مثل الشمال.

لنلاحظ أنّ هذه التسمية التي تغيّرت من عالمٍ أولٍ وعالمٍ ثالثٍ إلى عالم الشمال والجنوب، تكمن في أساس التفكير الغربي الاستعلائي الذي يُطلق في الوقت نفسه على شعوبنا العربيّة والإسلامية (الشرق الأوسط)، أو (الشرق الأدنى)، ويُطلق على الصين، وكوريا مثلا (الشرق الأقصى). والسؤال هو الأوسط مقارنة مع ماذا؟ والأدنى قربًا ممّن؟ والإجابة هي أنّ الأوسط والأدنى والأقصى تحصل قياسًا إلى أنّ الغرب ينظر إلى نفسه كمركز العالم. فلو كنّا نعدّ أنفسنا في عالمنا العربي والإسلامي مركز العالم لما كنّا شرقًا أو سطًا أو أدنى.

إنّ استعمال المصطلحات السياسيّة والفكريّة والتسميات الجغرافيّة لها علاقةٌ برؤيةٍ حضاريّةٍ يُعدّ فيها الغرب نفسه ذروة ما بلغه التقدّم عبر التاريخ. ولم يخجل جوزف بوريل منسّق السياسة الخارجيّة للاتّحاد الأوروبي عندما قال في 16 أوكتوبر 2022 خلال افتتاح الأكاديميّة الدبلوماسيّة الأوروبيّة، إنّ «أوروبا حديقة، لقد بنينا حديقة، أفضل مزيجٍ من الحريّة السياسيّة والرخاء الاقتصادي والترابط الاجتماعي استطاعت البشريّة أن تبنيه، لكن بقية العالم ليس حديقةً تمامًا، بقية العالم... أغلب بقية العالم هو أدغال». وأضاف: «الأدغال يمكن أن تغزو الحديقة، وعلى البستانيين أن يتولّوا أمرها، لكنّهم لن يحموا الحديقة ببناء الأسوار، حديقة صغيرة جميلة محاطة بأسوارٍ عاليةٍ لمنع الأدغال لن تكون حلًّا؛ لأنّ الأدغال لديها قدرةٌ هائلةٌ على النمو، والأسوار مهما كانت عاليةً لن تتمكّن من حماية الحديقة، على البستانيين أن يذهبوا للأدغال، على الأوروبيين أن يكونوا أكثر انخراطًا مع بقية العالم، وإلّا فإنّ بقية العالم سوف تغزو أوروبا».

ردّت المتحدّثة باسم الخارجيّة الروسيّة، ماريا زاخاروفا، على هذا الاستعلاء العنصري الحضاري الغربي بالقول، إنّ «أوروبا أنشأت تلك الحديقة من خلال النهب البربري للغابة». وتابعت: «فلسفتهم في الفصل والتفوّق أصبحت هي الفكرة الأساسيّة للفاشيّة والنازيّة، وكلتا الحربين العالميتين في القرن العشرين كانتا ناجمتين عن طموح ألمانيا لاستعادة العدالة وإعادة تقسيم مستعمرات أوروبا التي فشلت تلك الدولة في انتزاعها لنفسها».
ماذا تعني الحديقة سوى الورود والأزهار والمياه؟ وماذا تعني الأدغال سوى الوحوش والحيوانات المفترسة. الغرب بالنسبة إلى بوريل هو الحديقة، وباقي العالم حيوانات ووحوش مفترسة، وفوضى واقتتال وسفك دماء. وعلى الغرب أن يحمي هذه الحديقة من التوحّش. والأسوأ أن بوريل يعترف بأنّ ما قاله هو ما يدور في النقاشات داخل الاتحاد الأوروبي. بهذا المعنى كان إطلاق تسمية العالَم الثالث تتضمّن هذا المعنى الحضاري من التوحّش في مقابل عالم الغرب الأول، (عالم الحديقة) الذي يجب أن يمنع (الأدغال) من الاقتراب منها، أو محاولة تخريبها.
الإمبريالية اللغويّة وإجهاض اللغة المحليّة. لماذا يصرّ المستعمِر على استبدال اللغة العربيّة بلغته الاستعماريّة كما حدث ذلك في الجزائر، ومصر؟

لا تقتصر وظيفة اللغة على مجرد التواصل بين الناس. فاللغة كانت عبر تاريخ الشعوب، وما تؤكّده الدراسات التاريخيّة والانتروبولوجيّة الثقافيّة، أنّها أهمّ مكّونٌ من مكوّنات الثقافة المحليّة التي تختزن المفردات والصور والمعاني التي تعبّر عن طبيعة حياة الشعوب. وسنلاحظ على سبيل المثال أنّ نمط الحياة أيّ شعبٍ يُنتج مصطلحات وتعابير تلائم تنسجم مع هذا النمط. ففي الصحراء تختلف مصطلحات الوقت والزمن عن المدنية. وقد أطلق العرب في زمنهم الصحراوي تسميات عدة على الجمل، بوصفه وسيلة نقلٍ أساسية في التجارة والحروب، أو على السيف في حاجتهم إليه في الدفاع عن أنفسهم وفي الحروب التي خاضوها.
إذًا اللغة ليست وسيلة تخاطبٍ فقط بل هي من أهمّ المكونات الأساسيّة في التعبير عن هويّة الأفراد والمجتمعات، وهذا ما كانت تدركه تمامًا القوى الاستعماريّة؛ ولذا عمدت هذه القوى عندما احتلّت إفريقيا والهند ودولًا عربيةً وإسلاميةً الى تهميش اللغة المحليّة سواء اللغة العربيّة في بلداننا أو اللغات الهنديّة المختلفة أو اللغات الإفريقيّة ولهجاتها المحليّة المختلفة؛ لأنّ الإنسان عندما يفقد التواصل بلغته يفقد بمرور الوقت الشعور بهويّته وبانتمائه، وهذا الفقدان لا يحصل في ظلّ ظروفٍ عادية، إنّما يحصل في ظلّ احتلالٍ وقهرٍ وهيمنةٍ وشعورٍ بالضعف أمام قوةٍ مسيطرةٍ ومحتلّةٍ وعنيفة.

وهذا ما يفسّر كيف عمل الاستعمار على تهميش اللغة المحليّة بما هي مكونٌ ثقافي، وإعلاء اللغة الأجنبيّة، كمكونٍ ثقافيّ مقابل، لا ينفصل عن البلد المستعمِر نفسه؛ ولذا عملت دول الاستعمار إلى فرض لغتها على البلدان التي استعمرتها، كما سبق وأشرنا في أفريقيا والهند والمغرب العربي، بحيث أصبحت لغات التخاطب في أفريقيا على سبيل المثال هي البرتغاليّة والفرنسيّة والإنكليزيّة، فأصبح التواصل بين النخب الأفريقيّة بمرور الوقت يجري باللغة الأجنبيّة، وليس باللهجة المحليّة.
لقد باتت هذه النخب الإفريقيّة، والهنديّة، والإيرانيّة، والعربيّة، من المدافعين عن الوجود الأجنبي؛ لأنّه في الوقت نفسه دفاعٌ عن وجودهم، بعدما باتوا وسطاء بين الإدارة المحتلّة وبين شعوبهم. ما يعني أنّ إضعاف وتهميش اللغة المحليّة استهدف في الوقت نفسه تهميش الهويّة الثقافيّة المحليّة، وتكريس التبعيّة من خلال التبعيّة اللغويّة.

وفي لبنان على سبيل المثال، وعلى الرغم من هويّته العربيّة، ثمّة شعورٌ لدى من يتحدّث اللغة الأجنبيّة بأنّه متفوّقٌ على الآخرين. وقد بقيت اللغة الفرنسيّة في لبنان سنواتٍ عدّة بعد الاستقلال هي اللغة الرسميّة، إلى جانب العربيّة في القرارات الحكوميّة والبيانات الرسميّة. وحتى في أفريقيا بعد الاستقلال ظلّت الفرنسيّة والإنكليزيّة لغتين رسميتين. وتكرّرت التجربة نفسها في الهند التي بقي الاستعمار فيها طويلًا. وعندما يبقى الاحتلال كلّ تلك السنوات في أفريقيا أو الهند، أو الجزائر، فهذا يعني أنّه استطاع أن يبني عدّة أجيال تعلّمت اللغة الأجنبية، وتحتقر لغتها المحلية، وتدافع عن منطق الاستعمار وعن ثقافته. بحيث تصبح اللغة عنصر قوةٍ بيد المستعمِر وعنصر استعلاءِ بيد النخب المحليّة التي تعلّمت هذه اللغة في المدارس الأجنبيّة. وهذا يعني أنّ باقي أبناء الشعب سيطمحون إلى تعلّم هذه اللغة؛ لأنّهم سيجدون فرصًا أفضل للعمل في الإدارات الحكوميّة تحت ظلّ الاحتلال؛ ولأنّهم سيجدون فرصًا أفضل للسفر إلى الخارج إلى هذه البلدان لمتابعة دراستهم.
كان أحد الحكّام البريطانيين للهند يقول نريد هنودًا من حيث الدم واللون لكنّهم إنكليز من حيث الذوق والرأي والأخلاق والعقل. هذا يعبّر تمامًا عن دور اللغة في تشكل الهويّة وتغيّر الانتماء. طبعًا كان هناك شخصيّات ومفكّرون وقفوا ضدّ هذه السياسات الاستعماريّة. ففي الجزائر على سبيل المثال لم ينفصل النضال من أجل الهويّة واللغة المحليّة عن النضال لطرد الاحتلال والاستقلال. وكان طرد الاحتلال هو الأساس، بمعنى أنّه لا تستطيع أن تستعيد التواصل بلغتك إذا بقي الاحتلال مهيمنًا.

لكن المسألة استمرّت أكثر من قرنٍ أكثر من 130 سنة من الاحتلال في الجزائر، تخرج خلالها بضعة أجيالٍ تعلّموا خلالها اللغة الفرنسيّة، ونسوا لغتهم العربيّة التي بقيت محصورةً على التواصل في البيت أو في الشارع مثلًا. ووصل الأمر بعد أكثر من مئة سنةٍ إلى أن أصبحت بعض النخب تتحدّث فيما بينها باللغة الفرنسيّة، وأصبحت بعض الكلمات الفرنسيّة تُستعمل كأنّها لغةٌ عربيّةٌ في التواصل بين الناس العاديين. ما خلق بطبيعة الحال حالةً من التشويش في طبيعة هويّة الشعب وانتمائه الثقافي.

وعندما خرج الاستعمار من البلدان التي احتلّها كانت هذه النخب (الجيش) الذي سيدافع عن منطق الاستعمار وعن الحياة الأفضل في ظلّ الاستعمار. هذه النخب التي كانت هنديةً، أو إفريقيةً، أو باكستانيةً، أو عربية الهويّة، لكنّها أصبحت من حيث الذوق والرأي والأخلاق والعقل، إنكليزية أو فرنسية، أو برتغالية أو أميركية. لقد بقيت هذه النخب بعد خروج الاحتلال تتحدّث لغة المستعمِر، وتدافع عن نمط الحياة والذوق والرأي الإنكليزي أو الفرنسي أو غيرهما.
لقد احتاجت الجزائر إلى سنواتٍ طويلةٍ بعد الاستعمار لاستعادت هويّتها ولغتها العربيّة، وأمضت سنواتٍ وهي تستعين بأساتذةٍ من دولٍ عربيّةٍ للتعليم في الجامعات وفي المدارس باللغة العربيّة.

ولأنّ اللغة ليست وسيلة تخاطبٍ فقط عمدت فرنسا على سبيل المثال، ومن خلال المؤسّسة الفرنكوفونية العالمية إلى تشجيع الدول التي تتحدّث الفرنسيّة على الانتقال إلى نظام التعليم الجامعي الجديد الذي أقرّته فرنسا مع الاتّحاد الأوروبي. وقدمت التمويل اللازم لدعم هذا الانتقال على الرغم من أنّ هذه البلدان لم تكن تحتاج إلى مثل هذا التغيير في مناهجها وطرائق التعليم فيها؛ لأنّ فرنسا تعدّ اللغة ومناهج التعليم قضيّة ثقافةٍ وانتماء. وهذا هو دور الفرنكوفونيّة بالنسبة إليها.
لقد تعرّضت اللغة العربيّة بدورها في بلداننا لما تعرّضت له اللغات المحلّية في الهند وفي إفريقيا، وفي بلدان أخرى، فقد تم تهميشها، وأصبحت اللغة الفرنسيّة أو الإنكليزيّة في بلداننا العربيّة هي اللغة المهيمنة للأسباب نفسها. أي إنّ أساليب الاستعمار كانت تقريبًا واحدة والأهداف واحدة. بحيث تمّ الربط بين اللغة الأجنبيّة وبين النموذج الغربي المتقدّم. وهو نموذج المحتلّ والقوي والمسيطر والمتقدّم علميًّا. إذ بات علينا لكي نتقدّم أن نكون مثل الغرب في كلّ شيء، وأنّ اللغة هي أحد أسباب هذا التقدّم. وأنّ اللغة العربية هي أحد أسباب التخّلف، وهي لا تصلح لتحصيل العلم والمعرفة، وبأنّ المجتمعات العربيّة متخلّفةٌ بسبب لغتها، وبسبب الدين والعادات والتقاليد. وهذا يفّسر كيف أصبح اللبنانيّون يذهبون إلى فرنسا لمتابعة تحصيلهم العالي، والمصريّون والعراقيّون يذهبون إلى بريطانيا، وكذلك يذهب من في تونس والجزائر والمغرب إلى فرنسا أيضًا، أي إلى البلدان الاستعماريّة التي يعرفون لغتها.

إنّ اللغة أرثٌ ثقافيٌّ مشتركٌ بين شعوب العالم كافة، وتهميش اللغة هو تهميشٌ لهذا الإرث الثقافي، واستبدالها بلغةٍ أخرى هو استبدالٌ لإرثها الثقافي بأرثٍ ثقافيّ آخر، لن يؤدّي سوى إلى خلق حالةٍ من القلق في طبيعة الانتماء وازدواجيته عند أجيالٍ كثيرةٍ خصوصًا في هذا العصر.
يُسهم الاستعمار في إجهاض التعليم وتعميق الجهل والأميّة، فما تأثيرات الاستعمار في التعليم؟
لعب الاستعمار دورًا مباشرًا في تعميق الجهل والأمّيّة والمحافظة على استمرارهما؛ لأنّ استراتيجيّة الاستعمار في التعليم كانت ترتكز على مسارين:
المسار الأوّل: هو تعليم نخبٍ مدنيّةٍ، كما سبق وأشرنا، لتلتحق بالإدارات الاستعماريّة، ولتكون حلقة وصلٍ بين المستعمِر وبين أهل البلاد.

والمسار الثاني: هو ترك معظم السكّان في حالةٍ من الجهل. ومن المعلوم أنّ معظم السكّان في البلدان المستعمَرة كانوا سكّان أريافٍ، وليس كما هو الحال اليوم. نحن نتحدّث عن القرن التاسع عشر. وهؤلاء لم يكن لديهم مدارس ومؤسّساتٌ تعليميّةٌ وثقافيّة وجامعات، ما يعني أنّ القسم الأكبر من الناس لم يتح له الدخول إلى المدارس الحديثة، وبقي الأمر محصورًا على نخبٍ محدّدةٍ تتعلّم اللغة الأجنبيّة، لغة المستعمِر، ويحتاج إليها في إدارة البلاد. وهذا يعني أنّ مشكلة الأمّيّة كانت مشكلةً واسعةً في البلدان المستعمَرة.
لم يكن المستعمِر يهتمّ برفع المستوى الحضاري للشعوب المستعمَرة؛ لأنّه يعرف تمامًا أنّ رفع هذا المستوى من خلال التعليم يعني رفع الوعي بالحقوق، والوعي بالاستقلال، والوعي بالتحرّك من أجل نيل هذه الحقوق؛ لهذا كانت الشعوب المستعمَرة مستغرقةً في البحث عن حلّ لمشكلاتها اليوميّة والغذائيّة والمعيشيّة.
النقطة الثانية المهمّة في هذا المجال من تعمّد نشر الجهل وعدم المعرفة أنّ هذا الأمر يتيح للاستعمار نهب القدرات الاقتصاديّة الزراعيّة خاصّة في الأرياف، أو تحويل هذه الزراعات بما يخدم الاقتصاد الغربي كما حصل في الجزائر بعد تحويل زراعة العنب إلى الزراعة الأساسيّة بما يخدم صناعة النبيذ في فرنسا، على حساب باقي الزراعات الأخرى التي يحتاج إليها الشعب الجزائري في حياته اليوميّة. وقد حصل الأمر نفسه في الهند، مع صناعة القطن والنسيج.
لقد تعمّد الاستعمار عدم تعميم التعليم، وتعمّد استنزاف القدرات والموارد الطبيعيّة وتوجيهها بما يخدم مصالح بلاده، ما ترك تأثيراتٍ واسعةً على المؤسّسات التعليميّة المحليّة، وعلى اقتصاد البلاد المحتلة حتّى بعد رحيل الاستعمار. فبقي التعليم تابعًا، والاقتصاد ضعيفًا، وبقيت نسبة الأمّيّة مرتفعةً في معظم البلدان المستعمَرة.

ما دوافع تأسيس المدارس على النمط الغربي في بعض البلدان المستعمَرة، وما تأثيرها العلميّ والثقافيّ؟
تأسيس المدارس على النمط الغربي في بعض البلدان المستعمَرة كان له تأثيرٌ واسعٌ ومتعدّدٌ وله أهدافٌ مختلفة. ونحن نعرف من خلال الدراسات التربويّة وحتّى النفسيّة أنّ المدرسة هي العامل المؤثّر في بناء الشخصيّة بعد الأسرة، وفي أحيانٍ كثيرةٍ تتقدّم على الأسرة في بناء الشخصيّة.
وهذا يعني أنّ هذه المدارس على النمط الغربي ستسهم بدرجةٍ كبيرةٍ في بناء القدرات العقليّة وطريقة التفكير، والشعور بالهويّة وبالانتماء، والعلاقة مع التقاليد والعادات، ومع القيم الدينيّة والأسريّة، بطريقةٍ مختلفةٍ عمّا تقوم به المدرسة التقليديّة أو القرآنيّة.

قدّمت المدارس التي أسّستها الدول الاستعماريّة تجربةً مختلفةً في هذا المجال، والتجربة المختلفة تعني قيمًا وعاداتٍ وتقاليد وأفكارًا وطرقًا في التفكير تنسجم مع هويّة المدرسة الاستعماريّة، وهويّة المدرسة الاستعماريّة هي انعكاسٌ لهويّة الدولة الاستعماريّة الفرنسية أو الإنكليزيّة أو الإيطاليّة أو غيرها، أي الهويّة الغربيّة. وبالتالي عندما يدخل الطفل أو حتّى لاحقًا التلميذ إلى تلك المدرسة، فهذا يعني بداية الانفصال وحتّى الانفصام بين ما يتعلّمه في البيت أو بين انتمائه إلى أسرته في المجتمع الجزائري أو المصري أو غيره، وبين الانتماء الذي ستوجهه إليه المدرسة الأجنبيّة.
إذًا النقطة الأساسيّة هي أنّ تأسيس المدارس الاستعماريّة سيخلق أجيالًا من فاقدي الهويّة الأصليّة ذات الثقافة الوطنيّة والمحلّيّة والدينيّة والأخلاقيّة والإسلامية؛ ليبدأ بعد ذلك الانتماء إلى ثقافةٍ جديدة. وهذا ما تحقّق إلى حدٍّ كبيرٍ لدى نخبٍ درست في هذه المدارس، وأصبحت تنظر إلى شعوبها نظرةً دونيّةً تمامًا كما هي نظرة المستعمِر.

المسألة الثانية أنّ تأسيس هذه المدارس لم يكن حالةً منفصلةً عن نظامٍ تعليمي متكاملٍ كما حصل في لبنان على سبيل المثال، فقد اعتمدت المدارس الفرنسيّة واليسوعيّة تحديًدا نظامًا تعليميًّا متكاملًا، يبدأ باستقبال الأطفال في المراحل التمهيديّة، ثمّ الابتدائيّة، لينتقل بعدها إلى التعليم الثانوي الفرنسي أيضًا، ثمّ ليؤسّس إلى جانبه المهنيّات ومدراس الفتيات، ثمّ بعد ذلك يفتتح الجامعة.
إذًا هو سلسلةٌ مترابطة الحلقات يدخل إليها الطفل، ويتخرّج وقد تلقّى تعليمًا غربيًّا فرنسيًّا أو إنكليزيًّا أو غيره، سيؤدّي إلى اغترابٍ ثقافيّ، واغترابٍ عن الهويّة الأصليّة التي ينتمي إليها الفرد في مجتمعه، وإلى نظرة احتقارٍ لمجتمعه خصوصًا أنّ خريج هذه المدارس تحوّل غالبًا إمّا إلى خدمة الاستعمار في المؤسّسات التي أنشأها، وإمّا أنّه ذهب لمتابعة تعليمه العالي في الدول المستعمِرة ليصبح بعد ذلك أيضًا نموذجًا للمثقّف الغربي الذي يتعامل مع شعوبه باحتقارٍ ودونيّةٍ ثقافيّة.

يجب أن نضيف هنا أنّ المدارس التي ستتأسّس على النمط الغربي ستكون مناهج ومقرّرات التعليم فيها هي مناهج ومقررات التعليم في البلد المستعمِر نفسه. يعني مثلًا سيدرس التلميذ في كتاب التاريخ، تاريخ فرنسا وأجدادنا الفرنسيّين والحروب الفرنسيّة والمجتمعات الفرنسيّة والعادات والتقاليد وطريقة الأكل والشرب وما شابه ذلك. وسيدرس في كتاب الجغرافيا أيضًا جغرافية فرنسا، ومناخها وسكانها، وما يجاورها، ومصالح فرنسا في العالم، وهكذا بالنسبة إلى باقي المقرّرات، وأنظمة الامتحانات ستكون على الطريقة الفرنسيّة. وفي هذه الحالة سيشعر التلميذ الذي يدرس هذا التاريخ أو الجغرافيا، بحالة من التناقض بين الواقع الذي يعيشه، وبين ما عليه أن يدرسه ويحفظه في مدرسته. أي التناقض بين شعوره بهويّته الجزائريّة على سبيل المثال وعاداته وتقاليده وأجداده الجزائريّين، وبين ما يدرسه في المدرسة، التي ستحقّق له الترقّي الاجتماعي الذي يحرص عليه أهله عندما اختاروا له الذهاب إلى هذه المدرسة الأجنبيّة الفرنسيّة أو الإنكليزيّة.
هذا الانتماء ينمو ببطء، ويؤسّس اللبنات المتينة لما سيصبح لاحقًا تلك الشخصيّات التي تدافع عن وجهة نظر الاستعمار، وتروّج لفكرته، وتقتنع بهويّتها الاستعماريّة، ومثل هؤلاء الأشخاص الذين تقلّدوا مناصب ثقافيةً وتعليميّةً وجامعيّةً وإداريّةً كانوا ينقلون إلى مجتمعاتهم من خلال الجامعات والمؤسّسات التعليميّة والثقافيّة، الفكرة الغربيّة على أنّها الفكرة الصحيحة التي تربّوا عليها في هذه المدارس.

إذا كان للمدرسة هذا الدور المؤثّر كما تفضّلتم بعد دور الأسرة، وأنّ المدارس ذات النمط الاستعماري – بمناهجها ومقرراتها- تؤثر على هويّة الفرد، بل تخلق أجيالًا من فاقدي الهويّة، فهل إيجاد البديل الموضوعي مثل المدارس القرآنيّة في مواجهة التجهيل الاستعماري والحفاظ على الهويّة له أثرٌ ناجع في ذلك؟
كانت المدارس القرآنيّة هي المدارس الأكثر شعبيّةً وانتشارًا في المدن، وفي الأرياف بشكلٍ واسع؛ لأنّها لم تكن تحتاج إلى تقنياتٍ حديثةٍ، أو حتى إلى أماكن واسعة ومزوّدة بالأجهزة وغير ذلك.
المدارس القرآنية كانت تنسجم مع نمط الحياة وبساطته خصوصًا في الأرياف حتى في أثناء الاستعمار بين القرنين التاسع عشر والعشرين. كانت المدارس القرآنيّة تهدف وفقًا لتسميتها إلى تعليم القرآن والقيم الدينيّة، وضرورة تعلّم اللغة العربيّة. وهذا يعني تعليم الانتماء إلى القرآن، وإلى الدين الإسلامي والالتزام بأوامر ونواهٍ وضوابط هذا الدين.

وهذا يختلف كثيرًا عمّا كان يحصل في المدارس التي تأسّست على النمط الغربي، خصوصًا وأنّ حركات المقاومة ضدّ الاستعمار سواء في الجزائر أو في ليبيا أو حتّى في مصر أو في بلدان عربيّةٍ وإسلاميّةٍ أخرى كانت ذات طابعٍ ديني، وكان هناك علماء يقودون هذه الحركات، وبالتالي كانت المدارس القرآنيّة تشعر بنوعٍ من الارتباط مع هؤلاء القادة من الذين يتحرّكون في مواجهة الاستعمار من جهة، ومن جهةٍ ثانيةٍ كان يتعلّم الأولاد في هذه المدارس الانتماء إلى هويّتهم الأصليّة الحقيقيّة، وبالتالي سيشعر هؤلاء بعدم التوافق مع الثقافة التي يريد الاستعمار فرضها أو ترويجها عبر مدارسه أو مؤسّساته الأخرى المختلفة.
لم يكن الإعلام في ذلك الوقت يلعب الدور كما هو اليوم، كان الاعتماد على المدارس أكثر من المؤسّسات الإعلاميّة، التلفزيون أصلًا لم يكن له دورٌ فعّالٌ، ولم يبدأ إلّا في الستينيّات في ذلك الزمن؛ لهذا السبب كانت هناك محاولاتٌ كثيرةٌ لخنق هذه المدارس، ومنع تمويلها، ومحاولة إقفالها. وبالتالي منع تشكيل ثقافةٍ مضادّةٍ للثقافة الغربيّة؛ ولهذا السبب تمّ التركيز على الترويج لمقولاتٍ ومفاهيم تشكك في الدين وفي الانتماء إليه، مثل مقولة التناقض بين العلم وبين الدين، بين الدين وبين التقدّم، بين الدين وبين النهضة، بين الدين وبين الثقافة. لماذا؟ لكي يستنتج الإنسان أو الفرد في البلدان المستعمرة بأنّ الدين هو سبب التخلّف وليس الاستعمار، وأنّ الالتحاق بالاستعمار ومؤسّساته وبلغته هو الذي يحقّق التقدّم. واستمرّ هذا النقاش طويلًا، واستنزف كثيرًا من الباحثين والمفكّرين، وما يزال هذا النقاش إلى اليوم.

هكذا صارت فكرة الاستعمار واللغة الأجنبيّة ومناهج التعليم الأجنبيّة هي البوصلة التي يجب أن تؤدّي إلى النهضة والتقدّم، وأنّ الدين والثقافة القرآنيّة هي التي تؤدّي إلى التخلّف والجمود. في حين أنّ الأمر، كما يعلم الغربيون أنفسهم، ليس كذلك، وأنّ القرآن لا يدعو إلى التخلّف والجمود، بل على العكس هو الذي يدعو إلى التقدّم والتطوّر والتفكّر والتأمّل وعدم القبول بما وجدنا عليه آباءنا.
كانت وظيفة المدارس القرآنيّة في تلك المرحلة من الاستعمار المباشر التأكيد على أهميّة الدين في هويّة الشعوب المستعمَرة، وعلى أهميّة الثقافة الدينيّة وأهميّة اللّغة العربيّة التي هي لغة القرآن؛ ولهذا السبب كما أشرنا كانت محاولات إضعاف اللغة العربيّة إضعافًا للثقافة القرآنيّة.
ولهذا السبب، وقف الاستعمار بطرقٍ مختلفةٍ وبأشكالٍ مختلفةٍ ضدّ المدارس القرآنيّة، لتتحوّل هذه المدارس بمرور الوقت إلى مدارس معزولةٍ وضعيفة. وقد نجح التعليم الحديث، أيّ التعليم على النمط الغربي في أن يكون هو التعليم السائد والمسيطر في مختلف أنحاء البلاد، وليس في المدن فقط.

ففي لبنان على سبيل المثال، انتهى عهد المدارس القرآنيّة المعروفة باسم الكتاتيب، أي المدارس البسيطة التي كانت تدرس القرآن واللغة وغير ذلك من الأدب والشعر والحفظ. لتستبدل بالمدارس الرسميّة الحكوميّة التي تعتمد مناهج التعليم الأجنبيّة. وقد أسهم هذا الأمر بدوره في إضعاف الانتماء الثقافي الديني الذي ترتبط به شعوب بلداننا العربيّة والإسلامية؛ ولتصبح الثقافة الغربيّة أحد أهمٍّ مكوّنات هويّة هذه الشعوب. وليكون التناقض والصراع، كما تبلور لاحقًا، هو بين ثقافةٍ وطنيّةٍ محلّيّةٍ قرآنيّةٍ إسلاميّة، وبين ثقافةٍ أجنبيّةٍ بمكوّناتها العلمانيّة واللّادينيّة والتحرّريّة السلوكية والأخلاقية.
تتميز المنطقة العربية بتأثرها بالثقافة القرآنيّة التي أودعها في العقل المعرفي العربي، وبتأثرها بالأصول العرفيّة الموروثة في الثقافة العربيّة، حتى باتت من أساسيّات الذهنيّة العربيّة في حقبةٍ من الزمن، فهل يمكن العثور على سبلٍ ناجعةٍ لمواجهة استعمار التعليم؟

لم يكن لدى حكومات الاستقلال ما بعد رحيل القوى الاستعماريّة وضوح، أو رؤية، حول كيفيّة بناء مناهج تعليمٍ وطنيّةٍ ومحليّة، تنسجم مع ثقافة مجتمعها في الجزائر أو في المغرب، أو في تونس، أو لبنان، أو العراق، أوفي دولٍ إسلاميةٍ أخرى مثل إيران، أو باكستان، أو حتى الهند؛ ولذلك عمدت هذه الدول إلى نقل مناهج التعليم الأجنبيّة، خاصّة أنّ الكثير من القادة الذين أتوا بعد الاستعمار كانوا معجبين ومتأثّرين بتجربة الاستعمار الإداريّة والتنمويّة والعسكريّة.
لقد حاول بعض وزراء التربية أو رؤساء حكومات ما بعد الاستعمار تغيير هذه المناهج الغربيّة والتأسيس لتدريس اللغة العربية، أو اللغة المحليّة الوطنيّة. لكن باقي المناهج استمرّت وفق مناهج التفكير الغربي الأجنبي الاستعماري. ما أدّى لاحقًا الى ما أثير من نقاشٍ حول ثنائية المحلّي والأجنبي، وثنائية الديني والعلمي، وثنائية الحداثة والتقدّم. بنحو كان الغرب دائمًا هو مقياس التقدّم، وهو مقياس الانتقال الى ما هو أفضل، وكانت الثقافة المحليّة والوطنيّة هي مقياس التخلّف. بمعنى أنّ التفكير في تقدّم مجتمعاتنا لم يكن يقاس على تجربتها التاريخية، ولا على مراحل النهضة التي عرفتها المجتمعات الإسلاميّة والعصور الذهبيّة في العصر العباسي على سبيل المثال. وهذه نقطةٌ جوهريّةٌ في مرجعيّة استلهام تجارب التاريخ الإسلامي، أو استلهام تجربة التقدّم الغربي. علمًا بأنّ مرتكزات التقدّم الغربي تستند الى رؤيةٍ فلسفيةٍ وأخلاقيةٍ ومجتمعيةٍ خاصّة بالغرب نفسه وبتجربته نفسها، ولا علاقة لها بتجربة شعوبنا وفلسفته وأخلاقه وثقافته ودينه.

لذا لا يمكن أن نؤسّس لمسار مواجهة الاستعمار في التعليم، إلّا من خلال السعي الجادّ والعلمي لاستبدال المناهج الحاليّة الغربيّة كمرجعيّةٍ نهائيّةٍ وثابتةٍ ويقينيّةٍ بمناهج أخرى تنتمي إلى ثقافتنا وتاريخنا. وهي مناهج موجودةٌ في الفلسفة، وفي علم النفس، وفي الإدارة، والتربية، وفي غيرها. فكيف يمكن على سبيل المثال ألّا ندرس التجربة الإداريّة للحكومات أو للعهود الإسلاميّة المتعاقبة عبر قرونٍ بغضّ النظر عن الموقف من هذه الحكومات. فكيف يمكن لنظامٍ استمرّ مئة سنة أو مئتي سنة أو مثل الدولة العثمانيّة التي حكمت أربعمئة سنة أو مثل الدولة الصفويّة، ألم يكن لهذه الدول المترامية الأطراف التي حكمت ملايين الشعوب ألم يكن لها نظامٌ إداري، أو نظامٌ تنموي، أو نظامٌ تعليمي؟ ألا يحتاج هذا الأمر إلى الدراسة، وإلى البحث والتنقيب لمعرفة كيف جرى هذا الأمر؟
إنّ العودة إلى هذه الحقب التاريخيّة من الحكم والإدارة، وما أُنتج فيها هو مرجعيّةٌ أساسيّة، لا تنفصل عن التوجّه السياسي والثقافي الذي يريد أن يبحث عن تجربة مجتمعاته التاريخيّة ليستفيد منها ولتشكيل رؤيةٍ مستقلةٍ عن النظريّات الغربيّة في هذه المجالات. بمعنى أنّ هذا التوجّه الثقافي الاستقلالي يجب أن يترافق مع توجّهٍ سياسيّ له هذا البعد الاستقلالي نفسه عن الدول الاستعماريّة المعاصرة.

إننا لا نستطيع أن نتخلّص من الاستعمار في التعليم من دون مواجهة هذا الاستعمار الراهن سياسيًّا وثقافيًا. أي لا يمكن أن تكون الحكومات تابعةً سياسيًّا أو اقتصاديًّا، وترغب في استقلال التعليم الجامعي على سبيل المثال. إنّ الاستقلال في التعليم ما بعد الاستعمار هو جزءٌ لا يتجزّأ من سياسات ما بعد الاستعمار، والتنمية ما بعد الاستعمار، والإدارة ما بعد الاستعمار.
وهذا يحتاج إلى بذل الجهود الفكريّة والبحثيّة في مراكز الدراسات والأبحاث. بحيث نتمكن من إنتاج المعرفة في جامعاتنا، وبحيث لا يقتصر دور الجامعة كما هو اليوم على مجرد نقل المعرفة (من مصادرها الغربية الاستعماريّة). نحن نحتاج إلى إنتاج المعرفة انطلاقًا من مرجعيّتنا الدينيّة والتاريخيّة، ولكن بما ينسجم مع الأسئلة المعاصرة المطروحة اليوم، ومع حاجات مجتمعنا الراهنة؛ لأنّ هذه الحاجات تختلف عن الحاجات التي كانت قبل قرنٍ أو قرنين أو ثلاثة، أو أكثر، وتختلف عن الحاجات التي أنتجت العلوم الغربيّة المعاصرة.
إنّ التعليم الجامعي في هذا المسار هو الأكثر أهميّةً وخطورة؛ لأنّ التعليم الابتدائي وحتى التعليم الثانوي خضعا لتغيّراتٍ كثيرةٍ في العقود الماضية في كثيرٍ من الدول العربيّة والإسلامية بحيث باتت المناهج بعد تعديلها مرّاتٍ عدّة أقرب إلى الرؤية المحلّيّة، وإلى الأولويّات المحلّيّة على الرغم من استمرار الاهتمام باللّغات الأجنبية، وبتمرير مفاهيم أجنبيّة فيها.
وفي الجزائر كما ذكرنا على سبيل المثال تمّت الاستعانة بأساتذةٍ عربٍ لتعليم اللّغة العربيّة وفي لبنان، تمّ تعريب الكثير من المناهج، لكن طبعًا بقيت هناك مدارس خاصّة ومدارس حكوميّة. المدارس الحكوميّة تدرّس اللّغات المحلّيّة، وهي أقرب إلى الثقافة المحلّيّة. لكن على المستوى الجامعي لم يحصل أيّ تغييرٍ أو تعديلٍ في مناهج التعليم، خلافًا لما حصل في التعليمين الابتدائي والثانوي.

بدأ التعليم الجامعي في معظم البلدان العربيّة والإسلامية كتقليدٍ ومحاكاةٍ للنموذج الاستعماري الغربي. والخطورة لم تكن في الشكل، أيّ ليس في شكل الجامعة وهيكليّتها وإدارتها وغير ذلك من نظم امتحانات، إنّما الخطورة كانت في مناهج التعليم، خصوصًا في العلوم الإنسانيّة وحتّى في العلوم العلميّة مثل الهندسة والرياضيّات وغيرها كانت نسخةً طبق الأصل عن مناهج الدول المستعمِرة. فإذا كانت فرنسا قد احتلّت لبنان فإنّ الجامعة في لبنان نقلت حرفيًّا ما كان يجري في الجامعات الفرنسيّة ليس فقط على مستوى الهيكليّة، وإنّما على مستوى المقرّرات والمناهج. وحصل الأمر نفسه في تونس والمغرب والجزائر. وفي مصر وإيران والهند، نقلوا المناهج الجامعات البريطانية ولاحقًا الأميركيّة.
هنا تكمن مشكلة استعمار التعليم وكيفيّة التخلّص من هذا الاستعمار، الذي يُفترض أن يبدأ بالتخلّص من مناهج التعليم الجامعيّة الاستعماريّة. وفي الحقيقة هذا الاتّجاه أصبح اليوم اتّجاهًا عالميًّا معاصرًا لا يتعلّق فقط بدولٍ عربيّةٍ أو إسلاميّة، بل سنجده في أفريقيا، وفي أميركا اللاتينيّة، وفي دولٍ كثيرة. والدراسات في هذا المجال تسمّى دراسات ما بعد الاستعمار أو ما بعد الكولونياليّة، أو ما يسمّيه بعضهم تحرير الجامعة، أو تحرير العلوم الإنسانيّة، أو علومًا إنسانيّةً غير هيمنيّة، أو علومًا إنسانيّةً جنوبيّةً (نسبةً إلى عالم الجنوب).

إنّ التخلّص من استعمار التعليم، ومواجهة استعمار التعليم يبدأ بهذا الحقل من التفكير، خاصّة في العلوم الإنسانيّة التي تصنع النخب الثقافيّة والفكريّة والقيادات الإداريّة والحقوقيّة والقانونيّة. التفكير في علومٍ إنسانيّةٍ غير تابعة، أو مقلّدة للجامعة الغربية.
وعندما ندقّق مثلًا في أيٍّ من جامعات معظم الدول العربيّة والإسلامية سوف نلاحظ بكلّ وضوحٍ أنّ هذه الجامعات تدرّس منذ أكثر من عدّة عقود، بل منذ حصول معظم هذه الدول على الاستقلال، المقرّرات الجامعية نفسها، التي تنقل فيها حرفيًّا آراء ونظريّات واتّجاهات المفكّرين الغربيّين في علم النفس وفي علم الاجتماع وفي التنمية وفي الإدارة وفي علم السياسة وفي الحقوق وغير ذلك. أي إنّها لا تفعل سوى نقل المعرفة الغربيّة. ويتعلّم الطالب في هذه الجامعة كيفيّة التفكير على النسق الغربي. والمسألة التي لا تقلّ أهميّةً هنا، أنّ الطالب لا يتعلّم أن يطرح على نفسه سؤال ما هي الفائدة من دراسة كلّ هذه المعارف والآراء والنظريّات المختلفة والمتعارضة فيما بينها في معظم الأحيان.
وهذا سؤالٌ أساسٌ في مواجهة استعمار التعليم، لكي نتوقف عن نقل وتكرار ما أنتجه الغرب من علومٍ ومن نظريّاتٍ، وأن ننتقل إلى ما يسمّى اليوم دراسات ما بعد الاستعمار، أو ما نسمّيه نحن تأصيل العلوم والمعارف والدراسات في العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة والدينيّة وغيرها. والمقصود بالتأصيل العودة إلى الأصول الثقافيّة التي ينتمي إليها مجتمعنا العربي أو الإسلامي بحيث يكون المقياس هو ما أنتجته حضارتنا في مراحل ازدهارها من معارف وعلوم، في الوقت الذي ندرس فيه ما أنتجه الغرب، دراسةً نقديّةً في ضوء هذه المعارف التأصيليّة. أي أن نعكس الآية وتكون مرجعيتنا الفكريّة هي ما أنتجه العلماء والمفكّرون في مراحل النهضة الإسلاميّة، التي ننظر من خلالها إلى ما أنتجه الغرب من علوم ومعارف.

إنّ مواجهة استعمار التعليم تحتاج إلى تحقّق هذه الشروط، وأن ننتقل من مرجعيّة العلوم الغربيّة إلى مرجعيّة علومنا الدينيّة والفكريّة والنفسية والتربوية والفلسفيّة، وأن ننتج المعرفة التي تلبّي الحاجات المعاصرة لمجتمعاتنا، بما يؤسّس لاستقلالٍ حقيقيّ لبلداننا على المستويات كافّة، وبحيث نقدّم تجربةً حضاريّةً إنسانيّةً وواقعيّة، وليس تجربة نقل وتقليد ما أنتجه الغرب. ولو تمكنّا من المضي في هذا الطريق، سنكون قد اتّخذنا خيار مواجهة استعمار التعليم.
في الختام يقدّم المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية بالشكر وخالص التقدير لشخصكم الكريم على ما اجدتم به من إجاباتٍ وتعاون علمي كبير، ونأمل أن نلتقي في حوار علميّ جديد . شكرًا لكم.