الباحث : د. محمد دياب غزّاوي
اسم المجلة : الاستعمار
العدد : 6
السنة : شتاء _ 2026 م
تاريخ إضافة البحث : January / 27 / 2026
عدد زيارات البحث : 98
الملخص
يتناول البحث جهود الأدباء والشعراء في العالم العربي لمواجهة الهجمة الاستعماريّة الشرسة التي تعرّضت لها المنطقة في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. يؤكّد الكاتب أنّ الأدب، بشقّيه الشعر والنثر، كان وما يزال المعبّر الحقيقي عن الواقع، ولم يقف مكتوف الأيدي أمام الاحتلال الغاشم. لقد أدرك الأديب النوايا الحقيقيّة للمستعمر الذي تستر بـ (الاستعمار)، فاستعمل الكلمة سلاحًا، والقصيدة معولًا لإثارة حماس الجماهير وإقامة الثورات، مجسّدًا ثنائية (السيف والقلم). وقد رصد البحث نماذج من هذه الجهود في مواجهة الاستعمار الفرنسي في مصر وتونس، والبريطاني في مصر، والإيطالي في ليبيا. ومن أبرز الأسماء التي أسهمت في أدب المقاومة: البارودي، وحافظ إبراهيم، وأحمد شوقي، وعبد الله النديم في مصر، وأبو القاسم الشابي في تونس. وقد عبّر هؤلاء عن رفض الظلم، والقمع، والاستبداد، ودعوا إلى التحرّر والاستقلال.
الكلمات المفتاحيّة: الأدب المقاوم، الاستعمار، الشعر الوطني، ثنائية السيف والقلم، التحرّر والاستقلال.
مقدّمة
كان الأدب ولا يزال المعبّر الحقيقي عن الحياة وما فيها من آمالٍ وآلام، وأفراحٍ وأتراح، وأفكارٍ وتخيّلات، فهو صورةٌ عن الواقع المعيش بكلّ ظهوراته، وتقلّباته، وتجلياته، وانعكاسٌ لما يحياه الناس من خيرٍ أو شر، فقرٍ أو غنى، استقرارٍ أو انتقال، صفاءٍ أو عناء، بلاءٍ أو هناء ... إلخ.
وإذا كان الإنسان مدنيًّا بطبعه، اجتماعيًّا بالفطرة، يتأثّر بما يعيشه، ويحيا فيما يراه، ويؤثّر – من ثمة – في من حوله، جبلة فطر عليها، وطبيعة عاش بها، فإذا كان هذا دأب الإنسان العادي وديدنه فإنّ هذا أقمن بالشاعر والأديب الذي يحيا بعواطفه، ويعيش بمشاعره، ويرتحل بأحاسيسه، ويتنقل برؤاه، تؤثر فيه الأشياء أكثر من غيره، تعركه الحوادث، وتنخله التجارب، وما سمّي الشاعر شاعرًا إلّا لأنّه يشعر بما لا يشعر به غيره، ويحسّ أكثر من سواه، ومن ثم يكون التعبير، ويتأتى الإبداع الممزوج بروح العصر وعبقريّة صاحبه.
ولم يكن الأدب العربي (شعرًا ونثرًا) بمعزلٍ عن هذي الهجمة الاستعماريّة الشرسة التي جابت جُلَّ إن لم يكن كلّ البلدان العربية أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، هجمة لم تبقِ ولم تَذر، أتت على الأخضر واليابس، تهتك الأرض، وتنتهك العرض، غير مباليةٍ بضمير، ولا مرتدعةٍ بخلق، ولا يصدها وازعٌ من إنسانيّةٍ، ولا تمنعها قوانين وضعيّةٌ، ولا شرائع سماويّة.
ومن ثَمّ، لم يقف الأدب مكتوفًا مكبلًا إزاء هذا الاحتلال الغاشم الذي تزيّا بأكثر من وجه، وتقنع بعديد من الرؤى؛ رغبةً في تحسين صورته، وتزيين مكانته؛ ولذلك نجده قد تسربل في رداء المخلِّص للعباد تارةً، وزي المعمِّر للبلاد تارةً أخرى، فاختار لنفسه مصطلح (الاستعمار)؛ حتى يخفي صورته القبيحة، ويداري سيماه الشوهاء الخبيثة، بيد أنّ ذلك كلّه لم ينطلِ على المواطن العربي، الذي عرف خبيئة المستعمِر ونواياه الدنسة، فما بالك بأفعاله القذرة، وأعماله القبيحة المستقذرة، وإذا كان هذا شأن المواطن العادي، فإنّ الأديب قد وقف مجاهدًا بكلّ قوته، مقاومًا، ثائرًا، محاربًا هذا الوباء المستشري، والمرض المتنامي، نعم، لقد أدرك الأديب طوية ذلك الاحتلال، وذلكم الاستعمار، الذي وإن غيّر اسمه ووشمه، وبدّل صورته ووسمه، فإنّه كان وسيظلّ عدو الأمم والشعوب، ونصير الاستبداد، وقهر النفوس والقلوب.
وقف الأدب إذن مناضلًا عن الوطن، مقاومًا المستعمِر، يستخدم الكلمة سلاحًا، والحرف مدفعًا، والخطبة قنبلة، والقصيدة معولًا، يثير الحماس، ويلهب المشاعر، ويستحث الجماهير، ويقيم الثورات، يفعل ذلك جنبًا إلى جنبٍ مع السيف والسنان، ليكونا معا ثنائيّة (السيف والقلم)، تلكم الثنائية التي تضرب بجذورها في أعماق التاريخ في كلّ عصرٍ ومصر.
وورقتنا البحثيّة سوف ترصد باختصار جهود بعض الأدباء والشعراء في مواجهة هذا الاستعمار، وذلكم الاحتلال في بعض الدول التي منيت بهذا الداء، وحوصرت بهذا الشقاء، مع أكثر القوى الاستعماريّة التي عرفها التاريخ الحديث والمعاصر، (الاستعمار الإنجليزي، والاستعمار الفرنسي، والاستعمار الإيطالي).
كيف عبّر الأدباء والشعراء؟ كيف تصدّوا، وألهبوا مشاعر الجماهير بشعرٍ وطني مقاوم، يقطر حماسةً، ويمطر بألوان من الصور التي تبيّن قبح الاستعمار وأدواته القميئة، ومن ثم طرق التصدّي له، والخلاص منه؟
ونحن بالتأكيد لن يتسنى استعراض كلّ هذي الجهود في كلّ البلدان العربيّة التي منيت بهذا الداء – فإنّ هذا ممّا يحتاج إلى دراساتٍ مفصّلةٍ، ليست من وكدنا الآن – وإنّما سنحاول إلقاء الضوء على أهمّ الأدباء والشعراء الذين كان لهم دورٌ بارزٌ في التصدي للمستعمِر، وكانوا صوت الشعوب المقهورة، والأمم المستضعفة، وصدى للحركات التحررية التي ما لبثت أن قامت من غفوتها، واستيقظت من غفلتها، معبرةً بقوّةٍ عن رفض الظلم والقمع والاستبداد والاستعباد، تصرخ بأعلى صوتها، وتقولها مدويةً: لن نُستعبد بعد اليوم، لن نُباع ولن نشترى، سحقًا لكلّ محتل، تبًا لكلّ مستعمِر، أهلًا بالحرية، مرحبًا بالحياة.
ثنائية السيف والقلم
لم تكن القبيلة في العصر الجاهلي تفرح إلّا بفرسٍ تُنتج وشاعرٍ ينبغ؛ بوصفهما أساس حياتهم، وعمدة معيشتهم لا تقوم إلّا بهما، ولا تتأتى إلّا من خلالهما، فرس وسيلةٌ للقتل والسنان، وشاعر وسيلةٌ الضرب باللسان، رأينا هذا منذ أقدم حروبهم على الإطلاق، حرب البسوس التي استخدمت فيها الكلمة بجوار السيف، والقصيدة بجانب السهام، والأمر كذلك مع كلّ حروبهم التالية وأيامهم المتوالية، في داحس والغبراء، وفي ذي قار، بل كان الشاعر بمنزلة المتحدّث الإعلامي الرسمي باسم القبيلة، يفتخر بأمجادها، ويمدح قادتها، ويرثي قتلاها، ويهجو أعداءها، ومن ثم نشأت مقولة (الشعر ديوان العرب)؛ بوصفه سجلًا للمفاخر، وأداةً للتوثيق والمآثر.
ولم تنفصم تلكم الثنائية عبر التاريخ السياسي للعرب مطلقًا، ومن ثم فحينما جاء الإسلام اتّخذ من الشعر وسيلته الإعلاميّة الفاعلة، يفتُّ في عضد المشركين، ويخلخل من بنيتهم العصبية التي ظلّوا يقيمونها، ويتفاخرون بها رَدَحًا من الزمان، بل كان تُكأة في الحروب، وأداةً في الوغى، وليس أدلّ على هذا من قول النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، وقد قرّب إليه الشاعر حسّان بن ثابت قائلًا له، محرّضًا إيّاه على التصدي بالكلمة للقوم: »اهجهم يا حسان، وروح القدس معك، والله إنّ هجاءك لهم أشدّ عليهم من وقع النبل في الليلة الظلماء«؛ مدركًا بذلك (عليه الصلاة والسلام) قيمة الكلمة في خلخلة الأعداء، وتشتيت كلمتهم.
واستمرّت الكلمة الفاعلة تقوم بدورها على مرّ العصور، جنبًا إلى جنب مع السيف، حتى وصل الأمر أن وجدنا كثيرًا من الشعراء يقومون بعمل مناظراتٍ خياليةٍّ بين أيّهما أولى بالسيادة وأحقّ بالتقدمة، رأينا هذا شعرًا مع أبي تمام في بائيّته الشهيرة في فتح عموريّة:
السيفُ أصدقُ أنباء من الكتبِ في حدّهِ الحدُّ بين الجد واللعبِ
ثم رأيناه نثرًا على يد مجموعةٍ من الكتاّب والأدباء، شرقًا وغربًا، كمناظرة السيف والقلم لابن الوردي، وابن برد الأصغر، والقلقشندي، وغيره.
فلما جاء العصر الحديث، وأطبقت هذي الطامة الكبرى على العالم العربي ممثلةً في تلكم الهجمة الاستعماريّة البربريّة تحت شعاراتٍ زائفةٍ من الحريّة والمساواة، والتخلّص من ظلم الحكام، ثارت الأدباء مع كلّ طبقات الشعب عليهم، في كلماتٍ أقوى من الرصاص، وأشدّ من السيف، وأنكى من السهام، يلهبون بها ظهر المستعمِر، ويشعلون بها حماس الشعوب، من خلال الالتزام بقضايا الوطن، داعين إلى التحرّر والاستقلال، والتصدّي للاستبداد والاستعمار، فيما أُطلق عليه (أدب المقاومة).
الاستعمار الفرنسي في مصر
لم تكن مصر بعيدةً عن تلكم الهجمة الاستعمارية الشرسة التي طالت جل البلدان العربية أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، بل كان لها النصيب الأوفر، ربما يرجع ذلك إلى مكانتها السياسيّة والجغرافيّة والديموجرافيّة، ومن ثم فقد تسابقت تلك القوى الاستعماريّة للسيطرة عليها، فكانت من نصيب كلٍّ من إنجلترا وفرنسا، في محاولة منهما لإخضاعها تحت السيطرة، ونهب خيراتها، وجعلها جزءًا لا يتجزّأ من مستعمراتهما.
وحينما رغبت فرنسا في قطع الطريق بين بريطانيا ومستعمراتها في الشرق من ناحية، ورغبتها في تكوين إمبراطوريّةٍ شرقيّةٍ فرنسيّةٍ تكون قاعدتها مصر، ومن ثم فقد فكرت جديًّا في هذا الأمر ردحًا من الزمان؛ ولذلك فقد ظلّ هذا المشروع تفكير ساستهم وقادتهم منذ لويس الرابع عشر حتى بعد إعلان الثورة الفرنسيّة 1798م، إلى أن خرج هذا المشروع الاستعماري إلى النور على يد القائد نابليون بونابرت عام 1798م.
وقد سجّل الجبرتي هذه الأحداث ( 1798- 1801 م)، ملخّصًا هول ما حدث ومدى تأثيره على تاريخ مصر في الجزء الخامس من تاريخه الكبير، وممّا قاله: «وهي أولى سني الملاحم العظيمة، والحوادث الجسيمة، والوقائع النازلة، والنوازل الهائلة، وتضاعف الشرور، وترادف الأمور، وتوالي المحن، واختلال الزمن، وانعكاس المطبوع، وانقلاب الموضوع، وتتابع الأهوال، واختلاف الأحوال، وفساد التدبير، وحصول التدمير، وعموم الخراب، وتواتر الأسباب» ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾.
ولم يقبل المصريون مجيء الحملة الفرنسية ورفضوا هذا الاستعمار والتدخل في بلادهم لأول وهلة، ولعلّ هذا ما أكّده الزعيم المصري السيد محمد كُرَيِّم، بقوله: «هذه بلاد السلطان، وليس للفرنسيس، ولا لغيرهم عليها سبيل، فاذهبوا عنا».
وفي هذا الشأن يورد الجبرتي صورة الرسالة التي أرسلها نابليون بونابرت وأمر أن توزع في أرجاء مصر؛ تطمينًا لهم، وتهدئةً لمشاعرهم، مستعملًا في ذلك أسلوب الخداع والمراوغة والتدليس والكذب، متحدّثًا بأسلوب الناصح الأمين، والصراط المستقيم، مؤكّدًا في رسالةٍ مطولةٍ أنّهم موحّدون بالله، غير مشركين به، وأنّهم ما جاؤوا إلى مصر إلّا ليخلّصوها من ظلم المماليك، واحتقارهم لها، مبيّنًا أنّهم سيعاملون المصريين بالعدل، وسيرعون حقوقهم، كما سيراعون حقوق الدين الإسلامي، ذاكرًا في الخطاب أنّهم أيضًا مخلصون للخليفة العثماني ... إلخ.
وممّا ورد في هذي الرسالة الطويلة قوله: «بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلّا الله، لا ولد له ولا شريك له في ملكه، من طرف الفرنساويّة المبني على أساس الحرية والتسوية، السر عسكر الكبير (القائد العام للعساكر الفرنسيّة) أمير الجيوش الفرنساويّة بونابرته، يعرف أهالي مصر جميعهم، أنّ من زمان مديد الصناجق الذين يتسلّطون في البلاد المصريةّ، يتعاملون بالذلّ والاحتقار في حقّ الملة الفرنسيّة، ويظلمون أهلها بأنواع الإيذاء والتعدّي، فحضر الآن ساعة عقوبتهم ... يا أيّها المصريون قد قيل لكم إنّني ما نزلت بهذا الطرف إلّا بقصد إزالة دينكم، فلا تصدّقوه، وقولوا للمفترين إنّني ما قدمت إليكم إلّا لأخلّص حقّكم من يد الظالمين، وإنّني أكثر من المماليك أعبد الله سبحانه وتعالى، وأحترم نبيّه، والقرآن العظيم، وقولوا أيضا لهم إنّ جميع الناس متساوون عند الله، وإنّ الشيء الذي يفرقهم عن بعضهم هو العقل والفضائل والعلوم فقط، وبين المماليك والعقل والفضائل تضارب، ماذا يميّزهم عن غيرهم حتى يستوجبوا أن يتملّكوا مصر وحدهم، ويختصّوا بكلّ شيءٍ أحسن فيها من الجواري الحسان والخيل العتاق ... يا أيّها المشايخ والقضاة والأئمّة قولوا لأمتكم: إنّ الفرنساويّة هم أيضًا مسلمون مخلصون، وإثبات ذلك أنّهم قد نزلوا رومية الكبرى وخربوا فيها كرسي البابا الذي كان دائمًا يحثّ النصارى على محاربة الإسلام ...» .
ومما لا شك فيه أنّ الحملة الفرنسيّة كانت بدايةً لعصرٍ جديد، العصر الحديث؛ ذلك أنّها كانت بمنزلة الصدمة الحضاريّة للمجتمع المصري؛ إذ اصطحب نابليون معه كثيرًا من مظاهر المدنية (مسرح التمثيل، الصحافة، مراصد فلكية، مكتبات عامة، إنشاء الدواوين ...)، إضافةً إلى عشراتٍ من علماء الحملة، وإنشاء مجلس نوّاب، ثم هذا المشروع العلمي الضخم (إنشاء المجمع العلمي المصري)، وذلك على غرار المجمع العلمي الفرنسي، وكان من أغراضه:
نشر المدنيّة وبعث العلوم والمعارف بمصر.
دراسة المسائل والأبحاث التاريخيّة والطبيعيّة والصناعيّة، ونشر الأبحاث في مجلة المجمع العلمي التي تنشأ لهذا الغرض.
إبداء رأيه في الأمور التي تستشيره فيها الحكومة .
وعلى الرغم من ذلك فإنّ هذا كلّه لم ينطل على المصريين، وبقدر انبهارهم به فقد وقفوا للحملة الفرنسية بالمرصاد، فثاروا عليهم، وتصدّوا لهم، مدركين أهدافها الخبيثة، وطويتها الدنيئة، فكانت ثورة القاهرة الأولى والثانية، وثورة الأزهر، ممّا ألجأ نابليون بونابرت أن يفر إلى فرنسا، ثم جاء كليبر وقُتل، وخلفهما جاك مينو الذي تظاهر بالإسلام، ثم سرعان أن انتهت الحملة الفرنسيّة بعد ثلاث سنواتٍ فقط، لتبرهن للقاصي والداني أنّ الشعب المصري شعبٌ حرٌّ، لا يقبل الذلّ ولا يرضى الخضوع والاستسلام والضيم، وكان ذلك بالضرب والسنان كما كان أيضًا بالكلمة واللسان.
وهكذا نرى «أّن الاستعمار الفرنسي قد وجد في مصر ومن المصريين مقاومةً عنيفةً، وقد كان المصريون مع قلّة عدّة الحرب وأدواته لديهم، وتفوّق أسلحة الفرنسيين، وشدّة فتكها مصدر قلقٍ وتعبٍ للغزاة الفاتحين، لهذا لم يتورّعوا عن اتّخاذ أبشع الأساليب، وأقصى أنواع الضغط، وفرض أفدح الغرامات، والإتاوات؛ لإخضاع المصريين لسيطرتهم وجبروتهم، ولكنّ شيئًا من هذا لم يجد فتيلًا، ولم يحل دون جلائهم في نهاية الأمر، وعودتهم إلى بلادهم من حيث أتوا، يجرّون أذيال الخيبة، ويتعثّرون في أثواب الذلة والمسكنة».
وقد وجدنا الأدباء في كثيرٍ من الأحيان ما يستهزئون بالفرنسيين وعاداتهم وتقاليدهم اليوميّة، كما ورد عند الجبرتي؛ فقد كانت لهم عنايةٌ خاصةٌ ببذل الأموال والتردد إلى الحانات والتغالي في شراء الفواكه، وركوب الحمير، وفي ذلك يقول الشيخ حسن العطّار مستهزئًا:
إنّ الفرنسيس قد ضاعت دراهمهم
في مصرنا بين حمارٍ وخمّارِ
وعن قريبٍ لهم في الشام مهلكةٌ
يضيعُ لهم فيها آجالُ أعمارِ
ومن جهاد الشعراء بالكلمة ما جاء في قول الشيخ المنير يحكي فيها عن استشهاد أحد الأبطال في سبيل الله وهو يحارب الفرنسيين، بعد أن اقتحم صفوفهم، وقوله: «أنا بعت نفسي في سبيل الله»، يقول :
لم يَبْرَ مِنْهُمْ سِوَى أَيُّوبَ مِنْ أَلَمٍ
مُجـــانِسُ دَاءِ خَصْمٍ قــادِمٍ حَنِقِ
بانَتْ لَهُ مِنْ حِسانِ الحُورِ قائِلَةً
اِرْكُضْ بِرِجْلِكَ لِلْخَيْراتِ وَاسْتَبِقِ
وَاتْرُكْ مُرادًا إِلَى الدُّنْيا وَلُمَّ بِنَا
إِنّا الحَيَـاةُ فَمِلِ الـــرُّوحَ وَاعْتنـقِ
أُمَّ الجِهَادَ شَهِيرَ السَّيْفِ مُجْتَهِدًا
فِي كلمةِ الحَقِّ إعلَاءٌ عَلَى الفِـرَقِ
اللهُ أَكْبَرُ وَالتَّوْحِيدُ يَصْـــــحَبُهَا
نِــدَاؤُهُ فِي عَجَـــاجٍ مُظْـــلِمٍ غَسَقِ
لَقَدْ تَوَلّى عَلَى عَرْضِ الصُّفُوفِ إِلَى
أَنْ ضَمَّهُ القَلْبُ فَاسْتَوْلَى عَلَى حلقِ
مَا زَالَ يَقْتَضُّ حَتّى انْقَضَّ كَوْكَبُهُ
وَطَارَ مِنْهُ بَهَــاءُ النُّـــورِ لِلْأُفُـــقِ
مَضَى شَهِيدًا وَحِيدًا طَاهِرًا سَمْحًا
مُغْسّلًا بِــــدَمِ الهَيْــــجَاءِ لَا غَــرَقِ
تَمَيَّزَ الجَوْهَرُ المَكْنُونُ مِنْ صَدَفٍ
ثُمَّ انْجَلَـى فِـي الحُلِيِّ يُـدْعَى بمُؤتلقِ
كَانَ الجَلاءُ لَهُ عَيْنَ الجَلاءِ لَهُمْ
فَأَدْبَــــرُوا بَائِعِيـــنَ الخُــــلْدَ بِالفَــلَقِ
ويتحدّث الجبرتي عن محاصرة الفرنسيس لعكا، وما أبلاه أهلها وأحمد باشا وعسكره من بلاء حسن، وفي ذلك يقول الأديب اللبيب السيّد علي الصيرفي الرشيدي، نزيل عكا المحروسة في هذه الواقعة، قوله من الخفيف:
وأراهم قبيحهم حســنَ قصدٍ نحو عكا ذات السعودِ البادي
فاستعدّوا لها بـالآتِ حـربٍ ورجالٍ كثيـــرةٍ كالـــــــجرادِ
خيّموا حولها بجـيشٍ وخيـشٍ ومتاريس ضاق منها الـوادي
أشبهوا قومَ صـالحٍ في فعــالٍ ينحتــون الجبالَ لاستعــــدادِ
في حصـونٍ من الترابِ تراهم شيــدوها بقـــوة وعمــــــــادِ
فكأنّ الــجنَّ الشياطيــن فيــهم يسرعون الأعمال عند التنادي
حاصروها وشــددوا في حصارٍ واستمـــدوا بكلّ نـــوعِ مــرادِ
ثم دارت رحـى الحـــروب لدينا يضـــــربون مدامــة التـــردادِ
كلّ يــومٍ وليــلةٍ في رعـــــــودٍ وبروقٍ من غيـــمِ ذاك الــوادي
كم نهــارٍ أضحى كليلٍ بهيــــمٍ من دخانِ الوغى غدا في ازديادِ
وربما بل من المؤكّد أنّ الأدب كان له دورٌ كبيرٌ في التصدّي لهذا الاحتلال؛ وذلك الاستعمار طوال السنوات الثلاثة، وأنّ الأديب قد أدّى دوره كاملًا مثله مثل غيره، وكما كان الجندي على أرض المعركة، كذلك كان الأدب؛ شعرًا ونثرًا، لكن كثيرًا من ذلك كلّه لم يصلنا؛ إذ لم يهتم النقاد بأدب هذي الفترة لما وسمت به من ضعفٍ وانهيارٍ وسم المرحلة كلّها (فترة الحكم العثماني)، قبل أن ندخل في العصر الحديث، ويلج الأدب كبقيّة مناحي الحياة، وتبدأ من ثم، حركةٌ شعريّةٌ قويّةٌ ممتثّلة في أولى مدارس الشعر الحديث (الإحياء والبعث/ النهضة)، ولعلّ هذا ما بدا جليًّا في التصدّي للاحتلال الإنجليزي على المستويات كافّة كما سنرى.
الاستعمار البريطاني في مصر
ونحن هنا بالتأكيد لا نتحدث عن حملة فريزر المبكرة، التي لم تمكث طويلًا، وإنّما نتحدّث عن تلكم الهجمة البربريّة حينما جاء الجيش البريطاني بقضِّه وقضيضه عام 1882، وكانت التربة المصريّة للأسف الشديد مهيّأةً لذلك، فقد بلغ ظلم الحكام آنذاك مداه، وتحكّموا في مصائر المصريين وأقواتهم ومعيشتهم، وانتشر الظلم، وغابت العدالة، وانتفت المساواة.
ولذلك قامت ثورة عرابي، وحينما دارت بينه وبين الخديو توفيق محاورة، كان ممّا قاله عرابي له: «جئنا يا مولاي لنعرض عليك طلبات الجيش والأمة، وكلّها طلباتٌ عادلة، ولقد خلقنا الله أحرارًا، ولم يخلقنا تراثًا أو عقارًا، فوالله الذي لا إله هو إنّنا سوف لا نورث، ولا نستعبد بعد اليوم». وحينما كان يُحاكَم قال: «يا دعاة الحق: أمن العدل أن يحرم أبناء الوطن من كلّ وظيفة، ويأخذ الأجانب أماكنهم، ومن حضر إلى مصر من الشراكسة والألبان والبلقان؟! ولكننا سنجد بين حماة الإنسانيّة من يدافعون عن الحقّ في وجه طغيان هذا العهد الذي يسود منه وجه الإنسان».
ولم يقبل المصريون الاحتلال الإنجليزي منذ وطئت أقدامه أرض الكنانة، فكانت الثورة تلو الثورة، فلم يرضوا، ولم يخضعوا، ولم يستكينوا، ولم يرضخوا، غير آبهين بما يرفعه هذا المحتل من شعارات، وما يصكّه من مصطلحات صدّع بها رؤوسهم ليل نهار، مثل الحرية، والعدالة، والمساواة، والديمقراطية، ورفع الظلم، وتوزيع الثروات، إلى غير ذلك من الشعارات الموهمة الكاذبة الرنانة، التي ثبت زيفها، وانكشف أمرها مع مرور الوقت.
وكان الأدب، والشعر بخاصّة تعبيرًا عن حالة السخط والتبرّم من هذا المحتل الغاصب، الذي نهب الأرض، وانتهك العرض، وجاس خلال الديار، فأفسد البلاد، وقهر العباد، فكان الأدب إذن صورةً وانعكاسًا للواقع المعيش، والحاضر المزرٍ، الرافض لهذا المحتلّ المستعمِر الغاشم، الطامع، الذي خلف الوعود، ونقض المواثيق، وامتص دماء المصريين، وعمد إلى الغيلة والحيل.
ومن هؤلاء الشعراء الذين كان لهم دورٌ بارزٌ في هذا الشأن، البارودي (رائد الشعر الحديث)، ربّ السيف والقلم، الذي ثار على الظلم، ولم يرضَ بالضيم؛ ممّا جعله مبكّرًا يشترك في ثورة عرابي، متحدّثًا باسمها، رافعًا شعاراتها، حتى إذا ما فشلت نُفي مع غيره من الثوّار إلى جزيرة سرنديب. وقد نظم في ذلك شعرًا قويًّا، فيه حميّةٌ، وحماسةٌ، وتمرّدٌ على النُظم، محرّضًا المصريين على الثوّرة، مهيبًا بهم ألا يستكينوا للحاكم المستبدّ والسلطة القاهرة أيًّا كانت، مصوّرًا لهم في الوقت ذاته نفوسهم العاجزة الضعيفة التي تقبل الضيم، وترضى بالدنية، بقوله:
فَيَا قَوْمُ هُبُّوا إِنَّمَا الْعُمْرُ فُرْصَةٌ وَفِي الدَّهْرِ طُــرْقٌ جَمَّةٌ وَمَـافِعُ
أَصَبْرَاً عَلَى مَسِّ الْهَوَانِ وَأَنْتُمُ عَدِيدُ الْحَصَى إِنِّي إِلَى اللَّهِ رَاجِعُ؟!
وَكَيْفَ تَرَوْنَ الذُّلَّ دَارَ إِقَامَةٍ وَذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ فِي الأَرْضِ وَاسِــعُ؟!
أَرَى أَرْؤُسَاً قَدْ أَيْنَعَتْ لِحَصَادِهَا فَأَيْنَ وَلا أَيْنَ السُّيُــوفُ الْقَوَاطِــعُ؟!
فَكُونُوا حَصِيداً خَامِدِينَ أَوِ افْزَعُوا إِلَى الْحَرْبِ حَتَّى يَدْفَعَ الضَّيْمَ دَافِعُ
أَهَبْتُ فَعَادَ الصَّوْتُ لَمْ يَقْضِ حَاجَةً إِلَيَّ وَلَبَّــانِي الصَّــدَى وَهْوَ طَائِـــعُ
فَلَمْ أَدْرِ أَنَّ اللَّـهَ صَــــوَّرَ قَبْلَــــكُمْ تَمَاثِيـــلَ لَمْ يُخْلَـــقْ لَهُنَّ مَسَامِـــعُ
فَلا تَدَعُوا هَذِي الْقُلُـــوبَ فَإِنَّـــهَا قَوَارِيرُ مَحْنِـيّ عَلَيْـــهَا الأَضَـــالِعُ
ويقول معرّضًا بالحاكم المستبدّ:
يا أيّها الظـــالمُ في مــــلكهِ
أغرّك الملكُ الذي ينفدُ
اصنع بنا ما شئتَ من قسوةٍ
فاللهُ عدْلُ والتلاقي غدُ
ثم نراه يحرّض الأمةَ على اليقظة والقوّة حتّى لا يستهين السلطان بأمرها:
وكذاك السلطان إنْ ظنّ بالأمــــــــــــــــــةِ عجًا سطا عليها وشدا
والأمر كذلك في الصحف التي كانت مناوئةً للاحتلال، التي كان لها دورٌ كبيرٌ في تعريف الشعب بجرائم المحتلّ ومفاسد المستعمِر، وأغراضه الدنيئة، وممّا جاء في افتتاحيّة (مجلة العروة الوثقى) منددة بالاستعمار الإنجليزي قولها: «بلغ الإجحاف بالشرقيين غايته ووصل العدوان فيهم نهايته، وأدرك المتغلّب منهم نكايته، خصوصًا في المسلمين منهم، فملوك أُنزلوا عن عروشهم جورًا، وذوو حقوقٍ في الإمرة حرموا حقوقهم ظلمًا، وأعزاء باتوا أذلاء، وأجلّاء أصبحوا حقراء، وأغنياء أمسوا فقراء، وأصحّاء أضحوا سقامًا، وأسود تحوّلت نعامًا، ولم تبقَ طبقةٌ من الطبقات إلّا وقد مسّها الضرّ من إفراط الطامعين في أطماعهم، خصوصًا من جراء هذي الحوادث التي بذرت بذورها في الأراضي المصرية نحو خمس سنواتٍ بأيدي ذوي المطامع فيها، حملوا إلى البلاد ما لا تعرفه فدهشت عقولها، وشدوا عليها بما لا تألفه فحارت ألبابها، وألزموها ما ليس في قدرتها فاستعصت عليه قواها، وخضدوا من شوكة الوازع تحت اسم العدالة، ليهيّئوا بكلّ ذلك وسيلةً لنيل المطمع فكانت الحركة العرابيّة فاتّخذوها ذريعةً لما كانوا له طالبين، فاندفع بهم سيل المصاعب، بل طوفان المصائب على تلك البلاد، وظنّوا بلوغ الأرب، ولكن أخطأ الظن وهموا بما لم ينالوا».
واستمع كذلك إلى أديب إسحق تلميذ جمال الدين الأفغاني وأحد الألسنة التي أطلقها تندد بالاستعمار وحيله، كيف ينبّه المصريين إلى خداع الإنجليز، وتحذيرهم المصريين بتخفيض الضرائب (يتحدّث عن نوبار باشا صنيعة الإنجليز)، حتّى يمدحوا أيامهم، ويوازنوا بينهم وبين حكّامهم بما قدّم الإنجليز من عملٍ فثارت ثائرته، وقال: «فهل خفي عن تلك الصحف أنّ من شفقة الصيّاد على الطير إلقاؤه الحبّ بين يديها؟ أو لم تعلم أنّ القائل بهمجيّة المصريين، المعتقد بانحطاط مداركهم، لا يطعمهم هذا الفتات إلّا ليسهل على الإنجليز هضم قوتهم، والتهام ثروتهم! كلا إنّ الجرائد المصرية لا تجهل حقيقة الأمر، ولكنّها لا تستطيع التصريح، علمًا بأنّ اللص العازم على سرقة الحقوق الوطنيّة يكره النور، فإذا حاولت الجرائد إظهاره سارع إلى إطفائه بتعطيلها وإلغائها. يا أهل مصر: إنّي محدّثكم حديثًا غريبًا، إذا كان أمراؤكم خياركم، وأغنياؤكم أسخياءكم، وأموركم شورى بينكم، فظهر الأرض خير لكم من بطنها، وإذا أمراؤكم شراركم، وأغنياؤكم بخلاءكم، وأموركم إلى نسائكم فبطن الأرض خيرٌ لكم من ظهرها».
«غير أنّ الشعب قد رأى بعينه زعماءه يمثلون أمام محاكم عسكريّة كان المحتلّ فيها الخصم والحكم، فنكّلوا بهم في شكل أحكام الإعدام، والذي عدل إلى النفي، ومصادرة ما كانوا يملكون، أمّا السجن والتشريد فكان نصيب من شاركهم وطنيتهم» .
ومن هؤلاء الأدباء الذين أدلوا بدلوهم في مجابهة الاحتلال بقوّة الكلمة (عبد الله النديم) الذي كان له دورٌ كبيرٌ في الوقوف ضدّ الإنجليز بكلّ ما أُوتي من قوة الكلمة وبراعة البيان، وسحر التبيان، ناهيك عن سخريةٍ لاذعة، وحجةٍ بالغة، وقد شارك مع عرابي إبّان ثورته، حتى كان لسانها المعبّر عنها، المتحدّث بها، وظلّ شاهرًا سيفه في وجه الإنجليز غير مبالٍ بهم وبسلطانهم القوي حتى مات، بعد أنْ لقي من جرّاء ذلك العنت الشديد والنفي والسجن والتشريد.
ومن خطبه الشهيرة محرّضًا المصريين للثورة ضدّ الإنجليز، محفزًّا لهم: يا بني مصر: «هذه أيام النزال، هذه أيام النضال، هذه أيام الذود عن الحياض، هذه أيام الذبّ عن الأعراض، هذه أيام يمتطي فيها بنو مصر صهوات الحماسة، وغوارب الشجاعة، ومتون الإقدام لمحاربة عدو مصر، بل العرب، بل عدو الإسلام، الدولة الإنجليزيّة خذلها الله، وردّ كيدها في نحرها، فقاتلوهم قتال المستميتين، وليجدوا فيكم غلظة، واعلموا أنّ الله مع المتّقين، قوم نقضوا العهود، ونكثوا الأيمان، وهمّوا بإخراح أهل الحكم، وهم بدأوكم أول مرة: أتخشونهم فالله أحقّ أنْ تخشوه إنْ كنتم مؤمنين. يا أهل مصر، إنّما الإنجليز نَجَسٌ فلا يقربوا البلاد بعد عملهم هذا، وإنْ خفتم ضعفًا فتعاونوا وتآزروا ينصركم الله عليهم إنّ الله قويٌ عزيز، كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلًّا ولا ذمّةً، يذبّحون أبناءكم، ويستحيون نساءكم، وفي ذلك بلاءٌ من ربكم عظيم».
ومن الشعراء الذين وقفوا ضدّ المستعمر بقصائده الرنّانة (ولي الدين يكن)، ومن ذلك قوله متألّمًا لما أصاب الوطن جراء هذا الاحتلال الغاصب والمستعمِر القذر، مصوّرًا مآسيه في قصيدةٍ بعنوان (أيّها الوطن) سنة 1898 :
يبكي بنوك ويضحك الزمنُ
ماذا أصابك أيّها الوطنُ؟!
ما أوشكت أن تنتهي محنٌ
إلّا وجاءت بعدها محن
أما الرسوم فإنّها دُرست
أمّا الرجال فإنّهم دُفنوا
لولا بقايا معشرٍ سلفوا
لتنبّهتْ من نومها الفتنُ
العصر راجت سوقُ باطلهِ
فالحقُّ فيه ماله ثمنُ
فطنَ البرايا للذي وقعوا فيه
وبعضُ الناس ما فطنوا
يا قوم هبّوا من مضاجعكم
طال المدى حتّام ذا الوسنُ؟!
يا وطنًا قد جرى الفسادُ به
متى يرينا إصلاحك الزمنُ
دفنت حيًّا وما دنا أجل
ما ضرّ لو دافنوك قد دفنوا
دماء أبنائك الكرام جرت
بحرًا فأشلاؤهم له سفنُ
هبّوا بني المجد إنّها فرصٌ
تمضي سراعًا حتّامَ ذا الوسنِ
أمنتم الدهرَ في غوائله
والدهر خوان الألى ائتمنوا
وا أسفًا يا زمان وا أسفا
أفنيت ظلمًا رجالنا ففنوا
نحن هدمنا والسالفون بنوا
نحن استرحنا والسالفون عنوا
والأمر كذلك مع أمير الشعراء شوقي الذي ألهب ظهر رياض باشا عقب خطبته التي ألقاها في افتتاح (مدرسة محمد علي الصناعية) التي أنشأها بالإسكندرية جمعية العروة الوثقى سنة 1904، وكان اللورد كرومر ممّن حضر هذا الافتتاح فتملقه رياض باشا بكلامٍ كفر به بنعمة مصر، وأصحاب عرشها، فأوسعه شوقي تأنيبًا وتعنيفًا، حيث يقول:
غمرتَ القومَ إطراءً ومدحا
وهم غمروك بالنعم الجسامِ
رأوا بالأمس أنفك في الثريا
فكيف اليوم أصبح في الرغامِ
أما والله ما علِموك ألا
صغيرًا في ولائك والخصام
إذا ما لم تكن للقول أهلًا
فما لك في المواقف والكلام؟
خطبتَ فكنتَ خَطْبًا لا خطيبًا
أضيف إلى مصائبنا العظامِ
لهجتَ بالاحتلالِ وما آتاه
وجرحك منه لو أحستت دامي
وما أغناه عمّن قال فيه
وما أغناك عن هذا الترامي
ومن الحوادث الدموية التي أقدم عليها الاحتلال الإنجليز (حادثة دنشواي) المشهورة، الذي راح ضحيتها العشرات من أبناء القرية، ناهيك عن تلكم المحاكمة الهزلية التي أقيمت لأبناء القرية الأبرياء، وقد كان لهذي الحادثة دويٌ قوي، لا في مصر وحدها وإنّما في العالم كله.
ومن ذلك قول حافظ إبراهيم مندّدًا بما حدث في حادثة دنشواي، رافضًا إيّاه، ملقيًا باللوم على الاحتلال، وما قام به من محكمةٍ هزليةٍ للضحايا :
أتِلْکَ مَحْکَمَــــــةُ التَّفْتیــــــــــشِ عادَتْ، أمْ تِلْکَ عَهْدُ نِیرُونَ عادا
کَیْفَ یَحْلُو مِنَ القَوِیِّ التَّشَفِّی
مِنْ ضَعیفٍ ألْقَی إلَیْهِ القِیادا
ثم نراه يتحدّث عن الفّلاحين المظلومين الذين راحوا ضحية الحادثة، سواء من قُتل منهم، أو من حُكِم عليه بالموت ظلمًا وعدوانًا :
جُلدوا ولو منّيتهم لتعلّقوا
بحبال من شنقوا ولم يتهيّبوا
شُنقوا ولو مُنحوا الخيار لأهلها
بلظى سياط الجالدين ورحبّوا
يتحاسدون على الممات وكأسه
بين الشفاه وطعمه لا يَعْذِبُ
ثم لا يلبث حافظ إبراهيم أن يسخر من جنود الاحتلال، وما قاموا به:
أيّها القائمون بالأمر فينا
هل نسيتم ولاءنا والودادا
خَفِّضوا جيشكم وناموا هنيئًا
وابتغوا صيدكم وجوبوا البلادا
وفي نهاية قصيدته ينحى باللائمة على ذلكم القاضي المصري ( إبراهيم الهلباوي) الذي باع نفسه للشيطان، ذلكم المدّعي العام في المحكمة الصورية التي نصبت لهؤلاء الأبرياء من أبناء هذي القرية، إذ كان ممثّلًا- ويا لخيبته - للاحتلال الانجليزي:
أيّها المُدّعي العموميّ مهلا
بعض هذا؛ فقد بلغت المُرادا
قد ضمنّا لك القضاء بمصرٍ
وضمنّا لنجلك الإسعادا
فإذا ما جلستَ في الحكم فاذكر
عهدَ مصر فقد شفيتَ الفؤادا
وممّا قاله شوقي في حادثة دنشواي - بعد عام – مندّدًا بالاحتلال، متحدّثًا عن جرائمه:
يا دنشواي على رباك سلامُ ذهبتْ بأنسِ ربوعِك الأيامُ
شهداء حكمك في البلاد تفرّقوا هيهاتَ للشملِ الشتيت نظامُ
مرّت عليهم في اللحود أهلةٌ ومضى عليهم في القبور العامُ
كيف الأرامل فيك بعد رجالها وبأيّ حالٍ أصبح الأيتامُ؟
عشرون بيتًا أقفرتَ وانتابها بعد البشاشة وحشةٌ وظلامُ
يا ليت شِعري في البروج حمائمٌ أم في البروج منيّةٌ وحِمامُ
نيرونُ لو أدركت عهدَ كرومرٍ لعرفت كيف تُنفّذ الأحكامُ؟
نُوحي حمائمَ دنشواي وروّعي شعبًا بوادي النيلِ ليس ينامُ
متوجّعٌ يتمثّلُ اليــومَ الذي ضجّت لشدّة هولِهِ الأقدامُ
السوط يعملُ، والمشانق أربعٌ متوحّدات والجنود قيامُ
ولما غادر اللورد كرومر مصر وجاء السير غورست خلفًا له سنة 1907، استقبله حافظ إبراهيم يشكو إليه ما فعله كرومر قائلًا :
بنات الشعر إنْ هي أسعدتني شكوت من العميدِ إلى العميدِ
ثم يقول ساخرًا:
فليتَ كرومرًا قد دام فينا
يطوق بالسلاسل كلّ جيدِ
ويتحف مصر آنًا بعد آنٍ
بمجلودٍ ومقتولٍ شهيدِ
لننزعْ هذه الأكفانَ عنّا
ونبعثْ في العوالم من جديد
ثم يصف حافظ إبراهيم اللورد كرومر بعد رحيله 1907، وتقاريره:
رمانا صاحب التقرير ظلمًا بكفران العوارفِ والكنودِ
وأقسم لا يجيب لنا نداء ولو جئنا بقرآنِ مجيدِ
وبشّرْ أهلَ مصرٍ باحتلالٍ يدوم عليهم أبدَ الأبيدِ
وأنبت في النفوس لكم جفاءً تعهده بمنهلِ الصدودِ
فأثمر وحشةَ بلغت مداها وزكاها بأربعةِ شهودِ
كما رأينا الشاعر المحافظ محمد عبد المطلّب لا يألو جهدًا في الحديث عن المحتلّ الإنجليزي، معدّدًا جرائمه، مندّدًا بسياساته، في شعرٍ يفيض وطنيةً، ويقطر بالحماسةِ والثورة :
يرى نفسَه فوق القوانين بيننا
متى ما نذكره القوانين يحنقِ
يبيح غدًا ما حرّم اليوم بالهوى
لغير الهوى في حكمه لم يُوفّقِ
إلاهة جبار وإمرة خاطل
وتدبير أعمى في الحكومة أحمقِ
يقرب خوّانًا ويرفع جاهلًا
ويسعد أشقاها ويشقى بها التقي
إذا ما مضى هذا أتى ذاك بعده
على النهج لم يعدل ولم يترفّق
ومن ذلك قوله مخاطبّا إيّاهم:
يا دولةَ الأطماع ِويلكِ أقصري
نهضَ الزمانُ عن الورى يجلوكِ
لا يُزهينّك في المطيرِ قوادمُ
برقتْ بألوانٍ لها وحبيكِ
إنّ القشاعمَ إنْ تثاقل نهضها
هرمًا فقد صارت إلى تهلوكِ
لا يخدعنّكِ في حياتك معشرٌ
في خدمة استعمارهم خدعوكِ
أبناءَ مصر إذا الخطوب تحلّكت
أقمار كلّ دجنةٍ وحلوكِ
ومن ذلك ديوان (وطنّيتي) لعلي الغاياتي قصيدة بعنوان (نحن والاحتلال)، وقد ألقاها في الاجتماع الوطني الذي انعقد بدار اللواء 1910، يقول في مطلعها:
كفكفي يا مصرُ دمعَ الوجلِ
وارتقبْ يا نيلُ نيلَ الأملِ
جاوز الصبرُ المدى والصدرُ لم
يُبقِ فيه الوجدُ من محتملِ
كم شقاء كم بلاء كم أذى!
أيّ حالٍ بعد ذا لم يحلِ
كلّ يومٍ حادثٌ مستقبلٌ
ليت شعري ما حديث المقبلِ
ضجّت الأهرام من موقفها
وجرى النيلُ بدمعٍ هطلِ
كنت تجري أيّها النيلُ كما
شئتَ في القطرين عذب المنهلِ
يوم كان المجد مرفوع اللواء
بهدى الفكر وبأس العملِ
كما لم يَغِب النثر عن دوره التنويري التحريضي الثوري في مقاومة الاحتلال الانجليزي، تبدّى ذلك في إصدار العديد من الصحف المناوئة للاحتلال، فقد رأينا علي يوسف يصدر (المؤيّد) كما رأينا ذلك سابقًا مع عبد الله النديم وإصدره جريدة (الأستاذ)، ثم مصطفى كامل يصدر(اللواء).
وقد قام مصطفى كامل بدورٍ مهمٍّ في هذه الفترة، حتى كان عنوانًا للنضال، وشارةً للثورة على الظلم، ممّا جعله يسافر إلى لندن ليعرض قضية مصر في بلاد الاحتلال، ويقابل بعضًا من رجال السياسة وأعضاء البرلمان الإنجليزي والصحفيين، ويتحدّث عن حادثة دنشواي التي هزّت مصر والعالم كلّه.
«ثم يخطب في جمعٍ بلغ مائتين وخمسين شخصًا خطبةً بليغةً باللغة العربية، شكرهم على حفاوتهم به، وأفاض في الكلام عن الأمم الشرقية والإسلامية وواجب المتعلّمين من أبنائها في السعي لإنهاضها وترقيتها، ثم وقف ثانية بعد أن انتهى الخطباء من إلقاء كلماتهم، وألقى خطبةً باللغة الفرنسية، مجّد فيها الحرية، وذكر أنّها حقٌّ مشاعٌ لكلّ الشعوب، ومن هنا ليس ثمّة فارقٌ بين الأمم، وإنْ تعدّدت أجناسها، واختلفت بيئاتها. ولقد كان لهذه الخطبة دويٌّ هائلٌ في مصر؛ إذ عُدّت نصرًا عظيمًا، وفوزًا مبينًا للوطنيّة المصريّة، وعملًا مجيدًا تميّز بالشجاعة الفائقة والوطنيّة الجريئة، والمقدرة العظيمة، وقبل عودته إلى مصر تألّفت لجنة للاحتفال به، وتقديم هديةٍ فاخرةٍ له؛ لحسن بلائه، وعظيم جهاده، فلما أن وصل إلى سمعه هذا النبأ إلّا وأرسل لمحمد بك فريد، وكان هو القائم على تنفيذ هذا المشروع، يطلب إليه تحويل هذا الاكتتاب لإنشاء جامعة، يتعلّم فيها أبناء المصريين، الأغنياء منهم والفقراء على حدٍّ سواء، ويذكر أنّه لم يقم إلّا بما يفرضه عليه الواجب الوطني، كأيّ جنديٍّ يدافع عن بلاده في ساحة القتال، وقد دلّ هذا العمل على تواضعه، وتفانيه في خدمة بلاده، ممّا لا يمكن أن يقوم به سوى العصبة من الرجال، لا يرجون من وراء ذلك جزاءً ولا شكورًا» .
ولما وقعت حادثة دنشواي وكان ما كان من الاحتلال من قتلٍ وسحلٍ للفلّاحين، ثم تلك المحاكمة الهزلية الصورية للأبرياء، والحكم على بعضهم بالإعدام، وكان إذاك لا زال في مقرّ إقامته في أوربا، استحثّه الأمر، وهاله ما حدث، فكان ممّا قال:» إنّ حادثة دنشواي أحدثت فعلًا تأثيرًا سيئًا، ومن شأنها إفهام العالم أجمع أنّ المصريين يكرهون الاحتلال».
ويقول مصطفى كامل مناديًا بمقاومة الاحتلال، وفضح جرائمه، متحدّثًا عن بشاعته، مخاطبًا الملايين من أبناء الشعب المصري: « أيهّا السادة لا يجهل أحد منكم أنّ الحركة الوطنيّة المصريّة أزعجت محبّي الاستعمار من الإنجليز؛ فحاربوها في دنشواي فخابوا، وبزيادة جيش الاحتلال فأخفقوا، وبتهمة التعصّب الديني ففشلوا، وأضحكوا العالم طرًّا، وهاهم الآن يحاربونهم بالخونة والمنافقين، بعد أن عهدوا للدخلاء طويلًا، فلم يبلغوا منا مأربًا».
ثم يقول مندّدًا بسياسة المستعمِر: «يروق لبعض الجهلاء والمسخّرين لخدمة الإنكليز أن يلقّبونا (بالمتطرّفين)، ويقسموا الأمة إلى فرقٍ وأقسامٍ، وما دروا أنّه لا يصح أن يوجد في البلاد الفاقدة لاستقلالها المتحكم الأجنبي فيها، إلّا حزبٌ واحد، وهو حزب الوطن، حزب الحرية، حزب الاستقلال ... نلقب بالمتطرّفين! ولماذا؟! لأنّنا نطالب بحقوق مصر الكاملة في مستقبل بلادنا، ونقول لهذه الأمة في الصباح والمساء اليوم عسر، وغدًا يسر، اليوم أسر، وغدًا فخر، اليوم احتلال، وغدًا استقلال، اليوم عناء وشقاء، وغدًا هناء ورخاء».
وممّا لا شكّ فيه أنّ الاستعمار يؤثّر في المجتمعات من كلّ النواحي الاجتماعيّة والسياسيّة، والاقتصاديّة، والثقافيّة، بل النفسيّة أيضًا؛ فكان ممّا قام به الاحتلال إشاعة الحرب النفسيّة التي تنعكس آثارها على سلوك الأفراد في حياتهم اليوميّة؛ وذلك من خلال إحداث الاضطراب، والبلبلة، وزرع الخوف، وعدم الثقة في النفس، وبثّ روح الكراهية، والتفرقة بين الأفراد، وما يؤدّي في النهاية إلى الإحساس بالضعف والاستسلام، فإذا نجحت في ذلك تسرّب اليأس إلى النفس، وأصبحت صيدًا سهلًا يمكن الانقضاض عليه وافتراسه.
«والحقيقة أنّ الحرب النفسية لم يبتدعها أيّ عالم، أو صاحب نظريةٍ أو مفكّر، إنّها ابنة التاريخ، تاريخ البشريّة وصراعاتها التي لا تنتهي، وهي تنشأ عن الثورات الأيديولوجيّة، وعن تحوّلات المجتمعات السياسيّة، وهي ثمرةٌ من ثمرات التقدّم الذي حقّقه علم النفس الاجتماعي في شتّى ميادين نشاطه» .
وكان من مساوئ الاحتلال أيضًا تجريف الشخصيّة المصريّة من خلال نشر الثقافة الإنجليزيّة عنوة الأمر الذي جعلها أسوأ العهود على الأمة العربيّة والإسلاميّة، وذلك من خلال سياسات اللورد كرومر في مجال التعليم والثقافة، يريد بذلك صناعة جيلٍ تافهٍ، لا يقدّر قيمةً، ولا يأبه بسلوك.
وقد كان الغرض من هذه الاجراءات وغيرها تمكين المستعمِر الانجليزي في هذي الديار، وتثبيت أقدامه، ولن يتأتّى له ذلك إلّا إذا ظلّت مصر في ظلامٍ دامس، تتخبّط في يهماء دامسة، ودروبٍ مضللة، متخلفةً بذلك عن ركب الحضارة والمدنية، بل إنّ المستعمِر الانجليزي، ممثَّلًا في سياسات دنلوب رأوا أنّ المصريين ليسوا أهلًا للتدريس بالمعاهد العالية، فقصروها على الأجانب.
وفي ذلك يقول حافظ إبراهيم مخاطبًا اللورد كرومر:
تمنُّ علينا اليوم إنْ أخصب الثرى
وإنْ أصبح المصري حرًّا مُنعّمًا
أَعِدْ عهدَ إسماعيل جلدًا وسخرةً
فإنّي رأيت المنَّ أنكى وآلما
عملتم على عزّ الجماد وذُلنا
فأعليتم طينًا وأرخصتم دما
إذا أخصبت أرضٌ وأجدب أهلها
فلا أطلعت نبتًا ولا جادها السما
وإلى أن يقول مودّعًا له ومشيرًا إلى مأساة التعليم على عهده:
يناديك قد أزريتَ بالعلم والحِجا
ولم تبقِ للتعليم يا ( لُردُ) معهدا
وأنّك أخصبت البلاد تعمّدًا
وأجدبت في مصر العقول تعمّدا
وأودعتَ تقريرَ الوداع مغامزًا
رأينا جفاءَ الطبع فيها مُجسّدا
يناديك أين النابغون بعهدكم
وأيّ بناءٍ شامخٍ قد تجودا
فما عهد إسماعيل والعيش ضيق
بأجدب من عهدٍ لكم سال عسجدا
ومن ثم فقد ظلّ الأمر على هذا المنوال من التردي ردحًا من الزمان وحينًا من الدهر، والمصريون بكلّ طوائفهم يلحّون على عودة اللغة العربيّة إلى المدارس المصريّة، يفعلون ذلك دونما جدوى، والإنجليز يصمّون آذانهم، معرضين عن نداءاتهم، رافضين مطالبهم. واستمع لأحد دعاتهم وهو السير ويليام ويلككس في خطبته التي ألقاها في نادي الأزبكية سنة 1893م، والتي جعل عنوانها (لِمَ لَمْ توجد قوة الاختراع لدى المصريين؟!) وذكر أنّ العامل الأكبر في فقد قوّة الاختراع لديهم هو استخدام اللغة العربيّة الفصحى في القراءة والكتابة، ونصحهم باتّخاذ اللغة العامية أداةً للتعبير الأدبي اقتداء بالأمم الأخرى، واستشهد بالأمة الإنجليزية، وقال: إنّها أفادت فائدةً كبيرةً منذ هجرت اللاتينية التي كانت كانت لغة الكتابة والعلم يومًا ما.
وكان هذا الرجل من أشدّ أعداء اللغة الفصحى، وقد بذل غاية جهده لمحاربتها والقضاء عليها، وقد أخذ (سلامة موسى)، يدعو كما دعا ويلككس إلى اتّخاذ العامية لغة كتابةٍ بدعوى أنّ الفصحى فيها صعوبة وأنّها عاجزةٌ عن تأدية الرسالة الأدبيّة والعلميّة . فرد عليهم حافظ إبراهيم بقصيدته الخالدة على لسان اللغة العربيّة، تنعى نفسها، وتندب حظّها، وترثي ما آلت إليه عند أهلها، والقائمين عليها، يقول فيها من قصيدةٍ طويلةٍ، تقطر ألمًا، وتمطر حسرةً :
رجعتُ لنفسي فاتّهمتُ حصاتي
وناديتُ قومي فاحتسبتُ حياتي
رموني بعقمٍ في الشباب وليتني
عقمتُ فلم أجزع لقول عداتي
أيطربكم من جانب الغرب ناعبٌ
ينادي بوأدي في ربيعِ حياتي
ويقول في قصيدةٍ أخرى حاثًّا بني وطنه على مباراة الغربيين في حضارتهم، وأخذهم بأسباب الوصول بهذي الغاية :
ليت شعري متى أرى أرض مصر
في حمى الله تنبت الأبطالا
وأرى أهلها يبارونكم علمًا
ووثبًا إلى العلا ونضالا
قد نفضنا عنا الكرى وابتدرنا
فرض العيش وانتقلنا انتقالا
وعلمنا بأنّ غفلة يومٍ
تحرم المرء سعيه أحوالا
وفي هذا الإطار يقول شوقي في التعليم والعلم:
كانت لنا قدمٌ إليه خفيفةٌ
ورمت ب (دنلوب) فكان الفيلا
حتى رأينا مصر تخطو إصبعًا
في العلم إنْ مشت الممالك ميلا
تلك الكفور وحشوها أمّيةٌ
من عهد خوفو لم ترَ القنديلا
نكبة دمشق في شعر شوقي
وقد أبدع شوقي عام 1924 في التعبير عمّا حدث لدمشق، في قصيدةٍ مدويةٍ، تأسى على ما حدث، تقرع الأجراس، وتشدّ الأزر، وهي التي يبدؤها بقوله:
سلامٌ من صبا بردى أرقُّ
ودمعٌ لا يُكفكفُ يا دمشقُ.
وفيها يأسى على ما حلّ بدمشق، ويفضح طبيعة الاستعمار وجرائمه، ويدعو الى مقاومته، والحذر من أساليبه، دعوة الشعوب للكفاح، والثورة للحرية والعدالة والنضال، وتهديد المحتلّ بثوراتٍ عارمةٍ ستقضي عليه وعلى ديمومته، بعث الأمل في النفوس المتعبة التوّاقة إلى الحرية والانطلاق وقدرتها على التحرّر من العبودية، والتغنّي بأماله وآلامه وطموحاته وتطلعاته، وإيقاظ الضمير القابع في كلّ إنسان.
وهكذا كان الشعر المرآة الصادقة للتعبير عن حالة اليأس، والآلام، والآهات، والأحزان، والهموم، كان شعرًا ينبض بالغضب، ويعلي من شأن الثورة، واستطاع الشعراء كيف يعبّرون ويتجاوزون مراحل اليأس والسلبية والإحباط والتخبّط، مواكبين ما يحدث في المجتمع، معبّرين عن أعماق القلب وخلجات الشعور.
الاستعمار الإيطالي في ليبيا
وقد أدلى الشعراء المصريون قبل الليبيّين بدلوهم في مواجهة هذا المستعمِر الغاصب؛ ذلك أنّ العالم العربي كله كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى.
وفي حرب طرابلس أردات بها إيطاليا أن تنتزع تلك الولاية الإسلاميّة من تركيا سنة 1911 ، هبّت مصر تشدّ أزر تركيا، وتسعف جرحى الحرب وترسل المال والزاد، وكان المصريون ينظرون إلى تلك الحرب على أنّها حربٌ ضد الإسلام وضدّ دولة الإسلام، وأنّهم طرف فيها.
ومن هؤلاء الشعراء الذين عبّروا عن غضبهم الشاعر الكبير محمد عبد المطلّب الذي لم يغبْ عنه أن يعبّر عن شعوره بهذا الظلم، حاثًّا قومه للثورة على الاستعمار الإيطالي وجرائمه الوحشيّة، يقول في ذلك :
هي الهيجاء كم طحنت قرونًا
وكم سحنت حوادثها قرونا
ويقول مخاطبًا الإيطاليين:
خرجتم من منازلكم بغاةً
على أوطاننا تتغلبونا
غداة ملأتم الدنيا صياحًا
به بين الأزقة تهتفونا
وأقلقتم ملوك الأرض لمّا
برزتم تبرقون وترعدونا
ويقول مخاطبًا ملوك أوربا:
بغت روما فلم نسمع نكيرًا ولو شاؤا سمعنا المنكرينا
وإنْ نغضب ذيادًا عن حياضٍ لنا هُدمت إذا هم يسخطونا
ملوك الغرب ما هذا التعامي وما للحقّ بينكم مهينا؟!
يساق ضعافنا للموت بغيًا وأنتم تسمعون وتبصرونا
ويقول في قصيدةٍ أخرى يحرض فيها المسلمين على الجهاد والتطوّع مع إخوانهم أهل طرابلس:
بني أمّنا أين الخميس المدرّبُ
وأين العوالي والحسام المذرّبُ؟!
وأين النفوسُ اللاء كن إذا دعا
إلى الله داعي الموت في الموت ترغبُ؟!
وهكذا كان الشعراء يعّبرون عن عواطفهم تجاه قضايا الأمّة العربيّة والإسلامية، لا يمنعهم في ذلك حدود، ولا تردعهم سطوة، ولِمَ لا وهم لسان الأمة، وقلبها النابض، وروحها الرهيفة، وعقلها الواعي، الذي يدرك المخاطر، ويعبّر عن مكنوناتها، ويسبر أغوارها، يقف حجر عثرةٍ في وجه المستعمر، يفضح مخططاته، ويكشف جرائمه، يفعل ذلك في كل عصر ومصر.
الاستعمار الفرنسي في تونس
وقعت تونس تحت الاحتلال الفرنسي منذ الثاني عشر من مايو1881م، وخضعت البلاد منذ ذلك الحين لسياسةٍ خبيثةٍ، تستهدف إبقاء الشعب التونسي في حالةٍ من التخلّف الفكري عن طريق تشجيع الهياكل الثقافيّة التقليديّة والحيلولة دون قيام أيّ حركةٍ تنويريّةٍ أو محاولة إصلاحٍ مستنيرة، والهدف الاستعماري لهذه السياسة معروف، ومن ثم كان لحركة التجديد الفكري والأدبي في تونس، كما الشأن في مصر وفي الشام وفي العراق وجهها السياسي بالضرورة؛ فقد كانت الدعوة إلى تحرير الأدب من قيوده التقليدية البالية هي في نفسها دعوة إلى تحرير الإنسان من الظلم السياسي والاجتماعي الواقع به.
ربما يكون أبو القاسم الشابي ( 1909- 1934) من أهمّ الشعراء المُحدَثين الذين تغنّوا للوطن والحرية والحياة، ووقفوا ضدّ المحتلّ والمستعمِر بكلماٍت أقوى من الرصاص، وقصائد أشدّ من السهام، كانت وما تزال أنشودة الشعوب المقهورة، وترنيمة الأوطان المغتصبة والأمم المنتهكة؛ بحثًا عن الحرية ورغبة في التخلّص من الأسر والقيود، ورفضًا للعبوديّة والاستسلام والخضوع.
أصيبت تونس الخضراء في حريّتها كما أخواتها من الدول العربيّة، فاحتلّتها فرنسا عام 1881، وقامت باللعبة ذاتها التي لعبتها جلّ الدول الاستعماريّة التي حاولت أن تقنع الأوطان أنّها ما جاءت وما احتلت بلادهم إلّا من أجل تخليصهم من الظلم والقهر والعبوديّة التي يعيشون فيها، وضدّ حكامهم وسلاطينهم، لكن تلك المبررات وهاته الأسباب سرعان ما انكشف أمرها، وعرفت هذي البلاد وخبروا الوجه الاستعماري القبيح لتلك القوى المغتصبة، فثارت عليهم بكلّ ما أوتيت من قوة، وظلّت تحارب من أجل حريتها المفتقدة حتى كان لها ما أرادت.
وإنّ الناظر لديوان الشابي ليلاحظ أنّه يعجّ بعشرات القصائد الرنانة التي تنبض حبًّا للوطن، وتقطر غيظًا وحنقًا على المحتلّ المستعمِر الغاصب، تدعو إلى الثورة، وتهيب بالشعوب إلى عدم الرضوح والاستكانة والرضا بالأمر الواقع، تلتهب عاطفة، وتوقظ الحماسة في نفوس الشعوب، وتشحذ الهمم التي ربما أصابها السقم، وران عليها الخنوع، وغطاها الاستسلام.
وقف الشابي بكلّ ما أوتي من قوة الكلمة وسحر البيان وبراعة اللسان، ملتزمًا بذلك أمام شعبه وأمته ووطنه، مقاومًا الظلم والطغيان، والعبودية والاستعباد، رافضًا المصالحة مع الواقع المتردي، والحاضر القميء، والمحتل الدنئ، متحسّرًا في الوقت ذاته على ما أصاب البلاد والشعوب من ضعفٍ وظلمٍ وجهل، باحثًا عن وطنٍ مثالي يعيش فيه أبناء وطنه، بعيدًا عن المعاناة والظلم والطبقية، والاحتلال.
لقد أدرك الشابي ذلك الظلام الدامس الذي شاء الاستعمار أن ينشر أطنابه على البلاد، فقال:
إنّ ذا عصر ظلمةٍ غير أنّي
من وراء الظلام شمتُ صباحه
ضيّع الدهر مجد شعبي ولكن
سترد الحياة يومًا وشاحه
وأدرك في الوقت نفسه الظلم الواقع على أبناء شعبه عن طريق سنّ القوانين التي تسلبهم حقوقهم الإنسانيّة وحرياتهم؛ فصرخ في وجهه، قائلًا:
ألا أيّها الظلم المصعّر خدّه رويدك؛ إنّ الدهر يبني ويهدمُ
أغرّك أنّ الشعب مغضٌّ على قذى لك الويل من يوم به الشرّ قشعمُ؟!
ومن ذلك قصيدته إلى طغاة العالم التي يستهلها بقوله:
ألا أيّها الظالم المستبدُّ
حبيب الفناء عدو الحياة
وأدرك وقوف الاستعمار في وجه أيّ حركةٍ إصلاحيّةٍ مستنيرة، فقال:
كلما قام في البلاد خطيبٌ
موقظٌ شعبه يريد صلاحه
أخمدوا صوته الإلهي بالعسف
أماتوا صداحه ونواحه
ألبسوا روحه قميصَ اضطهادٍ
فاتكٍ شائكٍ يردُّ جماحه
كما أدرك الشابي أنّه لن يخرج الشعب من حالة الموات إلى عنفوان الحياة إلّا إذا نشط فيه دافع الحياة، وإلّا إذا (أراد) حقًّا أن يكون شعبًا حيًّا، وهذه الإرادة لا تتحقّق بطريقةٍ عفوية، بل رهن بمدى حرارة الأشواق التي يستشعرها الإنسان إزاء الحياة، فإذا اشتعلت في نفسه هذه الأشواق تولّدت الإرادة، وتغلّب فيه دافع الموت، وعند ذاك يصبح الطموح دليل الإنسان إلى المغامرة، فإذا خمدت أشواق الحياة في نفس الإنسان فقد الطموح وكفّ عن المغامرة، وصار حيًّا كأنّه ميت، أو ميتًا كأنّه حي، وفي هذا يقول الشابي في أبياته المشهورة في قصيدته إرادة الحياة:
إذا الشعب يومًا أراد الحياة فلا بدّ أن يستجيب القدرْ
ولا بدّ لليل أن ينجلي ولا بدّ للقيد أن ينكسرْ
ومن لم يعانقه شوق الحياة تبخّر في جوها واندثرْ
فويلٌ لمن لم تشقهِ الحياة من صفعة العدم المنتصرْ
ثم يعود في القصيدة ذاتها لكي يؤكّد هذه المعاني حين يقول على لسان الأرض:
أباركُ في الناس أهلَ الطموح
ومن يستلذُّ ركوبَ الخطرْ
وألعنُ من لا يماشي الزمانَ
ويقنعُ بالعيش عيش الحجرْ
هو الكون حيٌّ يحبُّ الحياة
ويحتقرُ الميتَ مهما كبرْ
فلا الأفق يحضن ميت الطيور
ولا النحل يلثم ميت الزهرْ
ولولا أمومة قلبي الرؤوم
لما ضمت الميت تلك الحفرْ
فويلٌ لمن لم تشقه الحياة
من لعنة العدم المنتصرْ
وفي قصيدته (تونس الجميلة) يعبّر عمّا اعتراها من خَطْبٍ، وما حطّ عليها من ظلمٍ، مؤكّدًا أنّه لن يستريح إلّا بعد أن تنال مرادها، وتحصل على مبتغاها، يقول:
لست أبكي لعسف ليلٍ طويلٍ أو لربعٍ غدا العفاءُ مراحه
إنّما عبرتي لخطبٍ ثقيلٍ قد عرانا ولم نجدْ من أزاحه
شرعتي حبك العميق وإنّي قد تذوقت مرّه وقراحه
لست أنصاع للواحي ولو متُّ وقامت على شبابي المناحه
لا أبالي وإنْ أريقت دمائي فدماء العشاق دومًا مباحه
ثم يعلنها مدويةً عاليةً، صارخًا، في قصيدته (إلى الطاغية)، مؤكّدًا رفض الظلم، والاستعباد، وأنّ الشعب إذا اعتراه هوانٌ أو صمت فإنّه سرعان ما سيقوم منتفضًا، محطّمًا قيده، فاكًّا أسره، يقول):
يقولون صوت المستذلّين خافت
وسمع طغاة الأرض أطرشُ أضخمُ
وفي صيحة الشعب المسخّر زعزع
تخرّ لها شمُ العروش وتهدمُ
ولعلعلة الحقّ الغضوب لها صدى
ودمدمة الحرب الضروس لها فمُ
إذا التف حول الحق قومٌ فإنّه
يصرم أحداث الزمان ويبرمُ
لك الويل يا صرح المظالم من غدٍ
إذا نهض المستضعفون وصمّموا
إذا حطّم المستعبدون قيودهم
وصبّوا حميم السخط أيّان تعلمُ
أغرّك أنّ الشعب مغضُّ على قذى
وأنّ الفضاء الرحب وسنان مظلمُ
ألا إنّ أحلام البلاد دفينةٌ
تجمجم في أعماقها ما تجمجمُ
ولكن سيأتي بعد لأيٍ نشورها
وينبثق اليوم الذي يترنمُ
هو الحق يغفي ثم ينهض ساخطًا
فيهدم ما شاد الظلام ويحطمُ
ثم يستحث الشعب للثورة وعدم الركون إلى الاستسلام والخضوع والذلة، فيقول معاتبًا إيّاه هذا الرضا بما وصل إليه، راثيًا لما آل إليه حال الشعب من الاستكانة:
أين يا شعبُ قلبُك الخافق الحسّاسُ؟
أين الطموح والأحلامُ؟
أين يا شعب فنّك الساحر الخلّاقُ؟
أين الرسومُ والأنغامُ؟
إنّ يمَّ الحياة يدوي حواليكَ
فأين المغامرُ المقدامُ؟
أين عزمُ الحياة لا شيء إلّا
الموت والصمت والأسى والظلامُ؟
عُمرٌ ميتٌ وقلبٌ خواءُ
ودمٌ لا تثيره الآلامُ
وحياةٌ تنام في ظلمة الوادي
وتنمو من فوقها الأوهامُ
أيّ عيشٍ وأيّ حياة
ربَّ عيشٍ أخفّ منه الحِمامُ؟!
وغير ذلك من القصائد الرنّانة القوية التي تملأ دواوين الشابي، لتؤكّد أنّه وبالرغم من صغر سنّه فإنّه كان في طليعة الشعراء الذين كان لهم دورٌ كبيرٌ في التعريف بجرائم الاحتلال في شعرٍ ثوريّ كان ولا يزال أنشودة الشعوب المقهورة الطامحة نحو آفاق الحرية وفضاءات الحياة.
قائمة المصادر والمراجع
أحمد شوقي، الشوقيّات، دار الكاتب العربي، بيروت، لبنان، د.ت.
البارودي، محمود سامي البارودي، ديوانه، تحقيق: علي الجارم، محمد شفيق معروف، دار العودة، بيروت، ط1، 1998.
الجبرتي، عبد الرحمن الجبرتي، عجائب الآثار في التراجم والآثار، تحقيق: الأستاذ الدكتور عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم، مكتبة الأسرة، 2003.
حافظ إبراهيم، ديوانه، دار العودة، بيروت، د.ت.
خليل صابات، مجلة الفكر المعاصر، مصر، 1969.
الشابي، أبو القاسم الشابي، الأعمال الشعرية الكاملة، دار العودة، بيروت، لبنان، ط1، 2006.
شحاتة عيسى إبراهيم، عظماء الوطنية في العصر الحديث، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1977.
عبد الرحمن الرافعي، مصطفى كامل باعث الحركة الوطنية، القاهرة، 1950.
عبد الرحمن الرافعي، مصر والسودان في أوائل عهد الاحتلال، ط4، دار المعارف، القاهرة، 1983.
عمر الدسوقي، في الأدب الحديث، دار الفكر، القاهرة، ط8، 1983.
علي الغاياتي، ديوان وطنيتي، مطبعة باب الخلق، مصر، ط2، 1983.
محمد عبد المطلّب، ديوانه، مطبعة الاعتماد، القاهرة، د.ت.
ولي الدين يكن، ديوانه، مطبعة المقتطف، مصر، 1924.
-----------------------------------
[1]. رئيس قسم اللغة العربيّة، وكلية الآداب، جامعة الفيوم سابقًا.