البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الاستعمار الفرنسيّ وسرقة الآثار في سورية

الباحث :  د. همام سعد
اسم المجلة :  الاستعمار
العدد :  6
السنة :  شتاء _ 2026 م
تاريخ إضافة البحث :  January / 27 / 2026
عدد زيارات البحث :  66
تحميل  ( 522.410 KB )
الملخص
يتناول البحث دور الاستعمار الفرنسيّ في سرقة الآثار في سورية وتخريبها، متتبعًا جذور الاهتمام الغربيّ بالآثار السوريّة منذ عهد المستشرقين والرّحالة. يسلّط الضّوء على جهود الدّولة العثمانيّة لسنّ قوانين (مثل قانون عثمان حمدي بك عام 1884م) لمنع خروج الآثار، على الرّغم من استمرار الهدايا الدّبلوماسيّة للغرب. بعد الحرب العالميّة الأولى، وفترة الانتداب الفرنسيّ على سورية، تمّ توظيف علماء الآثار والجيش الفرنسي بشكلٍ مباشرٍ في أعمال التنقيب التي أدّت إلى تخريبٍ كبيرٍ وسرقة مئات القطع الأثريّة من مواقع مثل دورا أوروبوس وقطنا. أسّست سلطات الانتداب (مصلحة الآثار) لشرعنة النّفوذ الفرنسي واستنزاف الثّروات الثّقافيّة، وأصدرت قانون الآثار عام 1926م الّذي أتاح مبدأ (التّقسيم) للمكتشفات، ما سهّل نقل القطع إلى المتاحف الأوروبيّة كاللوفر وجامعة ييل. ويشير البحث إلى استمرار هذا الفكر الاستعماريّ في قوانين الآثار الدوليّة التي تعيق استرداد الممتلكات المسروقة، مُشيرًا إلى أنماطٍ جديدةٍ من الاستعمار بعد عام 2011م.

الكلمات المفتاحيّة: الاستعمار الفرنسي، سرقة الآثار، سورية، الانتداب، قانون الآثار.

مقدّمة
بداية اهتمام المستشرقين بالآثار السّوريّة ودور الاحتلال العثمانيّ في تسهيل أعمالهم
لقد نظر المستشرقون في مختلف العصور، وعلى اختلاف مدارسهم إلى الاستشراق من زوايا، وآراء متنوّعة، حيث إنّ كلّ مجموعةٍ منهم بحثت في موضوع خاصٍّ من موضوعات الشّرق. إنّ أبسط أنواع الاستشراق هو ذلك الّذي يبحث في عدد المدن، أو القرى، والأرياف في كلّ قطر شرقيّ، وسلاسله الجبليّة المهمّة، والأنهار، والبحار، والبحيرات الشّهيرة، وأنواع الزّراعة، والصّناعة. . . إلخ. وكذلك الأحداث التّاريخيّة، وأطلال المواقع، والمدن القديمة لذلك القطر. وأقدمها يتمثّل بكتب الرّحلات الّتي ألّفها الرحّالة الغربيّون الّذين كانوا في القرون المنصرمة يدوّنون مشاهداتهم. ومن هذا المنطلق كانت رحلات المستشرقين هي البدايات الأولى لتوجّه الأنظار إلى الآثار. فعلى سبيل المثال إنّ قصة ملكة تدمر زنوبيا، وحربها ضدّ الإمبراطور الرّومانيّ أورليان الّتي وردت في التّاريخ الأوغسطي[2]، وأيضًا في العديد من المصادر الكلاسيكيّة، ومنهم المؤرّخ ملالاس الّذي يذكر أنّها رفضت الانصياع لمطالب الامبراطور، وفضّلت الموت على ذلك[3]. هذه المعلومات أبقت اسم مدينة تدمر حيًّا، وبقيت تردّد، ويكرر ذكرها في المصادر، والمؤلّفات اللّاحقة، الأمر الّذي دفع العديد من الرّحالة منذ القرن ١٢م، محاولة الوصول إلى مدينة تدمر، ومنهم الإسبانيّ بنجامين توديل (Benjamin Tudel) إلّا أنّ محاولته باءت بالفشل.

وفي عام ١٦٣٠م عندما وصل الرّحالة الفرنسي تافيرني (J. B. Tavernier) إلى قرية الطّيبة اعتقد أنّه وصل إلى تدمر، ونسخ مجموعة من النّقوش الكتابيّة التّدمريّة، واليونانيّة، وعلى أثر نشره لها ازاد الاهتمام، والرّغبة بالوصول إلى تدمر[4] . وفي عام ١٧٥١م، نشر كلّ من وود، ودوكنيز (James Dawkins and Robert Wood) كتاب بعنوان: آثار تدمر[5] تضمّن مجموعةً كبيرةً من اللّوحات لمباني المدنيّة، ومنحوتاتها، الأمر الّذي فتح شهيّة الغرب لسرقة، واستباحة آثار تدمر، وغيرها من المواقع الأثريّة المشهورة في تلك الفترة.

لقد كانت سرقة الآثار في تلك الفترة قليلة، إلّا أنّه کانت هناك ظاهرة أخطر شهدها القرن السّابع عشر، والثّامن عشر، وتمثّلت بحركةٍ نشطةٍ وممنهجةٍ من قبل العديد من الأفراد في البحث عن المخطوطات، ونسخها، وجمعها، ونقلها من الدّولة العثمانيّة إلى أوروبا. وأدَّت الشبكات الدبلوماسيّة، والتّجاريّة دورًا حاسمًا بصفتها قنواتٍ سهّلت حركة نقل المخطوطات الشّرقيّة إلى أوروبا. بعض أقدم المخطوطات العربيّة الّتي تمّ الحصول عليها في إنجلترا على سبيل المثال، تمّ الحصول عليها من قبل إدوارد بوكوك (Edward Pococke) الّذي كان قسّيسًا لشركة المشرق العربيّ، والّذي اعتمد على اتّصالاته مع مجموعة من الوكلاء، والخبراء المقيمين في حلب، واسطنبول لشراء المخطوطات [6].

في بداية القرن التّاسع عشر كان الرحّالة الغربيون قد عملوا، وأخرجوا كثيرًا من القطع الأثريّة، وبدأت حينها تظهر كتاباتهم عن تلك القطع، فحجر الرشيد الّذي عثر عليه في عام ١٧٩٩م الضّابط الفرنسيّ «Pierre-François Bouchard» خلال حملة نابليون على مصر، أخذه البريطانيّون، ونقلوه إلى المتحف البريطانيّ حتّى فكّ رموزه شامبليون (Jean-François Champollion) ونشرها في عام ١٨٠٣م . وفي عام ١٨٤٧م تمكّن هنري رولنسون الضّابط في جيش شركة الهند الشّرقيّة البريطانيّة من دراسة نقش بهيستون، وفكّ رموز النّقش الفارسيّ، والبابليّ . وفي سورية كانت من أولى أعمال التّنقيب عام ١٨٦٠م على يد أرنست رينان (Ernest Renan) في عمريت، وجبيل، وصور)حاليًا لبنان)، وهو الّذي أخرج الكثير من القطع الفينيقيّة إلى فرنسا[7]. وتجدر الإشارة هنا إلى ما أخرجه ماكس فون أوبنهايم (Max von Oppenheim) ١٨٦٠-١٩٤٦م، من موقع تل حلف.
إنّ قصص الاستكشاف، والتّنقيبات في المشرق العربي تباينت في دوافعها عبر الزّمن، فقد جذب تاريخ الكتاب المقدّس، والبحث عن الآثار الدّينيّة، الصّليبيّين، والمسافرين الأوروبّيين إلى الأراضي المقدّسة على طول السّاحل الشّرقيّ للبحر المتوسّط في وقتٍ مبكّرٍ من القرن الحادي عشر. وإنّ الرحّالة، والآثاريّين فيما بعد استمروا بالبحث عن المواقع المذكورة في الكتاب المقدّس في تلك المنطقة، وقناعاتهم بأنّ استكشاف هذه المواقع مهمّ كونه جزءًا متّصلًا ما بين هذه الحضارات، والكتاب المقدّس. ومن دون شكّ، الأسباب الأخرى للأوروبيّين، والأمريكيّين تكمن في الاستعمار، والسّيطرة على المقدّرات الاقتصاديّة لتلك البلدان[8].

وفي عام ١٨٨١م تمّ تعيين حمدي بك مديرًا للمتحف الإمبراطوريّ، وأشرف على تشييد مبنى المتحف الجديد، وتوسعته اللّاحقة، وبدأ على الفور أعماله الأثريّة. أعاد كتابة القانون الّذي يحكم الآثار في (١٨٨٣-١٨٨٤م)، حيث منع الاكتشافات الأثريّة من مغادرة الأراضيّ العثمانيّة. كان هذا التّغيير يعني أنّ متحفه، وليس نظيراته الأوروبّيّة، أصبح مستودعًا لجميع الاكتشافات الجديدة، وأصبح حمدي بك حارس البوابة، الّذي كان على جميع علماء الآثار الأجانب الرّدّ عليه.
وفي حين كان قانون الآثار صارمًا في شروطه، إلّا أنّه كان أكثر مرونةً في الممارسة: يمكن تقديم (الهدايا) لإجبار علماء الآثار الأجانب بوصفه جزءًا من استراتيجيّة حمدي بك الدّبلوماسيّة. ومع قيام الأمريكيّين بتوسيع أنشطتهم في المشرق العربيّ، كذلك فعل حمدي بك، من خلال التّنقيب الكبير في عام ١٨٨٧م في المقبرة الملكيّة في صيدا، حيث تمّ اكتشاف العديد من التّوابيت الرّخاميّة الكبيرة، بما في ذلك تابوت الإسكندر الشّهير. تمّ العثور على مجد متحفه الجديد في أعمال التّنقيب الخاصّة به، ونقلها كلّ المكتشفات الّتي عثر عليها إلى هذا المتحف. وبوصف حمدي بك مؤسّس أكاديميّة الفنون، الّتي كانت في الأصل مجاورة للمتحف، واصل حمدي بك الرّسم على الطّريقة الفرنسيّة، وتدريب الطّلّاب[9] . ورغم أنّه لم يعرض لوحاته داخل تركيا، إلّا أنّه عرضها للبيع في أوروبا، وأمريكا. وسرعان ما أدرك الأجانب المهتمّون بالحصول على تصاريح للتّنقيب، أو تصدير الآثار أنّ جذب حمدي بك بوصفه فنانًا، ومفكّرًا أوروبيًّا كان استراتيجيّة فعّالة. وعلى سبيل المثال، في عام ١٨٩٢م، عُرضت اثنتان من لوحاته في قصر الصّناعة في باريس؛ اشترى الفرنسيّون إحداهما من خلال خدمات ليون هيورزي (Léon Heuze)، أمين الآثار الشّرقيّة في متحف اللّوفر، الّذي تمّ تهنئته لاحقًا، لأنّه لا يوجد شيء أكثر إرضاءً لفنّان يمكنه تقديم الخدمات لنا، ومن المهمّ إرضاؤه . وفي العام التّالي، اُنتخب حمدي بك عضوًا مناظرًا في معهد فرنسا . الفرنسيّون بدورهم حصلوا على قطعةٍ أثريّةٍ مرغوبة. لم يتمّ عرض اللّوحة المشتراة، وانتهى بها الأمر في متحف المستعمرات[10].

من الخارج، قد تبدو الدّبلوماسيّة ثقيلة الوطأة، والدّوافع واضحة إلى حدٍّ ما، ومع ذلك نجح عثمان حمدي بك في موازنة موقفه بين عالمين لإرضاء أجنداته الشّخصيّة. وهذه الدّبلوماسيّة في تقديم القطع الأثريّة لم تكن مقتصرةً على حمدي بك فقط. ففي عهد عبد الحميد الثّاني الّذي حكم ما بين (١٨٧٦-١٩٠٩م) لجأ هذا السّلطان في كثيرٍ من الأحيان إلى الأشياء القديمة بصفتها ورقة مساومةٍ لتعزيز العلاقات الدّبلوماسيّة. ولم تكن هذه الهدايا الدّبلوماسيّة فقط هي الّتي تهدّد الأشياء، والمواقع القديمة، بل تمّ السّماح باستخدام البقايا القديمة كحجارة المباني القديمة لمشاريع البناء واسعة الّنطاق مثل سكّة حديد بغداد . وبالتّالي إنّ تقديم القطع الأثريّة من قبل السّلطان للقناصل الغربيّين في الإمبراطوريّة العثمانيّة، أدّى إلى إيقاظ الرّغبة في الحصول على الأصول المرموقة، وتطوّر استغلال المواقع الأثريّة، والآثار إلى أداة للغزو الإمبرياليّ للإمبراطوريّة العثمانیّة. وأصبح جمع الآثار، وعرضها في المتاحف رمزًا للتّفوّق الثّقافيّ، وتضمّنت المنافسة الدوليّة المكثّفة تعاونًا وثيقًا بين علماء الآثار، والدّبلوماسيّين، والتّجار، والجيش[11].

أوّلًا: الدّور العسكريّ في تخريب المواقع الأثريّة وسرقة الآثار
أدّى التّفكّك المتوقّع للإمبراطوريّة العثمانيّة إلى إحياء المنافسات بين القوى الأوروبيّة في المشرق العربيّ قبل عام ١٩١٤م، وكانت فرنسا تخشى ألّا تنجح بريطانيا العظمى في بسط سلطتها على سورية. ومع ذلك، لا يمكن لفرنسا أن تذهب إلى الشّرق قبل أن تكمل توسّعها الاستعماريّ في شمال أفريقيا؛ فعندما يتمّ الاعتراف بالحماية الفرنسيّة على المغرب، يمكن إعادة تأكيد المطالبات الفرنسيّة في المشرق العربيّ. خلال هذه الفترة زاد التّوتّر ما بين الإمبراطوريّة العثمانيّة، والقوى الأوروبيّة، وللمرّة الأولى يتمّ استخدام الآثاريّين لمشاريع التّجسّس، ومنهم الاثاريّون البريطانيّون، وولي (C L WOOLLEY)، ولورانس (lawrence TE) الذي عرف فيما بعد باسم (لورانس العرب). أجرى هذا المشروع في صحراء النّقب في عام ١٩١٣م، وقد خطّطوا إلى العمل بأنفسهم كأعضاء في المخابرات العسكريّة البريطانيّة، بعد أن علموا أنّ هذه المنطقة ستكون استراتيجيّةً، ومهمّةً في الحرب ضدّ العثمانيّين[12].
إنَّ الاضطرابات السّياسيّة الّتي جلبها الصّراع العالميّ إلى المشرق العربيّ غيّرت بنحوٍ عميقٍ ظروف البحث عن الآثار؛ فقد خلقت الانتدابات الممنوحة لفرنسا، وبريطانيا وضعًا مناسبًا جدًّا لهم في ما يخصّ علم الآثار، الّذي تمّ تزويده بعد ذلك بموارد كبيرة، ومؤسّسات إداريّة، وعلميّة. وبينما ركّز علماء الآثار الفرنسيّون على سورية، وفينيقيا، ركّز الإنجليز، والأمريكيّون جهودهم في المقام الأوّل على بلاد ما بين النّهرين، وانضمّ إليهم الألمان فيما بعد.

بعد وقتٍ قصيرٍ من دخول القوّات البريطانيّة بغداد في مايو ١٩١٧م، وحتّى قبل توقيع الهدنة في عام ١٩١٨م، كان المتحف البريطانيّ ممثّلًا في العراق في شخص روبرت كامبل طومسون (Robert Campbell Thompson) الذي قام بالتّنقيب في نينوى قبل الحرب. كان نقيبًا في فيلق الاستخبارات في بغداد، وكان مساعدًا في المتحف البريطانيّ، وكان الأمناء قد طلبوا إلحاقه بالجيش كعالم آثار، وقد أسهم هذا الأخير بإخراج كثيرٍ من القطع الأثريّة، ونقلها إلى المتحف البريطانيّ[13].

منذ بداية الاحتلال، كانت قيادة جيوش الحلفاء مهتمّة بحماية الآثار السوريّة وفق ما يتمّ ذكره في الأبحاث. إلّا أنّه تمّ تقسيم الأراضي المحتلة إلى ثلاث مناطق: المنطقة الغربيّة، بما في ذلك المنطقة السّاحليّة ولبنان؛ المنطقة الشّرقيّة، وتمتدّ إلى ما وراء لبنان، إلى نهر الفرات؛ المنطقة الجنوبيّة المقابلة لفلسطين. في كلّ منطقة من هذه المناطق، يتم اختيار الضّبّاط لكفاءتهم الخاصّة، أو فضولهم حول الأشياء القديمة، تمّ تعيينهم تحت عنوان مفتّشي علم الآثار، بدور مفتّشي الآثار. وفي المنطقة الغربيّة، حيث كان يجلس المندوب السّاميّ للجمهوريّة الفرنسيّة، الذي ضمّت قوّة احتلاله، وحدات فرنسيّة، كان هؤلاء المفتّشون برتبة ملازم أوّل، ومنهم دو ميسنيل (Du Mesnil)، والملازم الثّاني بروسيه (Brossé) من الجيش الفرنسي. صدرت مراسيم بتجديد، وتأكيد المحظورات كافّة الّتي فرضها القانون العثمانيّ في ما يتعلّق بالبحث، والتّجارة، واستغلال الآثار[14]، لكن الحقيقة على أرض الواقع مغايرة لما تمّ ذكره.
في عام ١٩٢٠م، عسكرت القوّات البريطانيّة في أنقاض بعض القلاع القديمة غير المعروفة على نهر الفرات، والّتي تسمّى الصّالحيّة، خلال المناوشات الّتي أعقبت انهيار الإمبراطوريّة العثمانيّة خلال الحرب العالميّة الأولى، وخلال حفر الجنود لخندق عثروا على بعض اللّوحات الجداريّة المذهلة. وتمكّن الضّبّاط المسؤولون، إلى جانب المفوّض المدنيّ، من استدعاء عالم آثارٍ أمريكي صادف وجوده في سورية ، وهو جيمس هنري برستد (James Henry Breasted)، المدير الأوّل للمعهد الشّرقيّ في شيكاغو الذي تأسّس في العام السّابق ١٩١٩م . تمّت زيارة بريستيد للموقع، ومكث يومًا واحدًا فقط، وتمكّن من مسح، والتقاط صور فوتوغرافيّة للجداريّات للمعبد الّذي عرف فيما بعد باسم معبد الآلهة التّدمريّة في دوا اوربوس[15].

وعلى الرّغم من الطّبيعة الاستثنائيّة للوثائق الّتي تمّ جمعها، لم يكن من الممكن العمل قبل تهدئة المنطقة. وعندما أصبح ذلك ساري المفعول حين فرض الاستعمار الفرنسيّ على سورية بعد أشهرٍ قليلةٍ من هذه الاكتشافات، أبلغ ج. ه. بريستد أكاديميّة النّقوش، في عام ١٩٢٢م، بالوثائق الّتي جمعها. كانت اللّوحات الّتي تمّ الكشف عنها ذات جودةٍ وأهميّةٍ كبيرتين، لدرجة أنّه تقرّر على الفور أن تكون مهمّة عُهد بها إلى فرانز كومونت (Franz Cumont) المستشرق البلجيكيّ، والعضو المنتسب في أكاديميّة النّقوش. وقد بذل الجنرال غورو (Gouraud) المفوّض السّامي، وتشارلز فيرولود (Charles Virolleaud)، مستشار الآثار والفنون الجميلة في بيروت، كلّ ما في وسعهم لتشجيع البعثة؛ فقدّموا لهم فرقةً مكوّنةً من مائتي رجل من قوّات حلب موضوعة تحت تصرّفه. وعندما وصلوا إلى الموقع، كان الجنود قد أخلوا بالفعل الغرفتين الصّغيرتين في المبنى المزيّنتين بلوحاتٍ تمثّل الآلهة التّدمريّة. وكذلك أعمال التّطهير ضمن مقبرة، وجزء من السّور، ومعبد أرتميس. تمّ استكمال الحملتين اللّتين قادهما ف. كومونت في (١٩٢٢-١٩٢٣م) حتّى عام ١٩٢٥م، بعمليّات تدمير، وتخريب كبيرة تحت اسم أعمال تنقيب قادها ضبّاط من جيش الشّام[16]. ومن هذه الفترة سرق، ونهب الكثير من قطع موقع دورا أوربوس، وجزء منها محفوظ حاليًّا في جامعة يال مثل منحوتة للآلهة تيكي (Tyche) ، وتمثال زوس بعل شامين، ورسومات البيت المسيحيّ وغيرها. وفي متحف اللّوفر مثل تمثال للآلهة أفروديت، ونقش يونانيّ من معبد أدونيس[17].

وهذا الأمر ينطبق على الكونت دو ميسنيل دو بويسون الّذي تطوّع عام ١٩١٤م، قبل الاستدعاء، وكان ملازمًا في الفوج السّادس الخيّالة. وخلال فترة الاحتلال الفرنسيّ لسوريّة كان مديرًا للأعمال في قطنا-المشرفة، وتل برسيب - تل الأحمر، وأرسلان طاش. خلال الفترة (١٩٣٢-١٩٣٣م)، أجرى الكونت دو بويسون أعمال تنقيب في مواقع مختلفة في سوريّة، وعمل قائدًا لسرب من سلاح الفرسان الاحتياطيّ في الجيش الفرنسيّ[18]. وعمل نائبًا لمدير الحفريّات في دورا أوروبوس بالتّنسيق بين جامعة ييل بقيادة كلارك هوبكنز، والأكاديميّة الفرنسيّة للنّقوش، والآداب الجميلة. وقد أسهم الكونت بخروج مئات القطع الأثريّة من المواقع الأثريّة سواء من قطنا، أو ماري، أو أرسلان طاش، أو تدمر، وهذه القطع محفوظةٌ حاليًّا في متحف اللّوفر[19]. لقد كان للجيش الفرنسيّ دورٌ كبيرٌ في تخريب كثيرٍ من المواقع الأثريّة فضلًا عن سرقة الآثار، فعندما نتحدّث عمّا يزيد عن ٢٠٠ جندي[20] أرسلوا إلى موقع دورا للحفر بهدف إخراج القطع الأثريّة من دون مراعاة للطّبقات الأثريّة، أو العناصر المرتبطة بها، ستكون النّتيجة كارثيّة، إذ إنّ الصّور الّتي تظهر الموقع في تلك الفترة مختلفة تمامًا عن صور الموقع الحاليّة. حيث إنّ كثيرًا من المباني، والعناصر المعماريّة كانت قد أزيلت من مكانها، وهذا الأمر ينطبق على بقايا البيت المسيحيّ، وكذلك الكنيس اليهوديّ الّذين حاولوا سرقته إلى فرنسا في بداية الأربعينيّات من القرن الماضي، إلّا أنّهم لم ينجحوا في ذلك.

ثانيًا: تأسيس ما يعرف باسم مصلحة الآثار في سورية
سمحت الحرب العالميّة، والتّغيّرات السّياسيّة الحاسمة التي أحدثتها بتطوّر علم الآثار الفرنسيّ في المشرق العربيّ. وشجّع الوضع الدّوليّ عام ١٩١٨م فرنسا على تأكيد وجودها، وتعزيز نفوذها في المناطق الّتي كانت بريطانيا تتنازع عليها معها. لقد أدّى علم الآثار دورًا رائدًا في إنشاء مركز النّفوذ الفرنسيّ في سورية، وكان الجنرال غورو، المفوّض السّامي الأوّل، على علم بكلّ هذه التّفاصيل، ولأجل ذلك سهّل تنظيم مصلحة الآثار، واقتدى بما قام به جنود عام ١٨٦٠م، والامتثال لنموذج الحملة المصريّة الشّهيرة. علاوةً على ذلك، فإنّ انتخابه لأكاديميّة النّقوش، والآداب تتويج للعمل الّذي قام به في سورية، وجعلها مخبرًا أثريًّا للفرنسيّين.
ظلّ موقف فرنسا في سورية غير مؤكّدٍ حتّى اعتماد ميثاق عصبة الأمم في فرساي في ٢٨ أبريل ١٩١٩م: المادّة ٢٢ المخصّصة للدّول الأوروبيّة «مهمّة حضاريّة مقدّسة فيما يتعلّق بالشّعوب غير القادرة بعد على حكم نفسها. ومن أجل ضمان رفاهيّة هذه الشّعوب، وتنميتها، فإنّ الوصاية على هذه الشّعوب تُعهد إلى الدّول المتقدّمة الّتي هي الأقدر على تحمّل هذه المسؤوليّة، والّتي توافق على قبولها، يمارسون هذا الإشراف كوكلاء باسم عصبة الأمم»[21].
تولّت فرنسا، وبريطانيا إشرافًا مشتركًا على الشّرق الأوسط يشمل بلاد الشّام، الخاضعة للانتداب الفرنسيّ، سورية، ولبنان، ولكن تتمّ إدارتها ككيانٍ سياسيّ، واقتصاديٍّ واحد، تحت إشراف المفوضيّة العليا للجمهوريّة الفرنسيّة التي يقع مقرّها في بيروت. لقد وضع مسؤوليّة حماية الآثار السّوريّة في أيدي الفرنسيّين وحدهم. الجنرال غورو، المعين قائدًا أعلى لجيش المشرق، والمفوّض السّامي في سورية، وكيليكيا، أدرج في خططه قبل مغادرته باريس، إنشاء مصلحة الآثار. كانت فكرة إنشاء بيروت مركزًا فرنسيًّا للدّراسات الشّرقيّة، منذ عام ١٨٨٢م، عندما تمّ تنظيم المعهد الفرنسيّ في القاهرة بشكل نهائيّ، مقترحة على وزارة التّعليم العام من قبل أحد الأساتذة وهو كليرمون جانو (Clermont-Ganneau) لكن هذا المشروع لإنشاء محطّة الآثار الشّرقيّة تمّ تأجيله.

إنّ الحجج الّتي طرحها المستشرق كليرمون منذ أربعين عامًا تقريبًا، لم تفقد شيئًا من قوّتها، بل يمكن للمرء أن يقول إنّ الاستغلال والتّنمية ــ إذا جاز التّعبيرــ سيمنحانها الثّروات الأثريّة السّوريّة يومًا بعد يوم . وما تجدر الإشارة إليه في المشروع الّذي طرحه جانو أهميّته، وأهدافه، وسنذكر هنا بعضًا ممّا أورده في مذكّراته”: لقد حصل علم الآثار الشّرقيّة الآن على استقلاله. تمّ تقديم التّدريس في فرنسا، وافتتح رسميًّا، منذ عدّة سنوات، في المدرسة التّطبيقيّة للدّراسات العليا. تمّ التّعرّف إلى مجاله، وتشكيله في متاحفنا من خلال إنشاء قسم الآثار الشّرقية مؤخّرًا في متحف اللّوفر. . . هو إنشاء محطّة للآثار الشّرقيّة في سورية تتبع المدرسة مباشرة. يبدأ مجال الآثار الشّرقيّة، جغرافيًّا، وعلميًّا، عند حدود مجالات الآثار الرّومانيّة، واليونانيّة، والمصريّة، لكن له فيها أكثر من جيب: الآثار العبريّة، والآثار الفينيقيّة، وبمعنى أوسع، الآثار السّوريّة. . . وتشمل أيضًا هذه الآثار المختلطة، نتاج الاتّصال، والتّغلغل المتبادل بين عدّة حضارات، وهي آثار ربّما تكون الأكثر إثارة للاهتمام في تاريخ الرّوح الإنسانيّة. نقطة تقاطع المصريّ، والآشوري، والهيليني، وسورية، مهد اليهوديّة، والمسيحيّة، وإلى حدّ ما، الإسلاميّة، ومكان التقاء الشّرق، والغرب في العصور الوسطى. . . سورية تمتدّ إلى نهري الفرات ودجلة، وتمتدّ إلى شبه الجزيرة العربيّة، وستكون الأهداف الرّئيسة. . . اقتناء الآثار في الموقع لمجموعاتنا الوطنيّة. هذه النّقطة الأخيرة تستحقّ اهتمامًا خاصًّا، وتستحقّ التّأكيد عليها. إنّ اقتناء الآثار في الموقع سيكون بمنزلة مورد قيّم لإثراء مجموعاتنا الوطنيّة. . . لا يكفي أن نرحّب بالتّحف عندما تأتي إلينا. عليك أن تذهب إليهم، وإلّا فإنّنا نخاطر في كثيرٍ من الأحيان فقط برفض الآخرين، أو دفع مبالغ باهظةٍ مقابل الأشياء الجميلة. يجب جمع الآثار في الموقع نفسه عن طريق شرائها مباشرة من الفلّاحين، أو البدو. . . وأنّنا وإذ حصلنا على الصّدارة على منافسينا الأجانب سنكون مهدّدين بفقدانها خلال فترة قصيرة إذا لم نلاحظ ذلك. إنّ متاحفنا، مثل المتاحف الأجنبيّة، ينبغي أن يكون لها من الخارج وكلاء خاصّون مسؤولون عن إمدادها. في بيروت، يمكننا الاستفادة من محّطة الآثار لتنظيم خدمة مقتنيات من هذا النوع التي ستسمح لنا بتكلفةٍ قليلةٍ جدًّا، وبما يحقّق أكبر فائدة لمتحف اللّوفر، ببلاد الشّام بأكملها. تمتلئ المجموعات الخاصّة، وتُثري كلّ يوم بأشياء فنيّةٍ رائعة، أو آثارٍ ذات قيمةٍ تاريخيّةٍ عظيمة، قادمةٍ من سورية التي سيتمّ تحديد مكانها في متحف اللّوفر. . . ومن خلال تخصيص بضعة آلاف من الفرنكات كلّ عام لهذه الخدمة الخاصّة، سنجمع كنوزًا حقيقيّة، تتجاوز قيمتها الجوهريّة بكثير، ليس فقط سعر الشراء، بل أيضًا إجمالي نفقات المحطّة الدّائمة»[22].

في عام ١٩١٩م كُلّف جوزيف شامونارد (Joseph Chamonard) وهو طالبٌ سابقٌ في مدرسة أثينا، مستشارًا للهيأة العليا للآثار، والفنون الجميلة، مسؤولًا عن إنشاء القواعد الأثريّة الأولى لما يعرف باسم مصلحة الآثار. استمرّت مهمّة شامونارد ما يقارب ثمانية أشهر، وقدّم تقريرًا مفصّلًا عن رؤيته، وعن الاحتياجات، والمعوقات[23]. وفي عام ١٩٢٠م، أنشأ مصلحة الآثار السوريّة في بيروت، التّابعة لإدارة التّعليم العامّ. ثمّ انتقلت مسؤولّيتها بعد شاموتارد إلى تشارلز فيرولود (Charles Virolleaud) [24]وتولّى مسؤوليّة مصلحة الآثار السّوريّة موظّفون خاصّون، يتمّ تعيينهم مؤقّتًا، ومن بين المستشارين الملحقين بالأمانة العامّة للهيأة العليا مستشار للآثار، والفنون الجميلة يعاونه مفتّشان، ومهمّتهم هي إعداد التّشريع الّذي سيحلّ محلّ التّشريع العثماني، ليرسم الخطوط العريضة للبرنامج المقترح اتباعه، بالقدر الّذي تسمح به الظّروف السّياسيّة، والمادّيّة الأولى، لوضعه موضع التّنفيذ. وكانت مصلحة الآثار غير حصريّة في عملها، بل عليها أن تظلّ مفتوحةً للتّعاون مع المعاهد، والباحثين الفرنسيّين، والأجانب. وفي عام ١٩٢١م ، وصل أوّل مديرو الإرساليّات المعيّنين من قبل أكاديميّة النّقوش، والهيأة العليا إلى بلاد الشّام، وهم موريس بيزارد
(Maurice Pézard) في تل نيبي ميند، وإتيان دو لوري (Lorey Étienne de) في أم العمد، ودنيس لو لاسور (Denise Le Lasseur) في صور، وبير مونتيه (Pierre Montet) في جبيل. وشهد هذا العام أيضًا صدور مجلّة سيريا، المدعومة من الهيئة العليا، ووزارة التّعليم العامّ، وجمعيّة الآثار السّوريّة، بالإضافة إلى المكتبة الأثريّة، والتّاريخيّة التّابعة لمصلحة الآثار السّوريّة. وفي غضون أشهرٍ قليلة، وجد الشّرق برمّته نفسه مجهّزًا بخدمات الآثار، ومراكز الأبحاث، تعادل تلك الموجودة في مصر، أو المغرب العربيّ، واستقبل العراق، تحت الانتداب البريطانيّ، منظّمةً مماثلةً لتلك الّتي زوّدت بها فرنسا سورية، كما أنشأت بريطانيا، والولايات المتّحدة مدارس علم الآثار في القدس والعراق[25].
في هذه المرحلة سرعان ما دفعت الدهشة التي أثارتها الكنوز التي اكتشفتها الدّول الغربيّة، وبخاصّة إنجلترا، وألمانيا، والولايات المتّحدة، وفرنسا، إلى إطلاق مشاريعها الخاصّة ـ حملات التّنقيب الخاصّة ــ شيئًا فشيئًا، يتمّ اكتشاف آثار الحضارات الأسطوريّة للشّرق ما قبل الكلاسيكي (السّومريّة، المصريّة، البابليّة، الحثيّة، الفينيقيّة، إلخ). وتتجلّى الفترة الكلاسيكيّة أيضًا في المواقع الرّئيسة مثل صور، وبعلبك، والبتراء، وتدمر، والحضر. كانت الأبحاث الأثريّة تتمّ على خلفيّة التّنافس بين الدّول المختلفة للحصول على امتياز التّنقيب[26]، ورغم ما تذكره الأبحاث، والمصادر عن نيّة الباحثين الفرنسيّين تنظيم أعمال التّنقيب، وحماية الآثار السّوريّة، وترميم المباني التّاريخيّة، ولا نشكّ في نوايا البعض منهم، إلّا أنّ ذلك كلّه لم يمنع من تهريب، وسرقة تراث الشّعوب عبر وضع قانونٍ يتيح تقاسم القطع الأثريّة وفق رؤيتهم.

ثالثًا: نهب التّاريخ والاتّجار بالآثار عبر قانون الاستعمار الفرنسيّ
كانت الآثار السّورية ما تزال خاضعةً لقانون الآثار العثمانيّ حتّى توقيع معاهدة السّلام مع تركيا. لقد تمّ صياغة هذا القانون في عام ١٨٨٩م، وتمّت مراجعته عام ١٩٠٦م، على غرار الدّول الّتي أنجزت قوانينها في تلك الفترة. وهو ينصّ على الحالات الأساس، ويصوغ الالتزامات، والمحظورات، والقيود اللّازمة، وهذه السّياسة ربّما أبدت صرامةً أكبر في ظلّ السّيطرة التّركيّة، بسبب تطبيقها من قبل المسؤولين الّذين يتمتّعون بمثل هذه السّلطة التّقديريّة. ومع ذلك، فقد كانوا متعاطفين مع الأذكياء الّذين يعرفون كيفيّة تهدئة يقظة هذه (القائمقاميات)، أو الولاة. وفي يد رجلٍ مثل حمدي بك، مدعومًا بمصالح شخصيّةٍ من السّلطان، غدا هذا القانون كما يريد ووفقًا لرغباته[27].
إنّ قانون الآثار العثمانيّ الأوّل الّذي صدر عام ١٨٦٩م، احتوى على سبعة بنود، ومن ضمن هذه البنود منع تصدير القطع الأثريّة خارج الإمبراطوريّة مع السّماح في بيعها للأفراد، أو الحكومة داخل أراضي الإمبراطورية، وفي بندٍ آخر يسمح بتصدير القطع الأثريّة النّقديّة فقط. كذلك هناك بندٌ يشير إلى إنّ كلّ القطع الأثريّة التي تكتشف في أراضٍ خاصّةٍ هي ملك صاحب الأرض.

أمّا القانون الّذي تمّ تعديله في عام ١٨٧٤م، فضمّت بنوده موافقةً على تقاسم القطع الأثريّة النّاتجة من أعمال التّنقيب ما بين الحكومة، والمكتشف، وصاحب الأرض. كما سمح أحد البنود بتصدير النّقود، وكلّ أنواع القطع الأثريّة بشرط الحصول على موافقة وزارة التّعليم[28]. وفي عام ١٨٨٤م صدر قانونٌ جديدٌ كتبه عثمان حمدي بك، شملت بنوده على تحدد طبيعة الأثر القديم، وجعل السّلطنة مالكةً لجميع الآثار، كذلك جعل المتحف الإمبراطوري في إسطنبول مقرًّا لسلطة مديريّة الآثار، وأنهى جميع التّصرّفات في القطع الأثريّة من دون الحصول على إذنٍ صريحٍ من السّلطان. وفي عام ١٩٠٦م أصدرت الإمبراطوريّة العثمانيّة قانونًا منقّحًا هدف إلى إغلاق تجارة الآثار السّريّة، وتمكّن هذا القانون من تقويض الحظر الّذي فرضه قانون عام ١٨٨٤م على التّقسيم والتّصدير[29].

بعد أيّامٍ من انتهاء الحرب العالميّة الأولى عام ١٩١٨م كتب عالم المصريّات الفرنسيّ بيير لاكاو (Pierre Lacau) إلى سفارة فرنسا بالقاهرة، وبصفته رئيسًا لهيأة الآثار المصريّة، قدّم لاكاو المشورة بشأن مستقبل الإدارة الأثريّة في الشّرق، وبافتراض السّيطرة الأوروبيّة الوشيكة على المنطقة، ركّز تعليقاته على كيفيّة ضمان حصول علماء الآثار الفرنسيّين على الوصول الأمثل إلى مواقع التّنقيب المستقبليّة. لكنّه لم يدفع بالضّرورة إلى تصدير القطع الأثريّة الّتي عثر عليها في تلك الحفريّات. قد تبدو نصيحة لاكاو مفاجئة، وبخاصّة بعد سنوات طويلة من العمل المثمر حول الرّغبة الّتي أبداها الأوروبيّون، والأميركيّون في إزالة المقابر المصريّة، والنّقوش الآشوريّة، والتّماثيل الحيثيّة، وتركيبها في باريس، ولندن، وبرلين، ونيويورك.
اندلعت سلسلةٌ من المناقشات الأثريّة حول قوانين الآثار الجديدة. وكان انتداب عصبة الأمم فلسطين (وشرق الأردن منذ عام ١٩٢٣)، والعراق، وسوريّة، ولبنان - الموقع الرّئيس لهذا التّطوّر. وضع علماء الآثار القوانين الّتي تقيّد الممارسة الأثريّة في المنطقة. وفي الواقع إنّ ما عدّه بعض علماء الآثار مفيدًا للعلم، لم يكن بالضّرورة سائدًا في القوانين الّتي تشكّلت. على سبيل المثال، بحلول عام ١٩٢٦م، عندما أصبحت سورية، ولبنان ثالث دولةٍ تصادق على قانون الآثار، تغيّرت النّظرة العلميّة حول التّقسيم كما عبر عنها لاكاو، أو أصبحت غامضة. لقد أجاز قانون الاحتلال الفرنسيّ أن تذهب حصّة من الاكتشافات إلى المؤسّسة الرّاعية للتّنقيب. سعى علماء الآثار إلى تلبية مصالحهم الوطنيّة في الانتدابات مع تحقيق درجةٍ معيّنةٍ من التّوافق .
تمكّنت السّلطات البريطانيّة في فلسطين من إدارة المهمّة بسرعة، إذ أصدرت مرسومًا للآثار في عام ١٩٢٠م . وفي حال العراق، فإنّ تشريع الآثار تمّ تمريره عبر البرلمان العراقيّ في عام ١٩٢٤م  بصعوبةٍ بالغة.

أما الفرنسيون فقد واجهوا عقبات عديدة في مساعيهم التشريعية؛ فعلى الرغم من أن «جوزيف شامونارد» بدأ عمليّة الصّياغة في عام ١٩٢٠م من بيروت، إلّا أنّ المناقشات بين الوزارات، والمشاحنات البيروقراطية في باريس أعاقت إقرار القانون، ولم تصدر المفوضيّة العليا الفرنسيّة مرسومًا بقانون الآثار لسوريّة، ولبنان حتّى عام 1926 ١.
التقى علماء الآثار الفرنسيّون، والبريطانيّون في مناسباتٍ متعدّدةٍ في الولايات لمقارنة التّشريعات. بدأ جون جارستانغ (John Garstang) وجوزيف شامونارد، اللّذان تمّ تعيينهما من قبل مكاتبهما الخارجيّة، وحلّ محلّهما تشارلز فيرولو (Charles Virolleaud) بعد مدّةٍ وجيزة، في التّشاور تحت رعاية إدارة حماية الآثار الأمريكيّة حول القيم الّتي يجب أن تعكسها قوانين الآثار في الانتداب. لقد قدم شامونارد الحجج الدّاعية إلى الاحتفاظ بالقطع الأثريّة في مكانها، إلّا أنّ هذا الأمر جعلهم في نهاية المطاف في صراعٍ حول مبدأ التّقسيم.

كتب شامونارد مسودّة القانون الّتي تتّفق مع المسودّة البريطانيّة فيما يتعلّق بجميع البنود الرّئيسة بما فيها بند جميع الآثار المكتشفة داخل حدود الدّولة، حتّى على الأراضي الخاصّة، هي ملك للدّولة (الانتداب)، ولا يمكن التّصرّف بها. كان البحث عن القطع الأثريّة من دون تصريحٍ أمرًا غير قانوني، ويجب الإبلاغ عن الاكتشافات العرضيّة، وسيحصل المكتشف على تعويض.
كانت القوانين بنحوٍ عامٍّ متطابقةً إلى حدٍّ ما. ومع ذلك، كانت هناك قضيّةٌ رئيسةٌ واحدةٌ اختلفوا عليها[30]. أوضح جارستانغ أنّ الحكومة البريطانيّة أرادت تأسيس المشاركة في الانتداب على فلسطين، وسيتمّ التّقسيم بين ولاية الانتداب (بوساطة مصلحة آثار الانتداب)، وفريق التّنقيب الأجنبي. كتب شامونارد أنّه في صيغة جارستانج، سيكون للمنقّب الخيار الأوّل؛ أمّا الكمّيّة المتبقيّة فستذهب في النّهاية إلى متحف فلسطين المخطّط له في القدس؛ لذا لن يتمّ إحياء المشاركة بصفتها مفهومًا في المنطقة فحسب، بل أيضًا بشروطٍ مواتيةٍ للمنقّب.

تشير رسالة شامونارد إلى أنّه أعرب عن قلقه على النّحو الواجب لجارستانغ: لقد أصررت مرّةً أخرى على حقيقة أنّه في ولايتنا، حيث إنّ هدفنا في سوريّة كما هو الحال في فلسطين هو مساعدة البلد على تنظيم نفسه، سيكون من المفاجئ إذا بدا أنّنا متّفقون فيما بيننا لتجريدها من جزءٍ من الثّروات الأثريّة. وعندما أصدر الفرنسيّون أخيرًا قانون الآثار بعد ستّ سنواتٍ، سمحت المادّة ١٩ بالتّقسيم مجانًا، أو بثمنٍ، بشرط ألّا يؤدّي التّنازل بأيّ شكلٍ من الأشكال إلى الإضرار، أو تقويض مصالح، أو نقاط قوّة مجموعات الانتداب. وأتت في النّهاية حال فرنسا، مماثلةً لبريطانيا مستندين على حجج زملائهم في المتحف البريطاني، وبدعمٍ من الأكاديميّة، والجمعيّة الآسيويّة، قام القيّمان على آثار الشّرق الأدنى في متحف اللّوفر، إدموند بوتييه (Edmond Pottier) ورينيه دوسو (René Dussaud)، بالدّفع بنجاح داخل الدّوائر الفرنسيّة من أجل إعادة مبدأ المشاركة. وخلافًا لما حدث في العراق، حيث اشتبكت جيرترود بيل (Bell Gertrude) مع ساطع الحصريّ حول شرعيّة إعادة تقديم مثل هذه الممارسة[31].

رابعًا: الفكر الاستعماريّ في عمل البعثات الأثريّة
لقد ارتبط علم الآثار، والاستعمار منذ مدّةٍ طويلة، ابتداءً من منتصف القرن التّاسع عشر. وهذا الأمر ينطبق على منطقة الشّرق الأوسط. لقد كانت هذه المنطقة من العالم مصدرًا للمواد القديمة الّتي أثّرت المجموعات الغربيّة لأكثر من قرنين من الزّمان، بينما تمّ استبعادها في الوقت نفسه من الممارسة العمليّة لاستعادة تراثها، وتاريخها. لقد تمّ إنشاء أساس أساليب البحث، والتّعليم في وقت كان فيه العلماء الأجانب يتمتّعون بسلطةٍ اجتماعيّة واقتصاديّةٍ مطلقةٍ على السّكّان المحليّين. إنّ مختلف جوانب علم الآثار ذات صلةٍ وثيقةٍ بالتّاريخ الاستعماريّ. وشملت هذه الجوانب عمليّات العمل الميدانيّ الأثريّ الّذي وظّف السّكان المحلّيّين كقوّة عمل بسيطة، واحتكر إنتاج المعرفة عن الماضي، وصنع القرار على مدى الفترة، وجزء من التّاريخ، والثّقافة المراد دراسته، والحفاظ عليه، والمكان المناسب للتّخزين، والعرض. هذه الأشياء وجمهور الآثار، والأشياء، والرّوايات الأثريّة. تأسّست عمليّات البحث الأثريّ، والعمل الميدانيّ على هياكل السّلطة الأثريّة غير المتكافئة، وظلّت قائمةً، وبقيت من دون منازع حتّى وقت قريب. فإنّ إنهاء الاستعمار في علم الآثار أمرٌ مهمٌّ لجميع علماء الآثار النّاشطين في الشّرق الأوسط[32].

لقد تميّزت الممارسات الاستعماريّة في عمل البعثات الأثريّة في العديد من الأمور، ونذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: استخدام لغّة التّعاون المتعالية، وعدم الأخذ بالمساواة على محمل الجدّ، وانعدام الشّراكات المثاليّة. حيث إنّ الشّراكة لا معنى لها إلّا عندما يكون لدى كلا الشّريكين قوّةٌ متساويةٌ إلى حدٍّ معقول. وما يزال علماء الآثار الأوروبيّون هم الّذين يدرسون ماضي المناطق الّتي استعمروها، وليس العكس. إضافةً إلى ما تمّ ذكره لا ننسى المبادرات الّتي تتمّ من قبل الباحثين الغربيّين، وأخذ زمام التّحدّث نيابةً عن الآخر[33] .
لقد استغلّت العقليّة الاستعماريّة غياب السّلطة المحلّيّة، وغالبًا ما كانوا يسبّبون الضّرر للمواقع الأثريّة، وإزالة الأبنية، والمنشآت، والطّبقات الأثريّة للوصول إلى مبتغاهم. بالإضافة إلى ذلك، لقد أدّت طبيعة العمل الميدانيّ إلى تقييد تداول المعلومات العلميّة، وخطابها العامّ في عالم يغلب عليه الطّابع غير النّاطق باللّغة العربيّة. لقد قيّد نظام الاحتلال الّذي أطلقوا عليه الانتداب حرّيّة الأقاليم الخاضعة للانتداب في تحديد كيفيّة حماية ثقافاتهم . ومع ذلك، فحتّى الأنظمة القانونيّة في الانتدابات التي تشرف عليها لجنةٌ مختصّة، اتّبعت منطقًا استعماريًّا. وكانت مصمّمةً في كثيرٍ من الأحيان لتأمين وصول الموارد الثّقافيّة إلى الأسواق، وضمان المعاملة المتساوية للمنقّبين الأجانب، بدلًا من ضمان حماية المصالح المحلّيّة. كانوا يسلّمون تصاريح إجراء الحفريّات لمن يرغبون دون طلب رأي، أو موافقة السّلطات المحلّيّة مسبقًا، ولم يتمّ التّصريح عن الكنوز الّتي تمّ استخراجها من ترابنا بعد أن تمّت الحفريات من دون أيّ إشراف. لقد سمح لفرنسا بأن تقرّر أيّ الاكتشافات يجب التّنازل عنها لبعثة التّنقيب، وأيّ القطع يجب أن تبقى في الأراضي الخاضعة للانتداب. وضع النّظام مصالح الاستغلال الثّقافيّ فوق مصالح السّكّان المحلّيين. وتمّ التّعامل مع الآثار كسلعة مباحة للاستملاك بموافقة السّلطة المنتدبة[34].
وفي الثّلاثينيات من القرن العشرين، تمّ تطوير البرامج ذات الأساس العلمي تحت إشراف أفراد مثل كلود شيفر، وموريس دوناند، وأندريه بارو، اللذين أسهموا في صياغة الصّورة الأبويّة، والاستعماريّة لعلماء الآثار. في تلك الأيّام، كان من الممكن وصف علم الآثار، بوصفه علمًا حديثًا، بأنّه فرعٌ استعماريٌّ مستورد، ويقودها أجانب بهدف تبرير الوجود الفرنسي من خلال التّحقيق في جذور الحضارة الغربيّة، وهدفت أيضًا إلى معرفة الآخر والسّيطرة عليه، من خلال التّقسيم للهوّيّات الثّقافيّة المختلفة[35]. أعادت حركة الاستقلال، وإنهاء الاستعمار في أواخر الخمسينيّات، والسّتينيّات من القرن الماضي تنشيط المطالبات بإعادة الممتلكات.

أدانت الأمم المتّحدة النّظام السّياسيّ الاستعماريّ في عام ١٩٦٠م، وبدأت الدّول المستقلّة حديثًا في تقديم مطالبات لاستعادة الممتلكات الثقافيّة منذ السّتينيّات. وبدأت مجتمعات السّكان الأصليّين في تحدّي حيازة الأشياء من خلال السّياسات الاستعماريّة[36]. وبعد الاستقلال حاولت السّلطات الأثريّة المتعاقبة التّعريف والحماية والتّأكيد على التّراث من خلال تحديد قيمته الوطنيّة، أو التّاريخيّة، أو الجماليّة. وأسّست المديريّة العامّة الآثار، والمتاحف عام ١٩٥٩م. وأنشئت مجلّة ثنائيّة اللّغة الحوليّات الأثريّة السوريّة، وطوّرت المتاحف الوطنيّة. بالإضافة إلى ذلك، حدّد قانون الآثار السّوريّة المعتمد عام ١٩٦٣م الحقوق، والواجبات من البعثات الأثريّة. ومنذ ذلك التّاريخ فصاعدًا، أصبحت الحفريّات الأثريّة خاضعةً لترخيص لا يمكن منحها إلّا من قبل سلطات الآثار. يتمّ منح هذا التّرخيص الخاصّ على أساس القدرات العلميّة، والماليّة لمقدّمي الطّلبات، كما وضع القانون القواعد المتّبعة من قبل الآثاريّين، مثل وجوب عودة جميع الاكتشافات إلى السّلطات السّوريّة، ونشر أبحاثها؛ لحماية، وصيانة المواقع الّتي كانوا يقومون بالتّنقيب فيها؛ وأخيرًا دفع رواتب الحرّاس، كما تمّ تحسين تدريب علماء الآثار الوطنيّين السّوريّين من خلال الدّورات الأكاديميّة في جامعتي دمشق وحلب.

بدأ التّوسّع في علم الآثار نفسه في السّبعينيّات من القرن الماضي. كانت نقطة تحوّلٍ مهمّة في الآثار الوطنيّة السّوريّة، ولا سيّما بعد أن تمّ اكتشاف أرشيف إيبلا الّذي أدّى إلى تركيز اهتمام العالم على سوريّة، وأصبحت واحدةً من أكثر الدّول جاذبيّة للبحث الأثريّ. وفي الفترات اللّاحقة، ونتيجة لحروب العراق مع الخليج، وانعدام الأمن في المنطقة، كذلك تشدّد دائرة الآثار العراقيّة اتّجاه علماء الآثار الأجانب[37]؛ توجّهت أغلب البعثات للعمل في سورية، وكان النّموذج التّقليديّ للتّنقيب الاستعماري هو الّذي لا يزال سائدًا من خلال الاحتكار الفرنسيّ بشكل خاصّ الّذي مارسته المؤسّسات، والعلماء على الأبحاث الأثريّة، خصوصًا ما بعد عام ٢٠٠٠م، حتى عام ٢٠١١م، إذ إنّ القائمين على السّلطة الأثريّة لم يبحثوا إلّا عن مصالحهم الشّخصيّة، فأغلب امتيازات تراخيص التّنقيب كانت تمنح للبعثات الفرنسيّة، وغالبًا ما كان يتمّ تهميش الشّباب السّوري، وحرمانهم من التّعلّم، والتّدريب بحجّة أنّ البعثات الأجنبيّة ليس لديها إمكانات. كما أنّ غالبيّة الإنتاج العلميّ الأثري يأتي من البعثات الأجنبيّة الّتي تمتلك كليهما. وهكذا بقي علم الآثار الاستعماريّ ممارسةً مرتبطةً بواحدةٍ من أقوى الاستراتيجيّات نشرتها الإمبرياليّة بأشكالٍ، وطرقٍ مختلفةٍ عن السّابق.

خامسًا: تقاسم الآثار المكتشفة وتغذية المتاحف الفرنسيّة
استشهد المسؤولون المشاركون في التّخطيط لمصلحة الآثار كما ذكرنا سابقًا بقانون الاحتلال العثمانيّ بوصفه سابقة، وكانت مثل هذه المقارنات تخدم مصالحهم الخاصّة، لكنّها تكشف عن شيءٍ لا جدال فيه، أرادوا أن يعكس قانون الآثار المبادئ العلميّة لسياستهم، وبراعتها، وبشكلٍ أكثر عموميّة، الشّرعيّة، والولاءات الأساس لتلك السّياسة؛ ولهذا السّبب جزئيًّا، أصبح التّقسيم قضيّةً حساسّةً بشكلٍ خاصٍّ عندما تشاور علماء الآثار بشأن قوانين الانتداب الجديدة. كان ضمان التّوافق هدفًا رئيسًا، ولكن الحوار الضّروري أدّى أيضًا إلى نقاش حادّ. في أوائل صيف عام ١٩٢٠م، كتب شامونارد إلى رؤسائه في بيروت وباريس. وذكر أنّه ذهب إلى القدس في حزيران، واجتمع مع جارستانج، وذكر أنّ هدفه الرّئيس من الزّيارة هو التّأكّد من توافق قوانين الآثار الّتي كان الرّجلان يكتبانها. كتب شامونارد أنّ مسودّته تتّفق مع المسودّة البريطانيّة فيما يتعلّق بجميع البنود الرّئيسة. كلا المسوَّدتين عرّفتا الأثر بأنّه من صنع الإنسان، ويعود تاريخه إلى ما قبل عام ١٧٠٠ ميلادي. لقد فرضوا وضع نظامٍ رسميّ للتّطبيق، والترخيص، والسماح بالحفريّات.
لم يقتصر الأمر على فرض النّقاش حول من المفترض أن يخدمه الانتداب، وكيف أثّر ذلك على علم الآثار، ولكنّه دفع أيضًا علماء الآثار المكلّفين بمهمّة إنشاء الخدمات في الانتداب إلى إدراك أنّ الأفكار حول كلٍّ من العلم، والقانون قد بدأت بالتّباعد. كانت إزالة القطع الأثريّة المنقولة الهدف الأساس، وسبب وجود علم الآثار، على الأقلّ كما مارسه الأوروبيّون، طوال معظم القرن التّاسع عشر، وقد اتّفقوا على أنّ العلم يتوقّف على القطعة الأثريّة المنقولة، والقابلة للتّصدير.

تزامنت بدايات الانتدابات بمناقشات لإفساح المجال لموضوعٍ جديدٍ للدّراسة، وهو موقع التّنقيب، والسّياق المحلّيّ. ردًا على ذلك، كان هناك إصرار على مبدأ المشاركة للمتاحف في باريس، ولندن، والولايات المتّحدة بشكلٍ متزايدٍ في سبيل إدامة متحف العاصمة كموقع مهمّ للعلوم. كانت المشاركة أيضًا وسيلةً لأمناء الآثار، ومديري المتاحف لتذكير علماء الآثار القائمين على التّفويض بالقوّة الدّائمة للمتاحف الحضريّة في ترخيص العلوم، وتمويلها، ونشرها.
حظي الموقف البريطانيّ بشأن المشاركة بدعمٍ بعض المبادرات الأمميّة الّتي تطوّرت أوّلًا في وقتٍ قريبٍ من مؤتمر باريس عام ١٩١٩م، ثمّ في مؤسّسات العصبة في جنيف في أوائل عشرينيّات القرن العشرين. وبمجرّد أن اتّخذت مؤسّسات العصبة شكلًا أكمل في جنيف، كما ظهر هناك نقاشٌ حول الجزء الأثري في بعض الأحيان. في عام ١٩٢٣م، على سبيل المثال، ناقش أعضاء لجنة التّعاون الفكريّ الجديدة التّابعة للعصبة أخلاقيّات المشاركة، مع المندوب الإيطالي ف. روفيني، الّذي اقترح أنّه يجب وضع نظامٍ من مستويين موضع التّنفيذ، حيث تبقى القطع الأثريّة في مكانها الأصلي ضمن البلدان الّتي تسود فيها الرّقابة الذّكيّة، والصّارمة، وضرب بلده، إيطاليا مثالًا لذلك، ولكن يُسمح بنقل القطع الأثريّة من بعض البلدان الّتي لا تحظى فيها الآثار بأيّ حماية، ويتطلّب المأوى في متاحف خاصّة في الخارج[38].

ومن هذا المنطلق مارست سلطة الانتداب قوانينها الّتي تخدم مصالحها، وأقرّوا بأنّ القطع المكتشفة على الأراضي السّوريّة تحصل عليها الدّولة السّوريّة، وتشكّل بعد تقاسمها مع المؤسّسات التي تقوم بالبحث، مجموعات المتاحف الّتي تمّ إنشاؤها في دمشق للآثار العربيّة، وفي بيروت للفنّ القديم . وتقرّر إيداع الآثار في مواقع معيّنةٍ في أنطاكية، أو تدمر، أو المشرفة، أو بعلبك، أو اللّاذقية[39] . بالمقابل كان هناك مئات القطع الّتي تغادر سورية إلى المتاحف الغربيّة، وبالأخصّ متحف اللّوفر. فهناك مجموعة رينان من مواقع السّاحل السّوريّ، واللّبنانيّ، التي شكّلت جوهر المجموعات الأولى لمتحف اللّوفر؟ والتّساؤل المطروح هل جميع هذه القطع خرجت وفق القانون الّذي كان سائدا آنذالك؟ وضمن السّياق ذاته في عام ١٨٩١م، عدّة منحوتات آراميّة نقلت إلى متحف اللّوفر من منطقة النّيرب، بالقرب من حلب بناء على أعمال سبر أثري قام بها دوسو (Dussaud . R) ودوروم (Dhorme P. R). بما في ذلك الاكتشافات من موقع رأس شمرا منذ عام ١٩٢٩م من قبل كلود شيفر (Claude Schaeffer)، وكذلك من ماري على نهر الفرات، الّتي تمّ التّنقيب عنها بواسطة أندريه بارو (André Parrot). ولا ننسى أيضًا مئات التّماثيل الجنائزيّة الّتي نقلت من تدمر عبر هارالد إنغولت أمين متحف ني كارسلبرغ في كوبنهاغن، بالتّعاون مع موريس دوناند ثمّ مع ألبرت غابرييل، اللذين قاما بدروهما بنقل مجموعةٍ من التّماثيل التّدمريّة أيضًا إلى متحف اللّوفر[40]. وغيرها من القطع الكثيرة الّتي أخرجت من مختلف المواقع الأثريّ السّورية إلى المتاحف الفرنسيّة، أو المتاحف الأوروبيّة بالتّنسيق، وموافقة الانتداب حتّى عام ١٩٣٩م، وفق قانون وضع، ونفّذ من قبلهم من دون الأخذ بعين الاعتبار إلى أنّ هذه الممتلكات الثّقافيّة هي ملك الشّعب السّوريّ، تمّ نهبها، وإخراجها تحت مسمّى التّقسيم، والمشاركة، وفي حال البحث عن وثائق هذا التّقسيم سنجد من دون شكٍّ ألاف القطع الّتي خرجت لم تدخل ضمن هذه الإطار المذكور.

سادسًا: شرعنة امتلاك الممتلكات الثّقافيّة المسروقة
شهد القرن العشرون تحوّلًا جديدًا نحو حماية التّراث الثّقافي. ولم يقتصر الاعتراف بالقيمة المادّيّة للأشياء فحسب، بل أيضًا بأهمّيّتها الاجتماعيّة، والمتوارثة بين الأجيال، وقد وسعت صكوك ما بعد الحرب العالميّة الثّانية نطاق حماية الممتلكات الثّقافيّة في النّزاعات المسلّحة. قدّمت أطر حقوق الإنسان رؤى جديدة حول العلاقة بين المجتمعات، والأشياء، والمطالبات المتعلّقة بالوصول، والعودة. ومع ذلك، استمرّ الوجه المزدوج للقانون كأداة للتّواطؤ، وإطار للمقاومة. واعترفت الصّكوك القانونيّة الدّوليّة في الوقت نفسه بآثار الظّلم الاستعماريّ، وتحدّتها، أعادت حركة الاستقلال، وإنهاء الاستعمار في أواخر الخمسينيّات، والسّتينيّات من القرن الماضي تنشيط المطالبات بإعادة الممتلكات. وكانت قضيّة العودة مرتبطةً بشكلٍ متأصّلٍ بعدم المساواة الاقتصاديّة بين دول السّوق، والدّول الّتي تطلبها. بدأت الدّول المستعمرة في استعادة الأشياء بشكل أكثر منهجيّة. ومع ذلك، كانت المجموعات الغربيّة مستعدّةً فقط لتقديم الأعمال على سبيل الإعارة، أو بيعها مرّة أخرى، أو الموافقة على إعادتها على أساسٍ طوعي. جادلت المتاحف بأنّ الأشياء قد تمّ الحصول عليها بشكلٍ صحيح، أو أنّها أصبحت تراثًا وطنيًّا غير قابل للتّصرّف[41].
لقد خلقت الصّكوك التّعاهديّة مثل اتفاقيّة اليونسكو، أو اتفاقيّة اليونيدروا حال من النّسيان الدّولي. كان القانون بمنزلة وسيلة للتّباعد، أي أداة للفصل بين الماضي والحاضر. قامت العديد من اللّوائح القانونيّة بإسكات الممتلكات الثّقافيّة الاستعماريّة، أو استبعادها من نطاق الحماية القانونيّة، أو خلقت عوائق أمام العودة، واستخدمت الأطر القانونيّة وسيلةً لحماية بلدان السّوق، وليس كآليات لمعالجة مظالم الماضي. وقد مُنحت الممتلكات الاستعماريّة قدرًا أكبر من الحماية الدّوليّة، مع الاعتراف المتزايد بها بوصفها أعمالًا فنّيّة، وزيادة تقدير قيمتها المادّيّة، والثّقافيّة. ومع ذلك، قيّدت القوانين الدّوليّة مطالبات الاسترداد من خلال الشّروط الاستعماريّة، أو عدم الأثر الرّجعي، أو المفردات الّتي تخفي مخالفات الماضي. إنّ تصنيف القطع الأثريّة من المستعمرات السّابقة بوصفها تراثًا عالميًّا أضعف مطالبات الإعادة إلى الوطن، والاسترداد؛ لأنّه سمح للمتاحف بالدّفاع عن القيمة العالميّة للمواد الّتي تمتلكها . لقد تمّ استخدام مفاهيم مثل الوصاية، أو التّراث المشترك، أو عالميّة الأشياء لإضفاء الشّرعيّة على استمرار الملكيّة. وقد تمّ تبرير التّأخير، أو عدم إعادتها من خلال الفجوات المعرفيّة حول مصدر القطع.
قيّد نظام الانتداب حرّيّة الأقاليم الخاضعة للانتداب في تحديد كيفيّة حماية ثقافاتهم. ومع ذلك، فحتّى الأنظمة القانونيّة الّتي تشرف عليها لجنة الانتدابات، اتّبعت منطقًا استعماريًّا . وكما ذكرنا سابقًا فقد سمح نظام الآثار في العراق، الّذي وافقت عليه العصبة، للبعثات الأجنبيّة بأخذ القطع الّتي كان ينبغي الاحتفاظ بها لبغداد، مبرّرين ذلك بأنّ هذه المرونة ضروريّةٌ لتشجيع البعثات الأجنبيّة من خلال التّنازل لها عن نسبة عادلة من الأشياء.

في عام ١٩٢٥م، وجّه المؤتمر السّوري الفلسطينيّ نداءً إلى الجمعيّة السّادسة لعصبة الأمم، انتقد فيه عدم تأثير السّلطات المحلّيّة على الموافقة على البعثات، ومنح الامتيازات. جاء فيه: تختصّ الجهّات الانتدابيّة وحدها بكلّ ما يتعلّق بالآثار . يسلّمون تصاريح إجراء الحفريّات لمن يرغبون دون طلب رأي، أو موافقة السّلطات المحلّيّة مسبقًا. . . لا نعرف ما هي الكنوز الّتي تمّ استخراجها من ترابنا بعد أن تمّت الحفريّات من دون أيّ إشراف. أدّى هذا النّداء إلى سنّ لائحة جديدة، والّتي ظلّت في صالح البعثات الأجنبيّة. لقد سمح لفرنسا بأن تقرّر أيّ الاكتشافات يجب التّنازل عنها لبعثة التّنقيب، وأيّ القطع يجب أن تبقى في الأراضي الخاضعة للانتداب. وضع النّظام مصالح الاستغلال الثّقافي فوق مصالح السّكان المحلّيّين. وتمّ التّعامل مع الآثار كسلعة مباحة للاستملاك[42].
عزّزت عصبة الأمم حماية الممتلكات الثّقافيّة. وشدّدت على الطّابع العالميّ، والدّور التّعليميّ للموارد الثّقافيّة، والحاجة إلى إمكانيّة الوصول إليها لجميع الدّول. ومع ذلك، ظلّت الأنظمة القانونيّة النّاشئة تتّسم بالانقسامات بين المجتمعات الغربيّة، وغير الغربيّة. لقد بنوا على الأنماط التّقليديّة للخطاب الحضاريّ، وأضفوا الشّرعيّة على النّماذج الغربيّة لحيازة القطع الثّقافيّة، والاتجار بها. على سبيل المثال، اعترف قرار بشأن حماية الآثار التّاريخيّة، والأعمال الفنّيّة، اعتمدته جمعيّة العصبة في عام ١٩٣٢م، بأنّ القطع الفنيّة، والأثريّة لا تخضع لمفاهيم الملكيّة الوطنيّة فحسب، بل إنّها جزء من تراث البشريّة عُهد بالحفاظ عليها إلى الدّول المتحضّرة وفق مفهومهم. أعد المكتب الدّولي للمتاحف «Icom» عدّة صكوك قانونيّة جديدة لحماية الممتلكات الثّقافيّة في أوقات الحرب والسّلم. وسعت مشاريع الاتفاقيّات هذه إلى التّوفيق بين ضرورتين متعارضتين، وهما الطّبيعة العالميّة للأعمال الفنّيّة، وأهمّيّتها للإنسانيّة، ومصالح الدّول في الحفاظ على (التّراث الوطنيّ الّذي ترتبط به أيّ أمّة متحضّرة ارتباطًا وثيقًا) [43].

أعادت اتّفاقيّة لاهاي لعام ١٩٥٤م لحماية الملكيّة الثّقافيّة في حال النّزاع المسلح، وبروتوكولاتها[44] صياغة القواعد المتعلّقة بالاستيلاء الثّقافيّ في النّزاع المسلح ردًّا على تدمير التّراث الثّقافيّ في الحرب العالميّة الثّانية. وهي تغطّي النّزاعات المسلّحة الدّوليّة، وغير الدّوليّة، بما في ذلك حالات الاحتلال. اعتمدت اتّفاقية عام ١٩٥٤م، فهمًا أكثر شمولًا للحماية الثّقافيّة من خلال الاعتراف بمساهمة كلّ شعب في ثقافة العالم . وكما هو الحال مع الصّكوك الأخرى المتعلّقة بالنّزاعات، لم تتناول اتّفاقية عام ١٩٥٤م، وبروتوكولاتها العنف الاستعماريّ في الماضي إلّا بشكل هامشي. على سبيل المثال، يتضمّن بروتوكول لاهاي لعام ١٩٥٤م التزامًا مطلقًا بإعادة الممتلكات الثّقافيّة الّتي تمّ إزالتها من الأراضي المحتلّة بعد انتهاء الأعمال العدائيّة، دون قوانين التّقادم، أو حماية اكتساب حسن النيّة . وينصّ على أنّ الممتلكات الثّقافيّة المحميّة لن يتمّ الاحتفاظ بها. ومع ذلك، فهو محدود الاستخدام بالنّسبة لمطالبات إعادة الأشياء الّتي تمّت إزالتها في الحقبة الاستعماريّة، أو مطالبات السّكّان الأصليّين. تتضمّن الصّكوك ذات الصّلة قيودًا صريحةً تركت الأمر للقوى القائمة بالإدارة في الأقاليم المستعمرة. وبهذه الطّريقة، تمّ وضع الخطأ الاستعماريّ إلى حدٍّ كبيرٍ خارج الإطار الملزم لصكوك المعاهدات الدّوليّة الّتي تحمي الممتلكات الثّقافيّة في أوقات النّزاع، وترك داخل المنطقة الرّماديّة من الغموض والتّقدير. لم تصدّق الولايات المتحّدة، والمملكة المتّحدة، وهما لاعبان رئيسان في النّقاش حول إعادة الممتلكات، على بروتوكول لاهاي لعام ١٩٥٤م الّذي ينصّ على واجب إعادة الممتلكات الثّقافيّة الّتي تمّ إزالتها من الأراضي المحتلة[45].

وسننهي هذه الفقرة بالحديث عمّا جرى في سورية ما بعد عام ٢٠١١م، حيث إنّ الاستعمار القديم عاد بوجهٍ جديد، لا سيّما فيما يتعلّق بسرقة، ونهب الممتلكات الثّقافيّة. ففي شمال سورية عاث فسادًا الاحتلال العثمانيّ من سرقة، وتخريب للمواقع الأثريّة، وكنّا قد شاهدنا ما حلّ في معبد عين دارا عندما قصفته الطّائرات التّركيّة، ودمّرت أغلب أجزائه، وفي موقع جنديرس الّذي تمّ تحويله إلى قاعدة عسكريّة تركيّة بعد أن تمّ تجريفه بالكامل، وسرقة القطع الأثريّة الّتي ظهرت ضمنه. أمّا بخصوص المتاحف فقد تمّ سرقة متحف إدلب، ومتحف الرّقّة بالكامل، وشوهدت العديد من القطع معروضة للبيع في تركيا. ووفقًا لما تمّ التّصريح عنه من قبل السّلطات التّركيّة الرّسميّة يوجد ما يقارب من ٣٥ ألف قطعة أثريّة سوريّة تمّ مصادرتها رسميًّا من قبل الجمارك التّركيّة، وسلّمت للسّلطات الأثريّة في تركيا، وعلى الرّغم من المحاولات العديد من قبل السّلطات الأثريّة السّوريّة الحصول على قائمة لهذه القطع، فإنّها جوبهت بالرّفض من قبل الجانب التّركي، ولم تستطع منظمة اليونسكو عمل أيّ شيءٍ بهذا الخصوص، رغم مطالبتها بهذا الأمر.
بينما نجد الفكر الاستعماريّ الفرنسيّ بشأن الآثار يعود مجدّدًا من خلال ما صرّح به الرّئيس الفرنسيّ فرانسوا هولاند في عام ٢٠١٦م عن إنشاء مستودعاتٍ لحفظ التّراث المهدّد في سوريّة، والعراق في متحف اللّوفر لونس شمال فرنسا[46]. وهذا العمل من دون شكّ سيكون للقطع الأثريّة السّوريّة المسروقة الّتي يتمّ مصادرتها على الأراضي الفرنسيّة؛ لذا فإنّ افتتاح هذا المركز بشكلٍ قانونيّ، سيؤدّي إلى عدم قبول أيّ طلبات استردادٍ للقطع المسروقة الّتي ستكون محفوظة ضمنه.

خاتمة
لقد اتّسمت الأطر القانونيّة الّتي تحكم الاستيلاء على الممتلكات الثّقافيّة الاستعماريّة، وإعادتها، بالاستمراريّة الاستعماريّة، وما بعد الاستعماريّة طيلة القرن العشرين. وبينما ضغطت البلدان، والمجتمعات الأصليّة من أجل إعادة الممتلكات، دافعت القوى الاستعماريّة السّابقة بنشاط عن الحفاظ على الوضع الرّاهن الّذي خلقته الحال الاستعماريّة. لقد اعتمدوا على تقنيّات الابتعاد، أي فصل الماضي الاستعماري عن علاقات الحاضر من خلال الحواجز الزّمنيّة، والمفاهيم الّتي تخفي المخالفات، والثّغرات القانونيّة، والغموض، أو العقبات الّتي تعترض العودة. فعلى سبيل المثال عندما أقرّ الرّئيس الفرنسي ماكرون عودة الممتلكات الثّقافيّة المسروقة من دولة بنين (Benin) صرّحت وزيرة الثّقافة الفرنسيّة باشلو (Bachelot) تعقيبًا على ذلك إلى أنّ مشروع القانون ليس عامًّا في نطاقه؛ فهو ينطبق فقط على مجموعةٍ محدّدةٍ من الأشياء الّتي يدرجها صراحةً؛ لذا حتّى لو تمّ عدّ الممتلكات المعنيّة قد تمّ الاستيلاء عليها أثناء الحرب، فإنّ إقرار مشروع القانون هذا لن يكون له أثر التّشكيك في شرعيّة ملكيّة بلدنا لأيّ ممتلكات، تمّ الحصول عليها في سياق نزاع مسلّح. وهذا النّمط من الاكتساب، المستبعد تمامًا اليوم، لم يكن محظورًا بموجب أيّ قاعدةٍ في أوقات أخرى، لا في فرنسا، ولا في أيّ بلدٍ آخر في العالم. إنّ قواعد القانون، والمبادئ الأخلاقيّة الّتي أصبحت الآن ساريةً لحسن الحظّ، لا يمكن تطبيقها على القضايا الماضية[47]. وختامًا يمكن القول إنّه في نهاية المطاف، كانت عمليّات الاستيلاء الاستعماريّة تتعلّق بما هو أكثر بكثير من مجرّد قطع أثريّة.

لائحة المصادر والمراجع
البني، عدنان الأسعد خالد، تدمر أثريًّا تاريخيًّا سياحيًّا، (د. ت).
Bulletin de la société Nationale des Antiquaires de France; 1987, Robert du Mesnil du Buisson.
Chamonard; 1920, A propos du Service des antiquités de Syrie, Syria, Tome 1.
Dussaud R; 1956, L’œuvre scientifique syrienne de M. Charles Virolleaud, Syria XXXIII (Hommage à Charles Virolleaud, membre de l’Institut).
Edwell P-M; 2008, Between Rome and Persia, Routledge, London.
Emberling G; 2010, Pioneers to the Past, The university of Chicago.
Ferris N, Harrison R, and Wilcox M; 2014, Rethinking Colonial Pasts through Archaeology, Oxford Scholarship Online.
Hitzel F; 2010, Osman Hamdi Bey et les débuts de l’archéologie Ottomane, Turcica.
Gelin M; 2005, L’Institut Français d’Archéologie de Beyrouth, (1946- 1977), Syria, Tome 82.
Gelin M, Chanteau J, Nicolas C; 2017, Archéologie et patrimoine au Moyen-Orient: passé retrouvé, passé recomposé. Le Moyen-Orient, 1876-1980, Atlande.
Gran-Aymerich ب; 2016, Les chercheurs du passé (1798-1945) Aux sources de l’archéologie, CNRS ةditions, Paris.
Ghobrial J-P; 2016, The Archive of Orientalism and its Keepers: Re-Imagining the Histories of Arabic Manuscripts in Early Modern Europe, Past & Present, Volume 230, Issue suppl_11.
Gillot L; 2010, Towards a Socio-Political History of Archaeology in the Middle East: The Development of Archaeological Practice and Its Impacts on Local Communities in Syria, Bulletin of the History of Archaeology 20 (1).
Griswold S, 1935, Locating Archaeological Expertise: Debating Antiquities Norms in the A Mandates, 19181926, Experts et expertise dans les mandats de la société des nations: figures, champs, outils, Library of Congress.
Koçak A; 2011, The Ottoman Empire and Archaeological Excavations: Ottoman Policy from 1840-1906, Foreign Archaeologists, and the Formation of the Ottoman Museum, Isis Press.
Lydon J, Rizvi U; 2010, Handbook of Postcolonial Archaeology. Walnut Creek: Left Coast Press.
Matheson S-B; 1982, Duraeurpos the ancient city and the Yale collection, Yale University Art Gallery.
Moro-abadia O; 2006, The History of Archaeology as a ‘Colonial Discourse’, Bulletin of the History of Archaeology, n16.
Ousterhout R- G; 2010, Archaeologists and Travelers in Ottoman Lands, Expedition Magazine 52.
Posocco L; 2021, Osman Hamdi Bey and the Dawn of the Ottoman Museum: a Bourdieusian Approach, International Journal of Humanities Social Sciences and Education (IJHSSE), Volume 8, Issue 10.
Poulos A –H; 2000, The 1954 Hague Convention for the Protection of Cultural Property in the Event of Armed Conflict: An Historic Analysis, International Journal of Legal Information, 28.
Renan R; 1864, Mission de Phénicie, L’imprimerie Impériale De France, France.
Sartre-Fauriat A,  Sartre M ; 2008, Palmyre: La cité des caravanes, Gallimard, France.
Stanley-Price N; 2001; The Ottoman Law on Antiquities (1874) and the founding of the Cyprus Museum; Cyprus in the 19th century A. D. Fact, fancy and fiction, Oxbow Books.
Stahn C, 2023, Colonial and Post-colonial Continuities in Culture Heritage Protection: Narratives and Counter narratives, Confronting Colonial Objects: Histories, Legalities, and Access to Culture, Oxford University Press.
Stahn C; 2020, Reckoning with Colonial Injustice: International Law as Culprit and as Remedy, LJIL 33.
Stoneman R; 1994: Palmyra and its Empire: Zenobia’s Revolt against Rome, Ann Arbor.
Verhoeven J, Visscher C De; 2000, Living and Thinking International Law, EJIL11.
Wood R; 1753, The Ruins of Palmyra, otherwise Tedmor, in the Desart, London.


------------------------------------------
[1]. المتخصِّصٌ في الآثار والتراث.
[2]. .R.Stoneman; 1994.
[3]. .البني، عدنان الأسعد خالد، ص٣٤.
[4]. A.Sartre-Fauriat,  M Sartre; 2008, P.14- 15.
[5]. R.Wood; 1753.
[6]. J-P Ghobrial; 2016, P.90 -111.
[7]. R.Renan; 1864.
[8]. G.Emberling; 2010, P.15.
[9]. L.Posocco; 2021, P.29- 41
[10]. A.Koçak; 2011.
[11]. R- G Ousterhout; 2010, P.9- 20.
[12]. G.Emberlingl; 2010, P.19
[13]. ب.Gran-Aymerich; 2016, P.359- 368.
[14]. .J.Chamonard; 1920.P.81 -98
[15]. .P.M Edwell; 2008, P.94 -95.
[16]. È.Gran-Aymerich; 2016, P.359 -368.
[17]. S.B Matheson; 1982.
[18]. Bulletin de la société nationale des antiquaires de France; 1987, P.17.
[19]. بخصوص القطع الأثريّة التي أخرجها الكونت يمكن العودة إلى مجموعات القطع في متحف اللوفر ضمن الموقع الرسمي، حيث يوجد نحو ٨٣٩ قطعة أدخلت إلى متحف اللوفر تحت اسم الكونت دو ميسنيل (Louvre site des collections).
[20]. È.Gran-Aymerich; 2016, P.359- 368.
[21]. .ب Gran-Aymerich; 2016, P.359 -368.
[22]. M.Gelin; 2005.P.279- 329
[23]. R.Dussaud; 1956, P.8- 12.
[24]. J.Chamonard; 1920.P.81- 98.
[25]. .ب.Gran-Aymerich; 2016, P.359 -368.
[26]. M.Gelin, J Chanteau, C Nicolas; 2017, P.646- 651.
[27]. J.Chamonard; 1920.P.81- 98.
[28]. N.Stanley-Price; 2001, p: 267- 275.
[29]. .F.Hitzel; 2010, P.167 -190.
[30]. .ب.Gran-Aymerich; 2016, P.359- 368.
[31]. .S.Griswold, 1935, P.141 -158.
[32]. .O.Moro-abadia; 2006, P.4- 17.
[33]. .J.Lydon, U Rizvi; 2010, P.39- 50.
[34]. N.Ferris, R Harrison, and M Wilcox; 2014, P.63.
[35]. L.Gillot; 2010, P.4- 16.
[36]. N.Ferris, R Harrison, and M Wilcox; 2014, P.63.
[37]. L.Gillot; 2010, P.4 -16.
[38]. .S.Griswold; 1935, P.141- 158.
[39]. .J.Chamonard; 1920.P.81 -98.
[40]. ب.Gran-Aymerich; 2016, P.359- 368.
[41]. C.Stahn; 2020, P.823 -835.
[42]. .C.Stahn; 2023, P.345 -413.
[43]. .J.Verhoeven, C De Visscher; 2000, P.887 -904.
[44]. .A –H Poulos; 2000, P.1- 44.
[45]. C.Stahn, 2023, P.345- 413.
[46]. .https://www.france24.com/ar/20161101
[47]. C.Stahn; 2023, P.378 -536.