الباحث : د. دعاء عبد النبي حامد
اسم المجلة : الاستعمار
العدد : 6
السنة : شتاء _ 2026 م
تاريخ إضافة البحث : January / 27 / 2026
عدد زيارات البحث : 114
الملخص
تهدف الدراسة إلى إلقاء الضوء على شخصيّة جاك فوكار (Jacques Foccart) ودوره المحوري في صياغة السياسة الإفريقيّة لفرنسا خلال فترة ما بعد الاستعمار، إذ ارتبط اسمُه ارتباطًا وثيقًا بمفهوم (فرانس أفريك) الذي يعكس شبكة المصالح الفرنسيّة في القارة الإفريقيّة. فمن خلال عمله مستشارًا للرئيس شارل ديجول، ثم لبومبيدو، أصبح فوكار مهندسًا لشبكةٍ واسعةٍ من العلاقات السياسيّة والاقتصاديّة والأمنيّة التي مكّنت فرنسا من إعادة إنتاج استعمارها في صورةٍ جديدةٍ تُعرف بالاستعمار غير المباشر أو (الاستعمار الجديد).
تسعى الدراسة إلى الكشف عن طبيعة هذه الشبكة، وآليات تدخّل فرنسا في الشؤون الإفريقيّة، وكيف أسهم فوكار في هندسة علاقاتٍ سياسيّةٍ واقتصاديّةٍ وأمنيّةٍ جعلت الاستقلال الإفريقي شكليًّا في كثيرٍ من الحالات. كما تقدّم الدراسة قراءةً نقديّةً لممارسات فوكار، مبيّنةً إسهاماته في تعزيز التبعيّة السياسيّة والاقتصاديّة للأنظمة الإفريقيّة تجاه فرنسا. تركز الدراسة على تحليل أدوات فوكار في إدارة النفوذ الفرنسي بإفريقيا: من التدخّلات العسكريّة ودعم الأنظمة السلطويّة، إلى توظيف الاقتصاد والشركات متعدّدة الجنسياّت كوسائل هيمنة. كما تسعى إلى تقديم قراءةٍ نقديّةٍ لإرثه السياسي الذي لا يزال يلقي بظلاله على العلاقات الفرنسيّة الإفريقيّة حتى اليوم.
الكلمات المفتاحيّة: إفريقيا، جاك فوكار، فرانس أفريك، النفوذ الفرنسي، الهيمنة، التبعيّة، الاستعمار الجديد.
المقدّمة
تُعدّ دراسة شخصيّة جاك فوكار مدخلًا أساسيًّا لفهم طبيعة العلاقة بين فرنسا وإفريقيا خلال القرن العشرين، ولا سيّما في مرحلة ما بعد الاستقلال. فقد مثّل فوكار ــ الذي عمل مستشارًا سياسيًّا للرئيس شارل ديجول (Charles de Gaulle) منذ عام 1960م، ثم واصل عمله مع الرئيس جورج بومبيدو (Georges Pompidou) (رجل الظل) الذي صاغ وأدار سياسات فرنسا الإفريقيّة بعيدًا عن الأضواء الرسميّة.
لقد تميّز فوكار بقدرةٍ استثنائيّةٍ على بناء شبكةٍ من العلاقات الشخصيّة والسياسيّة مع قادة الدول الإفريقيّة، وهي شبكةٌ تجاوزت الأطر الدبلوماسيّة التقليديّة لتصبح نظامًا غير رسمي يعرف اصطلاحًا بـ (فرانس أفريك) (Françafrique). هذا النظام جسّد أحد أكثر أشكال الاستعمار الجديد تعقيدًا؛ إذ جمع بين استمرار الهيمنة الاقتصاديّة والسياسيّة، وشرعنة تلك الهيمنة عبر دعم الأنظمة المحلّية التي ضمنت بدورها حماية المصالح الفرنسيّة.
تكمن أهميّة الدراسة في كونها لا تقتصر على استعراض السيرة السياسيّة لفوكار، وإنّما تهدف إلى تقديم قراءةٍ تحليليّةٍ نقديّةٍ لدوره من خلال:
- الكشف عن آليات النفوذ الفرنسي في إفريقيا.
- إبراز كيف أسهم فوكار والشبكة الفوكاريّة في استمرار التبعيّة السياسيّة والاقتصاديّة.
- تحليل إرث فوكار من منظورٍ نقديّ يربطه بمفهوم الاستعمار الجديد.
تدور الدراسة حول عدّة محاور أهمّها:
المحور الأول: جاك فوكار رجل الظلّ في الإليزيه.
المحور الثاني: مفهوم (فرانس أفريك) وآليات السيطرة على إفريقيا.
المحور الثالث: التدخلات العسكرية والانقلابات الفرنسيّة في إفريقيا.
المحور الرابع: تراجع النفوذ الفرنسي في إفريقيا.
وتستند الدراسة إلى منهجيّةٍ تحليليّةٍ نقديّةٍ، تجمع بين التحليل التاريخي والسياسي.
المحور الأول: جاك فوكار رجل الظلّ في الإليزيه
أولًا: النشأة والخلفيّة السياسيّة
وُلد جاك فوكار في 31 من شهر أغسطس عام 1913م، في مدينة أمبريرلي فالي ماين (Ambrières-les-Vallées) في غرب وسط فرنسا، لعائلة من المزارعين البيض من جزيرة كوادلوب بمنطقة الكاريبي وعمل بالتجارة قبل اندلاع الحرب العالميّة الثانية حيث كان يدير شركة للاستيراد والتصدير[2]. عرف فوكار بسيد إفريقيا (Monsieur Afrique)؛ فهو مدير الشبكة الفوكاريّة وقائدها، حيث كان أمين عام للشؤون الإفريقيّة في عهد الرئيسين الفرنسيين شارل ديجول، وجورج بومبيدو، فكان رجل مخابرات فرنسا في إفريقيا ومهندس الاستعمار الحديث بشقّيها الاقتصادي والسياسي، يتحرّك في إفريقيا بصفة رجل أعمالٍ تارةً، وبصفته دبلوماسيًّا فرنسيًّا متخصّصًا في الشؤون الإفريقيّة تارةً أخرى. لعب دورًا محوريًاّ في الحفاظ على النفوذ الفرنسي في إفريقيا جنوب الصحراء[3].
خلال الحرب العالمية الثانية عمل فوكار رقيبًا في الجيش الفرنسي، ثم التحق بالمقاومة بعد هدنة 1940، سريعًا ما انخرط تحت قيادة ديجول. وبعد استقالة هذا الأخير في يناير 1946م، عاد فوكار إلى أعماله التجاريّة، غير أنّه كان من بين المؤيّدين بضرورة الإعداد لعودة الجنرال إلى الحكم. كان فوكار من أوائل الداعين إلى تأسيس حزبٍ سياسيّ ديجولي وهو حزب «تجمّع الشعب الفرنسي» «RPF». وفي عام 1954م، أصبح فوكار أمينًا عامًّا لتجمع الشعب الفرنسي. انتمى فوكار إلى ما كان يُعرف بـ (أكاديمية الجولية)، أي تلك الدائرة الضيّقة من سبعة أو ثمانية رجال التفّوا حول ديجول في اللحظات المفصلية، مثل تأسيس الجمهوريّة الخامسة في يونيو 1958م، خلال الحرب العالميّة الثانية[4].
ثانيًا: فوكار والمكتب الإفريقي في الإليزيه
عام 1960م، مع موجة استقلال المستعمَرات الفرنسيّة في إفريقيا، قرّر ديجول إنشاء (خليّة الشؤون الإفريقيّة والمدغشقريّة) داخل قصر الإليزيه. أوكلت هذه الخليّة إلى جاك فوكار، الذي أصبح منذ ذلك الحين العقل المدبّر للسياسة الفرنسيّة في إفريقيا. كان فوكار هو العقل المدبّر للتحرّك الفرنسي في إفريقيا، وصاحب شبكة الاستخبارات الخاصّة التي أنشأها وأدارها هناك. وبعد استقالة ديجول، احتفظ به الرئيس بومبيدو في موقعه بعد شيءٍ من التردّد، بينما لم يستعن به لا جيسكار ولا ميتران (مع أنّ شيراك استشاره أثناء تولّيه رئاسة الوزراء بين 1986 و1988م). وفي عام 1990م، بدا من المعقول بحكم سنّه (77 عامًا آنذاك) والظروف المحيطة أنّ مسيرته النشطة قد انتهت. لكن في عام 1995م، ومع انتخاب جاك شيراك رئيسًا للجمهوريّة، كان من أوائل قراراته إخراج فوكار من تقاعده وتنصيبه مستشارًا خاصًّا في الإليزيه[5]. كان استدعاء جاك فوكار إلى قصر الإليزيه بمجرد انتخاب شيراك، دلالةً على رغبته في استعادة السياسة الإفريقيّة التي اتبعها شارل ديجول، وأنّ شيراك لا ينوي تغيير السياسة الفرنسيّة تجاه إفريقيا، وكانت وفاة فوكار في 17 مارس عام 1997 في باريس بمنزلة نهاية لعصر العلاقة الخاصّة بين فرنسا وإفريقيا، إذ بدأ استبدال رؤساء الدول الإفريقيّة بجيلٍ جديدٍ من الأفارقة، أكثر قربًا تجاه فرنسا.
المحور الثاني: مفهوم (فرانس أفريك) وآليات السيطرة على إفريقيا
دأبت فرنسا والنخبة الفرنسيّة الحاكمة على تبنّي نهجٍ أبويّ في علاقتها بإفريقيا ونخبتها الحاكمة؛ فمنذ رئاسة شارل ديجول وصولًا إلى ميتران وساركوزي وهولاند وماكرون، اتّسمت علاقات فرنسا بإفريقيا بمزيجٍ من الأبويّة والبراغماتيّة. أبرمت فرنسا في عهد الرئيس ديجول سلسلةً من الاتفاقيّات الثنائيّة والمعاهدات مع القادة السياسيّين في إفريقيا بعد الاستقلال؛ من أجل البقاء والسيطرة بشكلٍ فعّالٍ فيما يتعلّق بالدبلوماسيّة والسياسة، في ظلّ اهتمامها بالاقتصاد والجيش وجوانب أخرى من الحياة الوطنيّة في مستعمراتها السابقة، وترسخّت هذه الاتفاقيات في إطار سياسة فرنسا في التعامل مع إفريقيا بعد الاستقلال، والمعروفة باسم (الفرنسيّة الإفريقيّة). بدأ الجنرال ديجول، مهندس العلاقات الفرنسيّة مع إفريقيا ما بعد الاستقلال، ومستشاره للشؤون الإفريقية، جاك فوكار، السياسة التي تلت عودة الجنرال ديجول إلى السلطة رئيسًا لفرنسا عام 1958م[6].
أولًا: نشأة مفهوم (فرانس أفريك)[7] (Françafrique)
ولدت الشبكة الفوكاريّة في فرنسا عقب نضال الأفارقة من أجل الاستقلال من الاستعمار الفرنسي بقيادة شارل ديجول، وهي شبكةٌ خطيرةٌ لها أهداف أهمّها السيطرة على إفريقيا اقتصاديًا وتقنين الاستعمار الحديث لمستعمرات فرنسا في إفريقيا، ثم اتّسعت نفوذها حسب مصالحها إلى غير مستعمرتها في إفريقيا تحت اسم (فرنس أفريك)، وهي شبكةٌ فوكاريّة متعدّدة الأطراف، كُلِّف فوكار بإدارتها. كانت الشبكة الفوكاريّة اقتصاديةً، لكنها تحوّلت إلى سياسيّةٍ وعسكريّة. فجاك فوكار وشارل ديجول هما الأبوان المؤسّسان لاستعمار فرنسا الحديث لإفريقيا[8].
نشأت شبكات فوكار من التدخّل الفرنسي في الشؤون الإفريقية، الذي يعود لسببين رئيسين: الأوّل هو ضمان وصول فرنسا المتميّز إلى الصناعات الاستخراجيّة في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، والثاني هو مواجهة الشيوعيّة والنفوذ السوفيتي خلال الحرب الباردة في هذا الجزء من العالم.
وقد وصف أشيل مبيمبي مفهوم (فرانس أفريك) على النحو الآتي: «غالبًا ما يشُار إلى (فرانس أفريك) كما لو أنّها تتألّف فقط من عددٍ قليلٍ من الوسطاء والمبعوثين والمكاتب العاملة في الخفاء. ولكن ما هي إن لم تكن نموذجًا للسيطرة والهيمنة دون مسؤولية؟ نظامٌ واسع النطاق قائمٌ على الاستيعاب المتبادل والفساد المتبادل لشرائح من النخب الفرنسيّة والإفريقيةّ، (فرانس أفريك)، وهو نموذج معكوس لإنهاء الاستعمار، يحكمه جميع أنواع الترتيبات الخاصّة والمحسوبيّة، وتدعمه سلسلةٌ من الممارسات غير القانونيّة، حتى الإجراميّة منها. يعتمد هذا النظام التابع والمسيطر، من أجل بقائه، على استمرار أشكالٍ من القوى الاستبداديّة في إفريقيا، وعلى إرث السياسة الفرنسيّة الإفريقيّة دون أيّ ديمقراطيّةٍ أو رقابةٍ برلمانيّة»[9].
أنشأ فوكار شبكته المركزيّة، بنحوٍ يبقى المسيطر الوحيد على الوضع في القارة الإفريقيّة، فكان يستمدّ معلوماته عن طريق أجهزة الاستخبارات والأجهزة السريّة والدبلوماسيّة، لكن أيضًا من رجال الأعمال والشخصيّات البارزة التي تعمل محليًّا، جنبًا إلى جنب مع الأجهزة السريّة وغالبًا ما يتمّ تجنيد المرتزقة. ونجح فوكار في خلق شبكة مصالح مهمّتها إبقاء دول غرب ووسط إفريقيا تحت سيطرة فرنسا، حتى بعد خروجها عسكريًا منها، فقد كانت فرنسا تعوّل كثيرًا على الخيرات الإفريقيّة، وليس من السهل أن تتخلّى عنها دفعةً واحدةً وبنحو نهائي. من خلال هذه الشبكة، ضمنت فرنسا الوصول إلى الموادّ الخام الإستراتيجيّة للقارة والسيطرة عليها (النفط واليورانيوم وغيرها)، كما ضمنت بقاء عدّة قواعد عسكريّة لها هناك، لحماية مصالحها العليا في القارة السمراء، فدون قواتٍ عسكريّةٍ لا يمكنها الحفاظ على بقائها في القارّة، كما حافظت من خلالها أيضًا على ولاء الدول الإفريقيّة لها على المستوى السياسي[10].
(فرانس أفريك) أداةٌ فرنسيّةٌ أطلقت بها الجمهورية الفرنسيّة عمليةً جديدةً من الحكم الاستعماري في أفقر قارات العالم. لم تظهر جوانب هذه الأداة إلّا في منتصف تسعينيّات القرن الماضي مع ظهور حادثة «ELF». أسّست شركة «ELF» عام 1967، وكانت تستهدف إفريقيا بوصفها شركةً خاصّةً للنفط والتعدين. بعد استقلال الجزائر، حرُمت الشركة من عائدات النفط في الدولة الواقعة شمال إفريقيا. في هذه الحالة، احتاجت فرنسا إلى إيجاد موارد بديلة؛ لذلك، استخدام مبدأ الشبكة التي بناها فوكار لسنواتٍ عديدة، ليس فقط في الدول الإفريقيّة الناطقة بالفرنسيّة، بل أيضًا في المستعمَرات السابقة غير الفرنسيّة مثل أنغولا، للبحث عن موارد جديدة. عينّ ديجول وزير الدفاع بيير غيومات (Pierre Guillaumat) لرئاسة الشركة التي نفذت العديد من أنشطة (الخدمة السرية) مثل الرشوة والفساد وتمويل الحكومات والتدخّل في تعيين كبار المسؤولين والتسلل إلى أجهزة الدولة[11].
لأكثر من قرنٍ، خضعت عشرون دولةً أفريقيّةً للاستعمار الفرنسي. إلّا أنّ الهيمنة الفرنسيّة في إفريقيا بدأت بالتراجع مع ظهور العديد من حركات التحرير والمقاومة. في هذه الحالة، كان على فرنسا أن تعتمد استراتيجيةً جديدةً لإطلاق عمليّةٍ استعماريّة جديدةٍ باسم تعميق العلاقات التاريخية مع إفريقيا. بحلول عام 1960م، اقترح ديجول استقلال أربعة عشر دولة إفريقية. كان يميل إلى تبنّي استراتيجيّةٍ لجعل إفريقيا تقع في عمليّة استعمار أخرى لأكثر من نصف قرن. كان ديجول مقتنعًا بأنّ الثقل السياسي والاقتصادي لفرنسا في النظام الدولي يعتمد بنحوٍ أساسٍ على تلبية احتياجات الموادّ الخام؛ لهذا السبب، تولّى المهام الجديدة لهذه الاستراتيجيّة وزيران هما بييرغيومات (Pierre Guillaumat)، وجاك فوكار (Jacques Foccart)، وهما مصمّما نظام (فرنسا وإفريقيا)[12].
اتفق الفرنسيّون ومستعمراتهم السابقة عند الاستقلال على الالتزام بشروط ميثاقٍ استعماريّ جديد. كان هذا الاتفاق الاستعماري ــ إلى حدٍّ كبيرٍ ــ من تأليف جاك فوكار. حيث كان صاحب النفوذ الكبير، وهو من تفاوض على العهد الاستعماري مع دول غرب إفريقيا الفرنسيّة وإفريقيا الاستوائيّة الناشئة التي نالت استقلالها عام 1960م. دون تخطيطٍ مسبق، اضطر ديجول في عام 1960م، إلى ارتجال هياكل لمجموعةٍ من الدول الصغيرة المستقلّة حديثًا، لكلٍّ منها عَلَمٌ ونشيدٌ وطنيّ، ومقعدٌ في الأمم المتحدة، ولكن غالبًا ما كانت تفتقر إلى أيّ شيءٍ آخر، باستثناء فريق كرة قدم. وهنا برز دور فوكار المحوري، إذ كان مهندس سلسلة اتفاقيّات التعاون مع كلّ دولةٍ جديدةٍ في قطاعات الماليّة والاقتصاد والثقافة والتعليم والجيش.
في البداية، كانت هناك إحدى عشرة دولة مشاركة: موريتانيا، والسنغال، وكوت ديفوار، وداهومي (بنين حاليًا)، وفولتا العليا (بوركينا فاسو حاليًا)، والنيجر، وتشاد، والغابون، وجمهورية إفريقيا الوسطى، والكونغو برازافيل، ومدغشقر. كما تم ضم توغو والكاميرون، وهما إقليمان مشمولان سابقًا بوصاية الأمم المتحدة. وكذلك، في وقتٍ لاحق، كان الأمر كذلك بالنسبة للمال والأراضي البلجيكيّة السابقة (رواندا-أوروندي، رواندا وبوروندي الآن، والكونغو كينشاسا)، وبعض الأراضي البرتغاليّة السابقة، وجزر القمر وجيبوتي، التي كانت أيضًا تحت الحكم الفرنسي لسنواتٍ عديدةٍ ولكنّها أصبحت مستقلّةً في السبعينيّات[13].
استندت وظيفة شبكة فرنس أفريك بنحوٍ أساسٍ إلى استخدام حقائب دبلوماسيةٍ سريّةٍ لم تكن خاضعةً لسيطرة أو تحقيق الدولة أو وزارة الخارجيّة الفرنسيّة. كان هذا الإجراء يدُار مباشرةً من قبِل الرئيس. لا تتعامل هذه الشبكة مع القضايا الاقتصاديّة فحسب، بل تتعامل أيضًا مع إنجاز العديد من المهام السياسيّة بما في ذلك الانقلابات، وترشيح الرؤساء والزعماء، وتمويل الحركات التمرديّة، وتنفيذ الاغتيالات السياسيّة[14]. إنّ (فرانس أفريك) لم تكن مجرد مفهوم سياسي، بل كان كانت نظامًا غير رسمي أعاد إنتاج التبعيّة الاستعماريّة تحت غطاء الاستقلال، حيث استمرت فرنسا في التحكّم بالسياسة، والاقتصاد، والأمن في عددٍ كبيرٍ من الدول الإفريقيّة الناطقة بالفرنسيّة.
ثانيًا: الأداة الاقتصاديّة – الشركات الفرنسيّة والموارد الطبيعيّة
يُعدّ الاقتصاد حجر الزاوية في منظومة (فرانس أفريك). وقد اعترف ديجول بأنّ الرخاء الفرنسي مستمدٌّ من ثروات إفريقيا. في مارس 2008، قال الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك: «بدون إفريقيا، ستنزلق فرنسا إلى مرتبة القوة الثالثة [العالمية]»، وكان سلف شيراك، فرانسوا ميتران، قد حذّر في عام 1957 من أنّه: «بدون إفريقيا، لن يكون لفرنسا تاريخٌ في القرن الحادي والعشرين». إنّ وجود هذه المستعمَرات الافتراضيّة يسمح لفرنسا ليس فقط بالوصول إلى ثروة إفريقيا بل السيطرة عليها[15].
بسطت فرنسا نفوذها الاقتصادي على إفريقيا في عدّة اتجاهات؛ أولها السيطرة على الموادّ الخام؛ كان ميثاق الاستعمار أكثر من مجرد اتفاقية لنشر جنود في جميع أنحاء إفريقيا؛ فقد ربط اقتصاد إفريقيا بسيطرة فرنسا دفاعيًّا. على سبيل المثال، وفقًا للملحق الثاني من اتفاقيّة الدفاع الموقعّة بين حكومات الجمهوريّة الفرنسيّة، وجمهوريّة ساحل العاج، وجمهوريّة داهومي، وجمهورية النيجر في 24 أبريل/نيسان 1961، تتمتع فرنسا بالأولويّة في الحصول على تلك الموادّ الخام المصنّفة على أنّها استراتيجيّة. في الواقع، ووفقًا للمادة 2 من الملحق، «تُبلغ الجمهوريّةُ الفرنسيّة جمهوريةَ ساحل العاج (والدولتين الأخريين) بانتظام بالسياسة التي تنوي اتباعها بشأن الموادّ الخام والمنتجات الاستراتيجيّة، مع مراعاة الاحتياجات العامّة للدفاع، وتطوّر الموارد، وحالة السوق العالميّة». وقد تمتع الفرنسيّون بحقّ الوصول المستمر إلى المواد الاستراتيجيّة. وشملت المجموعة الأولى من الموادّ الاستراتيجيّة المدرجة الهيدروكربونات السائلة أو الغازيّة. وشملت المجموعة الثانية اليورانيوم، والثوريوم، والليثيوم، والبريليوم، وخاماتها ومنتجاتها الثانوية[16].
أمّا العنصر الثاني في (فرانس أفريك)، وهو أهمّ العناصر حيث أدّى الدور الأهم في هيمنة الدول الناطقة بالفرنسيّة، ألا وهو قطاع الأعمال الفرنسي. فمع بدء تعافي الاقتصاد الفرنسي بعد عام ١٩٥٠م، بدأت الشركات الفرنسيّة الخاصّة وشبه الحكوميّة في الاستيلاء على سيطرة فرنسا على التجارة الإفريقيّة. كما بدأت هذه الشركات في التحرّك بقوةٍ بحثًا عن ملاذٍ آمنٍ في أسواق إفريقيا الناطقة بالفرنسيّة المحمية. ولا يزال العديد من هذه الشركات، إن لم يكن معظمها، في إفريقيا، لحماية أسواقها الاحتكاريّة المرخّصة التي منحتها إيّاها السياسة الاستعماريّة الفرنسيّة. وأصبحت هذه الشركات القوّة الفاعلة في (فرانس أفريك). وتشمل هذه الشركات:
-شركة بولوري (Bolloré) (شركة رائدة في مجال النقل البحري الفرنسي)، وهي المشغّل الرئيس للنقل البحري إلى جانب ساغا (Saga) وإس دي في (SDV) ودلماس (Delmas)، تسُيطر على الميناء والنقل البحري في جميع أنحاء منطقة غرب إفريقيا. كما تسُيطر على خطّ السكة الحديد الإيفواري – البوركيني سيتاريل (Sitarail). ورغم انسحابها، حافظت على مكانتها الرائدة في مجال التبغ والمطاط.
- احتلّت شركة بويوغ (Bouygues)، ــ الشركة الرائدة في مجال البناء والأشغال العامّة في فرنسا، والموجودة أيضًا باسم «Vinci» الشركة الثانية في مجال الأشغال العامّة في فرنسا ــ المرتبة الأولى في مجال البناء والأشغال العامّة، إلى جانب شركة كولاس (Colas) الشركة الثالثة في مجال الطرق كما أنّها تسيطر، من خلال الخصخصة والحصول على الامتيازات، على توزيع المياه وإنتاج وتوزيع الكهرباء، فضلًا عن استغلال النفط الإيفواري مؤخرًا.
- تهُيمن شركة توتال (Total) ــ أكبر شركة نفطٍ فرنسيّةٍ اندمجت مع شركة «ELF» ــ على قطّاع النفط والغاز، وتمتلك المئات من محطّات الوقود. كما تمتلك العديد من امتيازات النفط والغاز.
- تعدّ شركة فرانس تيليكوم (France Telecom) (السابعة من حيث الترتيب بين الشركات في فرنسا والرائدة في قطاع الاتصالات) المساهم الرئيس في العديد من امتيازات الاتّصالات في المنطقة.
-وفي قطاع البنوك والتأمين، هناك بنك «Société Générale» البنك السادس في فرنسا، وبنك «Credit Lyonnais»، وبنك «BNP-Paribas»، وبنك «AXA» ثاني أكبر شركة في فرنسا، والشركة الرائدة في قطاع التأمين.
بعد ستّين عامًا تقريبًا من الاستقلال، ما تزال فرنسا تسيطر على معظم البنية التحتيّة في إفريقيا الناطقة بالفرنسيّة. شركات الطيران والهاتف والكهرباء والمياه، وبعض البنوك الكبرى، تخضع لسيطرةٍ فرنسيّةٍ إلى حدٍّ كبير. ويؤكّد تقرير قدُمّ إلى الأمم المتّحدة عام ٢٠٠٦م المكانة المتميّزة لفرنسا في بلدٍ مثل ساحل العاج، والذي أفاد بأنّ الفرنسيين يمتلكون ٤٥ ٪ من الأراضي، ومن اللافت للنظر أنّ مباني رئاسة الجمهوريّة والجمعيّة الوطنيّة الإيفواريّة تخضع لعقود إيجارٍ مبرمةٍ مع الفرنسيّين[17]. ومن ناحيةٍ أخرى ترتبط فرنسا باتفاقيات تعاوُنٍ نقدي، مع ثلاث مناطق نقديّةٍ إفريقيّة، وهي الاتّحاد الاقتصادي والنقدي لغرب إفريقيا، والجمعيّة الاقتصاديّة والنقديّة لوسط إفريقيا، واتّحاد جزر القمر، ومن خلال التحكُّم في الفرنك الخاصّ بالمناطق النقديّة الإفريقيّة الثلاث، المرتبط بالفرنك الفرنسي ومن بعده اليورو، تمكّنت فرنسا من الهيمنة الكاملة على اقتصاد دول هذه المناطق النقديّة، التي كانت جميعها مستعمَراتٍ فرنسيّة باستثناء غينيا بيساو، وهو ما أسهم بدرجةٍ كبيرةٍ في تحقيق مصالح فرنسيّةٍ اقتصاديّة، تُصنَّف كمصالح حيويّةٍ على أقلّ تقدير[18].
ومن ثم هيمنت فرنسا (الشبكة الفوكاريّة) على الاقتصاد الإفريقيّ من خلال السيطرة على المعادن والموادّ الخام من جهة، والسيطرة على الشركات الكبرى من جهة أخر بالإضافة إلى السيطرة على السوق النقدي (الفرنك الإفريقي) من جهةٍ ثالثةٍ ممّا مكّن فرنسا من نهب ثروات إفريقيا الفرنسيّة التي تعدّ رافدا مهمًّا للنهضة الاقتصاديّة الفرنسيّة، بما يحقّقه لمواطنيها من تعزيز الرفاهيّة الاقتصاديّة والأمن الغذائي، ذلك بأنّ المستعمَرات الفرنسيّة الإفريقيّة، كانت وما تزال المصدر الرئيس للسلع الغذائيّة، والموادّ الخام اللازمة للصناعات الفرنسيّة.
ثالثًا: الأداة السياسيّة – الولاءات الشخصيّة والدعم للنخب الحاكمة
اعتمد فوكار على شبكةٍ من العلاقات الشخصيّة مع الرؤساء الأفارقة لضمان الولاء السياسي. لم يكن الأمر مجرد شراكة بين دول، بل كان أقرب إلى علاقة راعي بعملائه؛ فرنسا تدعم بقاء الأنظمة في الحكم، في المقابل يضمن القادة الأفارقة استمرار الامتيازات الفرنسيّة في بلدانهم.
وقد شجّع هذا النموذج على انتشار أنظمةٍ سلطويةٍ وفسادٍ سياسيّ واسع؛ إذ عدّ القادة الأفارقة دعم فرنسا ضمانةً أساسيةً للاستمرار في السلطة. على سبيل المثال؛ علاقة فوكار مع فيليكس هوفويه - بوانيي (Felix Houphouet-Boigny) أوّل رئيس لساحل العاج، والذي كان بلا منازع أكثر القادة تأييدًا لفرنسا في فترة ما بعد الاستقلال في غرب إفريقيا. كان الرئيس بوانيي يرى أنّ الدول الإفريقيّة المستقلّة حديثًا (المستعمَرات الفرنسيّة السابقة) بحاجةٍ إلى الحفاظ على علاقاتٍ أوثق مع فرنسا. إلّا أنّ هذا لم يكن يعني تعزيزًا كليًّا وحصريًّا للمصالح الفرنسيّة في المستعمَرات السابقة على حساب المصالح الوطنيّة للدول المستقلة حديثًا[19].
اعتمد هوفويه - بوانيي على فرنسا في تثبيت سلطته مقابل تسهيل الاستثمارات الفرنسيّة في بلاده، خصوصًا في قطّاعي الكاكاو والبنية التحتيّة. كان يلقب بـ (رجل فرنسا في إفريقيا)، حيث لعب دور الوسيط بين فوكار وزعماء أفارقة آخرين. العلاقة بين الرجلين لم تكن علاقة دولةٍ بدولة فحسب، بل علاقة شخصيّة قائمة على الثقة والولاء المتبادل.
أيضًا العلاقة مع عمر بونغو (Omar Bongo) فبعد وفاة ليون إمبا نهاية سنة 1967، تسلّم السلطة خليفتُه بونغو، الذي كانت فرنسا قد عيّنته[20]. شكّلت الغابون نقطةً استراتيجيّةً مهمّةً في شبكة فوكار بسبب ثروتها النفطيّة. ربطت فوكار علاقاتٌ قويّةٌ بعمر بونغو، الذي تولّى الحكم عام 1967. أصبحت شركة «Elf Aquitaine» أداةً رئيسةً في هذه العلاقة، إذ استفادت من عقودٍ نفطيّةٍ طويلة الأمد مقابل دعم النظام السياسي لبونغو. هذه العلاقة كرّست نموذج (المصالح المتبادلة غير المتكافئة): فرنسا تحصل على النفط بأسعارٍ تفضيليّة، بينما يحصل بونغو على دعمٍ سياسيّ وعسكريّ يضمن استمراره في الحكم[21].
أيضًا أحمدو أهيدجو (Ahmadou Ahidjo) من أبرز رجال فرنسا في الكاميرون؛ هو صنيعة الفرنسيين، ودميةٌ يُحرّك جاك فوكّار خيوطها. بهدف إخضاع التمرّد الذي قادته حركة «UPC»، وهي حركةٌ استقلاليّةٌ كاميرونيّة، أسّسَ جاك فوكار مصلحة التوثيق الخارجي ومكافحة التجسّس «SDECE» فرع إفريقيا، وأوكَلَ إدارتَها إلى موريس روبير (Maurice Robert). وكان جان فوشيفي (Jean Fochivé) على رأس إدارة الفرع الكاميروني «SEDOC». في سلك الشرطة أظهر جورج كونان (Georges Conan) الفرنسي المحترف المرعب، مواهبَه. أخيرًا، ومن أجل تحطيم مقاومة شعب الباميليك (Bamiléké)، أرسَلَ فوكار بناءً على طلب الحكومة الكاميرونيّة حملةً عسكريّةً فرنسيّةً بقيادة الجنرال ماكس بريان (Briand Max) الذي خَدَمَ لسنتين قائدًا لفوج المشاة الكاميروني «RIC» في الهند الصينيّة، وهو الفوج الذي اشتهر باسم (كسّارو الفييتناميين). بغية استئصال حركة «UPC» طبّق بريان الطرائق المُستَخدَمة في الهند الصينيّة والجزائر: معسكرات التجميع، وسياسة الأرض المحروقة، والقصف، وتدمير القرى[22].
كانت العلاقات الشخصيّة بين السياسيّين الفرنسيّين والأفارقة ذات أهميّةٍ بالغةٍ في ترسيخ النظام. وعلى الرغم من أن ديجول نفسه فوضّ العلاقات إلى مستشاره في إفريقيا، جاك فوكارت ولم يزر إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى بعد الاستقلال - إلّا أنّ القادة المذعنين وجدوا مع ذلك معاملةً تفضيليّةً في باريس، ووطّدوا الروابط التي أقُيمت في الخمسينيّات مع سياسيّين من جميع الأحزاب في فرنسا. وبينما كانت جاذبيّة الثقافة واللغة الفرنسيّة مهمّةً لدى بعضهم، كان ضمان الدعم الفرنسي ضدّ المعارضين الداخليين أكثر أهميّةً لدى آخرين. وقد طوّر بعض قادة إفريقيا الفرنكوفونيّة، وخاصّة أولئك الذين نجوا لعدّة عقود، نفوذًا كبيرًا في باريس (مثلًا بشأن الترشيحات الدبلوماسيّة وتدفّقات المساعدات، وقلّبوا في كثيرٍ من النواحي العلاقات التي يتوقّعها المرء من النموذج الاستعماري الجديد للقوة الفرنسيّة). على سبيل المثال، كان الرئيس الإيفواري فيليكس هوفويه بوانيي فعّالًا في الدعم الدبلوماسي والعسكري الفرنسي للمتمرّدين البيافريين في الحرب الأهليّة النيجيريّة[23].
رابعًا: الأداة الثقافيّة
لم يقتصر النفوذ على السياسة والاقتصاد؛ بل امتدّ إلى المجال الثقافي من خلال تعزيز الفرنكوفونيّة كإطارٍ لغويّ وثقافيّ يربط إفريقيا بفرنسا. هذه الأداة الناعمة أسهمت في ترسيخ التبعيّة الفكريّة والثقافيّة، وجعلت اللغة الفرنسيّة وسيلةً لخلق نخبٍ سياسيّةٍ واقتصاديّةٍ مرتبطةٍ فكريًّا بالمركز الفرنسي. في الواقع أعتقدت فرنسا أنّ منظومة القِّيَم التي يعتنقها مواطنوها، صالحة للتطبيق عالميّا، ومن ثَم فهي جديرةٌ بالحماية والتعزيز، وتُعدّ إفريقيا بيئةً خصبةً لحماية هذه المنظومة وتعزيزها، وبخاصّة أنّ اللغة الفرنسيّة تُعد اللغة الرسميّة الأولى، ولغة التعليم في كلّ المستعمَرات الفرنسيّة في إفريقيا، وتُعدّ منظمة الفرانكفونيّة من أقوى الأدوات التي تعزّز حماية اللغة وتعزيزها، ومن ثَم القيم الفرنسيّة، ويُعدّ نشر اللغة والقِيَم والتقاليد الفرنسيّة في إفريقيا، ضِّمن المصالح الكبرى على أقلّ تقدير[24].
وفقًا لما تقدّم أنّ فوكار وآليات الشبكة الفوكاريّة المتعدّدة المستخدمة في إفريقيا عزّزت الوجود الفرنسي والسيطرة على زمام الأمور في إفريقيا؛ مما أسهم بنحوٍ مباشرٍ في استمراريّة الاستعمار الفرنسي بغطاءٍ جديدٍ تحت مسمّى (التعاون المشترك بين فرنسا وإفريقيا)، وهو في حقيقية الأمر استنزافٌ للموارد الإفريقيّة لصالح الدولة الفرنسيّة من جانب والخضوع الإفريقي من قبل الزعماء للبقاء في السلطة من جانبٍ أخر، وهو وضعٌ يؤدّي في نهاية المطاف إلى صعوبة عمليّة التنمية والنهضة الإفريقيّة.
المحور الثالث: التدخّلات العسكريّة والانقلابات الفرنسيّة في إفريقيا
لم تتردد فرنسا، عبر شبكة فوكار، في التدخّل العسكري المباشر لحماية مصالحها، أو لمنع أيّ تهديدٍ سياسيّ قد يغيّر موازين القوى. بدءًا من عقد الاستقلال (ستينيّات القرن العشرين)، نفذّت فرنسا العديد من العمليّات العسكريّة الحاسمة في إفريقيا. وبينما تباينت دوافع هذه التدخّلات العسكرية، فقد نشُرت معظم العمليّات لدعم أو تعزيز المصالح الاقتصاديّة والتجاريّة والسياسيّة الفرنسيّة الأساسيّة في إفريقيا. وحتى بالنسبة لتلك العمليات التي صيغت تحت ستار التدخّلات الإنسانيّة ومهام السلام، كانت هناك دائمًا مصالح اقتصاديّة أو سياسيّة أو مصالح وطنيّة أخرى لفرنسا تعمل كدوافع أساسيّة للتدخّل.
خطّطت فرنسا ومؤسّستها العسكرية، بدعم وتمويل من طبقة رجال الأعمال، للعديد من العمليّات والتدخّلات العسكريّة في إفريقيا، وموّلتها، على سبيل المثال؛ في 15 أبريل 1974م، غضّ الجيش الفرنسي المتمركز في قاعدة في جمهوريّة النيجر الطرف عن قيام المقدّم سيني كونتشي (Seyni Kountche)، وهو رقيبٌ سابقٌ في الجيش الاستعماري الفرنسي، بانقلابٍ ناجحٍ ضدّ النظام المدني بقيادة الرئيس آنذاك حماني ديوري (Hamani Diori) كانت جريمة الرئيس ديوري، الحليف القوي، هي دعوته لإعادة التفاوض على الاتفاقيّة التجاريّة التي تقوم عليها امتياز تعدين اليورانيوم الفرنسي في جمهوريّة النيجر. أكثر من أيّ قوةٍ استعماريّةٍ أخرى[25].
أيضًا التدخّل الفرنسي في الغابون (1964م) لإعادة الرئيس ليون إمبا إلى الحكم بعد انقلابٍ ضدّه. ظهرت بوادر من الديمقراطيّة بعد استقلال الغابون الذي أُعلِنَ في 17 تموز 1960. تمسّك ليون إمبَا (Léon M,ba)، رجل فرنسا، بالسلطة وإن حافظ على إجراء الانتخابات. وفي 18 شباط 1964، قام الجيش بإبعاده عن السلطة بلا مقاومةٍ، وكلّف أبرز المُعارضين المدنيين، وهو جان- هيلير أوبان (Jean -Hilaire Aubanne) بتولّ السلطة فسارَعَ إلى طمأنة السفير الفرنسي. لكن فوكار أقنع ديجول بقمع هذه الجريمة التي عدّها تمسّ هيبة فرنسا. وفي 19 شباط نَفَّذ فَوْجانِ من المِظلّيين إنزالًا في ليبرفيل (Libreville)، الأوّل هو فوج المِظلّيين السابع في مُشاة البحرية وقاعدته في داكار، والآخر قاعدته في بُوار (Bouar) في إفريقيا الوسطى. وكانا بقيادة موريس روبير(Maurice Robert) رئيس مصلحة التوثيق الخارجي ومكافحة التجسّس «SDECE» فرع إفريقيا، وتمّت محاصرةُ مُعسكر (لالالا) (Lalala)فأطلَقَ الفرنسيّون النار فقُتِلَ 15 جنديًّا غابونيًّا. أُعيدَ ليون إمبا إلى السلطة وألقِيَ القبض على المعارضين. استعيدت الغابون من قِبل اختصاصيين فرنسيين، مثل جورج كونان الذي استخدم مواهبه في صفوف الشرطة الكاميرونيّة. وبعد وفاة إمبا نهاية سنة 1967م، تسلّم السلطة خليفتُه بونغو (Bongo)، الذي كانت فرنسا قد عيّنته[26].
هذه التدخّلات جسّدت الوجه العسكري لـ (فرانس أفريك)، حيث لعب الجيش الفرنسي دور (شرطي القارة) لصالح باريس. في سياق الفرنسيّة الإفريقيّة ومن خلال سياساتها، انخرطت فرنسا في الأنظمة الاستبداديّة ودعمتها، وسهّلت الفساد الذي مارسته الأنظمة الصديقة وساعدته، ودعمت الأنظمة المتورّطة في انتهاكات حقوق الإنسان، وقدّمت المساعدة والدعم للديكتاتوريين والأنظمة الديكتاتوريّة، وشاركت في القضاء على الزعماء الوطنيين التقدّميين، ودعمت تكتيكيًّا وسهّلت تهريب الأسلحة وإجراء عمليات القتل غير المشروع[27].
كانت الخليّة الإفريقيّة هي التي قدّمت المشورة، ووجّهت وتحكّمت في الردّ الفرنسي على تحدّيات المبادئ الأساسيّة لـ (فرانس أفريك). والأمر المهم بشأن آثار (فرانس أفريك) على الدول الإفريقيّة هو أنّ الفرنسيين قاوموا أيّ تغييرٍ محليّ في القواعد، وكان لديهم قواتٌ جاهزةٌ في إفريقيا لقمع أيّ قائدٍ ذي طموحاتٍ مختلفة. خلال الخمسين عامًا الماضية، وقع ما مجموعه 67 انقلابًا في 26 دولة أفريقية؛ 61 % منها في إفريقيا الناطقة بالفرنسيّة.
- بدأ الفرنسيّون (تأديب) الزعماء الأفارقة، عندما أمروا باغتيال سيلفانوس أوليمبيو (Sylvanus (Olympio في توغو عام 1963م، عندما أراد فرض عملته الخاصّة بدلًا من الفرنك الإفريقي.
- في يونيو/حزيران 1962 ، أصدر أوّل رئيسٍ لمالي، موديبا كيتا (Modibo Keita) ، مرسومًا يقضي بمغادرة مالي منطقة اتفاقيّة التجارة الحرّة الإفريقيّة والتخلّي عن الميثاق الاستعماري. وكما حدث في توغو، دفع الفرنسيّون لجندي أفريقي سابق لقتل الرئيس. وفي نوفمبر/ تشرين الثاني 1968م، نفذّ الملازم موسى تراوري انقلابًا، وقتل موديبا كيتا، وأصبح رئيسًا لمالي.
- أصبح استخدام فرنسا لأعضاء الفيلق الأجنبي الفرنسي السابقين لإزاحة الرؤساء المتمردين على الميثاق الاستعماري، أو اتفاقية إفريقيا الوسطى، أمرًا شائعًا. في الأول من يناير/كانون الثاني عام 1966م، نفذّ جان بيدل بوكاس (Jean Bedel Bokassa) العضو السابق في الفيلق الأجنبي الفرنسي، انقلابًا ضدّ ديفيد داكو (David Dacko)، أوّل رئيسٍ لجمهورية إفريقيا الوسطى.
- في 3 يناير/كانون الثاني 1966م، أصبح موريس ياميوغو (Maurice Yameogo) ، أوّل رئيسٍ لجمهوريّة فولتا العليا، التي تسمّى الآن (بوركينا فاسو)، ضحية انقلابٍ نفذّه أبو بكر سانجولي لاميزانا (Aboubakar Sangoule Lamizana)
- في 26 أكتوبر 1972م، نفذّ ماثيو كيريكو(Mathieu Kerekou)، الذي كان حارسًا أمنيًّا للرئيس هوبير ماغا (Hubert Maga) ، أوّل رئيسٍ لجمهوريّة بنين، انقلابًا ضدّ الرئيس.[28]
- استخدم فوكار القوات الفرنسيّة لضمان انتصار الرئيس سنغور غير الدموي على رئيس الوزراء مامادو ضياء (Mamadou Dia) خلال الانتخابات الرئاسيّة في السنغال، نضال ما بعد الاستقلال في الفترة من 1960 إلى 1962[29].
استطاعت فرنسا بسط نفوذها والتحكّم السياسي في تغيير الحكام الأفارقة، وتأييد الانقلابات عليهم، وترسيخ حكم الموالين الأفارقة لفرنسا، ولم تكتفِ فرنسا بسياسة الانقلابات، بل نفذّت عدة اغتيالاتٍ للحكّام الأفارقة المعارضين للمصالح الفرنسيّة في المنطقة. ومن بينها:
تم اغتيال مارين نغوابي (Marien Ngoubi) ، رئيس جمهورية الكونغو، في عام1977 م.
في الكاميرون، قتُل فيليكس مومي (Felix Moumie) ، خليفة روبن أم نيوبي الذي اُغتيل سابقًا، بالتسمم بالثاليوم في جنيف في 15 أكتوبر/تشرين الأول 1960. وكان قاتله عميلًا فرنسيًّا، ويليام بيتشل (William Bechtel)، الذي انتحل صفة صحفي لمقابلة مومي في مطعم وسمّم مشروبه.
تم اغتيال فرانسوا تومبالباي (Francois Tombalbaye)، رئيس تشاد، على يد جنودٍ بقيادة ضبّاط من الجيش الفرنسي في عام 1975م. ثم في ديسمبر 1989، أطاح الفرنسيّون بحكومة حسين حبري (Hissan Habre) في تشاد، ونصبوا إدريس ديبي (Idriss Deby) رئيسًا؛ لأنّ حبري أراد بيع النفط التشادي لشركات النفط الأمريكيّة.
ولعلّ أكثرها مأساويةً كان اغتيال توماس سانكارا (Thomas Sankara)، رئيس بوركينا فاسو، عام 1987م، استولى توماس سانكارا على السلطة بانقلابٍ شعبي عام 1983م، في محاولة لقطع علاقات البلاد بالقوّة الاستعماريّة الفرنسيّة. أُطيح به واُغتيل في انقلابٍ قاده صديقه المقرّب ورفيق طفولته بليز كومباوري (Blaise Compaoré) بأوامر فرنسيّة.
في مارس/آذار 2003 ، أطاحت القوات الفرنسيّة والتشاديّة بالحكومة المنتخبة للرئيس أنجيفي ليكس باتاس (Ange-Felix Patasse) ، ونصبّت الجنرال فرانسوا بوزيزي (François Bozize) رئيسًا، بعد أن أعلن باتاس رغبته في انسحاب القوات الفرنسيّة من جمهورية إفريقيا الوسطى. وبعد بضع سنوات، أطاح الفرنسيون ببوزيزي أيضًا.
في عام 2009م، دعم الفرنسيّون انقلابًا في مدغشقر بقيادة أندريه راجولينا (Andry Rajoelina) ضدّ الحكومة المنتخبة لمارك رافالومانانا (Marc Ravalomanana) الذي أراد فتح البلاد أمام استثمارات الشركات العالميّة في التعدين والبترول ورفض السماح لشركة توتال برفع سعر النفط المتعاقد عليه من جانب واحد بنسبة 75٪.
استخدمت فرنسا قوّاتها في ساحل العاج للتحريض على محاولة الإطاحة بحكومة غباغبو (Gbagbo) المنتخبة ديمقراطيًّا. وعندما فشلت الانتفاضة لإسقاطه، قسمت القوات الفرنسيّة البلاد إلى منطقتين، وواصلت التخطيط للانقلابات ضدّه. وعندما فاز غباغبو في الانتخابات عام ٢٠١٠م، ورغم التدخّل الفرنسي، لجأت القوات الفرنسيّة واستخدمت قوّات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة طائرات هليكوبتر حربية لمهاجمة المواطنين الإيفواريين، واستولت على البلاد في عام 2011. [30]
نفذّت فرنسا مهمّاتٍ استخباراتيّةً سريّةً مبهرةً، وعملياتٍ عسكريّةً جريئةً في إفريقيا، نفُذِّت جميعها عبر شبكةٍ كثيفةٍ من الصلات السياسيّة الشخصيّة بين نخب السلطة الفرنسيّة الإفريقيّة (العاملة في المجالات السياسيّة والاستخباراتيّة والعسكريّة)، والتي دارت حول جاك فوكار ومستشارين أفارقة معُينَّين خصيصًا، وشبكات مؤسّسيّة من خلال وزارة التعاون الفرنسيّة باختصار، الفرنسيّة الإفريقية؛ احتوت على جوانب إيجابيّةٍ وسلبيّةٍ، وأسوأ مرحلة في العلاقات الفرنسيّة مع إفريقيا في حقبة ما بعد الاستعمار. وقد عزّزت هذه العلاقات إلى حدٍّ كبير الثروة الإفريقيّة الناتجة عن استخراج الموارد الطبيعيّة الإفريقيّة، والتي مَدتها شبكاتٌ معقّدةٌ ربطت بين المصالح التجاريّة، ونخب السلطة الفرنسيّة الإفريقيّة، والبيروقراطيين، والقادة/المستشارين العسكريين، التي تم تأمينها من خلال نشر قواتٍ فرنسيّةٍ متمركزةٍ في قواعد منتشرةٍ في جميع أنحاء القارة.[31]
وهكذا، وقع على عاتق فوكار تنفيذ رؤية ديجول لإفريقيا.[32] منذ أكثر من ثلاثين عامًا، استمرت السياسة الفرنسيّة الإفريقية، وأنظمة الشبكات الشخصيّة، التي ارتكزت عليها العلاقات الفرنسيّة مع النخب السياسيّة والتجاريّة والعسكريّة في إفريقيا. وطوال فترة حكمها، كانت هذه السياسة والشبكات مجزيةً لجميع الأطراف. فمن ناحية، ضمنت هذه السياسة مكانة فرنسا كقوّةٍ عظمى على الساحة الدوليّة. وفي المقابل، ضمنت فرنسا ونخبتها الحاكمة حماية النظام للنخبة الحاكمة الإفريقيّة بناءً على ولائهم للشبكة وحماية المصلحة الوطنيّة الفرنسيّة.[33]
كان جاك فوكار بمنزلة العمود الفقري للسياسة الفرنسيّة الإفريقيّة في باريس حتى حلُتّ عام ١٩٧٤م. وقد مثلّ فوكار نفسه، في نظر الكثيرين، تجسيدًا حقيقيًّا للعلاقات الفرنسيّة الإفريقيّة. وبينما كانت الوزارات تتنازع على الاختصاصات، كانت منظمة فوكار تعُنى بالقضايا السياسيّة والاقتصاديّة والأمنيّة في آنٍ واحد. وكان مكتبه يؤُدّي دورًا تنسيقيًّا، ولكنّه في كثيرٍ من النواحي كان يتجاوز صلاحيات الوزراء.
إنّ علاقة فوكار الوثيقة بكلٍّ من ديجول وخليفته جورج بومبيدو والعديد من القادة الأفارقة تعني أنّه كان يتمتّع بنفوذٍ غير متناسبٍ في صنع السياسات المتعلّقة بالشؤون الإفريقيّة. في عهد الرئيسين ديجول (de Gaulle)، وبومبيدو (Pompidou)، كان فوكار مسؤولًا عن العلاقات اليوميّة بين الرئاسة الفرنسيّة ونظيراتها الإفريقيّة[34].
في الواقع أنّ علاقات فرنسا بإفريقيا ترتبط بماضيها الاستعماري في القارة. فقد خضعت جميع الدول الإفريقيّة، في وقتٍ أو آخر ولفتراتٍ زمنيّةٍ متفاوتة، للاستعمار الأوروبي، باستثناء إثيوبيا. ويظلّ هذا التاريخ الاستعماري (ماضيًا حاضرًا دائمًا). ويستمر هذا الوضع في إعاقة إقامة شراكات متوازنة. لطالما وصُفت العلاقات بين فرنسا وإفريقيا بمصطلح (فرانس أفريك)، الذي يعود تاريخه إلى عام 1945، ويعكس العلاقة المتشابكة بين فرنسا والقارة الإفريقية، بين دولة استعماريّة سابقة ومستعمراتها السابقة. وقد جسدّ جاك فوكار (الذي كان يلُقّب بسيّد إفريقيا للجنرال ديجول) هذه الفكرة المجتمعيّة لفترةٍ طويلة. ولم يكن ذلك من خلال إدخال الفرنك الإفريقي، وإنشاء القواعد العسكريّة الفرنسيّة فحسب، بل أيضًا من خلال الفساد، والفضائح المتعلّقة بـ (المكاسب غير المشروعة)، وتمويل الأحزاب السياسيّة في فرنسا، والإطاحة بالرؤساء، وغيرها من حالات التلاعب الانتخابي لتناسب المصالح الفرنسيّة[35].
وفقًا لما تقدّم فإنّ (فرانس أفريك) في جوهرها كانت بمنزلة تجسيدًا للاستعمار الجديد؛ فقد ضمنت استمرار الهيمنة الفرنسيّة من خلال التحكّم في الموارد الاقتصاديّة، ودعم أنظمةٍ سلطويةٍّ غير ديمقراطيّة. والتدخّل العسكري المباشر عند الحاجة، وربط الهويات الثقافيّة والنخبويّة بالمنظومة الفرنسيّة. وهذا ما يفسّر كيف أنّ كثيرًا من الدول الإفريقيّة، رغم الاستقلال، لم تحقّق سيادةً فعليًة، بل وجدت نفسها في دائرة تبعيّةٍ مزدوجة: سياسيّة، واقتصادية.
ومن منظور الاستعمار الجديد، تُعدّ الانقلابات والتدخّلات أدوات حكمٍ بالوكالة؛ هي سياسةٌ تحكّمٍ بوسائل عسكريّة غير رسميّة، تُعيد ترسيم الحقول السياسيّة بما يلائم مصالح المركز. تُخضِع المؤسسات الوطنيّة لمنطق (الاستقرار المُدار)، بدل السيادة الديمقراطيّة، وتُحوِّل الأمن إلى عقد ولاء؛ من يخسر رضا المركز يخسر أمانه السياسي. وبذلك يتضح أنّ فوكار، عبر هندسة الإطار الذِي أتاح هذه الممارسات، أسّس بنيةً تدخليّةً استمرّت بعده، وتحوّلت إلى عادةٍ استراتيجيّةٍ في السياسة الإفريقيّة لفرنسا، وإن اختلفت حججها وخطاباتها عبر العقود.
وبناءً على ما تقدّم يمكن تلخيص جهود فوكار والشبكة الفوكارية في إفريقيا في النقاط الآتية:
عرف فوكار بعد ذلك بـ (سيّد إفريقيا)؛ فكان المسؤول عن تعيين وإقالة رؤساء دول المربّع الفرانكفوني في القارة السمراء لعدّة عقودٍ من الزمن خلال الجمهوريّة الخامسة، وعهد له ديجول مهمة هندسة أنظمة الحكم في دول إفريقيا، وتثبيت الحكّام أو الإطاحة بهم بما يتلاءم مع مصالح فرنسا.
دعم حُكم بعض الرؤساء الموالين لفرنسا، وزعزعة استقرار حكم الآخرين المعارضين، بموارد بشريّةٍ وماليةٍ كبيرةٍ، فقد كان لديه القول الفصل واليد العليا في كلّ الأجهزة السريّة والدبلوماسيّة الفرنسيّة في إفريقيا، وهدفت أساليبه إلى إبقاء رؤساء الدول في المستعمَرات الفرنسيّة السابقة تحت تأثير باريس.
استغلال شبكاتٍ متعدّدةٍ تجسسيّةٍ بين النخب الحاكمة الإفريقيّة للحفاظ على الوجود الفرنسي في القارة السوداء، فقد طلب منه ديجول مصادرة الاستقلال الإفريقي وتنظيم الحفاظ على التبعية الإفريقية لباريس سياسيًّا، واقتصاديًّا، وماليًّا، وعسكريًّا.
لتنفيذ هذه المخطّطات، مهّد فوكار الطريق أمام الفرق الأمنيّة والاستخباراتيّة لبلاده للعمل بأريحيّةٍ في الدول الإفريقيّة، من بين هذه الفرق: مصلحة الوثائق الخارجيّة ومكافحة التجسّس «SDECE»، وأيضًا وكالة الاستخبارات الفرنسيّة «DGSE»، وثالث هذه المجموعات هي الإدارة العامّة للأمن، وإدارة الاستخبارات العسكريّة المعنية بالدعاية لصالح فرنسا وخصوصًا عند الأزمات في إفريقيا[36].
المحور الرابع: تراجع النفوذ الفرنسي في إفريقيا
استمرت الهيمنة الفرنسيّة الكاملة على مستعمَراتها الإفريقيّة طيلة الستة عقود المنقضية، وما تزال كثيرٌ من هذه المستعمَرات خاضعةً للهيمنة الفرنسيّة بدرجاتٍ متفاوتة، غير أنّ بعض هذه المستعمَرات شرعت في الخروج من عباءة المستعمِّر الفرنسي، إمّا على سبيل القطيعة مع الماضي الاستعماري المرير، مثل مالي وبوركينا فاسو والنيجر، أو على سبيل المراوغة، حصولًا على أكبر قدرٍ من الدعم أو المنافع أو التنازلات الفرنسيّة، مثل تشاد والجابون. وقد أسهمت عدّة عوامل لتراجع النفوذ الفرنسي في إفريقيا:
- على الصعيد الدولي؛ أسهمت نهاية الحرب الباردة، وتفكّك هياكل الدولة الكبرى في أوروبا الشرقيّة، مثل الاتّحاد السوفيتي وتشيكوسلوفاكيا ويوغوسلافيا، واندماج فرنسا في الاتّحاد الأوروبي، في تقويض أهميّة إفريقيا في السياسة الخارجية الفرنسيّة وحساباتها الدبلوماسيّة. والأهمّ من ذلك، اندماج فرنسا في الاتّحاد الأوروبي، والحاجة إلى مزيدٍ من التعاون. إنّ انعدام الشفافيّة والمساءلة، قوضّ وقيدّ بشكلٍ كبيرٍ قدرة فرنسا وقدرتها على المناورة، وهما أمران أساسيّان لاستمرار سياستها الإفريقيّة الغامضة. وقد أبرزت هذه القضايا الدولية النظامية حاجة فرنسا إلى إعادة تقييم مصالحها الجيوستراتيجيّة والجيوسياسيّة وحساباتها تجاه إفريقيا.
- على المستوى المحلّي، أدّت عدّة عوامل إلى تقويض (الفرنسيّة الإفريقيّة) ونظام شبكات المحسوبيّة الذي بنُي عليه. ومن أهمّ هذه العوامل: النقد العلني للطبيعة الفاسدة للسلطة. الفرنسيّة الإفريقيّة السياسة التي دعمتها العديد من التحقيقات القانونيّة في شؤون بعض الشخصيّات القياديّة في الشبكات الإفريقيّة ومصالح الأعمال الفرنسيّة (مثل « ملحمة الجان»): التفتت المتزايد للفرنسيّة الإفريقيّة شبكات المحسوبيّة في جماعات الضغط التجاريّة الفرديّة المختلفة؛ وموت بعض المنظمات المحوريّة الفرنسيّة الإفريقيّة شخصيّات بارزة، مثل فوكار وميتران (Mitterrand)، وهوفويه بوانيي (Boigny Houphouët) ومع ذلك، بالنسبة للكثيرين في أوروبا وإفريقيا، تمثّلت نقطة التحوّل الرئيسة في دور فرنسا في الإبادة الجماعيّة في رواندا عام 1994، حيث سهلّت دخول مسؤولي الدولة الروانديين المتورطين في الإبادة الجماعية إلى زائير وهروبهم من إفريقيا. كما كان من أهمّ نقاط التحوّل الرئيسة محاولتها الحثيثة، وإن كانت فاشلة، لإبقاء الرئيس موبوتو (Mobut) ، رئيس زائير، في السلطة. كما أدّى الجدل الذي اتّسم به تدخّل فرنسا في جمهوريّة إفريقيا الوسطى إلى الإضرار بسمعة فرنسا، والتشكيك بحسن نواياها السياسية في إفريقيا والمجتمع الدولي الأوسع.[37]
- الانفصال عن النهج الأمني؛ ركزت سياسة فرنسا في إفريقيا بشكلٍ أساسٍ على الأمن منذ استقلال مستعمرات فرنسا الإفريقيّة السابقة 1958- 1960 وقد لبّى هذا النهج الأمني احتياجات دبلوماسيتها السياسية (دعم الأنظمة «الصديقة» التي لم تعد سلطتها مقيدةً بولاياتٍ محدّدة المدة) ودبلوماسيتها الاقتصاديّة. كان أمن الدول الإفريقيّة قضيّةً رئيسةً في عملية إنهاء الاستعمار. مع ذلك، ورغم أنّ فرنسا لطالما صورّت نفسها كـ «شرطي إفريقيا»، فإنّها لم تعد قادرةً على مواصلة هذا الدور[38]. أصبح الوجود العسكري الفرنسي في إفريقيا محدود النطاق الآن، بعد رحيل القوات من مالي وبوركينا فاسو والنيجر. لا يزال لفرنسا وجود - والذي سيتم تقليصه من حيث عدد الجنود - في السنغال وكوت ديفوار والغابون وتشاد. سيظلّ وجودها في جيبوتي ــ وهي دولةٌ ذات موقعٍ استراتيجيّ على مصب البحر الأحمر ــ دون تغيير. ومع ذلك، تظلّ فرنسا أحد موردي الأسلحة الرئيسين للمنطقة[39].
- الهيمنة الاقتصاديّة؛ وعلى الصعيد الاقتصادي يدور اهتمام المستعمِّرين بمستعمَراتهم الإفريقيّة، وجودًا وعدمًا وقوةً وضعفًا، مع العائد الاقتصادي، ولم تشذ فرنسا عن هذه القاعدة؛ فالمحرّك الأول والأخير للسياسات الفرنسيّة، تجاه مستعمَراتها الإفريقيّة، هو الاستحواذ على أكبر قدرٍ من مواردها الطبيعيّة بأقلّ تكلفةٍ وأدنى جهدٍ، وحجز الحصة الأكبر من أسواق هذه الدول للمنتجات الفرنسيّة؛ ومن هنا دأب الفرنسيّون على الحصول لشركاتهم، على عقودٍ طويلة الأجل بشروطٍ مجحفة، مستغلين في ذلك غياب المنافس القوي، وتوافُق الشركات الغربيّة على تقاسُم مناطق النفوذ، وضعف البنى والهياكل الاقتصاديّة الإفريقيّة، واستشراء الفساد السياسي والإداري في أُطُر الدولة الإفريقيّة ومؤسّساتها. وتُعَد اتفاقيّات الارتباط النقدي، بين الفرنك الفرنسي ومن بعده اليورو، بالعملات الإفريقيّة للمناطق الاقتصاديّة الثلاث سالفة البيان، من أسوأ العقود التي تمنح فرنسا الهيمنة الاقتصاديّة على مستعمَراتها، أضِّف إلى ذلك عقود الاستغلال طويلة الأجل، التي حصلت عليها الشركات الفرنسيّة، وبخاصّة في قطاع التعدين.[40]
- التنافُر الثقافي والأخلاقي؛ من بين أسباب تنامي ظاهرة كراهية الهيمنة الفرنسيّة على المجتمعات الإفريقيّة، سعي فرنسا المستميت نحو نشر الثقافة الفرنسيّة، وبخاصّة نشر القِيَم التي تتعارض مع القِيَم الدينيّة والمجتمعيّة، للمجتمع الإفريقي التقليدي، مثل قِيَم الشذوذ والمِّثْلية والزواج الأحادي وغير ذلك من القِيَم الفرنسيّة، ويدعو الرفض الشعبي والنخبوية لهذه القِيَم الدخيلة، إلى تَعالِي صيحات التخلّص من الهيمنة الفرنسيّة على المجتمعات الإفريقيّة[41].
وبناءً عليه يتضح أنّ العوامل التي أدّت إلى تراجع النفوذ الفرنسي في إفريقيا متعدّدةٌ ومتنوّعةٌ على الصعيد الدولي والمحلي، على المستوى الأمني والعسكري، وكذلك على المستوى الاقتصادي والثقافي. وبصرف النظر عن أسباب التراجع في النفوذ الفرنسي هناك محاولاتٌ إفريقيّةٌ جادةٌ ينبغي الإشادة بها تسعى إلى تحرير البلدان الإفريقيّة من السلطة والهيمنة الفرنسيّة، ولعلّ أبرز هذه المحاولات بوركينا فاسو المعاصرة بقيادة إبراهيم تراوري القائد العسكري الذي أطاح بالرئيس المؤقت منذ عام 2022. يسعى تراوري لتخليص بوركينا فاسو من كلّ أشكال التبعيّة الفرنسيّة للنهوض بالبلاد، وهو اتجاهٌ يُحترم من قائدٍ إفريقيّ يعرف قيمة ثروات بلاده. ولِمَ لا، وهو من أحفاد توماس سانكارا!
الخاتمة
وفقًا لما سبق من تحليل النفوذ الفرنسي في إفريقيا من خلال الشبكة الفوكاريّة يمكن القول؛ إنّ فوكار لم يكن مجرد موظّفٍ ينفذّ سياساتٍ مرسومةً سلفًا، بل كان مهندسًا بارعًا صنع بنفسه ملامح العلاقة الفرنسيّة الإفريقية. غير أنّ هذا الدور، رغم فعاليّته في تحقيق مصالح فرنسا، كان على حساب بناء سيادة حقيقيّة للدول الإفريقيّة؛ إذ جعل استقلالها شكليًاّ، وأخضع قادتها لمنظومةٍ تعتمد على الولاء لباريس أكثر من الولاء للشعوب الإفريقيّة. إنّ (فرانس أفريك) في جوهرها كانت تجسيدًا للاستعمار الجديد. فقد ضمنت استمرار الهيمنة الفرنسيّة من خلال التحكّم في الموارد الاقتصاديّة، ودعم أنظمةٍ سلطويّةٍ غير ديمقراطيّة، والتدخّل العسكري المباشر عند الحاجة، وربط الهويات الثقافيّة والنخبويّة بالمنظومة الفرنسيّة. هذا كلّه يفسّر كيف أنّ كثيرًا من الدول الإفريقيّة، رغم الاستقلال لم تحقّق سيادةً فعليّةً، بل وجدت نفسها في دائرة تبعيّةٍ مزدوجةٍ: سياسيّة، واقتصاديّة، وثقافيّة.
من منظور الاستعمار الجديد، تُعدّ الانقلابات والتدخّلات أدوات حكمٍ بالوكالة؛ فهي سياسةٌ بوسائل عسكريّة وغير رسميّة، تُعيد ترسيم الحقول السياسيّة بما يلائم مصالح المركز. تُخضِع المؤسّسات الوطنيّة لمنطق (الاستقرار المُدار) بدل السيادة الديمقراطيّة. وتُحوِّل الأمن إلى عقد ولاء؛ من يخسر رضا المركز يخسر أمانه السياسي. وبذلك يتضح أنّ فوكار، عبر هندسة الإطار الذِي أتاح هذه الممارسات، أسّس بنيةً تدخّليّةً استمرت بعده، وتحوّلت إلى عادةٍ استراتيجيةٍ في السياسة الإفريقيّة لفرنسا، وإن اختلفت حججها وخطاباتها عبر العقود. حتى مع تغيّر الوجوه والحكومات في باريس وفي العواصم الإفريقية، ظلّت عناصر من هندسة فوكار فاعلة.
تُبرز القراءة النقديّة أنّ إرث فوكار لم يقتصر على الماضي، بل ما زالت بنياته تعمل حتى اليوم عبر استمرار الاعتماد على اتفاقيات دفاعٍ وتدخّلٍ عسكريّ عند الأزمات، وهيمنة الشركات الفرنسيّة على موارد حيويّة في عدة دول، واستمرار الفرنكوفونيّة كأداةٍ ثقافيّةٍ تعيد إنتاج النخب الموالية. لكنّ هذا الإرث يواجه اليوم تحدّياتٍ متصاعدةً، سواء من الداخل الإفريقي مع تنامي الحركات المناهضة للنفوذ الخارجي والمطالبة بالسيادة الاقتصاديّة، أو من الخارج مع دخول قوى دوليةٍ منافسة (الصين، روسيا، تركيا) إلى القارة. ذلك كلّه يشير إلى أنّ النسق الفوكاري في إدارة إفريقيا لم يعد قابلًا للاستمرار بالصورة القديمة.
والخلاصة هي أنّ فوكار جسّد الوجه المؤسِّس للاستعمار الجديد، حيث تَحوّل الاستقلال إلى تبعيّةٍ مموّهة، وأنّ نقد إرثه هو نقدٌ لبنيةٍ كاملةٍ لا لشخصٍ بعينه. إنّ تجاوز هذا الإرث يتطلّب من الدول الإفريقيّة إعادة بناء مشروعٍ سياديّ حقيقيّ يقوم على إصلاحٍ نقديّ وماليّ يعزّز الاستقلال الاقتصادي، وبناء مؤسّساتٍ ديمقراطيّةٍ قويةٍ تستمدّ شرعيتها من الداخل لا الخارج، وتنويع الشراكات الدوليّة بما يقلل من الارتهان لمركزٍ واحد، وإعادة صياغة الهويّة الثقافيّة والسياسيّة بعيدًا عن وصاية الخارج. بهذا المعنى، فإن دراسة فوكار ليست استدعاءً للتاريخ فحسب، بل هي مدخلٌ لفهم حاضر إفريقيا السياسي والاقتصادي، وشرطٌ ضروريّ لتخيّل مستقبلٍ تتحقّق فيه السيادة والعدالة والتنمية.
قائمة المراجع العربيّة والأجنبيّة
سوادغو، محمد الأمين (2021)، الفوكاريّة والفكاريّون في إفريقيا، ص 5.
https://www.noor-book.com/%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9
عميرة، عائد. (2020). فوكار مهندس الاستعمار الفرنسي الحديث لدول إفريقيا، ص4. /https://www.noonpost.com/35848
مورال، جاك. (2017)، جرائم فرنسا في عالم ما وراء البحار ط 1، ترجمة: أيّوب، عماد، المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية.
ندا، سعيد (2024)، تراجع النفوذ الفرنسي في إفريقيا: الأسباب والمآلات. مركز ابعاد للدراسات الاستراتيجية.
Afsar, Onder Aytac & El-Hayanı, Abdelhafid. (2023). The impact of French foreign policy towards Africa on the external migration policy of the European Union. Acta Politica Polonica. (56).
Busch, Gary K. (2023). The Long Overdue Exit of France from Africa. https://www.academia.edu/105547364/The_Long_Overdue_Exit_Of_France_From_Africa
DeVore, Marc R. (2018). Preserving Power after Empire: The Credibility Trap and France’s Intervention in Chad, 1968-72. p. 10. https://research-repository.st-andrews.ac.uk/bitstream/handle/10023/16067/De
Douglas Johnson. (1997). Obituary: Jacques Foccart. The Independent. https://www.independent.co.uk/news/people/obituary-jacques-foccart-1273923.html
Moncrieff, Richard. (2012). French Relations with Sub-Saharan Africa Under President Sarkozy. South African Foreign Policy and African Drivers Programme.
Powell, Nathaniel K. (2016). “Experts in Decolonization:” France in Chad, 1960-1972. P. 2. https://www.researchgate.net/publication/314462550_’Experts_in_Decolonization’_France_in_Chad_1960-1972
Saka, Luqman. (2023). FRANاAFRIQUE: FRANCO-AFRICAN RELATIONS AND FRENCH MILITARY ENGAGEMENT IN POST-COLONIAL AFRICA. Brazilian Journal of African Studies. Porto Alegre. V. 8. N. 16. https://doi.org/10.22456/2448-3923.128355
Tinasti, Khalid. (2016). Brazil and francophone Africa: Opportunities and challenges. BRICS Policy Center (BPC) Papers - V. 4 N. 05.
Virginie BAUDAIS. (2024). Possible approaches to address deteriorating France-Africa relations. Plateforme d’Analyse du Suivi et d’Apprentissage au Sahel, Production Pasas. P. 4. https://pasas-minka.fr
---------------------------------------------------
[1]. باحثة دكتوراه تخصّص فلسفة إفريقيّة حديثة ومعاصرة – كلية الآداب جامعة القاهرة – مصر.
عنوان المقال:
Jacques Foccart and “Françafrique”: Neocolonial Networks of French Power in Post-Colonial Africa
[2]. محمد الأمين سوادغ، الفوكارية والفكاريون في إفريقيا، ص 5.
https://www.noor-book.com/%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9
[3]. المرجع السابق.
[4]. Douglas Johnson.Obituary: Jacques Foccart. The Independent. https://www.independent.co.uk/news/people/obituary-jacques-foccart-1273923.html
[5]. Ibid.
[6]. Saka, Luqman. (2023). FRANÇAFRIQUE: FRANCO-AFRICAN RELATIONS AND FRENCH MILITARY ENGAGEMENT IN POST-COLONIAL AFRICA. Brazilian Journal of African Studies. Porto Alegre. V. 8. N. 16. P. 46. https://doi.org/10.22456/2448-3923.128355
[7]. (الخليّة الإفريقيّة)، بدءًا من شارل ديجول وخبيره في الشؤون الإفريقية جاك فوكار. على مدى نصف القرن الماضي، أشرفت (الخليّة الإفريقيّة) السريّة والقويّة على المصالح الاستراتيجيّة لفرنسا في إفريقيا، حيث سيطرت على مساحةٍ واسعةٍ من المستعمَرات الفرنسيّة السابقة. بصفتها قيادةً عامة، تستخدم الخليّة الجيش الفرنسي كمطرقة لتثبيت القادة الذين تراهم ودودين للمصالح الفرنسيّة، ولإزالة أولئك الذين يشكّلون خطرًا على استمرار النظام.
وبعيدًا عن القنوات الدبلوماسيّة التقليديّة، ترفع الخليّة تقاريرها إلى شخصٍ واحدٍ فقط، وهو الرئيس. في عهدي شارل ديجول وجورج بومبيدو، تولّى جاك فوكار رئاسة الخليّة، بدعمٍ من فرنان ويبو. وفي عهد الرئيس فاليري جيسكار ديستان، ترأّس رينيه جورنياك، القاضي السابق في المستعمَرات حتى عام ١٩٨٠، خلية إفريقيا. ثم حلّ محلّه مارتن كيرش، القاضي في ديوان المحاسبة. وتعاقب أربعة مستشارين أفارقة برئاسة فرانسوا ميتران: غي بين من عام ١٩٨١ إلى عام ١٩٨٦م، وجان أوديبير من عام ١٩٨٦ إلى عام ١٩٨٨م، وجان كريستوف ميتران (بابا ما ديت) من عام ١٩٨٨ إلى عام ١٩٩٢م، وبرونو ديلاي من عام ١٩٩٢ إلى عام ١٩٩٥م. وقد كان نشاط الخلية أقلّ في عهد ميتران.
وفي عهد الرئيس جاك شيراك، كان ميشيل دوبوش مستشارًا للخليّة الإفريقيّة من عام ١٩٩٥ إلى عام ٢٠٠٢م. وخلال حملة إعادة انتخابه، عينّ جاك شيراك ميشيل دو بونيكورس، الذي ظلّ في منصبه حتى خلفه ساركوزي. ضمّت الخليّة أليوت ماري (وزير الدفاع) ورئيس المديرية العامة للأمن الخارجي بيير بروشان. وقد ساعدتهم شبكةٌ من العملاء الفرنسيين المكلّفين بالعمل سرًّا في إفريقيا، والمتمركزين في فرنسا.
في عهد الرئيس نيكولا ساركوزي، كان مستشار إفريقيا هو برونو جوبير. وبصفته مستشارًا غير رسمي، روبرت بورجي وكلود غيان. ثم تم استبدال جوبير بأندريه بارانت من عام 2009 إلى عام 2012م. في عهد الرئيس فرانسوا هولاند، ترأستها هيلين لو غال ومساعدها توماس ميلونيو إلى جانب أصدقاء هولاند الموثوق بهم، جان إيف لودريان (وزير الدفاع) ورئيس أركانه العسكريّة الشخصيّة، الجنرال بينوا بوغا. في عهد الرئيس إيمانويل ماكرون، مستشار إفريقيا هو فرانك باريس، مع ماري أودوارد كمساعدة. في يوليو 2023. كانت الخلية الإفريقيّة، التي يقودها هؤلاء الرؤساء الأساسيّون، تتلقى المساعدة عادةً من وزراء الدفاع والمديريّة العامّة للأمن الخارجي الذين أخذوا سياساتهم الإفريقيّة مباشرةً من الرئيس.
[8]. محمد الآمين سوادغو،الفوكارية والفوكاريون في إفريقيا ص 2، 5.
[9]. Tinasti, Khalid. (2016). Brazil and francophone Africa: Opportunities and challenges. BRICS Policy Center (BPC) Papers - V. 4 N. 05. P. 10.
[10]. عائد عميرة، فوكار مهندس الاستعمار الفرنسي الحديث لدول إفريقيا ص4. /https://www.noonpost.com/35848
[11]. Afsar, Onder Aytac & El-Hayanı, Abdelhafid. (2023). The impact of French foreign policy towards Africa on the external migration policy of the European Union. Acta Politica Polonica. (56). P. 64.
[12]. Ibid. P. 65.
[13]. Busch, Gary K. (2023). The Long Overdue Exit of France from Africa. P.4. https://www.academia.edu/105547364/The_Long_Overdue_Exit_Of_France_From_Africa
[14]. Afsar, Onder Aytac & El-Hayanı, Abdelhafid. (2023). P. 65.
[15]. Busch, Gary K. (2023). P.3.
[16]. Ibid. P. 5.
[17]. Ibid. P. 11, 12.
[18]. ندا سعيد، تراجع النفوذ الفرنسي في إفريقيا: الأسباب والمآلات، ص 8.
[19]. Saka, Luqman. (2023). P. 46.
[20]. جاك مورال، جرائم فرنسا في عالم ما وراء البحار، ص 46.
[21]. Busch, Gary K. (2023). P. 11
[22]. جاك مورال، جرائم فرنسا في عالم ما وراء البحا، ص 43.
[23]. Moncrieff, Richard. (2012). French Relations with Sub-Saharan Africa Under President Sarkozy. South African Foreign Policy and African Drivers Programme. P.7.
[24]. ندا سعيد، تراجع النفوذ الفرنسي في إفريقيا: الأسباب والمآلات، ص 9.
[25]. Saka, Luqman. (2023). P. 47.
[26]. جاك مورال، جرائم فرنسا في عالم ما وراء البحا، ص 46.
[27]. Saka, Luqman. (2023). P. 47.
[28]. Busch, Gary K. (2023). P.18.
[29]. DeVore, Marc R. (2018). Preserving Power after Empire: The Credibility Trap and France’s Intervention in Chad, 1968-72. p. 10. https://research-repository.st-andrews.ac.uk/bitstream/handle/10023/16067/De
[30]. Busch, Gary K. (2023). P.18, 19.
[31]. Saka, Luqman. (2023). P. 48.
[32]. DeVore, Marc R. (2018). p. 10.
[33]. Saka, Luqman. (2023). P. 51.
[34]. Powell, Nathaniel K. (2016). “Experts in Decolonization:” France in Chad, 1960-1972. P. 2. https://www.researchgate.net/publication/314462550_’Experts_in_Decolonization’_France_in_Chad_1960-1972
[35]. Virginie BAUDAIS. (2024). Possible approaches to address deteriorating France-Africa relations. Plateforme d’Analyse du Suivi et d’Apprentissage au Sahel, Production Pasas. P. 4. https://pasas-minka.fr.
[36]. عائد عميرة، فوكار مهندس الاستعمار الفرنسي الحديث لدول إفريقيا. ص3. /https://www.noonpost.com/35848
[37]. Saka, Luqman. (2023). P. 52.
[38]. Virginie BAUDAIS. (2024). P. 9.
[39]. Ibid. P. 11.
[40]. ندا سعيد، تراجع النفوذ الفرنسي في إفريقيا: الأسباب والمآلات، ص 14.
[41]. المرجع السابق. ص 15.