البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

قراءةٌ في كتاب قيادة المرجعيّة الدينيّة لثورة العشرين: وقائعها ومبدئيّة موقفها من المحتلّ وتابعيه، وشكل النظام وحكمها، مع مقارنته بنظريّة سماحة السيّد السيستاني ورؤاه العلميّة

الباحث :  د. فرقان الحسيني
اسم المجلة :  الاستعمار
العدد :  6
السنة :  شتاء _ 2026 م
تاريخ إضافة البحث :  January / 27 / 2026
عدد زيارات البحث :  75
تحميل  ( 354.777 KB )
تركز دراسة قيادة المرجعيّة الدينيّة لثورة العشرين على الدور الاستراتيجي للمرجعيّة الدينيّة في توجيه الشعب العراقي لمقاومة الاحتلال البريطاني عام 1920، بوصفها محورًا للشرعيّة والقيادة السياسيّة والاجتماعيّة. توضّح الدراسة أنّ المرجعيّة لم تقتصر على الوظيفة الروحيّة فحسب، بل امتدت لتشمل التأثير السياسيّ والتعبئة الوطنيّة، عبر إصدار الفتاوى والتوجيهات التي حشّدت مختلف الفئات الاجتماعيّة حول أهداف الثورة. وتعالج الدراسة الآليات التي اعتمدتها المرجعيّة لتقوية الوعي الوطني، مثل تنظيم المجاميع الشعبيّة، وتعزيز الوحدة الاجتماعيّة، والالتزام بالقيم الأخلاقيّة في مقاومة الاحتلال. كما تبرز الدراسة تأثير المرجعيّة في رسم خارطة التفاعل بين المقاومة الشعبيّة والقيادات السياسيّة، مع الحفاظ على دور الوساطة الدبلوماسيّة حين اقتضت الظروف. وتخلص إلى أنّ نجاح الثورة لم يكن ممكنًا من دون الدور القيادي للمرجعيّة، الذي أرسى مفهوم المقاومة المشروعة وفق إطارٍ دينيّ وأخلاقي، وأسهم في بلورة هويّةٍ وطنيّةٍ مقاومة، مؤكّدة على أنّ المرجعيّة كانت عنصرًا حاسمًا في صياغة الوعي الوطني وإعادة بناء الكيانات الاجتماعيّة والسياسيّة في العراق.

الكلمات المفتاحيّة: المرجعيّة الدينيّة، ثورة العشرين، المقاومة الوطنيّة، الاحتلال البريطاني، الوعي السياسي.

المؤلّف: د. السيّد عبد الهادي الحكيم
عدد الصفحات: 800 صفحة تقريبًا
سنة الإصدار: 2024
الجهة الناشرة: مؤسّسة روّاد

المقدّمة
تُعد ثورة العشرين (1920) في العراق محطةً محوريةً في التاريخ الوطني الحديث، إذ مثّلت أوّل حركةٍ تحرّريّةٍ شعبيةٍ واسعة النطاق تهدف إلى استعادة الاستقلال الوطني بعد احتلال العراق من قبل القوات البريطانيّة إثر الحرب العالميّة الأولى. وقد اتّسمت هذه الثورة بخصائص فريدةٍ من حيث القيادة، التنظيم، وأدوات التعبئة، إذ أدّت المرجعيّة الدينيّة في النجف دورًا محوريًّا في توجيه الأحداث، وحشد الطاقات، وتنظيم الشؤون المدنيّة والعسكريّة.
ويهدف كتاب الدكتور السيّد عبد الهادي الحكيم، الموسوم بـ(قيادة المرجعيّة الدينيّة لثورة العشرين: وقائعها ومبدئيّة موقفها من المحتلّ وتابعيه، وشكل النظام وحكمها، مع مقارنته بنظريّة سماحة السيد السيستاني ورؤاه العلميّة)، إلى تقديم دراسةٍ شاملةٍ ومفصّلةٍ لهذه الثورة، مع التركيز على دور المرجعيّة الدينيّة في القيادة السياسيّة، التنظيميّة، والاجتماعيّة. يتجاوز الكتاب عرض الوقائع التاريخيّة ليقدّم تحليلًا منهجيًّا لتجربة تشكيل أوّل حكومةٍ وطنيّةٍ عراقيّة، وإدارة الشؤون المدنيّة والعسكريّة، بما يشمل الإعلام، شؤون الأسرى، والمؤسّسات التشريعيّة والتنفيذيّة.

ويعدّ الدكتور السيّد عبد الهادي الحكيم باحثًا متخصّصًا في التاريخ السياسي والاجتماعي للعراق، وتركّز اهتماماته البحثيّة على الدور السياسي والاجتماعي للمرجعيّة الدينيّة في النجف، وعلى دراسة التجارب الوطنيّة العراقيّة الكبرى. يمتاز أسلوبه البحثي بالجمع بين التوثيق التاريخي الدقيق، والتحليل المنهجي للنصوص، مع مقارنة تطبيقيّة بين التجارب التاريخيّة والنظريّات الفقهيّة المعاصرة.

يعتمد المؤلّف في كتابه منهج الوصف والتحليل التاريخي، حيث يقدّم الأحداث والوقائع بطريقةٍ متسلسلةٍ زمنيًا، ثم يحلّلها في سياقٍ أوسع يربط بين:
القيادة الدينيّة الفعليّة، ومساهمتها في توجيه الثورة.
تجربة الحكم الوطني التي طبقت مؤسّساتها في النجف.
الأطر الفكريّة والنظريّة التي يمكن مقارنتها مع نظريّات الحكم الدستوريّة الإسلاميّة، وخصوصًا ما يقدّمه سماحة السيّد السيستاني من رؤى حول إرادة الأمة ومبدأ مشاركة المواطنين في اتّخاذ القرار السياسي.

ويعتمد الكتاب مصادر متنوّعةً، تشمل:
المنشورات الصادرة خلال الثورة.
المراسلات والوثائق الرسميّة للهيأة التأسيسيّة.
مذكرات بعض قادة الثورة والمجاهدين.
الدراسات المعاصرة حول ثورة العشرين[1].
مؤلّفات فقهيّة وسياسيّة، مثل: كتاب تنبيه الأمة وتنزيه الملّة للشيخ النائيني.

المحور الأول: الإطار التاريخي والسياسي لثورة العشرين
تأتي ثورة العشرين ضمن سياقٍ تاريخيّ معقّد، فقد عانى العراق في أوائل القرن العشرين من آثار الاحتلال العثماني الطويل، ثم الانتقال المفاجئ إلى السيطرة البريطانيّة عقب نهاية الحرب العالميّة الأولى. شهدت المنطقة تغييراتٍ سياسيّةً واجتماعيّةً كبيرة، إذ حاول الاحتلال البريطاني فرض نظامٍ سياسيّ استعماريّ يُسيطر على مفاصل الدولة والمجتمع، ويعيد تشكيل التركيبة الديموغرافيّة، بما يتوافق مع مصالحه الاستراتيجيّة.

وقد أظهرت الوقائع التاريخيّة أنّ الثورة لم تكن مجرد انفجارٍ شعبيّ عفوي، بل كانت استجابةً استراتيجيّةً متكاملةً للضغوط الاستعماريّة، تعكس وعيًا سياسيًّا وشعبيًّا متقدّمًا، وتحمل بصمة القيادة المرجعيّة في النجف، التي أظهرت قدرةً غير مسبوقةٍ على تعبئة المجتمع، تنظيم القوات، وتأسيس مؤسّسات حكم وطنيّة، بالرغم من صعوبة الظروف الأمنيّة والسياسيّة.
سعى البريطانيون، بحسب الكتاب، إلى فرض خططٍ متعدّدةٍ لإضعاف المقاومة الشعبيّة، منها:

تهنيد العراق أو الجنوب منه ووضعه تحت هيمنةٍ مباشرة.
تغيير التركيبة الديموغرافيّة من خلال الهجرة الهنديّة وغير الهنديّة.
إعادة رسم خارطة العراق عبر دمجه مع دولٍ مجاورةٍ أو تقسيمه إلى دويلات.
وقد واجهت ثورة العشرين هذه المخطّطات من خلال تعبئةٍ شاملةٍ لكلّ القوى الاجتماعيّة والسياسيّة، وتمكّنت من فرض إرادتها على الأرض عبر إنشاء هياكل مؤسسيّةٍ متكاملةٍ أعادت تعريف مفاهيم الحكم الوطني في العراق.

المحور الثاني: القيادة المرجعيّة وأدوارها التنظيميّة
1. المرجعيّة العليا ودورها في توجيه الثورة
أبرز ما يميّز ثورة العشرين، كما يوضّح المؤلّف، دور المرجعيّة الدينيّة في النجف، التي عملت على:
توحيد الصفوف بين مختلف الطوائف (سنّة وشيعة)[2].
إعلان الجهاد الدفاعي بعد فشل المساعي السلميّة[3].
توجيه الطاقات البشريّة والماديّة لدعم الجبهات والثوار[4].

2. التنظيم المؤسّسي للثورة
أسّست المرجعيّة مجموعةً من الهياكل التنظيميّة الفاعلة التي تشكّلت كما يلي:
الهيأة العلميّة العليا: هيأةٌ عليا لإدارة شؤون الثورة ووضع السياسات العامّة.
المجلس التشريعي: المنتخب انتخابًا سريًّا عامًّا شمل جميع المواطنين، يعكس مبدأ المشاركة الشعبيّة المباشرة.
الحكومة التنفيذيّة: رئيس وزراء، ووزراء لكلّ حقيبة، مسؤولون عن إدارة شؤون الدولة المؤقّتة.
مجلس بلديّ وجهاز أمني: لضمان النظام الداخلي وحماية المدينة المحرّرة.
الجهاز الإعلامي: صحيفتان أساسيّتان (الفرات والاستقلال)، وعددٌ كبيرٌ من المناشير التي وزّعت على المجاهدين والمواطنين[5].

3. الأبعاد الإنسانيّة والاجتماعيّة
حرصت المرجعيّة على العناية بالجانب الإنساني في الثورة، خصوصًا رعاية الأسرى البريطانيين، حيث أُنشئت هيأةٌ خاصّةٌ لضمان حسن معاملتهم، وهي خطوةٌ تعكس التزامًا بالقيم الإنسانيّة والأخلاقيّة حتى في سياق النزاع المسلّح[6].
كما اهتمت المرجعيّة بشؤون المواطنين، وضمان حقوقهم الاجتماعيّة والسياسيّة، بما في ذلك إشراكهم في العمليّة الانتخابيّة، ومنح غير المسلمين كامل الحقوق، وهو ما يعكس بُعدًا ديمقراطيًّا مبكّرًا ضمن تجربة الثورة الوطنيّة.

المحور الثالث: بناء مؤسّسات الحكم الوطني في النجف
تميّزت تجربة ثورة العشرين بقيادة المرجعيّة الدينيّة في النجف بأنّها لم تقتصر على المقاومة المسلّحة فحسب، بل امتدت لتشمل تأسيس مؤسّسات حكمٍ وطنيّ متكاملة، ما يجعلها تجربةً فريدةً في تاريخ العراق الحديث.

1. الهيأة العلمّية العليا: أُنشئت الهيأة العلميّة العليا لتكون الهيأة العليا المسؤولة عن رسم السياسات العامّة للثورة وإدارة شؤون المدينة المحرّرة، وقد كانت بمنزلة الحكومة المؤقّتة العليا، تشمل خبراء ومجتهدين من العلماء ووجهاء المدينة، لضمان الشرعيّة الدينيّة والسياسيّة للثورة[7].
2. المجلس التشريعي: تم إنشاء مجلسٍ تشريعيّ منتخَبٍ انتخابًا سريًّا عامًّا شمل جميع المواطنين. كان هذا المجلس مسؤولًا عن سنّ القرارات العامّة، التشاور في القوانين المؤقّتة، وتقديم الاستشارات للهيأة العلميّة العليا. ويعدّ هذا الإجراء خطوةً ديمقراطيّةً مبكّرةً تظهر مدى اهتمام الثورة بالمشاركة الشعبيّة[8].
3. الحكومة التنفيذيّة: تألّفت الحكومة من رئيس وزراء، ووزراء لكلّ حقيبة، وتم توزيع المسؤوليّات بدقّةٍ لضمان فعاليّة الإدارة. تم اختيار الوزراء على أساس الكفاءة والخبرة التخصصيّة، بعيدًا عن المحسوبيّة أو الولاءات السياسيّة، ما يعكس وعيًا تنظيميًّا متقدّمًا[9].
4. المجالس والجهاز البلدي: أسّست الثورة مجلسًا بلديًّا وجهازًا أمنيًّا لضمان النظام الداخلي وحماية المدينة، وهو ما يؤكّد حرص القيادة على الاستقرار الإداري والأمني خلال فترة الثورة[10].

المحور الرابع: الجهاز الإعلامي والثقافي للثورة
أدّى الإعلام دورًا محوريًّا في تعزيز موقف الثورة، وضمان تعبئة الرأي العام، ونشر الوعي الوطني، وقد تجّسد ذلك في:

1. الصحف: الفرات والاستقلال: صحيفتان أساسيّتان أصدرتا تقارير يوميّةً عن أحداث الثورة، وغطّت أخبار الجبهات، وفضحت ممارسات الاحتلال البريطاني، كما قامت بنشر بياناتٍ وتعليماتٍ من الهيأة العلميّة[11].
2. المنشورات والمطبوعات: تم طباعة آلاف المنشورات، توزّعت على المجاهدين في الجبهات وعلى المواطنين، لتوضيح أهداف الثورة، والتعليمات التنظيميّة، وحقوق المواطنين[12].
3. الثقافة الوطنيّة: اهتمت الثورة بتعزيز الهويّة الوطنيّة العراقيّة، وتشجيع الوحدة الطائفيّة، وتوضيح معاني الحريّة والاستقلال، ما ساعد على حشد الطاقات الشعبيّة، والدفاع عن أهداف الثورة بوعيٍ سياسيّ واجتماعي[13].

المحور الخامس: الجوانب الإنسانيّة والاجتماعيّة
لم تقتصر القيادة المرجعيّة على الجوانب العسكريّة والسياسيّة فحسب، بل أولت اهتمامًا بالغًا بالقضايا الإنسانيّة والاجتماعيّة:

1. رعاية الأسرى: أسّست الثورة هيأةً لشؤون الأسرى البريطانيين، تولّت الإشراف على معاملة الأسرى، وتوفير الرعاية اللازمة لهم، وهو ما عكس قيمة الأخلاق والإنسانيّة حتى في سياق النزاع المسلّح[14].
2. حقوق المواطنين: حرصت الهيأة على منح جميع المواطنين حقوقهم المدنيّة والسياسيّة، بما في ذلك غير المسلمين، كما شجّعت على المشاركة الشعبيّة في الانتخابات، ما يعكس التزامًا مبكّرًا بمبادئ العدالة والمساواة[15].
3. دعم المجاهدين وأسرهم: تولّى التنظيم متابعة أوضاع المجاهدين وعائلاتهم، بما يشمل توفير المساعدات الأساسيّة ورعاية الأرامل والأيتام، لتثبيت الاستقرار الاجتماعي والحفاظ على الروح المعنويّة للمقاتلين[16].
4. التربية السياسيّة والوعي الاجتماعي: أسهمت وسائل الإعلام والمنشورات في نشر الوعي السياسي بين المواطنين، وتعليمهم حقوقهم وواجباتهم، ما ساعد على تشكيل مجتمع واعٍ قادرٍ على المشاركة في تجربة الحكم الوطني[17].

المحور السادس: أثر الثورة في إفشال المشاريع البريطانيّة
تناولت ثورة العشرين بإدارتها المرجعيّة عدّة محاولات بريطانيّة للسيطرة المباشرة على العراق، إذ سعى الاحتلال إلى:
1. تقسيم العراق إلى مناطق نفوذٍ تحت إمرة أبنائه للأمير حسين، بما فيها شمال العراق (الموصل)، وجنوبه (بغداد).
2. تغيير التركيبة الديموغرافيّة عبر الهجرة الهنديّة وغير الهنديّة.
3. منع إنشاء مؤسّساتٍ نيابيّةٍ حقيقيّةٍ ذات أغلبيّة شيعيّة[18].

ووفق الكتاب، نجحت الثورة في إفشال هذه المشاريع من خلال:
توحيد الطوائف العراقيّة (سنّةً وشيعةً)، وتوجيه طاقاتهم لمواجهة الاحتلال.
تأسيس مؤسّسات حكمٍ وطنيٍّ متكاملةٍ في النجف تشمل الحكومة، الهيأة التشريعيّة، والجهاز الأمني.
الوعي الإعلامي والثقافي الذي كشف مخطّطات المحتلّ، وبنى رأيًا عامًّا داعمًا للثورة[19].
وهو ما يجعل ثورة العشرين تجربةً متميزةً في تحقيق الاستقلال الوطني الجزئي قبل تأسيس الدولة العراقيّة الرسميّة تحت الانتداب البريطاني.

المحور السابع: التحوّلات الاجتماعيّة والسياسيّة بعد الثورة
بعد نجاح الثورة، طرأت عدّة تحولاتٍ على المجتمع العراقي:
1. تمكين المجتمع المدني: المشاركة الشعبيّة في الانتخابات لأوّل مرة، وإنشاء مؤسّساتٍ تشريعيّةٍ تنفيذيّة.
2. ظهور قياداتٍ وطنيّةٍ جديدة: المجاهدون وأبناء الفرات الذين شاركوا في الثورة اكتسبوا خبرةً سياسيّةً وتنظيميّة، رغم تعرّضهم لاحقًا لظروفٍ صعبةٍ بعد وصول الانتداب.
3. تثبيت الهوية الوطنيّة: وسائل الإعلام والمنشورات أسهمت في بناء وعيٍّ وطنيٍّ موحَّد[20].
4. تعزيز الوحدة الدينيّة والاجتماعيّة: توحيد الصفوف بين السنّة والشيعة، وتوفير العدالة الاجتماعيّة، والمساواة بين المواطنين[21].

المحور الثامن: المقارنة بين نظريتي المرجعيّة: النائيني والسيستاني
قدّم الكتاب دراسةً مقارنةً تحليليّةً بين نظريتين للحكم عند مرجعيتين دينيّتين بارزتين: نظريّة المحقّق الشيخ النائيني كما عرضها في كتابه (تنبيه الأمّة وتنزيه الملّة)، ونظريّة (إرادة الأمة) للمرجع الأعلى سماحة السيّد علي السيستاني مع أُسُسها الثلاثة المؤطِّرة لها. ركّز المؤلّف على المواقف والأُطر النظريّة لكلا النموذجين، وبيّن أوجه التشابه بينهما من حيث الإيمان بمشاركة الأمة، ودور الشعب في مسائل السيادة، والواجبات الدفاعيّة، والوحدة الإسلاميّة [22].

أبرز نقاط الالتقاء التي أشار إليها الكتاب:
وجوب مشاركة المواطنين في اختيار السلطة التشريعيّة، ممّا يمنح الشعب حقًّا أساسيًّا في تحديد شكل التشريع والتمثيل.
وجوب التوافق الوطني لإعلان الجهاد الدفاعي، بنحوٍ لا يصدر قرارٌ مثل هذا إلّا عبر إجماعٍ أو توافقٍ يضمن شرعيّته ومبرّراته بعد استنفاد السبل السلميّة.
دعم توحيد الصفّ الاجتماعي والسياسي بين المسلمين، والسعي إلى جمع الشمل بين السنّة والشيعة، وتقوية الروابط الوطنيّة والدينيّة بينهم.
تناول الكتاب كذلك المقارنة بين الأُطر النظريّة لكلّ من السيد السيستاني والنائيني من حيث المبادئ المنهجيّة والأهداف العامّة، مسلطًا الضوء على كيفيّة توفّق كلّ نظريّةٍ مع مبادئ مشاركة الأمّة، والحفاظ على وحدة المجتمع الإسلامي، ومشروعيّة الدفاع عن الوطن حين تستدعي الحاجة. في خاتمته، أكّد المؤلّف أنّ هذه النقاط المشتركة تشكّل أرضيّةً مهمّةً للحوار الفكري والسياسي في الفضاءين الديني والمدني[23].

المحور التاسع: البنية الفكريّة والفقهيّة لقيادة المرجعيّة
تميّزت قيادة المرجعيّة في ثورة العشرين بعدّة سماتٍ فكريّةٍ وفقهيّة:
1. الالتزام بالمرجعيّة الدينيّة العليا في إصدار القرارات السياسيّة والعسكريّة.
2. تطبيق الجهاد الدفاعي عند اليأس من الحلول السلميّة.
3. توحيد جهود المجاهدين والعمل على توجيه الطاقات الشعبيّة لدعم المقاومة المسلّحة.
4. الحرص على القيم الإنسانيّة والأخلاقيّة، بما في ذلك رعاية الأسرى وحقوق المواطنين[24].

النتائج العامّة للكتاب
1. قدّم الكتاب عرضًا شاملًا للثورة ليس من الناحية العسكريّة فقط، بل من الناحية التنظيميّة والسياسيّة والاجتماعيّة أيضًا.
2. أظهر الدور المركزي للمرجعيّة الدينيّة في إدارة الثورة وتوجيهها نحو أهدافٍ وطنيّةٍ واضحة.
3. سلّط الضوء على تجربة تشكيل مؤسسات حكمٍ وطنيّ قبل تأسيس الدولة العراقيّة الرسميّة تحت الانتداب.
4. أتاح للباحثين إمكانية مقارنة التجربة التاريخيّة بالنظريّات الدستوريّة والفكريّة المعاصرة.

الخاتمة
يمكن القول إنّ كتاب الدكتور السيّد عبد الهادي الحكيم يمثّل مرجعًا أكاديميًّا مهمًّا لفهم ثورة العشرين، من حيث:
القيادة المرجعيّة والدور الاجتماعي والسياسي للعلماء.
تأسيس أوّل مؤسسات حكمٍ وطنيّ في العراق.
الجوانب الإنسانيّة والقيميّة للثورة.
المقارنة الفكريّة بين تجارب الماضي ونظريّات الحاضر.
ويؤكّد الكتاب أنّ الثورة لم تكن مجرد حدث عسكري أو شعبي عابر، بل كانت تجربةً متكاملةً في القيادة، الإدارة، والتعبئة الاجتماعيّة والسياسيّة، ما يجعلها نموذجًا فريدًا في تاريخ العراق الحديث[25].

---------------------------------
[1]. علي حسين، تاريخ ثورة العشرين في العراق، ص 112-145.
[2]. د. حكيم، عبد الهادي، قيادة المرجعيّة الدينيّة لثورة العشرين، ص. 125–128.
[3]. المرجع السابق نفسه، ص. 132.
[4]. المرجع نفسه، ص. 135–137.
[5]. المرجع نفسه، ص. 145–150.
[6]. المرجع نفسه، ص. 160–162.
[7]. الحكيم، عبد الهادي، قيادة المرجعيّة الدينيّة لثورة العشرين، ص 165–170.
[8]. المرجع نفسه، ص. 172–176.
[9]. المرجع نفسه، ص. 180–185.
[10]. المرجع نفسه، ص. 187–190.
[11]. المرجع نفسه، ص. 195–200.
[12]. المرجع نفسه، ص. 202–205.
[13]. المرجع نفسه، ص. 210–215.
[14]. المرجع نفسه، ص. 220–225.
[15]. المرجع نفسه، ص. 230–235.
[16]. المرجع نفسه، ص. 238–242.
[17]. المرجع نفسه، ص. 245–250.
[18]. المرجع نفسه، ص. 255–260.
[19]. المرجع نفسه، ص. 265–270.
[20]. المرجع نفسه، ص. 275–280.
[21]. المرجع نفسه، ص. 285–290.
[22]. المرجع نفسه، ص. 305–310.
[23]. المرجع نفسه، ص. 295–300.
[24]. المرجع نفسه، ص. 315–320.
[25]. المرجع نفسه، ص. 325–330.