الباحث : منظمة بقاء
اسم المجلة : الاستعمار
العدد : 6
السنة : شتاء _ 2026 م
تاريخ إضافة البحث : January / 27 / 2026
عدد زيارات البحث : 54
الملخص
يتناول هذا النصُّ العلاقة بين العنصريّة والاستعمار الجديد الفرنسي، مؤكّدًا أنّ ثراء أوروبا (والغرب عمومًا) بُنيَ على استغلال العبيد والشعوب المستعمَرة ودمائهم. وتعمل (منظمة بقاء الفرنسيّة) ضدّ هذا الاستعمار الجديد في إفريقيا (إفريقيا الفرنسيّة). يشير التحليل إلى أنّ العنصريّة الحديثة نشأت لتبرير العبودية والاستعمار، وأنّ إيديولوجيا (عظمة فرنسا) تحجب استغلال الشعوب المستعمَرة الجديدة. وقد شارك فلاسفة الأنوار في ترسيخ (عنصرية بيولوجية)، بينما رسّخت (المدوَّنة السوداء) و(قانون السكّان الأصليين) العنصرية تشريعيًّا لتبرير الاستغلال. ويؤكّد النصّ أنّ هذا الإرث مستمرٌّ في فرنسا على شكل (عنصريّة بنيويّة)، أو (عنصريّة دولة)، تتجسّد في الخطابات السياسيّة المُحِقّرة، والممارسات التمييزيّة ضدّ أحفاد المستعمرين السابقين في العمل والسكن. كما تدين المنظمة الممارسات الإجراميّة لعناصر الشرطة التي تستهدف السود والعرب. ويختتم بالتأكيد على أنّ فرنسا لا تزال تحتفظ بأشكالٍ حديثةٍ من الاستعمار في (أراضي ما وراء البحار)، مشيرًا إلى استمراريّة منطق الافتراس والعنف في السياسة الفرنسيّة.
الكلمات المفتاحيّة: العنصريّة البنيويّة، الاستعمار الجديد، إفريقيا الفرنسيّة، العبوديّة، قانون السكّان الأصليّين.
«تتمرّغ أوروبا [الغربُ عمومًا] في ثراء فاحشٍ وترفٍ تفاخُريٍّ بالغٍ مداه. هذا الثراءُ هو فضيحةٌ، بأعمق ما لهذه الكلمة من معنًى ودلالةٍ؛ لأّنه قد بُنيَ على كواهل العبيد، وغُذّي بدماء العبيد، لقد أتى مباشرةً من أرض العالَم المتخلِّف، من تربتها ومن باطنها. لقد شُيِّدت رفاهيّةُ أوروبا [الغرب عمومًا] بعَرق الضحايا وعلى جثثهم، الضّحايا الزّنوج، والعرب، والهنود، والصُّفْر. قرارُنا هو: لن ننسى ذلك أبدًا».
فزانز فانون، مُعذَّبو الأرض، 1961
المقدّمة
غايتُنا من كتابة هذا النّصّ هي توفيرُ بعض الأفكار والتّأمّلات حول العلاقات الموجودة بين الاستعمار، وإفريقيا الفرنسيّة، والعنصريّة. كما نهدف أيْضًا إلى بناء جسورٍ [للتعاون] بين الحركات المناهضة للاستعمار والحركات المناهضة للعنصريّة وحركات التّحرُّر/التّحرير من الاستعمار (décolonisation) العاملة في زماننا الحاضر، لتقوية بعضنا بعضًا، وإيجاد محاورَ نضاليّةٍ مشتركةٍ.
لا تزال (العنصريّةُ الحديثةُ) التي هي بناءٌ كان قد شِيد من أجل تبرير (العبوديّة) و(الاستعمار) في ما بين القرنيْن السّادس عشر والتّاسع عشر الميلاديين، لا تزال تنظّم (تهيكل) المجتمعَ الفرنسيَّ. ولا تزال تُؤثّر في السّياسات التي تنتهجها الدّولةُ الفرنسيّةُ في مستعمَراتها الإفريقيّة السّابقة، وفي الأراضي التي لم تتحرّر بعدُ من الاستعمار الفرنسيّ، وفي معاملة خَلَف (أحفاد وأبناء) من كانوا خاضعين، في ما مضى، للاستعمار الفرنسيّ.
تحجب إيديولوجيا (عظمة فرنسا)، التي تحظى بإجماعٍ كبيرٍ بين الفرنسيّين، بشكلٍ منهجيٍّ، حقيقةَ أنّ غِنى فرنسا وقُوّتَها قائمتان على استغلال الشّعوب «المستعمَرة الجديدة» (éo)colonisés)، التي تتسبّب العنصريّةُ في تصغيرها وتسفيلها والحطّ من قيمتها الإنسانيّة.
مصدران للعنصريّة الفرنسيّة: العبوديةُ والاستعمار
تتميّز الإمبراطوريّةُ الاستعماريّةُ الفرنسيّةُ الأولى، مثل أغلب مثيلاتها الأوروبيّة التي تغذّت على افتراس أمريكا بقسميْها الشماليّ والجنوبيّ/اللّاتينيّ منذ القرن الخامس عشر، تتميّز بتاريخٍ استعباديٍّ مديدٍ.
لقد كانتِ (العبوديّةُ) و(الاستعمارُ) مؤسِّسَيْن للعنصريّة كبنيةٍ للاستغلال، بغاية تبرير أسْر ملايين البشر، ونقلهم، واستغلالهم، وإخضاعهم للعبوديّة. وهكذا فقد تمّ، منذ القرن السّابع عشر، فرضُ مفهومٍ عِرقيٍّ (مَصوغٍ على أساسٍ عِرْقِيٍّ) (racialisé) للعبوديّة. لقد تطوّرتِ العبوديّةُ، إذنْ، في العالَم الاستعماريّ، وأسهمت في إنشاء (هويّاتٍ عرِقيّةٍ). وشهد العالَم، وقتها، ظهورَ مفهومٍ للعِرق مرتبطٍ ارتباطًا وثيقًا بالازدهار الكبير لتجارة العبيد عبر المحيط الأطلسيّ (التجارة الثُّلاثيّة)، إلى حدِّ أنْ وصل الأمرُ إلى أنْ أصبحت كلمة «زنجيّ» (nègre) في القرن الثّامن عشر مرادفةً لكلمة (عبد) (esclave). في الوقت نفسِه، تصاعد تدريجيًّا منطقُ تصنيف الشّعوب وجَوْهرتهم (مصدر من فعل جوْهر) (essentialiser)، وترتيبهم الطّبقيّ (في مقياس الدّرجة الإنسانية: من الأعلى إلى الأسفل) (hiéarchiser) وفقًا للون بشرتهم، على مستوى العالَم أجمع.
عنصريّةُ فلسفةِ الأنوارِ والنّزعةُ الكوْنيّةُ (العالَميّةُ) الأورومحوريّةُ
لقد كان أغلبُ فلاسفة الأنوار قليلي الحسّاسيّة في ما يتعلّق بمسألة العبوديّة، وكانوا كلُّهم متأثّرين بأفكارٍ عنصريّةٍ مسبَقةٍ، ومُشبَعين بالتّحيُّز العنصريّ. وعلى الرّغم ممّا نجده الآن في المناهج الدّراسيّة في المرحلة الثّانويّة [في فرنسا] من تركيزٍ على النّصوص الأشدّ نقْدًا للعبوديّة من آثار كوندورسي أو فولتير، إلّا أنّ الحقيقة كانت خلافَ ذلك، في واقع القرن الثّامن عشر، إذْ كانت تنشأ عنصريّةٌ بيولوجيّةٌ ذاتُ غرضٍ علميٍّ لدى كتّاب الأنوار هؤلاء أنفسِهم.
على سبيل المثال، تَعزو نظريّةُ مونتسكيو الكسلَ والخمولَ والضّعفَ والسّلبيّةَ إلى المناخ الحارّ. ويقول صراحةً، في كتابة (روح الشّرائع) سنة 1948، إنّ «البلدان حيثُ الحرارةُ [المرتفعةُ] تُنهِك الجسمَ وتُضعف الشّجاعةَ كثيرًا، [...] تستشري فيها العبوديّةٌ بشكلٍ صادمٍ [...] ويضعف العقلُ». يربط فولتير هذه الفكرةَ، بلسانٍ أكثرَ صراحةً، بلون البشرة، مؤكِّدًا تحديدًا في كتابه (أطروحةٌ في الميتافريقيا 1734م) أنّ «البيض أرقى من هؤلاء الزّنوج، كما أنّ الزّنوج أرقى من القرود، كما أنّ القرود أرقى من الأصداف».
لقد جمعتِ الكونويّةُ (العالَمويّةُ) (النّزعةُ الكونيّةُ، النّزعة العالميّةُ) (universalisme) لفلسفة الأنوار خطابًا حول حقوق الإنسان وحول المساواة للبيض في أوروبا، وفي الوقت نفسِه ابتدعت تصنيفًا عِرقِيًّا يُبرّر التّمييز (عدم المساواة) والجوْهرةَ (إضفاء الطّابَع الجوهريّ) (essentialisation). يترك هذا الإرثُ من فلسفة الأنوار، الذي يتمّ غالبًا إخفاؤُه وتجاهلُه، آثارًا هامّةً، إلى زمننا هذا، في الكونويّة (العالَمويّة) البيضاء التي تُشير ضمنًا إلى الرّجل الأبيض بوصفه (المعيار).
في الواقع، نجد أنّ إعلانَيِ الحقوق الصّادريْن عن الثّورتيْن الأمريكيّة والفرنسيّة، في مجال حقوق الإنسان، لا يتضمّنان حقوق النّساء، ولا حقوقَ السّكّان الأصليّين (الهنود الأمريكيّين) ولا حقوقَ السُّود... لقد ظلت هذه المدوَّنةُ القانونيّةُ، زمنًا مديدًا، تتعامى أمام العنصريّة التي أنتجها ذلك المعيارُ الفاقد للحكمة. وباسم الكونيّ/العالَميّ (universel)، غالبا ما نجد أنصارَها يكابرون ويجنحون إلى العناد أمام النّقود (critiques) الصّادرة عن أنصار السّياسويّة (النّزعة السّياسيّة) المناهضة للعنصريّة.
عنصريّةٌ تشريعيّةٌ لتبرير الاستغلال
لم تمّ تقنينُ ذلك في «المدوَّنة السّوداء» (القانون الأسود) (Code Noir) منذ القرن السّابع عشر، ثمّ في «مُدوَّنة (قانون) السّكان الأصليّين» (Code de l’Indigénat) في القرن التّاسع عشر. تمنح «الـمُدوّنةُ السّوداءُ» («القانونُ الأسودُ»)، الّتي صاغها كولبارْ، العبدَ [الأسودَ]، الذي يُميَّز بلون بشرته، وضع السّلعة المنقولة، الذي يحرمه من إنسانيّته. وتستمرّ العرْقنةُ (racialisation)، وتتعمّق لمّا يتّخذِ المستوطِنون المستعمِرون بياضَ بشرتهم سدًّا لضمان سيطرتهم على الـمُحرَّرين من العبوديّة وعلى (الأحرار الـمُلوّنين [السّود]).
أمّا (مُدوَّنةُ السّكّان الأصليّين) فقد صدرت في الجزائر سنة 1875، ثمّ عُمِّم العملُ بها إلى جميع مستعمَرات فرنسا سنة 1887. وهي تنصّ، في موادّها القانونيّة، على الفصل التّام بين المواطنين الفرنسيّين، ذكورًا وإناثًا، وبين رعايا الإمبراطوريّة [المستعمَرين]. تشتمل هذه الـمُدوَّنةُ (القانونُ) على مجموعةٍ من اللّوائح/الإجراءات التي تُجيزُ ممارسة عقوباتٍ مختلفةٍ على السّكّان الأصليّين [المستعمَرين]، من دون إجراء محاكمةٍ. من بين الالتزامات المفروضة على السّكان الأصليّين، نشير إلى:
1. تلك التي تفرض عليهم سلطةً تعسُّفيّةً:
منع مغادرة منطقة السُّكنى من دون إذْنٍ.
منع توجيه كلامٍ مسيءٍ إلى أحد موظَّفي السلطة الاستعماريّة [الفرنسيّة].
2. وتلك التي تفرض عليهم أعمالًا قسريّةً:
وجوب الانصياع للأوامر بالقيام بأعمال السُّخْرة (الأعمال القسريّة غير المأجورة).
أو النّقل.
أو مصاردة الحيونات.
وفي الوقت نفسِه، أدّى استعمارُ الجزائر، وما تبعه من استعمار فرنسا لأراضٍ وشعوبٍ ذاتِ صبغةٍ إسلاميّةٍ، إلى تغذية نظرةٍ عنصريّةٍ نحو العربيّ أو المسلم، لا تزال العديدُ من سماتها تُجترّ إلى زمننا هذا من خلال ظاهرة «الإسلاموفوبيا» (رُهاب الإسلام).
العِلمويّةُ (النّزعةُ العلميّةُ) (scientisme) في خدمة عنصريّةٍ بيولوجيّةٍ
تعزّز ذلك التّرتيبُ الطبقيُّ [على أساس العِرق] والتبريرُ للاستغلال الاستعماريّ من خلال العنصريّة، تعزّر في القرن التّاسع عشر مع ظهور دعوًى (زعْمٍ) علميّةٍ وبيولوجيّةٍ. أدركت تلك الدّعوى ذروةَ عطائها سنة 1853 مع الكونت دي گُوبينو في كتابه (مقالٌ عن عدم المساواة بين الأعراق البشريّة). تفترض تلك الدّعوى أنّ لكلّ شعبٍ خصائصَ ثابتةً لا تتغيرّ، جسديّةً وعقليّةً، تنتقل عبر الدّم.
لقد تمّ توظيفُ تلك العنصريّة البيولوجيّة، إذنْ، لتبرير امتيازات الأوروبيّين وسيطرتهم على المجموعات البشريّة الأخرى التي تمّ تصنيفها عِرْقِيًّا بذلك النّحو. لقد كانت تلك العنصريّةُ البيولوجيّةُ هي الأداةَ التي وظّفتْها الإمبراطوريّاتُ الاستعماريّةُ الأوروبّيّةُ ضدّ الشّعوب التي استعمرتْها [لتبرير استعمارها واستغلالها]، لكنّها كانت أيضًا هي الأداةَ التي وظّفتها النّازيّةُ [والفاشيّةُ] داخل المجتمعات الأوروبّيّة نفسِها، [وهكذا ارتدّ مفعولُ السّحر على السّاحر].
الاستعمارُ، «رسالةُ حضرنةٍ» (mission civilisatrice) تمارسها «الأعراق العُليا»
في القرن التّاسع عشر، تكوّن خطابٌ أخلاقيٌّ يعارض تجارةَ الرقيق، ثمّ العبوديّةَ، لأسبابٍ إنسانيّةٍ، كان انتشارُه يتّسع بين النُّخَب الفكريّة (élites)، كلّما تقدّمت الثورةُ الصّناعيّة، وأَضعفت، يومًا بعدَ آخرَ، الحاجةَ إلى استغلال العبيد. وقد أُعيد توظيفُ تلك الحُجّة الإنسانيّة، بعد عقودٍ من ذلك التّاريخ، لمّا بدأت مواردُ القارّة الإفريقيّة تثير، مباشرةً، أطماعَ القوى الإمبرياليّة الأوروبّيّة. وفق دعواهم (زَعْمهم)، لم يكن الأمرُ يتعلّق باستغلال النّاس ولا الموارد، بل بـ«حضْرنة» (civiliser) الشّعوب التي كانوا يَرون أنّها سُفلى (دُنيا) [وفق التّصنيف العِرقيّ العلميّ!].
لقد مكّنت تلك الإيديولوجيا، التي كان يتقاسمها الحُكّامُ على نطاقٍ واسعٍ، من تبرير الاستعمار. على سبيل المثال، لمّا سعى جول فيرِّي لتبرير القيام بإرسال حملةٍ استعماريّةٍ إلى مدغشقر سنة 1885، صرّح بأنّ «الأعراق العليا (المتفوِّقة) تملك حقًّا؛ لأنّ عليها واجبًا. إنّ عليها واجبَ حضرنة الأعراق السُّفلى (الدُّنيا)».
وهكذا نجد، إذنْ، أنّ العنصريّةَ تتموضع، أيضًا، في قلب عمليّة تكوين الأمبراطوريّة الاستعماريّة الفرنسيّة الثّانية، في العقد التّاسع من القرن التّاسع عشر [الثّمانينات]. ولا يزال منطقُ القوّةِّ الفرنسيُّ، الذي تشكّل بنحوٍ رئيسٍ خلال حِقبة الجمهوريّة الثّالثة، حاضرًا بقوّةٍ، في زمننا الحاضر، في الخطاباتِ العامّةِ وفي بنى الدّولة. وكما كانت الحالُ في الحِقبة السّابقة، فإنّ الفجوةَ عظيمةٌ بين الخطاب والممارسة. ففي الواقع العمليّ، تتجسّد دعوى (الحضْرنة) في عمليّات استغلال محمومٍ، وبترٍ للأيادي، ومجازر جماعيّة، وغيرها من الأعمال... [غير الحضارية، وغير الإنسانيّة].
التّرتيبُ الطبقيّ للأعراق في خدمة السّيطرة (الهيمنة)
لقد شارك المبشِّرون [المسيحيّون]، والجنودُ وعلماءُ الأنتروبولوجيا الأوروبّيّون الذين جابوا المستعمَراتِ [الفرنسيّة] خلال مرحلة إنشائها، شاركـوا أيْضًا في تكوين أعراقٍ، وتسميتها، وترتيبها طبقيًّا، واستغلالها، في الأراضي المرغوبة والمنْويّ استعمارُها. ولقد كانت تلك الفئاتُ العِرقيّةُ، في ما بعدُ، نافعةً جدًّا من حيثُ قابليّتُها للتّسخير للسيطرة (الهيمنة) على مساحاتٍ شاسعةٍ من الأراضي بعددٍ قليلٍ من الجنود. وهكذا، فإنّ تمييز البربر عن العرب، في الجزائر، كان أداةً فعّالةً جدًّا استعملها المستعمِرون [الفرنسيّون] لتقسيم المقاومات وإضعافها.
وفي مدغشقر، قامتْ (سياسةُ الأعراق) التي انتهجها الجنرال گالْياني (1896-1905) على مبدأ الاعتماد على النظريّاتٍ الأنتروبولوجيّةٍ العِرْقيّة (ذات النّزعة العِرْقيّة) (racialistes) السائدة آنذاك. شجّع گالْياني، سعيًا منه إلى إضعاف مقاومة الملِكيّة الملْغاشيّة [المدغشقريّة]، على إجراء إحصاءٍ منهجيٍّ للسّكّان، باستخدام التّصوير الفوتوغرافيّ والفرينولوجيا (علم فراسة الدّماغ: دراسة أشكال الجماجم البشريّة لمعرفة الشخصيّة والملكات العقليّة) (phrénologie). ثمّ قام گالْياني بتصنيف الأعراق الـمُنشَأة بتلك الطريقة، ثمّ بتسييل التّصنيف في خرائطَ [لأماكن وجود الفئات العِرقيّة]. لقد مكّنه ذلك من فرض الحضور الفرنسيّ من خلال تسخير تلك الفئات [العرقيّة] ضدّ حكّام مملكة ميرينا، مُعزِّزًا ذلك بعمليّات قمعٍ شرسةٍ. في سياقٍ آخَرَ، قام المستعمِرون المستوطِنون البلجيكيّون، في رواندا، بعرْقنة الاختلافات الاجتماعيّة بين الهوتو والتّوتسي، من أجل ترسيخ سيطرتهم على البلاد.
بعد الحرب العالميّة الثانية، والصّدمة والتي أحدثتْها عمليّاتُ الإبادة النّازيّة في أوروبا، سرعان ما فقدتِ العنصريّةُ البيولوجيّةُ مصداقيّتَها وموثوقيّتَها. لكنّ العنصريّةَ تطوّرت بعد ذلك في صيغة مواقفَ وسلوكاتٍ وخطاباتٍ عنصريّةٍ صُوِّبتْ نحو ثقافاتٍ، بعضُها كان يتمّ تحقيرُها وتسفيلُها والحطّ من قيمتها، وبعضها الآخَر كان يتمّ تمجيدُها وإعلاءُ شأنها. وهكذا فقد ظهرت (عنصريّةٌ ثقاقيّةٌ) كقناعٍ يحجب (العنصريّة البيولوجيّة).
لا تزال تلك الإنشاءتُ العنصريّةُ، إلى اليوم، عاملةً وتُغذّي علميّاتِ التّمييز التي تُمارَس، في المركز الاستعماريّ السّابق [فرنسا]، ضدّ خَلَف المستعمَرين السّابقين (الأحفاد والأبناء). ولا زلنا نلمس وجود آثارها في السّياسات التي تُطبّقها فرنسا تجاه الدُّول التي كانت تستعمرها سابقًا، كما نجدها في السّياسات التي تُطبّقها هذه الأخيرةُ نفسُها مباشرةً مع شعوبها.
في الواقع، لقد حفظت القوى الاستعماريّةُ الجديدةُ الحاضرةُ جميعَ الدّروس الخاصّة بتلك السّياسة القائمة على التّقسيمات العِرقيّة، وبشكلٍ خاصٍّ في الكاميرون في عهد بولْ بِيا، وفي التّشاد في ظل سلطة عائلة دِيبي. والجيشُ الفرنسيُّ ليس نقيَّ الجانب في تحالفاته الحاضرة في منطقة السّاحل الإفريقيّ أو في مناطق أخرى من إفريقيا(الرسم 1).
مقتطف من كتابٍ مدرسيٍّ صدر عام 1938 من تأليف إي. كارون، والسيدة إي. كارون، وسي. ديراند. العلوم في المرحلة الابتدائيّة، شهادة الدراسة الابتدائيّة، مقرّر التعليم العالي، للصفيّن الأول والثاني.
عنصريّةُ بنيويّةٌ في فرنسا
لقد رسّختِ العبوديّةُ والاستعمارُ، إذنْ، عَرْقنةً (racialisation) تُجرِّد الشّعوبَ، التي تعرّضتْ لها، من إنسانيّتها، وتُرسي ترتيبًا طبقيًّا للأعراق، يُوجَد في قمّته البِيضُ. وقد استمرّت مفاعيلُ ذلك التّرتيب وتغلغل في المجتمعات المابعد-استعماريّة من الجانبين، وأثّر فيها.
في ما مضى، كان جول فيريّ ( Jules FERRY) يتكلّم عن (أعراقٍ سُفلى/دُنيا، ينبغي حضرنتُها). واليومَ يتجدّد الخطابُ روحًا، بألفاظٍ مختلفةٍ، إذْ من الشّائع أنْ تسمع رجالَ السّياسة الفرنسيّين يتكلمون عن (حثالات)، و(متوحّشين)، و(شباب الأحياء/الضّواحي)، و(متعدّدي الزوجات)، و«الإسلامويّين» (islamistes)، الذين يُعتقد أنّهم (ميّالون للسرقة)، و(العنف)، أو حتى (الكسل)، بطريقةٍ مُجوْهَرةٍ (essentialisée).
جميعُ هذه الأوصاف هي إرثُ مباشِرٌ للتّصنيفات [العرقيّة / العنصريّة] التي قد تمّ تثبيتُها ونشرُها خلال الحِقبة الاستعماريّة. لا تزال هذه الإيديولوجيا وتلك القوالبُ النّمطيّةُ، التي قد تمّ ترويجُها في الكتب المدرسيّة في القرن الماضي، ومن خلال معارض حدائق الحيوان البشريّة (zoologies humains) التي أقيمت في فرنسا، لا تزال تسيل، في زمننا هذا، من ألسنة الشّخصيّات السّياسيّة في فرنسا، والمحلّلين السّياسيّين في قناة س. نيوز (Cnews)، وغيرها من وسائل الإعلام، وتستمرّ في التغلغل في عقول الفرنسيّين، والتّأثير في سلوكاتهم.
وصف فرانز فانون، بدقّةٍ عاليةٍ، آثارَ العنف الاستعماريّ، في أعمق معانيها وتجلّياتها، سواءً على المستعمَرين أم على المستوطِنين المستعمِرين (colons). لا زال الأفراد والمجتمعاتُ، من كلا الطّرفين يعيشون تحت وقْع تلك الصّدمة:
بالنّسبة للمستعمَرين وخَلَفهم [الأبناء والأحفاد الحاضرين]: تصغيرٌ، واحتقار، وحطٌّ من القيمة الإنسانيّة.
وبالنسبة للمستوطِنين المستعمِرين (colons): «وصف بالتوحُّش» (ensauvagement)، إذْ إنّ ممارسة العنف الوحشيّ تُجرّد الإنسان من إنسانيّته، ولو جزئيًّا.
ولا تزال الإيديولوجيا الفرنسيّةُ، المتجوهرةُ بـ(العظمة) و(القوّة)، تدفع الفرنسيّين، ساسةً وشعبًا، إلى تصوُّر العلاقات مع الآخَرين [غير الغربّيين، غالبًا]، وممارستها في الواقع، من خلال منطق «الافتراس» (prédation)، والسّلوك الحربيّ والعنف.
لكن العنصريّةَ تتجسّد ممارسةً، في المقام الأوّل، في بُعدِها المادّي تجاه خَلَف مستعمَري فرنسا سابقًا [أحفادهم وأبنائهم]. ويتمظهر ذلك، خاصّةً، في السّلوكات التمييزيّة. أثبتت العديدُ من الدّراسات أنّ هذا الخَلَف يُعاني أفرادُه من قلّة فرص العمل، والسّكن، والتّكوين [العلمي والمهنيّ] أو حتّى الرّعاية الصّحّيّة.
صحيحٌ أنّ بعض هذه الممارسات التّمييزيّة هي سلوكاتٌ فرديّةٌ، لكنّ الحركاتِ المناهضةَ للعنصريّة تناضل، في المقام الأوّل، ضدّ الأساس، وهي البنى التي تُولّدها. تتحدث هذه الحركاتُ عن وجود (عنصريّةٍ بنيويّةٍ)، أو (عنصريّة دولة)، وهي عنصريّةٌ تشير إلى طيفٍ واسعٍ يشمل الخطاباتِ السّياسيّةَ والإعلاميّةَ، والسّياساتِ العامّةَ التّمييزيّةَ، والممارساتِ المؤسِّسيّةَ. إنّها تُدين، على سبيل المثال، الممارساتِ التمييزيّةَ والإجراميّةَ التي تصدر عن عناصر الشرطة، أو عن أعضاء الجهاز القضائي: التتبّع الأمنيّ المبنيّ على اللّون والملامح الخارجيّة للشخص (contrôles au faciès)، والمعاملة التمييزيّة من طرف المؤسّسات القضائيّة، والممارسات العنفيّة، القاتلة أحيانًا، من طرف عناصر الشرطة أو حرّاس السّجون، الذين يستهدفون، بشكلٍ غالبٍ جدًّا، الشّبانَ السُّودَ أو العربَ
. وعلى الرّغم من ثبوت حصول تلك الممارسات بالأدلة، تُنكر السّلطاتُ الفرنسيّةُ وجودَ هذه العنصريّة المؤسِّسيّة، ما يعني بقاءَ الممارسات التي تنتج عنها بلا عقابٍ.
861 قتيلًا بأيدي رجال الشّرطة:
بناءً على إحصاءٍ، قَتل رجالُ الشّرطة الفرنسيّون 861 إنسانًا بين سنة 1977 وسنة 2022. وخلص موقعُ باسْتماگْ (Bastmag) إلى أنّ «سِمات الضحيّة تتكرّر. الضحيّة دائمًا رجلٌ يقلّ عمرُه عن 27 سنة، يُوحي اسمُه بأنّه إفريقيٌّ أو مغاربيٌّ (من شمال إفريقيا)».
20 مرّةً أكثر من حيثُ حالاتُ المراقبة:
أثبتت العديدُ من الدّراسات وجودَ حالات تمييزٍ، في الحصول على سكنٍ، ضدّ أشخاصٍ يُنظر إليهم أنّهم أصيلي المغرب الكبير (شمال إفريقيا) أو إفريقيا، وعلى وجه الخصوص عمليّات التّمييز في الحصول على سكنٍ في فرنسا: اختبارٌ حول المناطق الحضريّة في فرنسا المركز الاستعماريّ، المعهد الوطني للإحصاء والدّراسات الاقتصاديّة (فرنسا)، 2020.
وفقًا للعديد من كتّاب الافتتاحيّات في الصحف الفرنسيّة، أو ممثّلي الحكومة الفرنسيّة، لا يمكن أنْ يكونَ عناصرُ الشرطة عنصريِّين إلّا في الولايات المتّحدة الأمريكيّة، كامتدادٍ لتقاليد العبوديّة. وعلى الرّغم من ذلك، فإنّ نَسَبَ (généalogie) تنظيم الشرطة الفرنسيّة ترجع أصولُه إلى العبوديّة والاستعمار. يُمكننا أنّ نُذكّر، كمثالٍ عى ذلك، بـ «شرطة السُّود» (police de noirs) على الأراضي الفرنسيّة في القرن الثّامن عشر، أو في زمنٍ أقربَ إلينا، «ألوية مكافحة الجرائم» (BAC: Brigades Anti-Criminalités)، التي تنحدر من (ألوية شمال إفريقيا للمراقبة)، التي كانت عاملةً في العقد الرّابع من القرن العشرين [الثّلاثينات]، والتي تحوّلت في العقد السّادس منه [الخمسينات] إلى ألوية العدوان والعنف [ضد المجاهدين والشعوب المقاوِمة خلال مرحلة حروب التّحرير]. حدثت، في فرنسا، انتفاضاتٌ متكرِّرةٌ ضدّ جرائم الشّرطة، كتلك التي حدثت سنة 2005، وسنة 2020، ثمّ سنة 2023 عقب مقتل ناهل مرزوق [على أيدي عناصر من الشرطة]، ما يُعيد إلى الواجهة، بانتظامٍ، مسألة هذه العنصريّة ومسألة استعماريّة (colonialité) ممارسات عناصر الشرطة الفرنسيّة.
وعلى الرّغم من أنّ فرنسا قد ألغت رسميًّا (قانون السّكّان الأصليّين) سنة 1946، وعلى الرّغم من أنّ التشريعاتِ القانونيّةَ التمييزيّةَ [العنصريّة] قد اختفت مع حصول الدُّول الإفريقيّة على استقلالها قُبيْل سنة 1960 وخلالها وبُعيْدَها، لكنّنا نشهد، في السّنوات الأخيرة، ازديادًا في عدد القوانين، المقنّعة بصياغاتٍ كونويّةٍ/عالمَويّةٍ (universalistes)، تستهدف المسلمين في الواقع.
وهكذا فإنّ ما يحصل في الوقع هو أنّ الجدلَ السّياسيَّ والإعلاميَّ، بعيدًا عن أن ينشغل بجميع الأديان، يحصر الحديثَ والنّقاش إلى حدّ التّخمة، بموضوع حجاب النّساء المسلمات، أو «البوركيني» (لباس السّباحة في البحر) (burkini)، أو (العباية). لا زلنا نبحث عن إجراءٍ واحدٍ، على الأقلّ، قد قامت به الشرطةُ الفرنسيّةُ ضدّ المتطرّفين من جماعاتٍ أخرى غير المسلمين. يبدو أنّ إرهاب اليمين المتطرّف أو الأصوليّين (المتطرِّفين) الكاثوليك يُفلت من تلك الإجراءات القمعيّة. في الواقع، هذه القوانين تمنح المسلمين حقوقًا أقلَّ من غيرهم. لقد أدّت هذه القوانينُ، المتعلّقة بـ)الرّموز الدّينيّة)، وبـ(مكافحة التّطرّف)، وبـ)مكافحة الحركات الانفصاليّة)، أدّت فعليًّا إلى استبعاد الفتيات [المسلمات] من المنظومة التعليميّة، والنّساء [المسلمات] من قطاعات عملٍ بأكملها، وإلى منعهنّ من الدّخول إلى بعض المرافق العامّة، وإلى حصول عمليّاتِ طردٍ تعسُّفيٍّ، وإلى إغلاق بعض أماكن العبادة أو التّعليم، بل وحتى إلى حلّ بعض الجمعيّات المناهضة للعنصريّة، والمثال الأبرز: «التّجمُّع ضدّ الإسلاموفوبيا في فرنسا» (CCIF: Collectif Contre l’Islamophobie en France).
خلال مرحلة التّحرُّر من الاستعمار (décolonisation) في العقد السّادس (الخمسينيّات)، والعقد السّابع (السّتّينيّات)، والعقد الثّامن (السبعينيّات) من القرن العشرين، أُعيد استخدامُ العديد من الأدوات الاستعماريّة، ذات الصّبغة الإداريّة والعسكريّة، لتدبير شؤون خَلَف المستعمَرين [أحفادهم وأبنائهم]، في فرنسا المركز الاستعماريّ، في وظائفَ بنيويّةٍ في مصالحَ في الدّولة الفرنسيّة على مستوى جميع الدّرجات في السّلّم الوظيفيّ. وهكذا، فقد أصبح رجالُ الشرطة السّابقون في الجزائر حُرّاسًا لأحياء «المساكن ذات الإيجار المتوسّط» (HLM) ومبيتات سوناكوترا (Sonacotra) للعمّال المهاجرين إلى فرنسا. وكذلك أصبح العديدُ من المديرين الاستعماريين وُلّاةً (محافظين) أو وزراء بعد استقلال المستعمَرات التي كانوا فيها.
بيار بولوطْ: من الجزائر إلى سين سانْ دوني
: تمثّل المسيرةُ المهنيّةُ لـ (بيار بولوطْ) رمزًا لحركة التّنقُّل الوظيفيّ هذه، بما أنّه قد كان أحد الفاعلين في حرب الهند الصّينيّة، وفي عمليّة الإخضاع العسكريّ (قمع المقاومة / (pacification خلال حرب التحرير في الجزائر [قبل الاستقلال]، وفي المجازر التي ارتكبتها القوّاتُ الفرنسيّةُ في الگوادْلوبْ سنة 1967، قبل أنْ يتمّ تعيينُه في منصب المحافظ لولاية (محافظة) ساين-سانْ-دوني الجديدة سنة 1969، حيثُ أشرف على إنشاء الوحدات الأولى من لواء مكافحة الجريمة.
أخيرا، يجب علينا أن نُشيرَ إلى أنّ فرنسا ما زالتْ تحتفظ بمستعمَراتٍ تُسمّيها (أراضي ماوراء-البحار)، وهي أشكالٌ حديثةٌ من الاستعمار. هذه الأراضي [المستعمَرات]، التي يسكنها في الغالب خَلَفُ (أحفادُ وأبناءُ) عبيدٍ سابقين أو شعوبٍ كانت سابقًا مستعمَرة مباشَرةً من فرنسا، تُستعمَل حاضرًا كقواعدَ متقدّمةٍ للجيش الفرنسيّ في جميع القارّات. تخضعُ هذه المستعمَراتُ الحديثةُ لتشريعاتٍ استثنائيّةٍ [حيفيّةٍ] في العديد من المجالات، ونقصٍ في الخدمات العامّة الأساسيّة (المستشفيات، وسوء توزيع المياه، إلخ.)، كما تخضع بشكلٍ عامٍّ، إلى أعمالٍ تجريبيّة تُعدّ في الوقع، حيَواتِ سكّانها أقلَّ قيمةً (التّسميم بمبيد الحشرات الكلوروديكون في جزر الأنتيل، والتّجارب النوويّة في بولينيزيا، القمع العسكريّ للتّحرُّكات الاحتجاجيّة الاجتماعيّة والسّياسيّة، إلخ.). على الرغم من تحقّق تحسّنٍ في الأوضاع في مجالاتٍ عديدةٍ، فإنّ الاستعمارَ والعنصريّةَ، اللذين يشكّلان بنيتها، لم يعرفا انقطاعًا حقيقيًّا.
«العالَمُ المستعمَرُ عالَم مُقسَّمٌ قِسميْن:
علامة خطّ الفصل بين العالَميْن، علامة الحدِّ (frontière)، هي الثّكناتُ ومراكزُ الشّرطة. في المستعمَراتِ، مُحاوِرُ المستعمَرِ الشّرعيُّ والـمُؤسِّسيُّ، والنّاطقُ الرّسميُّ باسم المستعمِر المستوطِن (colon)، وباسم النّظام هو رجل الشّرطة) الدَّرَكيّ / (gendarme ) أو الجنديّ.» فرانز فانون، مُعذَّبو الأرض، 1961.
من الاستعمار إلى إفريقيا-الفرنسيّة (FRANÇAFRIQUE)، ديمومةٌ عنصريّةٌ
إذنْ، تستمرّ العنصريّةُ في تشكيل بنية فرنسا: دولةً ومجتمعًا. بالنّظر إلى أنّ فرنسا قد سعتْ، طوْعًا وقصْدًا، إلى إدامة هيمنتها على مستعمَراتها القديمة، فلا داعيَ للاستغراب من كون العنصريّة لا تزال تشكّل بنيةَ هذه العلاقة، أيضًا، بين المركز الاستعماريّ (فرنسا) وفي مستعمَراتها القديمة. سنخيّةُ الأسباب تؤدّي إلى سنخيّةِ النّتائج، فالعنصريّةُ تُماشي الاستعمارَ حذو القذّة بالقذّة، وهي لا تزال على سيرتها نفسِها مع الاستعمار الجديد.
والأمثلةُ كثيرةٌ لخطاباتٍ عنصريّةٍ صدرت عن رؤساء للدّولة الفرنسيّة كانت آثارُها جميعِها هي تبرير الاستعمار الجديد. من أشهر تلك الخطابات خطابُ الرئيس الفرنسيّ جاك شيراك الذي صرّح، سنة 1990، أنّ «إفريقيا لم تبلغ سنَّ الرّشد لتطبيق الدّيموقراطيّة»، وخطاب الرئيس الفرنسيّ فرانسوا ميتران، في كلامه عن رواندا، لمّا أسرّ إلى خواصِّه، سنة 1994، أنّ «وقوع إبادةٍ جماعيّةٍ في ذلك البلد ليس أمرًا كبيرَ الأهميّة». أمّا الرئيسُ الفرنسيّ إيمانوالْ ماكرون فقد صرّح، سنة 2007 في داكار (السنغال)، أنّ «الإنسان الإفريقيَّ لم يترك بصمةً تُذكر في التّاريخ». وسنة 2017، أيْضًا، أجاز ماكرون لنفسه أنْ يُطنبَ في الخطاب، همزًا ولمزًا، حول معدّل الولادات [المرتفع] للنّساء الإفريقيّات.
يجهد حُكّامُ فرنسا، دائمًا، لإبراز أنفسهم كشخصيّاتٍ حكيمةٍ لا غنَى لقارّة إفريقيا عن حكمتهم لرسم مستقبلها بطريقةٍ سليمةٍ، مُجترّين، بلا كفٍّ، خطابَ «رسالة الحضرنة» (mission civilisatrice)، الذي لا يُجيزُ، البتّةَ، التّفكيرَ في العدالة بين الشّعوب.
في الخطابات الـمُهيمِنة، سيّاسيًّا وإعلاميًّا، غالبًا ما يتمّ إزاحةُ الطّابَع السّياسيّ جانبًا لتسودَ، بدلًا عنه، «القراءاتُ الجوهريّةُ» (ذات النّزعة الجوهريّة) (essentialistes): و(النّزعة القَبَليّة) (tribalisme)، و(الحروب العِرقيّة)، و(القراءة ذات النّزعة العِرقيّة) (racialiste) للأحداث السّياسيّة، و(سياسة البطن). إنّ الشّكل الأحدثَ لهذا النوع من الإنكار لوجود العامل السّياسيّ في إفريقيا هو الحروب التي تشنّها فرنسا (ضدّ الإرهاب) في منطقة السّاحل الإفريقيّ، ارتكازًا على تبريرٍ يختزل ــ بشكلٍ مُفرِطٍ في التّبسيط ــ دوافعَ مختلف المجموعات المسلّحة في مجرّد العمى الأصوليّ الدّيني. وذلك على الرّغم من وجود عواملَ أخرى أشدَّ حسْمًا منها:
مصالح الحكوماتِ الأجنبيّةِ الفاعلة.
تحدّيات مراقبة عمليّات التّجارة غير الشرعيّة قانونيًّا.
الضّعف والعجز اللّذيْن ينخران المصالح [العامّة] المحليّة.
الفقرِ الذي يدفع الشّبّان إلى قبول التّجنُّد في [المجموعات المسلّحة] من أجل الحصول على منافع مادّيّةٍ مختلفةٍ.
إنّ العنصريّةَ التي تُمارَسُ في فرنسا ضدّ السُّود وضدّ المسلمين، وخطاباتِ التّصغير والتّسفيل والانتقاص من الإنسانيّة، التي تُثيرُها هذه الإيديولوجيا هي إواليّاتٌ (ميكانيزماتٌ) (mécanismes) قويّةٌ (فعّالةٌ) تحجب مثل هذه التفسيرات العقلانيّة التي ذكرناها.
إنّ الغيابَ شبهَ التّامّ للتّعبئة ضدّ الحروب المتكرّرة التي تشنّها فرنسا في إفريقيا هي آثرٌ سلبيٌّ آخَرُ للعنصريّة. فعلاوةً على عدم الاكتراث العامّ بالأحداث الجارية في تلك البلدان الإفريقيّة، تجعل الإسلاموفوبيا (رُهاب الإسلام) (islamophobie)، والنگْروفوبيا (رُهاب الزّنوج) (négrophobie) التعاطُفَ والتّضامُنَ مع الشّعوب التي تسكن تلك المناطق أمرًا مستبعَدًا. هؤلاء الناسُ لا يُعدّون متساوين مع الفرنسيّين (والأوروبّيين والغربيّين عمومًا)، وحيَوَاتُهم تُعدّ أقلَّ قيمةً في نظر الجمهور [غالبيّة الشّعب] الفرنسيّ. إذنْ، من المقبول أكثرَ أنْ نشنَّ حروبًا في البلدان الإفريقيّة، أو أنْ نحافظ على وجودٍ عسكريٍّ لنا فيها بشكلٍ دائمٍ، لم ينقطع تقريبًا منذ نهاية الاستعمار.
وهكذا يستمرّ النّهبُ والسّيطرة (الهيمنة)، وبإمكان فرنسا، مثلًا، أنْ تُصوِّرَ عمليّةَ تدمير ليبيا، التي قام بها الجيشان الفرنسيُّ والريطانيُّ سنة 2011، على أنّه مشاركةٌ مفيدةٌ في حرب تحريرٍ لشعبٍ من طغيان طاغيةٍ بغيضٍ. ولكن، لم يتمَّ أبدًا إحصاءُ الكوارث التي سبّبتها تلك التّدخُّلاتُ العسكريّةُ الأجنبيّةُ: وعلى الرّغم من ذلك، يُمكننا أنْ نُؤكّد، جازمين، أنّ سجلَّ فرنسا الإجراميَّ في إفريقيا لا يختلف كثيرًا عن سجلّ أمريكا الإجراميّ في تدخُّلاتها التي تسبّبت، وما زالت تتسبّب، في زعزعة استقرار الشّرق الأوسط.
ويَظهر التّحقيرُ جليًّا، أيْضًا، لمّا نتمعّن في معاملاتٍ أخرى تُمارَس بحقّ سكّان مستعمَرات فرنسا السّابقة. من أوضح مصاديق ذلك هيمنة فرنسا الاقتصاديّة والسّياسيّة [على دول غرب إفريقيا] بتوسُّل الفرنك الفرنسيّ الإفريقيّ (CFA)، وكذلك فخُّ الدّيون التي أُثقلت بها اقتصاداتُ تلك الدّول، ومكّنت، بالتّالي، فرنسا من مصادرة سيادتها وقرارها السّياسيّ. حتّى أنّ التّحقيرَ يَطال أحيانًا بعضَ الحُكّام الأفارقة. أحدُ الأمثلة على ذلك ما فعله الرّئيسُ الفرنسيُّ إيمانوالْ ماكرون الّذي أجاز لنفسه أنْ يستهزِئ برئيس بوركينا فاسو خلال زيارته سنة 2017 [لقد سخر ماكرون، في الواقع، من مغادرة روش مارك كريستيان كابُورِي (رئيس بوركينا فاسو)، بالقول إنّه «قد ذهب لإصلاح مكيّف الهواء»]. وكذلك، كان من المرجّح أنْ يتسبّبَ استدعاءُ رؤساءِ مجموعةِ دول السّاحل الإفريقيّ الخمسة (G5 Sahel) في ضجّةٍ وأزمةٍ سياسيّةٍ لو كان مُوجَّها إلى رؤساء دولٍ أوروبّيّةٍ.
تتجلّى العنصريّةُ، في فرنسا، بشكلٍ صارخٍ وإجراميٍّ خاصّةً ضدّ المهاجرين القادمين من مستعمَراتها السّابقة. تُقدِّر المنظّمةُ العالميّةُ للهجرة التّابعةُ للأمم المتّحدة، في تقريرها لسنة 2022، عددَ الأموات من المهاجرين الأفارقة نحو أوروبا [غرقًا في البحر الأبيض المتوسّط] بـأكثرَ من 24000 شخصٍ، منذ سنة 2014. يُعزى موتُ هؤلاء المهاجرين، الفارّين من مناطق صراعات مسلّحةٍ، أو من ظروفٍ معيشيّة قاسيةٍ جدًّا، يُعزى مباشَرةً إلى سياسة (أوروبا القلعة الحصينة) التي تُجبِر، بفعل قوّة قمعٍ عسكريٍّ، المهاجرين على اللّجوء إلى وسائل تهريبٍ أشدَّ خطورةً. أظهرت سنة 2022 أنّ استقبال المهاجرين في أوروبا عمومًا وفي فرنسا خصوصًا ممكن جدًّا ومقبولٌ لمّا تعلّق الأمرُ بـ 6,6 مليون لاجئ أوكرانيّ [بعد اندلاع الحرب مع روسيا]
؛ لأنّ هؤلاء بِيضٌ ومسيحيّون. هذا التّمييزُ الواضحُ في المعاملة يُظهر جليًّا أنّ قمع الهجرة لا يرتبط بعدم القدرة على استقبال النّاس واستيعابهم، بل هو يرتبط، بكل بساطةٍ، بالعنصريّة.
إمبراطوريّة بُولُّوري: العنصريّةُ في خدمة مشروعٍ استعماريٍّ (جديدٍ)
انطلقت مجموعةُ بُولُّوري (BOLLORÉ) (شركةٌ عملاقةٌ عابرةٌ للقارّات تأسّست سنة 1822)، من ثروتها الهائلة التي جمعتها من صناعة الورق، ثمّ من الاستغلال الفلاحيّ (التبغ، نخيل الزّيت، والمطّاط في إفريقيا وآسيا)، لتتملّك فرْعًا لوجستيًّا جعل منها مؤسَّسةً من الوزن الثّقيل في مجال النقل للبضائع، أوّلًا في إفريقيا ثمّ على المستوى العالميّ. استخدمت الأرباحَ التي كـنزتْها من هذا الاستغلال الاستعماريّ الجديد لإنشاء إمبراطوريّة إعلاميّة (مجموعة قناة+ «Canal»+، هافاسْ «Havas»، أوروبا1 «Europe1»، إلخ.). يُمكّنها تأثيرُها الهائلُ من نشر إيديولوجيَاها القوميّة (ذات النزعة القوميّة) (nationaliste) والحضاريّة. لقد استطاعت مجموعةُ بُولّوري، من خلال نهب الثّروات، والتّحالفات سواءً مع الأنظمة الإفريقيّة أو مع الدّولة الفرنسيّة، والاسترجاع المستمرّ لأرباحها إلى فرنسا، استطاعتْ أنْ تُنشِئَ إمبراطوريّةً اقتصاديّةً وإعلاميّةً تخدم مشروعَها الإيديولوجيّ وتؤمِّن لها الأرباحَ. هكذا يتمّ تسخيرُ الاستغلال الاستعماريّ الجديد لنشر إيديولوجيا اليمين المتطرّف، في حين أنّ هذا الأخيرَ يُبرّر استمرارَ عمليّات النّهب ويُشجّع على نشر العنصريّة وتعويمها في فرنسا. في زمننا الحاضر، تسعى مجموعةُ بُولُّوريّ علنًا إلى تمكين اليمين المتطرّف من الوصول إلى السّلطة في فرنسا.
وكما تفضح ممارساتُ عناصر الشّرطة الفرنسيّة وجودَ عنصريّةٍ بنيويّةٍ، تُظهر ممارساتُ الجنود الفرنسيّين، العاملين في إفريقيا، من خلال تاريخهم، وثقافتهم (أغانٍ، وشعاراتٍ، ورموزٍ...)، والحالات المتكرّرة من المعاملات العنصريّة بين الجنود أنفسهم، تُظهر أنّ الجيشَ الفرنسيّ مُشْرَبٌ بإيديولوجيا استعماريّةٍ وعنصريّةٍ. في الانتخابات الرئاسيّة لعام 2022، صوت أكثر من 60% من العسكريين وعناصر الشّرطة لصالح مرشّح اليمين المتطرّف. يُوجد توثيقٌ واسعٌ للمظاهر الملموسة لعنصريّة عناصر الشّرطة، تقوم به المنظّماتُ المناهضةُ للعنصريّة والمناهضة لعنف عناصر الشّرطة. لكنّ ممارساتِ الجنود الفرنسيّين أكثرُ خفاءً، وبالتّالي فهي أقلُّ توثيقًا.
التّواطؤُ في الإبادةِ الجماعيّةِ والعنصريّةُ: فرنسا في رواندا
في العقد الأخير من القرن العشرين، بلغتِ العنصريّةُ في سياسة فرنسا الإفريقيّة ذروتها مع دعمها للنّظام الذي ارتكب الإبادة الجماعيّة بحق شعب التّوتسي. لقد رافقت القوّاتُ الفرنسيّة أولئك الذين قتلوا أكثرَ من 90% من شعب التّوتسي في رواندا، ودرّبتهم وزوّدتهم بالأسلحة، ودعمتهم إعلاميّا. لقد كانت تلك الرّفقةُ الإجراميّةُ النّتيجةَ الطّبيعيَّ للتّلاقي بين عنصريّة روانديّةٍ موروثةٍ من الحِقبة الاستعماريّة وبين جيشٍ فرنسيٍّ وأجهزة دولةٍ فرنسيّةٍ قد تبنّوا هذه القراءة، نظرًا لتاريخها الاستعماريّ والعنصريّ.
قام الجنود الفرنسيّون، في مناسبات كثيرةٍ، بعمليّات مداهمةٍ واسعةِ النّطاق على الأراضي الفرنسيّة: بدْءًا بـ«ليلة المضلّيّين» (nuit des Paras) في مديبة ماتز سنة 1991، مرورًا بالمباغتة التي نفّذها بعضُ عناصر الفوج الثالث من مضليِّي مشاة البحريّة الفرنسيّة في حي فِيگْيِي في مدينة كارْكاسُّونْ يوم 18 نوفمبر / تشرين الأول سنة 1990، وصولًا إلى المداهمة العدائيّة التي استهدفت السّود، التي قام بها جنودٌ من الفرقة الأجنبيّة في مدينو كورو في گوايانا يوم 6 أوت / آب سنة 2006، إلخ... أمّا الفضائع التي اقترفوها على الأراضي الإفريقيّة، سواءً خلال العلميّات أو في الأيام العاديّة، فهي أصعبُ من أنْ نعرفها. لكنْ على الرّغم من خفائها قد تمّ توثيق العديد من الحالات، من قضيّة فيرمينْ ماهي الذي اغتالته القوّاتُ الفرنسيّة سنة 2005 في الكوت ديفوار، وصولًا إلى الاعتداءات وعمليّات الاغتصاب التي اقترفوها بحقّ نساءٍ وأطفالٍ[2] ، مرورًا بتفجير حفل عرسٍ في مدينة بُونْتِي في مالي سنة 2015. نجد، إذنْ، الإواليّات (الميكانيزمات) نفسِها التي يتّبعها عناصر الشّرطة في الجرائم المشابهة [ذات الصّبغة العنصريّة] التي تقع على الأراضي الفرنسيّة: عدم معاقبة الجناة، وتجريد الضّحايا من الشّرعيّة القانونيّة، وصولًا حتّى إلى تجريمهم هم أنفسهم. هكذا كان الأمرُ في حالة (يوسف آغ محمد)، ذي العشر سنوات عمرًا، الذي قتله الجيشُ الفرنسيُّ في مالي يوم 30 نوفمبر / تشرين الأول سنة 2017. يؤكّد أقاربُه أنّه كان قد ذهب لجلب الماء على ظهور بعض الحمير. أمّا الرّواية الفرنسيّة فقد صوّرتْه مخبِرًا يعمل لصالح الجهاديّين.
توجد، إذنْ، استمراريّةٌ في الممارسات العنصريّة في السّياسة الخارجيّة الفرنسيّة في إفريقيا. لقد حافظت فرنسا على منظومةِ سيطرةٍ (هيمنةٍ) متعدّدةِ الأشكالٍ يُمكننا أنْ نختصرها في مصطلح «إفريقيا الفرنسيّة» (Françafrique). العنصريّةُ حاضرةٌ هناك [بقوّةٍ] وتُعزِّز هذه السّيطرة (الهيمنة). يتسرّب تأثيرُ الخطابات العنصريّة للقادة في الدّولة الفرنسيّة والتّغطيةُ الإعلاميّةُ العنصريّةُ إلى الجماهير ليصنع موافقةً شبهَ إجماعيّةٍ على الحروب التي تشنّها القوّاتُ الفرنسيّةُ، بانتظامٍ، على أراضي القارّة الإفريقيّة. فالجيشُ الفرنسيُّ، تمامًا مثل الشّرطة الفرنسيّة، كيانٌ مُؤسَّسِيٌّ عنصريٌّ في إيديولوجيَاه وفي ممارساته، في امتدادٍ أمينٍ لتقاليده الاستعماريّة. في الجوانب الأخرى من هذه السّيطرة (الهيمنة) (الجوانب الدّيبلوماسيّة، والجوانب الاقتصاديّة، إلخ...)، تتجلّى العنصريّةُ في شكل احتقارٍ دائمٍ تفضحه المقارنةُ مع حالاتٍ أخرى، إذْ نشهد:
استقبالًا واسعًا للّاجئين الأوكرانيّين في الأماكن نفسها حيثُ يتمّ قمعُ الأفارقة.
الاعتراض على الإملاءات الاقتصاديّة الصّارمة [من صندوق النّقد الدُّولي] بحقّ اليونان. لكنّها تُقبل على نطاقٍ واسعٍ لمّا تتعلّق بالدّول الإفريقيّة [وقد تكون أقسى أحيانًا].
وغيرهما من الأمثلة.
أيُّ نضالات؟ أيُّ مساراتٍ؟ كيف يتمّ التّحرُّر/التّحرير من الاستعمار
من أجل أنْ نحاربَ العنصريّةَ وآثارهَا، ما هي أشكالُ النّضال [النّاجعة] الممكن القيام بها؟ كيف يُمكننا المشاركةُ في التّحرُّر/التّحرير من الاستعمار (décoloniser) لسياسات الدّولة؟ غايتُنا هنا ليستْ تقديمَ حلولٍ جاهزةٍ، بل غايتنُنا هي المساهمةُ، مع مجموع الحركات المناهضة للاستعمار (anticoloniales) وحركات التحرُّر/التّحرير من الاستعمار (décoloniales)، والحركات المناهضة للعنصريّة (antiracistes)، في اقتراح سُبُلٍ ومساراتٍ للنّضال.
لتحقيق ذلك يجبُ مهاجمةُ السّياساتِ الإمبرياليّةِ للدّولة الفرنسيّة وكشفُ آثارها الهدّامة. كما يجب علينا أن نحاربَ سياساتِ الدّولة الفرنسيّة الّتي تسمح لعناصر شرطتها باقتراف جرائمَ [عنصريّةٍ] في فرنسا، ولجنود جيشها [ومرتزقتها] بارتكاب جرائمَ [عنصريّةٍ] في «إفريقيا الفرنسيّة». نجد في «إفريقيا الفرنسيّة» السّياساتِ [العنصريّةَ] نفسَها الموجودةَ في الدّاخل الفرنسيّ، والتي هي في جوهرها سيروراتٌ للتّحقير والتّصغير والحطّ من القيمة الإنسانيّة، وتتجلّى ممارسةً في تجريم الضّحايا بدل المجرمين، وتقدير القَتَلة وتبرئتهم ليُفلتوا من العقاب المستحَقّ.
في هذا الوقت حيثُ نرى أنّ اليمينَ المتطّرِّفَ هو أقرب من أيّ وقتٍ مضى إلى استلام السّلطة من خلال صناديق الانتخابات، يجب علينا، بشكلٍ مستعجلٍ، أن نناضل ضدَّ عمليّات صناعة الرأي العام والتّلاعب بعقول الجماهير، وضدّ الممارسات العنصريّة التي تنبع من قسمٍ كبيرٍ من وسائل الإعلام الفرنسيّة. إنّ تحريرَ التصوُّرات من الاستعمار (décoloniser les imaginaires) قد يشمل أيضًا تحريرَ الفضاء العامّ من الاستعمار (décoloniser l’espace public). يجب أن تكفَّ أنهجُنا (الشّوارع الفرعيّة)، وشوارعُنا، ومدارسُنا، وتماثيلُ الشّخصيّات التي تُنصَب في الشّوارع والسّاحات العامّة، عن تمجيد شخصيّاتٍ مجرمةٍ وسياساتٍ إجراميّةٍ [من خلال إطلاق أسماء الشّخصيّات والسّياسات عليها].
يجب علينا محاربةُ سياساتُ «عظمة فرنسا» (grandeur de la France)، و(شرطيِّ إفريقيا) الأبديِّ، والعملُ على تفكيكِها. من أجل مواجهة استمرار الإيديولوجيا الإمبرياليّة لدى الـمُمسِكين بالسّلطة في فرنسا، يجب علينا أنْ نحارب بسلاح «اللّاسلطة» (نزع السّلطة) (dépuissance)، الذي يستطيع أنْ يُحرِرَّنا من عقدة التّفوّق القاتلة التي تأسرنا. فالسّلطةُ تُمارَس الآن، في الواقع، على حساب آخَرين، هم شعوب المستعمَرات الفرنسيّة السّابقة وخلَفُهم [أحفادهم وأبناؤهم]، الذين قد تمّ تصغيرهم وتحقيرُهم والحطّ من قيمتهم الإنسانيّة.
يجب علينا أيْضًا دعمُ نضالات التّحرُّر التي تقوم الشّعوبُ الإفريقيّةُ وتعزيزُها، والتي لا تحظى إلّا باهتمامٍ ضئيلٍ جدًّا لدى الجمهور الفرنسيّ. تزخر الأخبارُ عن الأحداث الأخيرة بأمثلةٍ لنضالات بعض الشّعوب ضدّ الهيمنة (نضالات ضدّ الفرنك الفرنسيّ) (CFA)، أو (ضد الحضور العسكريّ الفرنسيّ، أو ضدّ شركاتٍ فرنسيّة مختلفةٍ). مسؤوليّتُنا هي أنْ نقومَ بتغطيتها إعلاميًّا التّغطيةَ التي تستحقّها.
مَسْرَدُ المصطلحات / المفاهيم
غايتُنا من سرد التعريفات التّالية هي توضيحُ معنى كلٍّ منها وفق استخدامنا له، والذي قد يختلف عمّا يستخدمه غيرُنا.
البَيَاض / البِيضُ (Blanchité / blancs)
يُشير مصطلحُ (مفهوم) «البياض» إلى أنّ كـونَ إنسان ما «أبيضَ» هو إنشاءٌ اجتماعيٌّ وتاريخيٌّ، على حدٍّ سواءٍ مع كـون إنسانٍ آخَر (أسودَ)، أو إنسانٍ ثالثٍ (عربيًّا). وكما هو الحالُ بالنّسبة للذّكورة وللميل الجنسي للمغاير [ذكر / أنثى]، يُعدّ البياضُ في المجتمع الفرنسيّ معيارًا مهيمِنًا، ومِقياسًا؛ لذا فإنّه لا يحضع للتّفكير غالبًا. يُعبِّر استعمالُ هذا المصطلح (المفهوم) عن الرّغبة في فهم العنصريّة لا من خلال المجموعات المصنَّفةِ عِرقِيًّا فحسبُ، بل أيْضًا من خلال الانشغال بدراسة المجموعة العِرقيّة التي تُشكّل الأغلبيّةَ.
التّحريريّ/التّحرُّريّ من الاستعمار (Décolonial) (الدِّيكولونياليّ)
تميل المنظوماتُ الفكريّةُ، التي كانت قد برّرت الاستعمار [إيديولوجيا وممارسات] إلى الاستمرار في تنظيم المجتمعات الحاضرة (سواءٌ منها سُكّان البلدان المستعمِرة سابقًا، أو سُكّان المستعمَرات السّابقة). يهدف النهجُ التّحريريُّ/التّحرُّريّ من الاستعمار إلى تفكيك هذه الأساطير التي يتمّ اجترارُها وإدامتُها، وإلى مكافحة الممارسات التي لها آثارُ ضارّةٌ على المجموعات والأفراد.
النّزعةُ المناهِضةُ للعنصريّة سياسيًّا (Antiracisme politique)
هي حركةٌ سياسيّةٌ تناضل ضدّ العنصريّة، التي تعدّها منظومةَ تمييزٍ لها آثارُ ملموسةٌ:
صعوباتٌ في الحصول على العمل، وعلى السّكن، وعلى الرّعاية الصّحيّة.
التّعرُّض، المتزايد يومًا بعد آخَرَ، لمراقبة عناصر الشّرطة وعنفهم.
وغير ذلك من الممارسات.
تُعارض هذه الحركةُ حركةً أخرى، مناهِضةً للعنصريّة (ذات نزعةٍ أخلاقيّةٍ)، تُركّز نضالَها على أفعالٍ وأقوالٍ عنصريّةٍ ، فرديّةٍ أحيانًا. تُنتقَد هذه الحركةُ (الأخلاقويّةُ) لعدم اعتبارها للجذور العميقة التي يقوم عليها المجتمعُ. كما تُنتقَد بسبب تأكيدها أنّ الأولويّة هي لاستقلاليّة الأشخاص المعنيين في المقام الأول بالعنصريّة، والذين يرجع إليهم هم أنفسهم حصرًا حقُّ تعريف جدول أعمالهم (برنامجهم، أجندتهم)، وأولويّاتهم، واستراتيجيَاتهم.
التّمييز (Discrimination)
هي معاملةٌ تصغيريّةٌ تحقيريّةٌ، أو جورٌ في المعاملة (معاملةٌ أقلُّ تفضيلًا بالمقارنة مع آخَرين) تجاه إنسانٍ أو مجموعةٍ من النّاس، بسبب معايير الأصل، أو الإعاقة، أو الجنس، أو الدّين، أو المظهر الجسديّ...
الإمبرياليّة (Impérialisme)
سياسة دولة تهدف إلى استتباع دُولٍ أخرى سياسيًّا و/أو اقتصاديًّا [إخضاعها وجعلها دُولًا تابعةً لها]. اعتمدت الإمبريالية الفرنسية تحديدًا على إيديولوجيا عنصريةٍ ومُحضرِنةٍ (civilisatrice).
الإسلاموفوبيا (رُهابُ الإسلام) (Islamophobie)
الخوفُ، والنّبْذُ، والرّؤيةُ الـمُشوَّهةُ بالأفكار الـمُسبَقة (الخلفيّات) تجاه الإسلام وممارساته العباديّة (طقوسه ورموزه)، وتجاه المسلمين، وتجاه كلِّ إنسان يصنَّف على هذا النّحو [يُشتبَه أنّه كذلك]. تتجسّد هذه الأمورُ عمليًّا في أفعالٍ عنصريّةٍ وتمييزيّةٍ يوميّةٍ، أو في مظاهرَ أشدَّ عنفًا. إنّها تتغذّى أيضًا من العنصريّة المعادية للعربِ في شكلٍ أكثرَ جِدّةً يتسافل من عنصريّةٍ بيولوجيّة إلى عنصريّةٍ ثقافيّةٍ.
الاستعمارَويّةُ الجديدةُ (النّزعة الاستعماريّةُ الجديدةُ) (Néocolonialisme)
الأشكالُ الـمُعادُ تركيبُها، اليومَ [بعد حِقبة الاستعمار التّقليديّ المباشِر]، للعلاقات الاستعماريّة، عمومًا على المستوى السّياسيّ، والمستوى الاقتصاديّ، والمستوى العسكريّ، والمستوى الثّقافيّ. تسعى القُوى الاستعماريّةُ السّابقةُ إلى المحافظة على هيمنتها على مستعمَراتها السّابقة (على سبيل المثال: السّياسات التّجاريّة، استغلال الموارد الطّبيعيّة والبشريّة، الحضور العسكريّ، الهيمنة الثّقافيّة...).
بلدان (مستعمَراتُ) ماوراء-البحار (Pays (colonies) d’outre-mer)
مستعمَراتٌ فرنسيّةٌ سابقةٌ ظلّت خاضعةً لسيطرة فرنسا وفق أنظمةٍ إداريّةٍ متنوّعةٍ. تنطوي هذه التّسميةُ على تحيُّزٍ يُغطّي حالاتٍ واقعيّةً مختلفةً جدًّا. فالمطالبةُ بالاستقلال قد تكون في بعضها قويّةً جدًّا (مثل حالة كاناكي-كاليدونيا الجديدة) أو ضعيفةً إلى حدّ أنْ تكون في أفق العدم.
مُعنْصَرٌ (Racisé)
تُشير هذه الكلمةُ إلى إنسانٍ مُلحَقٍ بمجموعةٍ مُصغَّرةٍ (مُسفَّلةٍ) (minorisé)، ويكون ضحيّةً لممارسات تمييزيّة عنصريّةٍ. العِرْقُ ليس مُعتبَرًا هنا حقيقةً بيولوجيّةً، بل هو مُعتبَرٌ إنشاءً اجتماعيًّا.
العنصريّةُ البيولوجيّةُ (Racisme biologique)
إيديولوجيا تُعلي من شأن (تقوم على أساس) الاختلافات البيولوجيّة، الحقيقيّة والـمُتخيَّلة (الوهميّة)، لصالح مجموعةٍ بشريّةٍ، من أجل تبرير الامتيازات التي تخصّ نفسَها بها، وتبرير هيمنتها على مجموعاتٍ بشريّةٍ أخرى.
العنصريّةُ الثّقافيّةُ (Racisme culturel)
إيديولوجيا تَنسب هويّةً ثقافيّةً وعقليّةً (mentalité) مشتركةً إلى مجتمَعٍ مُتخيَّلٍ يربطه انتماءٌ دينيٌّ، أو إتنيٍّ (عِرقيٍّ)، أو وطنيٍّ. على أساس هذه الصُّوَر النّمطيّة (stéréotypes) يصنّف (يُرتّب طبقيًّا (hiérarchise) الثّقافاتِ، فيُصغّر (يُسفِّل) (déprécie) بعضَها، ويُرقّي (يُعلي من شأن) (valorise) بعضًا آخَرَ، أو يُبرز عدمَ التوافق الأساسي (الجوهريّ) بين مختلف المجموعات.
-----------------------------------
[1]. إعداد: منظمة بقاء SURVIE (فرنسا)
[2]. جوستين برابانْ، وليلى مينيانو، فرقةٌ سيئةٌ: تجاوزات المجندين الشبان في الجيش الفرنسي، منشورات (Les Arènes)، 2019.