البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الاستعمار الرقميّ والهيمنة التكنولوجيّة الأمريكيّة - الصينيّة في القارّة الإفريقيّة: قراءةٌ نقديّةٌ في بنية السيطرة الرقميّة الجديدة

الباحث :  د. دعاء عبد النبي حام
اسم المجلة :  الاستعمار
العدد :  7
السنة :  ربيع _ 2026 م
تاريخ إضافة البحث :  April / 11 / 2026
عدد زيارات البحث :  614
تحميل  ( 670.270 KB )
تتناول هذه الدراسة ظاهرة الاستعمار الرقميّ بوصفها شكلًا جديدًا من الهيمنة في عصر الثورة التكنولوجيّة، حيث تتبدى السيطرة لا عبر الجيوش والأسلحة، بل من خلال الخوارزميّات، وشبكات البيانات، والبنى التحتيّة الرقميّة. يتعمّق البحث في فهم كيف أصبحت الولايات المتّحدة الأمريكيّة والصين قوتين متنافستين على قيادة العالم الرقميّ، من خلال نماذج مختلفةٍ في منطق السيطرة والتوسّع، ويفكّك الآليات التي تستعملها كلّ دولةٍ لبسط نفوذها في الجنوب العالميّ، خصوصًا في القارّة الإفريقيّة وآسيا وأمريكا اللاتينيّة.
تعتمد الدراسة على مقاربةٍ نقديّةٍ تحليليّةٍ تكشف التماثل بين الاستعمار التقليديّ ونظيره الرقميّ، وتبرز كيف أنّ التحوّل الرقميّ في الجنوب العالمي يتم غالبًا على نحوٍ غير سياديّ، عبر مشاريع موجَّهة، وبياناتٍ مسروقة، وأطرٍ تشريعيّة هشّة. كما تتقصى الدراسة مظاهر المقاومة الرقميّة، ومحاولات بعض الدول إعادة امتلاك زمام المبادرة من خلال بناء بنى رقميّةٍ مستقلّةٍ وسياساتٍ سيبرانيّةٍ وطنيّة. الهدف هو إبراز الحاجة إلى منظورٍ تحرّريّ رقميّ يعزّز العدالة والاستقلاليّة في الفضاء الإلكترونيّ.

الكلمات المفتاحيّة: الاستعمار الرقمي، الهيمنة التكنولوجيّة، السيادة الرقميّة، الولايات المتّحدة- الصين، الجنوب العالمي، البنية التحتيّة الرقميّة، الذكاء الاصطناعي، البيانات الضخمة، العولمة الرقميّة، المقاومة الرقميّة - طريق الحرير الرقميّ، وادي السيليكون.

مقدّمة
شهد العالم خلال العقود الأخيرة تحوّلاتٍ هائلةً بفعل الثورة الرقميّة، التي أعادت تشكيل العلاقات الدوليّة، وأنماط الإنتاج، والبنية المجتمعيّة، وأساليب الهيمنة. وإذا كانت العولمة قد بدأت بوصفها مشروعًا اقتصاديًّا وثقافيًّا غربيًّا، فإنّ المرحلة الحاليّة تشهد تعمّقًا لنمطٍ جديدٍ من السيطرة أطلق عليه الباحثون اسم (الاستعمار الرقميّ)، الذي لا يعتمد على الاحتلال العسكريّ أو السيطرة المباشرة، بل على التحكّم في البنية التحتيّة الرقميّة، وتدفّق البيانات، واحتكار المعرفة التكنولوجيّة.
ويُعد مفهوم (الاستعمار الرقمي) من المفاهيم الصاعدة في تحليل هذه الظواهر، حيث تشير إلى خضوع المجتمعات النامية، خصوصًا في إفريقيا، لهيمنة قوى تكنولوجيّةٍ كبرى، على رأسها الولايات المتّحدة والصين. تتجلّى هذه السيطرة الرقميّة في هيمنة شركات التكنولوجيا العملاقة على العالم الرقميّ (مثل Google، Meta، Microsoft، Amazon)، حيث باتت هذه الشركات تمارس سلطة تتجاوز الدول، وتتحكم في الذوق العام، والسلوك الاجتماعي، والاقتصاد، وحتى القرار السياسي. ومع صعود الصين كقوةٍ رقميّةٍ منافسةٍ بنموذجها الخاص من الرقمنة السلطويّة المدعومة من الدولة، عبر شركات مثل Huawei وTikTok وAlibaba، برزت مواجهةٌ من نوعٍ جديدٍ في القارّة الإفريقيّة، لا تُدار بالدبابات أو الجيوش، بل بالخوارزميّات، وشبكات الجيل الخامس. وفي خضم هذا الصراع، تجد الدول النامية نفسها ساحةً مفتوحةً لصراع جيو اقتصادي وجيوسياسي تتجاوز فيه التكنولوجيا حدود الأدوات إلى أن تصبح أداةً استعماريّةً ناعمة.

في هذا السياق، تشكّل الدول الإفريقيّة ساحات اختبارٍ لهذه الهيمنة الرقميّة، حيث يتم استدراجها لمشاريع رقميّةٍ عملاقة، غالبًا ما تُدار من الخارج وتخضع لشروطٍ خفيّةٍ تُعيد إنتاج التبعيّة. وبالتالي، فإنّ مفهوم السيادة لم يعد مرتبطًا فقط بالحدود الجغرافيّة، بل أصبح رهينًا بالسيادة التقنيّة والمعلوماتيّة، التي تتحكم بمصير الشعوب. تهدف هذه الدراسة إلى مساءلة هذا الشكل الجديد من السيطرة، بتحليل مظاهره، أدواته، وآثاره على السيادة الرقميّة والخصوصية والتنمية، من خلال عدسةٍ نقديّةٍ تفكيكيّةٍ لخطاب (التحوّل الرقمي) بوصفه أحيانًا غطاءً أيديولوجيًّا لتكريس تبعيّةٍ جديدة.
تكمن أهميّة الدراسة في أنّها تكشف عن البُعد الاستعماريّ الكامن في ممارسات القوى الرقميّة الكبرى، وتقدّم قراءةً نقديّةً مزدوجةً للنموذجين الأمريكي والصيني، دون الانحياز لأيٍّ منهما، وتسلّط الضوء على مخاطر فقدان السيادة الرقميّة في دول الجنوب الإفريقي. تبحث في آفاق المقاومة الرقميّة وإمكانيّات بناء نماذج رقميّةٍ بديلةٍ ومتوازنة. تكتسب هذه الدراسة أهميّتها من طبيعة الموضوع نفسه، الذي يمسّ السيادة الوطنيّة، والأمن الرقميّ، وحقوق الإنسان، والتنمية المستقلّة. وتعتمد الدراسة على المنهج التحليليّ النقدي، إلى جانب المنهج التحليليّ الوصفي لتفكيك الأدوات الرقميّة للهيمنة، وتحليل آليات التدخّل الناعم من قبل القوى الكبرى في البنى الرقميّة للجنوب الإفريقي.

أولًا: تأصيل المفاهيم:
الاستعمار هو شكل من أشكال (الهيمنة والخضوع) الذي يستغلّ السكّان الأصليّين وأرضهم ويستولي عليهم ،- والاستعمار يساوي التشييء، وفقًا لسيزير. قبل أن تتمكن الحواسيب من الحدّ من الأنشطة البشريّة و(تجزئتها) إلى بياناتٍ مربحة، قامت الأجهزة الاستعماريّة برسم خرائط السكّان الأصليين وأراضيهم، وتحليلها، وتصنيفها كسلع[2].
الاستعمار الرقمي هو «السيطرة اللامركزيّة على البيانات من المواطنين مع أو بدون موافقتهم الصريحة من خلال شبكات الاتّصالات التي طورّتها وتملكها شركات التكنولوجيا الغربيّة»، فإنّ هذا البناء يتألّف من أربعة أطرافٍ فاعلةٍ أساسيّة: أوّلها شركات التكنولوجيا الغربيّة التي تنشئ وتوفر التكنولوجيا والبنية الأساسيّة التي تجمع البيانات لاستهداف الإعلانات وتوزيعها. ثانيها شركات الإعلان والاستشارات التي تستخدم التكنولوجيا التي توفّرها شركات التكنولوجيا الغربيّة لاستهداف مجموعاتٍ مختلفةٍ بإعلاناتٍ ورسائلِ مخصّصةٍ للغاية تهدف إلى زيادة الأرباح. وثالثها الشركات والأحزاب والمنظمات المحلّية التي تدفع شركات الإعلان والاستشارات لمساعدتها في فرض أجنداتها المختلفة على البلدان المعنية. ورابعها المواطنون الذين يعملون عن علمٍ أو بغير علمٍ كمصدر بياناتٍ لشركات التكنولوجيا الغربيّة وكمجموعاتٍ مستهدفةٍ لشركات الإعلان والاستشارات والشركات والأحزاب والمنظمات المحليّة[3].

يشُير الاستعمار الرقميّ أيضًا إلى شكلٍ من أشكال التدخّل يتجاوز مسائل استعمار البيانات والاستعمار الخوارزمي. فهو يتدخّل في الجيولوجيا، ويشارك بنشاطٍ في البيئة التي تندمج فيها الرقميّة (على سبيل المثال، في سياق البنية التحتيّة وأرشفة البيانات) مع هياكل القوة الاستعماريّة. وهنا يكمن أوضح رابطٍ بين الاستعمار الرقميّ والاستعمار التاريخي، إذ يتحمّل مسؤوليّةً كبيرةً عن إعادة ظهور أنماط الاحتلال التي تؤثّر على الأرض والمناظر الطبيعيّة[4]. إنّ الاستعمار الرقميّ الجديد هو نوعٌ جديدٌ أكثر تطوّرًا من النفوذ الذي تمارسه القوى العالميّة على المشهد الرقميّ في أفريقيا. يُعرَّف الاستعمار الرقمي الجديد بأنّه ظاهرةٌ معاصرةٌ تمارس فيها القوى العالميّة المهيمنة والشركات متعدّدة الجنسيّات، وخاصّة من المناطق المتقدّمة اقتصاديًّا، سيطرتها ونفوذها على المجال الرقميّ في الدول الأقلّ نموًّا اقتصاديًّا التي كانت خاضعةً للاستعمار سابقًا[5].
ظهر مفهوم (الاستعمار الرقميّ) ليصف أشكال السيطرة الجديدة التي تمارسها القوى التكنولوجيّة الكبرى على الدول النامية، من خلال احتكار أدوات الاتّصال، والتحكّم في البيانات، وفرض نماذج ثقافيّةٍ وسلوكيّةٍ عبر الوسائط الرقميّة. ويعود تأصيل المفهوم إلى تفاعل مكوّنات الاستعمار الكلاسيكيّ (الهيمنة، الاستغلال، التبعيّة) مع الوسائل التقنيّة الحديثة.

المواطنون الرقميّون: هو مصطلحٌ ربما استعمله مارك برينسكي Mark Prensky لأوّل مرةٍ عام 2001، يصف الجيل المولود في عالم الإنترنت. نشأوا في بيئةٍ تكثر فيها تطبيقات الإنترنت وتتداخل مع نموّهم الفكريّ والعاطفيّ والاجتماعيّ اليومي. هذه الفئة من الناس هم على وجه الخصوص أولئك الذين ولدوا في الثمانينيّات والتسعينيّات. لديهم إمكانيّة الوصول إلى جميع الشبكات، والقدرة على استعمالها بفعاليّةٍ في روتينهم اليومي. وبصفتهم سكّانًا ومتحدّثين طبيعيّين بلغة الإنترنت، فإنّهم يستخدمون التكنولوجيا بسلاسة، ويجدون صعوبةً في العيش في عالمي الوجود البشري - التناظري والرقمي. إنّهم يعيشون في العالم الثاني، حيث لديهم اتّصالٌ بجميع الشبكات والقدرة على استخدامها لحلّ المشكلات دون موافقة والديهم. علاوة على ذلك، يتميزون بقدرتهم على الوصول إلى المعلومات بشكلٍ أسرع عبر الوسائط الرقميّة بدلًا من الكتب المطبوعة، نظرًا لامتلاكهم وسائل حديثةً لاستيعاب المعلومات الجديدة[6].

العبوديّة الرقميّة، هي ذلك الشعور بالارتباط الجسديّ والعاطفيّ بالتكنولوجيا. قد ينشأ هذا من اتّصالٍ صريحٍ بأجهزة الإنترنت لدرجة ظهور متلازمة الإدمان، حيث يشعر الفرد بالاضطراب بدونها. إنّها رغبةٌ دائمةٌ في البقاء على الإنترنت حتى آخر لحظة. العبيد الرقميّون غير قادرين على إتقان العالم التكنولوجي بفعاليّة؛ بل هم مُستعبَدون له[7].
استعمار البيانات يمكن فهم استعمار البيانات على أنّه عمليّةٌ واسعة النطاق لجمع البيانات الشخصيّة التي تُستعمل بعد ذلك لتزويد المستخدمين بمعلوماتٍ شخصيّةٍ عبر الإنترنت. ومع ذلك، قد يُقال إنّ القوّة الاحتكاريّة التي تمتلكها شركات التكنولوجيا الأمريكيّة الكبرى، ممّا يجعل هذه الممارسة ذات طابعٍ استعماريّ حقيقي[8].

ثانيًا: من الاستعمار التقليديّ إلى الاستعمار الرقميّ
إذا كان الاستعمار التقليديّ يعتمد على الاحتلال العسكريّ والنهب المادي، فإنّ الاستعمار الرقميّ يقوم على الهيمنة غير المباشرة، عبر الإنترنت، والمنصّات الرقميّة، واحتكار البرمجيّات والبنى التحتيّة. وتتخذ السيطرة اليوم أشكالًا ناعمةً: من احتكار البيانات، إلى التأثير في الرأي العام وتوجيه السياسات.
خلال الحقبة الاستعماريّة من القرن السابع عشر إلى القرن التاسع عشر، غزت القوى الأوروبيّة مساحاتٍ شاسعةً من الأرض؛ ممّا أدى إلى حرمان السكّان الأصليّين من أراضيهم وقوانينهم وتقاليدهم وأساليب حياتهم.

وفي أعقاب مؤتمر برلين الاستعماري في عامي 1884، 1885 وافقت هذه القوى الأوروبيّة على القانون العام لمؤتمر برلين الذي «حوّل أفريقيا إلى أرضٍ لا مالك لها، وأدى إلى حرمان الدول الأفريقيّة من حقوقها ومن سيادتهم، وحقّهم القانوني في ملكية دولتهم وأرضهم ومواردهم، وكان المبرر المستخدم للاحتلال الأوروبي لأفريقيا هو الأيديولوجيّة القائلة بأنّ القارّة الأفريقيّة هي مسؤوليّة القوى الأوروبيّة في (إدارتها) حتى يصبح الأفارقة قادرين على الانخراط بنحوٍ كافٍ في السياسة الخارجيّة، قادرين على القيام بذلك بأنفسهم. لقد كان هذا الخطاب بمنزلة سببٍ في حدّ ذاته لوحشيّة أنظمة العبوديّة والاعتماد المستمر على الموارد التي أنشأها المستعمِر في محاولة الحفاظ على هيمنتها الاقتصاديّة والاجتماعيّة على هذه الأراضي التابعة. وهكذا، من خلال التصنيع الاستراتيجي للتخلّف الصناعي والسياسي المحليّ. ظلّ المستعمرون الأوروبيّون مسيطرين على موارد أفريقيا ومخرجاتها طوال القرن التاسع عشر. صعود الرأسماليّة الصناعيّة[9].

أسهمت الشركات صاحبة هذه الأجندة الاقتصاديّة الاستعماريّة، بدورٍ مهيمنٍ في التوسّع الاستعماريّ؛ فمنذ القرن السابع عشر، منُحت عشرات الشركات احتكارات تجاريّة من حكوماتها في جميع أنحاء العالم. إنّ احتكارهم للتجارة في مناطق محدّدةٍ سمح لهذه الشركات بالقدرة على حماية هذا الاحتكار والقدرة على ممارسة الحقوق على مواطنيهم الذين يعيشون ويعملون داخل المنطقة. إنّ منح الحكومات الاستعماريّة هذا الاحتكار جعل هذه المشاريع عالية المخاطر أكثر أمانًا للمستثمرين الذين كان الربح هو الدافع الأساس لهم. بعد فترة انقطاعٍ قصيرةٍ، شهد القرن التاسع عشر عودة ظهور الشركات التجاريّة بوصفها أسلحةً تُستعمل للتوسّع الاستعماريّ، ومصادر دخلٍ إضافيّة للنظام الاقتصاديّ الناشئ للرأسماليّة الصناعيّة. وبحلول ذلك الوقت، كانت تجربة الشركات في القرنين السابع عشر والثامن عشر، مثل (شركة الهند الشرقيّة البريطانيّة)، قد ساعدت في ترسيخ الشكل المؤسّسي كقوةٍ مهيمنةٍ للاستيطان والاستعمار. ثبت أنّ هذه الموجة الثانية من الاستعمار من جانب شركات التجارة كانت قوية. كانت شركات التجارة الأربع الكبرى في القرن التاسع عشر تتألف من الشركة البريطانيّة لجنوب أفريقيا، والشركة الألمانيّة لشرق أفريقيا، والشركة الإمبراطوريّة البريطانيّة لشرق أفريقيا، وشركة النيجر الملكيّة[10].

تاريخيًا، اتّسمت تجربة أفريقيا مع الاستعمار بالاستغلال والخضوع الثقافي والتبعيّة الاقتصاديّة. ويعُد إرث الاستعمار متعدّد الأوجه، وقد كان لهذا التاريخ تأثيرٌ هائلٌ على النظم الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة للقارّة، ممّا وفّر سياقًا لفهم الديناميكيّات الرقميّة والاقتصاديّة الأفريقيّة الحديثة. في ظلّ الاستعمار، مارست القوى الأوروبيّة سيطرتها على الأراضي الأفريقيّة، مستغلةً الموارد والعمالة المحلية، وفرضت حوكمةً خارجيّةً لخلق أنظمةٍ تبعيّة. ولعبت شركات مثل (شركة الهند الشرقيّة) أدوارًا محوريّةً من خلال السيطرة على البنى التحتيّة كالموانئ والسكك الحديديّة، التي كانت حيويةً لاستخراج الموارد وقمع الاقتصادات المحليّة. صُمّمت هذه البنى التحتيّة الاستعماريّة استراتيجيًّا لتمكين الاستخراج الفعّال للموادّ الخام التي كانت تشُحن بعد ذلك إلى أوروبا للمعالجة، ثم تُباع المنتجات النهائيّة إلى المستعمَرات؛ ممّا يُقوضّ الصناعات المحليّة[11].

وعلى الرغم من استقلال أفريقيا بشكلٍ رئيس عن الحكم الاستعماري التقليديّ، فلا يزال شكلٌ آخر من أشكال الحكم الاستعماريّ يهيمن على المشهد الأفريقي. ويتجلّى هذا التشابه بين هذه الأشكال المختلفة من الاستعمار في هيمنة الشركات التكنولوجيّة الغربيّة، تمامًا كما فعل المستعمِرون التقليديّون. في هذا العصر الرقميّ، يتجلّى الاستعمار الرقميّ في أفريقيا من خلال سيطرة كياناتٍ أجنبيّةٍ على البنية التحتيّة الرقميّة الحيويّة وامتلاكها؛ ممّا يؤدي إلى تدفّق غير متكافئٍ للبيانات، وديناميكيّات قوّةٍ غير متكافئة. وعادةً ما يحدث هذا تحت ستار الشركات الأجنبيّة التي تقدّم المساعدة التكنولوجيّة للقارة[12].

اليوم، نشهد شكلًا جديدًا من الاستعمار المؤسّسي. فبدلًا من غزو الأراضي، تستعمر شركات التكنولوجيا الكبرى التكنولوجيا الرقميّة، وتهُيمن حفنةٌ من الشركات الأمريكيّة متعدّدة الجنسيّات على الوظائف الآتية: محرّكات البحث (جوجل)؛ ومتصفّحات الويب (جوجل كروم)؛ وأنظمة تشغيل الهواتف الذكيّة، والأجهزة اللوحيّة (جوجل أندرويد، وآبل آي أو إس)؛ وأنظمة تشغيل أجهزة الكمبيوتر المكتبيّة والمحمولة (مايكروسوفت ويندوز)؛ وبرامج المكاتب (مايكروسوفت أوفيس، ومستندات جوجل)؛ والبنية التحتيّة والخدمات السحابيّة (أمازون، ومايكروسوفت، وجوجل، وآي بي إم)؛ ومنصّات التواصل الاجتماعي (فيسبوك، وتويتر)؛ والنقل (أوبر، وليفت)؛ وشبكات الأعمال (مايكروسوفت لينكد إن)؛ وبث الفيديو (جوجل يوتيوب، ونتفليكس)؛ والإعلان عبر الإنترنت (جوجل، وفيسبوك) من بين أمور أخرى. وتضم مجموعة GAFAM الآن أغنى خمس شركاتٍ في العالم، بقيمةٍ سوقيّةٍ إجماليّةٍ تتجاوز 3 تريليونات دولار[13].

في الاستعمار الرقمي الجديد، تتجلّى ديناميكيّةٌ مماثلةٌ في المجال الرقمي. فالبنى التحتية الحيويّة، كالمنصّات الرقميّة والشبكات وأنظمة البيانات، تخضع في الغالب لسيطرة شركاتٍ من دولٍ مهيمنةٍ اقتصاديًّا. في المشهد الرقمي، تُعدّ البيانات (المادّة الخام)، وتستخرجها الشركات الأجنبيّة وتُعالجها وتحتكرها دون مراعاة للاستقلاليّة الأفريقيّة. غالبًا ما تتضمّن هذه العمليّة قوى عالميةً تُسند العمل الرقميّ، مثل إدارة المحتوى أو معالجة البيانات، إلى الدول النامية، حيث تكون تكاليف العمالة أقلّ، والأطر التنظيميّة أقلّ صرامة. ثم تُسوّق المنتجات والخدمات الرقميّة الناتجة، ذات الثراء بهذه البيانات المسُتخرجة، إلى هذه الدول النامية نفسها، مُنشئةً بذلك دورةً تشبه دورة التجارة الاستعماريّة. وهكذا، يسفر الاستعمار الرقميّ الجديد عن أشكالٍ جديدةٍ من التبعيّة والاستغلال والتفاوت الاقتصاديّ، تُحاكي إرث الاستعمار في العصر الرقميّ. على الرغم من أنّ الدول الأفريقيّة قد اكتسبت سيادةً إقليميّةً منذ الحقبة الاستعماريّة، فإنّ الأنظمة الاقتصاديّة لهذه الدول القوميّة غالبًا ما تظلّ مرُتبطةً بالمصالح الأجنبيّة؛ ممّا يدُيم دورةً من التبعيّة والتخلّف. وسواء أكانت خاضعةً لمنظمات سياسيّة أم شركات، فقد عانت أفريقيا ما بعد الاستعمار من أشكالٍ عديدةٍ من الاستعمار الجديد، حيث لا تزال القوى الخارجيّة تشُكلّ الفرص الاقتصاديّة والسياسيّة للقارّة[14].
لقد شكّل الاستعمار بشكلٍ عميقٍ أنظمة المعرفة والقوّة الغربيّة، وأنشأ أطرًا معرفيّةً لا تزال قائمةً أثرت على الابتكار التكنولوجيّ المعاصر. خلال الحقبة الاستعماريّة، ارتبط إنتاج المعرفة بالهيمنة، حيث صورّت القوى الأوروبيّة نفسها على أنّها عقلانيّةٌ وعلميّةٌ ومتفوّقة، بينما صورّت المجتمعات المستعمَرة على أنّها بدائيّةٌ وغير عقلانيّة. أسهم هذا التناقض في تبرير الغزو والحكم الاستعماريين، مدُمجًا هياكل هرميّة في تخصّصاتٍ مثل الأنثروبولوجيا، ورسم الخرائط، والعلوم الطبيعيّة. صورّت التقاليد الفكريّة الغربية الشرق كآخر غريبٍ ومتخلّفٍ لتأكيد التفوّق الغربي الثقافي.

على سبيل المثال، صُورّت الرعايا المستعمَرين على أنّهم عاجزون عن حكم أنفسهم ويحتاجون إلى تدخّلٍ غربيّ. وقد عكس هذا التأطير سيطرة المستعمِرين المنهجيّة على المعرفة والتكنولوجيا، حيث سهلّت اختراعات الحقبة الاستعماريّة، مثل التلغراف والسفن البخاريّة، استخراج الموارد ومراقبتها في المناطق المستعمَرة. في أنظمة الذكاء الاصطناعي الحديثة، لا تزال أنماطٌ معرفيّةٌ مماثلةٌ قائمةً. غالبًا ما تشُفرّ الخوارزميّات تحيّزات تعُطي الأولويّة لوجهات النظر؛ ممّا يهُمشّ أنظمة المعرفة غير الغربيّة[15].
إنّ السرديّات السوداء في القرنين العشرين والحادي والعشرين قد أثبتت بالفعل أنّ الاستشراق لا يزال يزدهر في هذا العصر من خلال ترسيخ (الآخر) لدى السود، سواء أكانوا من أصلٍ أفريقيّ أم لا. ويرتكز أيضًا على افتراض أنّ هذه النزعات الاستشراقيّة قد تسلّلت إلى المنصّات والنظريّات الرقميّة، كما سيتّضح في بعض الأعمال النظريّة لتلك الحقبة، مرتكزًا على هذا التحيّز لتصوّر محاولة للنضال من أجل صورةٍ واعيةٍ وكريمة. تستخلص هذه الأعمال البارزة استنتاجات عالميّة حول الاتجاهات العالميّة في عصريَ الحداثة وما بعد الحداثة، متجاهلةً الواقع الأفريقي تمامًا؛ ممّا يجعلها تبدو كأنّها تواصل (التوطين) الهيجلي لأفريقيا، مُفسحةً بذلك فجوةً لعبء الرجل الأبيض الجديد لتدمير أفريقيا في العصر الرقمي. وقد تجلّى ذلك بالفعل في الرسوم المتحرّكة وأفلام الخيال العلمي الأخرى، مثل فيلم (النمر الأسود) من إنتاج مارفل، حيث يحاول الغرب سرد قصة التكنولوجيا في أفريقيا من منظورٍ غربيّ في محاولةٍ لإثبات تشابه العلوم الأفريقيّة مع العلوم الغربيّة، مع وجود خطرٍ يتمثّل في أنّها تُمهّد الطريق لأعمال النسخ؛ ممّا يضُعف إبداع الأطفال الأفارقة الذين سيشاهدون هذه الأفلام ويستلهمون منها.

إنّ الاستشراق الرقميّ هو سمة هذا العصر في وقتٍ تتسرب فيه فتات التكنولوجيا من الغرب، وتصُبح أدمانًا للشعوب، بينما يبلغ الاستشراق/الاستعمار الرقميّ ذروته. وقد تجلّى هذا الاستشراق بالفعل في نظر المنظّرين الغربيّين الذين شرعوا في تجاهل أفريقيا كما فعل هيجل قبل ظهور الاستعمار التقليديّ. إنّ تجاهل الواقع الأفريقي بهذه الوتيرة يُفسح المجال لتشويهاتٍ جديدةٍ بدعوى تقديم خدمةٍ لأفريقيا أو الدعوة إلى عبءٍ جديدٍ على كاهل الرجل الأبيض[16].
يُظهر استعمار البيانات أوجه تشابهٍ جوهريّةٍ مع الاستعمار التاريخيّ، ولا سيّما في آلياته المتمثّلة في الاستيلاء والسيطرة وعدم المساواة المنهجيّة. فكما كان الاستعمار التقليديّ مدفوعًا باستخراج الأراضي والموارد والعمالة لتحقيق الهيمنة الاقتصاديّة والجيوسياسيّة، يعمل استعمار البيانات من خلال الاستيلاء واسع النطاق على حياة الإنسان عبر البنى التحتيّة الرقميّة. يعمل كلا النظامين من خلال علاقات قوّةٍ غير متكافئة، حيث تعُزز الجهات المهيمنة - تاريخيًّا، الدول الإمبرياليّة وشركات التكنولوجيا اليوم - سيطرتها على الفئات المهمّشة، ولا سيّما في الجنوب العالمي. تتجلّى هذه الديناميكيّة في الاقتصاد الرقمي، حيث تستخرج الشركات بيانات المستخدمين تحت ستار تقديم الخدمات؛ ممّا يعكس كيف بررت القوى الاستعماريّة التوسّع الإقليمي من خلال خطابات الحضارة والتنمية[17].

لقد مثّل الاستعمار منذ القرن الثامن عشر وطوال القرن الماضي عاملاً حاسماً في تشكيل أنماط الإنتاج؛ فبدأ قديماً عبر استنزاف المواد الخام وتسخير العمالة في مزارع الأمريكتين لدعم الثورات الصناعية الغربية، وصولاً إلى شكله المعاصر غير الواعي الذي يتجسد في ‹الرقمنة›، حيث يتم تحويل المستهلك إلى ‹منتج مستهلك› يغذي المنصات ببياناته وجهده دون إدراك منه. ومن المؤكد أن الاستعمار وأنماط الإنتاج يظلان مترابطين؛ إذ كان التأثير الاستعماري عبر قرنين -مهما اختلفت صوره- هو المحرك الأساسي الذي يحدد مدى نجاح المجتمعات في بلوغ أهدافها التنموية أو تعثرها [18].

أوجه التشابه بين الاستعمار القديم والاستعمار الرقميّ الحديث
الاستعماريّة الغربيّة شملت أربع مجالاتٍ مارست من خلالها الإمبراطوريّات الأوروبيّة سلطتها على مستعمراتها، والتي ترتبط من خلال فكرةٍ مصفوفة القوة الاستعماريّة:

١. السلطة: تحافظ القوى الاستعماريّة على العلاقات السياسيّة غير المتكافئة وتعزّزها، لضمان الاستيلاء على الموارد؛ وقد تم تأسيس العديد من أشكال السلطة، مثل الحكومات الاستعماريّة والملكيات والجيوش، وتم التحقّق من صحّتها وإضفاء الشرعيّة عليها داخل المستعمرات.
٢. الاقتصاد: توزيعٌ عالميٌّ غير متكافئٍ بشكلٍ كبيرٍ للفوائد الناجمة عن استخراج الموارد (على سبيل المثال الفقر العالمي، وأصحاب الملايين، والأنظمة الملكيّة) من خلال الاستيلاء على الأراضي، واستغلال العمالة (على سبيل المثال العبوديّة، والعمل القسريّ)، والسيطرة على الموارد الطبيعيّة.
٣. الجنس/الجنسانيّة: حُوِلّت المرأة إلى شيءٍ، ونُظِر إليها كوسيلةٍ للتكاثر. أُبعدت النساء من مواقع السلطة لتعزيز منظورٍ فرديّ وجنسيّ لتراكم رأس المال من خلال الأسرة والتعليم؛ ورُعيت المجتمعات التي يهيمن عليها الذكور وشجُعِّت.
٤. المعرفة والذاتيّة: فرض الأيديولوجيّات المعرفيّة الأوروبيّة على غيرها من أساليب المعرفة لفهم كلّ هذا القمع. هذا الخلل في توازن القوى يعزّز الأيديولوجيّات المعرفيّة على حساب غيرها، ممّا يمحو العديد من الهويّات الثقافيّة، ويديم الممارسات العنصريّة والجنسانيّة للهيمنة[19].

الارتباطات بين مجالات السلطة الاستعماريّة والممارسات الرقميّة:
١. السلطة والتكنولوجيا الرقميّة: لقد أدّت التقنيات الرقميّة إلى زيادة تأمين العالم من خلال أدوات الإنترنت: السحابة، والذكاء الاصطناعيّ، والبيانات الضخمة، ووسائل التواصل الاجتماعيّ، وإنترنت الأشياء (IoT). ويحدث هذا العامل في العديد من الدول القوميّة من خلال استغلال التكنولوجيا للمراقبة، وأجهزة المسح البيومتريّة، وعلامات التعريف بترددات الراديو، على سبيل المثال لا الحصر. يمكن للأجهزة المتّصلة بالإنترنت أن توفّر مليارات الأعين لوزارة الدفاع الأمريكيّة، ووكالة الأمن القومي الأمريكيّة، ووكالة الاستخبارات المركزيّة الأمريكيّة للمراقبة العالميّة. علاوةً على ذلك، تعرّضت العديد من الأصوات المعارضة للأنظمة الاستبداديّة للرقابة (على سبيل المثال، السجن، والاغتيال، والاختفاء) باستخدام أدوات الإنترنت[20].
٢. الاقتصاد والتكنولوجيا الرقميّة: إنّ القوّة الاقتصاديّة الهائلة التي تتمتع بها شركات التكنولوجيا الخاصّة على التقنيات الرقميّة تعني أنّ قلّةً من الأشخاص من مناطق وهويّاتٍ معينةٍ مسؤولون عن معظم البنية التحتيّة والسياسات المتعلّقة بالتكنولوجيا الرقميّة. وتسمح القوانين والسياسات واللوائح باستمرار هذا التفاوت بمرور الوقت وفي مناطق مختلفة. وبالمثل، بررت العديد من الأطر القانونيّة استخراج الأراضي واستغلالها خلال الاستعمار التاريخي. ومن بين هذه الأطر مبدأ الاكتشاف والمرسوم البابوي. أرض لا مالك لها في التعبير اللاتيني تعني أرضًا لا يملكها أحد، وهذا برّر العنف والقمع لسرقة أراضي وموارد العديد من المجتمعات السوداء والأصليّة والمحليّة. لقد أدّى هذا الشكل المستمر من الاستخراج إلى نشوء الإمبراطوريّات التي تأسّست في مختلف أنحاء أوروبا منذ القرن الخامس عشر[21].
٣. الجنسانيّة والنوع الاجتماعيّ والتكنولوجيا الرقميّة: لقد تمّ دحض اليوتوبيا التي تزعم أنّ التكنولوجيّات الرقميّة كانت محايدةً فيما يتعلّق بالجنس والعرق والطبقة والدين واللغة وفئات الهويّة الأخرى بشكلٍ ملحوظٍ من خلال جميع أنواع مظاهرات القوّة عبر البلدان والمناطق والمنصات. يتمّ نقل البنيات الاجتماعيّة والثقافيّة للجنس والنوع الاجتماعيّ من عالمٍ غير رقميٍّ إلى عالمٍ رقميّ من خلال هويّات ومفاهيم مصمّمي ومطوّري المساحات الرقميّة، وعلاوةً على ذلك، من خلال الصور التي يولّدها المستخدمون[22].
٤. المعرفة والتكنولوجيا الرقميّة: الرؤية الطوباويّة الأصليّة التي تقول بأنّ الإنترنت (وخاصّة الويب)، ووسائل التواصل الاجتماعيّ كانت مساحةً مفتوحةً للجميع لمشاركة معارفهم وإسماع أصواتهم، لكنّها واجهت تحدّياتٍ كبيرةً مع ظهور وتطوير وسائل التواصل الاجتماعي. ويواجه الطموح السياسي للحريّة في هذه الوسائل جدلًا؛ إذ إنّ عددًا كبيرًا من الخطابات على الإنترنت لا تسمح بسماع أصوات المهمشين، بل تخضع اليوم للرقابة بنحوٍ متكرّر. لا يعتد بالنقاش السياسي إلّا لمن لديهم عددٌ محُددٌّ من المتابعين أو المشتركين على مواقع التواصل الاجتماعيّ (أو من يستطيعون الدفع لهم). إلى جانب هذه الظاهرة، يُشجعّ التنمرُّ الإلكتروني وخطاب الكراهيّة على الإنترنت أشكالًا جديدةً من العنف ضدّ هذه الأصوات. بمعنى آخر، تُكرّر الممارسات القمعيّة والإقصائيّة وتُضخّم في العديد من المساحات الرقميّة، وتحُافظ على الانقسامات الاجتماعيّة. من منظورٍ معرفي، تشُير هذه الظاهرة إلى أنّ أصواتًا وهويّاتٍ وأيديولوجيّاتٍ معيّنةً فقط هي التي تُؤثّر في هذه المجتمعات[23].

اليوم، تُؤدّي التحوّلات الرقميّة في الأنظمة السياسيّة والاقتصاديّة العالميّة إلى ظهور الرأسماليّة العنصريّة الرقميّة. ويحدث ذلك من خلال التقاء التحوّل الرقمي والرأسماليّة العنصريّة وممارسات استعمار البيانات؛ ممّا يسُفر عن أشكالٍ من العنصريّة، والعنف الهيكلي، وسياسات البيانات المسُتخَدمَة في العصر الرقمي والبيانات. تنُشئ الرأسماليّة العنصريّة الرقميّة تسلسلات هرميّة عرقيّة من المخاطر والتعرّض لاستعمار البيانات، وذلك باستخدام البيانات والتكنولوجيا الرقميّة لإعادة تشكيل أو خلق فئاتٍ جديدةٍ من العنصريّة (مثل المهاجرين والإرهابيين، إلخ)، والتكنولوجيا الرقميّة والأضرار الناجمة عن البيانات. المجموعات العرقيّة والإثنيّة أكثر عرضةً هيكليًّا للمراقبة المفرطة والأضرار الرقميّة عبر أبعادٍ متعددةٍ من التقاطع[24].
في صميم الرأسماليّة العنصريّة الرقميّة هذه - في عصر البيانات الضخمة اليوم يكمن استعمار البيانات ـ استعمار البيانات هو تسليع العلاقات الإنسانيّة والأجساد والسلوكيّات. يؤدّي تقارب الرأسماليّة العنصريّة العالميّة والإمبرياليّة واستعمار البيانات إلى ظهور أنواعٍ جديدةٍ من المخاطر والأضرار التي تتوسطها البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعيّ والتقنيات الرقميّة. هذه المخاطر والأضرار التي تتوسطها البيانات والتكنولوجيا الرقميّة موزعة بشكلٍ غير متساوٍ على هرميّاتٍ عرقيّةٍ متقاطعة؛ ممّا يجعل بعض الفئات السكانيّة أكثر عرضةً للاستغناء عنها بطبيعتها، وبالتالي أكثر عرضةً لاستعمار البيانات والمراقبة المفرطة والأضرار الخوارزميّة والعنف الهيكلي، أو بعبارةٍ أخرى، الرأسماليّة العنصريّة الرقميّة[25].

يمكن مقارنة (التحويل إلى بيانات) اليوم- أو تحويل العالم إلى بيانات - بالقياس الاجتماعيّ الكمّي للقرن التاسع عشر من حيث إنّه يسمح بتصنيف الأفراد. وبالمثل، تُوسّع شركات الحوسبة السحابيّة اليوم نطاق منطق الماضي الاستعماري في سعيها للاستحواذ على البيانات. كما يُسهّل هذا الاستخراج للقيمة ويتوسّع بفضل إمكانيات التنسيق التي تتيحها التكنولوجيا الرقميّة. وأخيرًا، تسيطر هذه الشركات على البنية التحتيّة اللوجستيّة؛ ممّا يمنحها بعض النفوذ على الشركات الأخرى: فامتلاك عددٍ كبيرٍ من مراكز البيانات يمُكنّها من تقديم خدمات تخزين البيانات وقوّة الحوسبة لشركاتٍ أخرى أصغر حجمًا[26].
باختصار الاستعمار الرقميّ لا يرتبط بجغرافيا أو حدود، بل يتجاوزها ليشكّل نسقًا فوق وطني، تمارسه شركاتٌ تتجاوز سلطات الدول، وتعيد تشكيل أنماط الإنتاج والتفكير والسلوك، بطريقةٍ تؤدّي إلى تآكل السيادة واستنزاف الموارد الرقميّة. الاستعمار الرقميّ هو نموذج الهيمنة المعاصر.

ثالثًا: أدوات السيطرة الرقميّة (الذكاء الاصطناعي، البنية التحتيّة، البيانات).
شهدت إفريقيا خلال العقدين الأخيرين تحوّلاتٍ عميقةً في بنيتها الرقميّة، مدفوعة بتوسّع الاتصال بالإنترنت واعتماد تطبيقات الذكاء الاصطناعي (AI) في مختلف القطاعات. ورغم الفجوة الرقميّة التي ما تزال قائمةً، فإنّ القارّة أصبحت بيئةً خصبةً لاختبار تطبيقاتٍ تقنيّةٍ مبتكرةٍ في الصحة، الزراعة، التعليم، والخدمات العامّة. ويُعدّ التحولّ الرقميّ قوةً دافعةً تُحفّز الابتكارات والرقمنة وخلق فرص العمل، وتسُهم في معالجة الفقر، والحدّ من عدم المساواة، وتسهيل توفير السلع والخدمات، والمساهمة في تحقيق أهداف التنمية المستدامة.
بالنسبة لأفريقيا، تتُيح اللحظة الراهنة فرصةً واعدة، وتشير تقنيات اليوم إلى مدى وسرعة تحوّل التكنولوجيا في القطاعات الاجتماعيّة والاقتصاديّة التقليديّة. واعترافًا بجهود قيادة القارّة لإعطاء الأولويّة للتحوّل الرقميّ وتسريعه، وبناءً على رؤية العديد من القادة الأفارقة، فإنّ البلدان الأفريقيّة مستعدّةٌ لاستراتيجيّةٍ شاملةٍ للتحوّل الرقميّ لتوجيه استجابةٍ مشتركةٍ ومنسّقةٍ لجني فوائد الثورة الصناعيّة الرابعة[27].
على الرغم من وجود فرصٍ واعدةٍ للتنمية الرقميّة في أفريقيّا، فإنّه لا بدّ من مواجهة العديد من التحدّيات لتحقيق كامل إمكانات أفريقيا الرقميّة. وتشمل هذه التحدّيات الهيمنة التكنولوجيّة الأجنبيّة، سدّ الفجوة الرقميّة، وضمان خصوصيّة البيانات وأمنها، وبناء قدرات المؤسّسات والأفراد للاستفادة الفعّالة من التقنيات الرقميّة. وتُعدّ الشراكات الدولية والتدخّلات الموجّهة أساسيّة للتغلّب على هذه التحدّيات وبناء منظومةٍ رقميّةٍ مستدامةٍ في أفريقيا[28].

الذكاء الاصطناعي بوصفه أداةً للاستعمار الرقميّ:
المراقبة والتحكّم: تُعزّز تقنيات الذكاء الاصطناعيّ المراقبة في مجتمعات ما بعد الاستعمار، محاكيةً آليات السيطرة الاستعماريّة من خلال استهداف المجتمعات المهمّشة. خلال الحكم الاستعماريّ، استخُدمت التعدادات السكانيّة، وأدوات رسم الخرائط لرصد السكّان المسُتعمَرين والسيطرة عليهم. وبالمثل، تؤُثر أنظمة المراقبة الحديثة المُعزّزة بالذكاء الاصطناعي بشكلٍ غير متناسبٍ على مجتمعات ما بعد الاستعمار، وغالبًا ما يكون ذلك تحت ستار الأمن. تُسلّط هذه الممارسات الضوء على الإرث الاستعماريّ المسُتمر في الحوكمة التكنولوجيّة المعُاصرة. تُجسّد أنظمة التعرّف على الوجوه ونماذج الشرطة التنبؤيّة كيف تُكرّس تقنيات الذكاء الاصطناعي التحيّزات النظاميّة، وتعُزز هياكل السلطة الاستعماريّة. وقد تعرّضت أدوات التعرّف على الوجوه، التي طُوّرت غالبًا في بلدان الشمال الأوروبي، لانتقاداتٍ واسعة النطاق بسبب تحيّزاتها العرقيّة[29].

استخراج البيانات والاستغلال الاقتصادي: يمُثلّ استخراج البيانات المدُار بالذكاء الاصطناعي نظيرًا معاصرًا لاستغلال الموارد في الحقبة الاستعماريّة؛ ممّا يعكس التفاوت الاقتصاديّ المسُتمرة بين الشمال والجنوب الإفريقي. خلال الحقبة الاستعماريّة، كانت الموادّ الخام كالتوابل والذهب والعمالة تسُتخرج من الأراضي المُستعمَرة لدعم النموّ الصناعيّ للقوى الأوروبيّة. واليوم، تحُصد البيانات - التي توصف غالبًا بالنفط الجديد - على نحوٍ مماثلٍ من إفريقيا بوساطة شركات الذكاء الاصطناعيّ التي تتخذ من الشمال مقرًّا لها. وغالبًا ما يحدث هذا الاستخراج دون موافقةٍ جادّةٍ أو تعويضٍ عادل؛ ممّا يدُيم اختلال التوازن في الثروة والسلطة. على سبيل المثال، تجمع منصّات مثل جوجل وفيسبوك كمياتٍ هائلةً من بيانات المستخدمين من دول إفريقيا، التي تسُتغل بعد ذلك لتدريب الخوارزميّات وتطوير منتجات الذكاء الاصطناعي[30].
يمنح الذكاء الاصطناعي، وخاصّة التعلّم الآلي ومعالجة اللغة الطبيعيّة، الشركات القدرة على تجميع مليارات نقاط البيانات بشكلٍ أفضل واستخلاص استنتاجات حول المستخدمين. يمكن استخدام هذه البيانات لاستنتاج معلوماتٍ شخصيّةٍ مثل خلفيّة الشخص، ودينه ومعتقداته، وآرائه السياسيّة، وتوجّهه الجنسي وهويّته الجنسيّة، وارتباطاته الاجتماعيّة، وصحّته وأصله العرقي، ومستويات دخله، وتحصيله التعليمي، وحالته الاجتماعيّة، وتكوينه الأسريّ، واستقراره الماليّ وجدارته الائتمانية، ذلك كلّه دون أن يقدّم المستخدم هذه المعلومات بشكلٍ مباشر. والنتيجة هي إنشاء ودمج البصمات الرقميّة التي توفّر معرفةً متعمّقةً عن حياة الشخص. وفي نهاية المطاف يتمّ تجميع هذه البيانات واستخدامها وبيعها لتحقيق ربحٍ هائل. والأمر الأكثر إثارةً للقلق هو أنّ حفنةً من شركات التكنولوجيا، مثل ألفابت Alphabet وفيسبوك، قادرةٌ على استخدام الذكاء الاصطناعي للتحليلات التنبؤيّة، وهو «استخدام البيانات والخوارزميّات الإحصائيّة وتقنيّات التعلّم الآلي لتحديد احتماليّة النتائج المستقبليّة بناء على البيانات»[31].

البنية التحتيّة الرقميّة: تشمل الكابلات البحريّة، والأقمار الصناعيّة، ومراكز البيانات، التي تتحكّم فيها الشركات الكبرى، ما يجعل تدفّق المعلومات عالميًّا مرهونًا بالغرب. إحدى الطرق التي يتجلّى بها الاستعمار الرقميّ في أفريقيا هي من خلال السيطرة على البنية التحتيّة الرقميّة الحيويّة وامتلاكها من قبل كياناتٍ أجنبيّةٍ، يتجلّى ذلك في هيمنة المنصّات والخدمات الرقميّة الأجنبيّة على الأسواق الأفريقيّة، حيث يعتمد المستهلكون الأفارقة اعتمادًا كبيرًا على هذه المنصّات الأجنبيّة. ومن خلال السيطرة على النظام البيئيّ الرقميّ، تكتسب الكيانات الأجنبيّة أو شركات التكنولوجيا الكبرى نفوذًا مباشرًا على المجالات السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة في القارّة على الرغم من أنّ البنى التحتيّة الرقميّة ضروريّة لتطوير المشهد الرقميّ للقارّة عندما تسيطر عليها جهاتٌ خارجيّة، فإنّه يمكن استغلالها واستخدامها بسهولةٍ للسيطرة الإمبرياليّة على مستوى بنية النظام البيئي الرقميّ، ويمكن أن تؤثّر على الشركات المحليّة والابتكار.

من مظاهر الاستعمار الرقميّ الأخرى التدفّق غير المتكافئ للبيانات؛ فاحتكار شركات التكنولوجيا متعدّدة الجنسيّات الأجنبيّة للقارّة يمنحها حريّةً مطلقةً في جمع كميّاتٍ هائلةٍ من البيانات من المستخدمين الأفارقة عبر منصّاتها وخدماتها. وهذا يعني أنّ البيانات من المنصّات والخدمات الرقميّة، ووسائل التواصل الاجتماعي، ومحركات البحث، وتطبيقات الهاتف المحمول، والتي غالبًا ما تتطلّب من المستخدمين لتوفير المعلومات الشخصيّة والتفضيلات، يتم استخراجها وجمعها وتخزينها[32].
على المنوال نفسها، تمُارس تجربة (الاختبار التجريبي)، حيث تستثمر شركات التكنولوجيا في تجارب متنوّعةٍ لاختبار الإصدارات المبكّرة من أنظمة البرمجيّات لتحديد مشاكل استخدامها في بيئاتٍ مع مستخدمين حقيقيين. في اختبار أنظمة التنبؤ، تستعمل هذه المؤسّسات ــ في مواقف استغلاليّة واضحة ــ دولًا خارج نطاقها كأرضيّةٍ للاختبار وعلى نحوٍ مماثل، هناك حالةٌ من السلب الخوارزميّ الذي نشهده مع ضعف تمثيل أفريقيا وتهميشها في المناقشات المتعلّقة بتنمية الاقتصاد الرقميّ، وبالتالي ترسيخ مركزيّة السلطة بين المستعمِرين الرقميّين. وهذا يبقي أفريقيا معتمدةً اقتصاديًا على الدولة التي تزودها بمعظم برامج الذكاء الاصطناعي[33]. ومن الأمثلة الخبيثة لهذا النوع من الاختبارات عندما اختبرت كامبريدج أناليتيكا Analytica Cambridge خوارزمياتها على الانتخابات النيجيريّة والكينيّة في عامي 2015، 2017 على التوالي، قبل استخدامها في الولايات المتّحدة والمملكة المتّحدة[34].

الخوارزميّات والبيانات الضخمة: الخوارزميّات تشكّل رأيًا عامًّا غير مرئي، وتقوم بتصفية وتوجيه المحتوى بما يخدم أجنداتٍ تجاريّةً وسياسيّة، وتتحوّل البيانات الضخمة إلى موردٍ استراتيجيّ بديلٍ للنفط. يمكن رؤية استعمار الذكاء الاصطناعي في شكل (خوارزميّات متطوّرة) و(حلول الذكاء الاصطناعي) للمشاكل الاجتماعيّة، التي تجعل أفريقيا تعتمد على البنية التحتيّة الغربيّة بينما يتمّ إهمال المنتجات المحليّة. من مظاهر الاستعمار الرقمي عبر استخدام الذكاء الاصطناعي القمع الخوارزمي؛ يشمل القمع الخوارزمي دمج التحيّزات المضمّنة في رموز الذكاء الاصطناعي؛ ممّا يسمح بحالاتٍ من الضرر المجتمعيّ المثبت في أنظمة الذكاء الاصطناعي التنبؤيّة. بالإضافة إلى ذلك، هناك استغلالٌ خوارزميّ عندما يستخدم الجهات الفاعلة الأجنبيّة القويّة أدواتٍ خوارزميّةً للاستفادة من ممارسة السيطرة، واستخراج القيمة، والحفاظ على الهيمنة على شعبٍ أو منطقةٍ أو مجتمعٍ أقلّ قوةٍ من خلال وسائل غير عادلةٍ أو غير أخلاقيّةٍ لتحقيق فائدةٍ غير متكافئةٍ للجهات الفاعلة في الفضاء الرقمي، ويتجلّى هذا بوضوح في المدن الأفريقيّة التي تضمّ منصّاتٍ لتأجير السيارات مثل أوبر. فرغم أنّ الخوارزميّات تُحدّد السعر وتوزيع السائقين، فإنّ ذلك قد يؤدّي إلى تفاوتٍ في الأسعار واستغلال السائقين، حيث يتقاضى السائقون أجورًا أقلّ في بعض المناطق بسبب قرارات التسعيرة الخوارزميّة[35].

تعكس العقبات الموصوفة حتى الآن الطابع الاستعماري للعرق والجنس، إذ لا تزال آثار الاستعمار على السود رجالًا ونساءً مستمرةً حتى اليوم. إذا كان الاستعمار يعُيد إنتاج هرميات العرق والجنس، فمن المتوقّع أن يُكّرر أيضًا الاستغلال الخوارزمي على عدّة مستويات. يتجلى الاستعمار في فضاء الذكاء الاصطناعي من خلال مظهرين رئيسيين: القمع الخوارزمي والتحيز الخوارزمي. يتمثل الأول في توظيف الخوارزميات لمنح امتيازات فئوية لمجموعات معينة على حساب أخرى، مما يكرس الهيمنة، بينما يبرز الثاني عبر استخدام مجموعات بيانات غير تمثيلية تفتقر للتنوع، مما يفضي بالضرورة إلى مخرجات تمييزية. وعلى الرغم من أن معظم الشواهد التي تربط القمع الخوارزمي بالعنصرية الاستعمارية قد استندت إلى دراسات من أمريكا الشمالية، إلا أن الأدبيات الأفريقية بدأت مؤخراً في رصد وتوثيق نماذج عديدة تؤكد هذا الارتباط في السياق المحلي[36].

يتجلّى الاستعمار الرقميّ أيضًا في أبعادٍ ثقافيّةٍ ومعرفيّة، معزّزًا السرديّات الغربيّة ومهمّشًّا أنظمة المعرفة البديلة. هيمنة اللغة الإنجليزيّة في التواصل الرقميّ، وتفضيلها يجعل المحتوى المُنتَج غربيًّا بوساطة خوارزميّات محرّكات البحث، وتوسّع رأسماليّة المراقبة، يؤثّر بنحوٍ غير متناسبٍ مع مجتمعات الجنوب العالمي؛ ممّا يُعرقل وصولها إلى المعلومات وقدرتها على المشاركة في الفضاءات الرقميّة على قدم المساواة مع غيرها. تُفاقم الحوكمة الخوارزميّة هذه التفاوتات؛ إذ غالبًا ما تُكرّرسياسات تعديل المحتوى، وأنظمة التعرّف على الوجه، وعمليات صنع القرار التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي، التحيّزات العنصريّة والجنسانيّة والجيوسياسيّة. كما يُثير الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي في الحوكمة والشرطة والتوظيف مخاوف بشأن الإقصاء الرقميّ، حيث تواجه المجتمعات ذات الوصول التكنولوجي المحدود أو الثقافة الرقميّة حواجز منهجيّةً أمام المشاركة الكاملة في الاقتصاد الرقميّ. تؤكّد هذه الديناميكيّات كيف أنّ الاستعمار الرقميّ لا يقتصر على الاستخراج الاقتصاديّ فحسب، بل يتعلّق أيضًا بالهيمنة المعرفيّة، التي تُشكّل معرفةً من تضخّم أو تقمع معرفته وتاريخه وتعبيراته الثقافيّة في الفضاءات الرقميّة[37].
الذكاء الاصطناعي الأخلاقي وصنع السياسات: هناك موقعٌ مهمٌ آخر للاستعمار يتعلّق بالهيمنة المستمرة التي تمارسها الدول المتقدّمة على السياسات التنظيميّة التي تحكم الذكاء الاصطناعي: حتى البحث السريع عبر الإنترنت عن سياسات أو استراتيجيات الذكاء الاصطناعي يشير إلى أنّ معظمها قد نشأ في الشمال العالمي؛ ممّا أدى إلى استبعاد الدول النامية من إضافة أصواتها إلى ما يجب أن يشمله الذكاء الاصطناعي الأخلاقي. تشير مراجعةٌ منهجيّةٌ لإرشادات أخلاقيّات الذكاء الاصطناعي إلى أنّ دول الجنوب العالمي مثل إفريقيا وأمريكا الجنوبيّة وأمريكا الوسطى قد تم استبعادها من النقاش، ممّا يترجم إلى رفضٍ صريحٍ لأنظمة المعرفة الأصليّة وقيمها[38].

من مظاهر الاستعمار الرقمي أيضًا تصوير الذكاء الاصطناعي على أنّه أبيض؛ حتى البحث السطحي على الإنترنت عن كيفيّة تأطير الذكاء الاصطناعي في وسائل الإعلام، وفي الثقافة الشعبيّة، وفي صناعة التكنولوجيا يكشف عن ميلٍ لتصوير هذه التكنولوجيا على أنّها بيضاء، ويؤكّد ذلك عددٌ من الباحثين الذين تتراوح اهتماماتهم البحثيّة بين الأخلاق التطبيقيّة وعلوم الهندسة. وبالاستناد إلى العرق النقدي، في إطار نظريّة الذكاء، التي تُلقي الضوء على العنصريّة الخفيّة، يُنظر إلى أنّ تصنيف الذكاء الاصطناعي على أنّه أبيض قد يُعزى جزئيًّا إلى الإطار العرقي الأبيض الذي ينسب الذكاء والقوة والاحترافيّة إلى الثقافة البيضاء. وعلى الرغم من دحض الاعتقاد بأنّ العرق والذكاء مرتبطان، فإنّ العنصريّة العلميّة (علم العرق) لم تختفِ تمامًا. ونظرًا للمفهوم العنصري المستمر للتسلسل الهرمي للذكاء، فليس من المستغرب أن يصوّر الذكاء الاصطناعي أبيض اللون. بالإضافة إلى إظهاره مشكلة عرقيّة، فإنّ الذكاء الاصطناعي، كغيره من التقنيات، له بُعد جندريّ، ينبغي النظر إليه من منظور (تعظيم الذكاء) خلال الحقبة الاستعماريّة، لارتباطه بالنساء وإرث ما بعد الاستعمار الذي لا يزال، للأسف، يؤثّر على تقدّمهن في التقنيات الناشئة مثل الذكاء الاصطناعي. وكما ذكُر سابقًا، كانت إحدى خرافات الحقبة الاستعماريّة التي روّج لها مستعمرو الدول الأفريقيّة هي أنّ الرجال البيض كانوا متفوّقين عقليًّا على الرجال السود، وأنّ هذه الفكرة الجندريّة عن التسلسل الهرمي للذكاء امتدّت إلى النساء أيضًا، حيث تم التعامل معهن كأطفال، ونفي قدراتهن الفكريّة. إنّ الفكرة النمطية السائدة في جميع أنحاء أفريقيا، القائلة بأنّ النساء لا يمكنهن النجاح في تخصّصات العلوم والتكنولوجيا الهندسة والرياضيات (STEM) أو في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، تعني أنّ الاستبعاد (ICTs) الرقميّ القائم على النوع الاجتماعي ما يزال متفشيًّا[39].
يتجلّى الاستعمار الرقميّ بأشكالٍ متعددةٍ في جميع أنحاء القارّة، ومن العوامل التي تُسهم في ظهوره في أفريقيا. أولًا: النقص في البنية التحتيّة الرقميّة الكافية في القارّة. ثانيًا: النقص في الأطر التنظيميّة الشاملة والمحدثة للقطاع الرقميّ في العديد من الدول الأفريقيّة[40].

استغلال البيانات والتنمية المستقبليّة لأفريقيا: تؤدّي شركات التكنولوجيا المتعدّدة الجنسيات، التي غالبًا ما يُطلق عليها اسم Big Techدورًا مهمًّا في المشهد الرقميّ في إفريقيا، حيث تشارك في مختلف جوانب التكنولوجيا، بما في ذلك خدمات الإنترنت والحوسبة السحابيّة، والمنصّات الرقميّة. ولتأثيرها تداعياتٌ عديدةٌ على القارّة. استثمرت شركات التكنولوجيا الكبرى في توسيع نطاق الوصول إلى الإنترنت في أفريقيا، ممّا أسهم في تحسين الاتّصال في المناطق المحرومة. ومع ذلك، فإنّ مشاركتها تعني أيضًا امتلاكها نفوذًا كبيرًا على الوصول الرقميّ والبنية التحتيّة. فمن خلال تقنية تتبع السلوك عبر الإنترنت، يمكن بسهولة مراقبة أنشطة مستخدمي الويب والتطبيقات على الإنترنت، ومن خلال بياناتهم على منصّات متعدّدة، يمكن إنشاء ملف تعريفٍ رقميّ لإنتاج محتوى مخصّصٍ لكلّ مستخدمٍ وبالتالي، يمكن القول إنّ شركات التكنولوجيا الكبرى قادرةٌ على بناء الهيمنة على الوظائف الحيويّة في النظام البيئي التكنولوجي؛ من خلال المراقبة في شكل بياناتٍ ضخمة، وممارسة السيطرة على تدفّق المعلومات (مثل توزيع الأخبار وخدمات البث)، والأنشطة الاجتماعيّة (مثل الشبكات الاجتماعيّة والتبادل الثقافي)، ومجموعة كبيرة من الوظائف السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والعسكريّة الأخرى التي تتوسّطها تقنياتها[41].

علاوةً على ذلك، تؤثّر هيمنة منصّات التكنولوجيا الكبرى على تبنّي التكنولوجيا وسلوك المستهلك في القارّة. تدفع هذه الهيمنة الشركات والأفراد الأفارقة إلى الاعتماد بنحوٍ كبيرٍ على المنصّات المملوكة لأجانبٍ؛ ممّا يعُيق الابتكار وريادة الأعمال المحليّة. وبهذه الطريقة، تتمكّن شركات التكنولوجيا من استخراج بيانات المستخدمين من مصادر مختلفة. على سبيل المثال، تستطيع جوجل، من خلال أدواتها المتعدّدة، مثل بحث جوجل وخرائط جوجل وخدمات الموقع وبريد جوجل، جمع البيانات من المستخدمين في جميع أنحاء العالم، بينما تعجز المناطق الأفريقيّة وغيرها من المناطق النامية عن تطوير منتجاتٍ تنُافس هذه الشركات الأجنبيّة. باختصار، يعد دور شركات التكنولوجيا الكبرى في المشهد الرقمي الأفريقي بالغ الأهميّة ومتعدّد الجوانب. ورغم مساهمتها في تحسين الاتّصال والوصول، فإنّ تأثيرها على البيانات والخصوصيّة وتبنّي التكنولوجيا يثير تساؤلاتٍ مهمّةً حول السيادة الرقميّة والحاجة إلى هيأةٍ أفريقيّةٍ لصياغة مستقبل القارّة الرقمي[42].

وماذا عن الصور؟ ما علاقة الصور بكلّ هذا اليوم؟ صورة سيلفي على إنستغرام، صورة العيد على واتساب، نتائج بحث صور جوجل؟ أوّلًا وقبل كلّ شيء، فإنّ أيّ صورةٍ تُنشر على الإنترنت تنطوي على استعمار البيانات، الذي يتضمّن اقتصاد استنزاف الأموال من تجارة بيانات الصور، مع حرمان مالك هذه البيانات من أيّ إمكانيّة للسيطرة على العمليّة. في ظلال استعمار التاريخي، كانت أراضي الشعوب وأجسادهم هي التي تنُهب - والآن، في سياق الثقافة الرقميّة، أصبحت البيانات أيضًا كمادة خام يتم استخراجها واستغلالها[43]. بالنسبة لشركات التكنولوجيا، يُعدّ كنز بيانات المواطنين الموجود في أفريقيا موردًا طبيعيًّا. قد تُستخرج هذه البيانات وتُباع كسلعةٍ للشركات، والمصالح السياسيّة التي تبني نموذج إيراداتها على معرفة فئاتها المستهدفة؛ مما يُمكّنها من ترويج رسائلها وأجنداتها السياسيّة أو بيع منتجاتٍ مستهدفة للمواطنين، ممّا يُعزّز أرباحها. جوهر هذا النموذج التجاري راسخٌ بالفعل في الغرب. تُقدّم شركات التكنولوجيا خدمات اتّصالاتٍ ومحركات بحثٍ تبدو مجانيّة، لكنّها تتابع المستخدمين عبر المنّصات والتطبيقات والإنترنت، لتمكين المُعلنين من استهداف المستهلكين والناخبين بإعلاناتٍ مخُصّصةٍ للغاية بناءً على أنماطٍ سلوكيّة، مُحقّقةً بذلك أرباحًا طائلة. ومع ذلك، عندما تُتّبع هذه الاستراتيجيّة التجاريّة في دولٍ ذات بنيةٍ تحتيّةٍ محدودة، وقوانين حماية بياناتٍ محدودة، ومنافسة محدودة - مع أنّها متُجذرّةٌ في مفاهيم نيوليبراليّة لحقوق الإنسان - فإنّها تتحوّل من نموذجٍ تجاريّ إلى شكلٍ من أشكال الاستعمار الرقمي[44].

رابعًا: الهيمنة الأمريكيّة الرقميّة
يُمثّل الاستعمار الرقميّ مرحلةً جديدةً من الهيمنة العالميّة، تحُافظ الشركات متعدّدة الجنسيّات التي تتخذ من الشمال العالمي مقرًّا لها، وخاصّةً في الولايات المتّحدة، على سيطرة غير متناسبةٍ على الاقتصاد الرقميّ، مشكّلةً بذلك كيفيّة إنتاج المعلومات ونشرها وتحقيق الربح منها في جميع أنحاء العالم. يُمكّن هذا التركيز في سلطة هذه الشركات من استخراج كميّاتٍ هائلةٍ من البيانات من المستخدمين في الجنوب العالمي؛ ممّا يوُلدّ قيمة اقتصاديّة دون إعادة توزيع عادلة. ونتيجةً لذلك، يُديم الاستعمار الرقميّ التبعيات، ويحدّ من قدرة الدول الأقلّ تقدّمًا من الناحية التكنولوجيّة على إنشاء اقتصاداتٍ رقميّةٍ مستقلّة، أو حماية سيادتها على البيانات، أو التنافس على قدم المساواة في المشهد الرقميّ العالميّ[45].

تُحدث الأنظمة الرقميّة ثورةً في العديد من القطاعات الاجتماعيّة، مثل صناعة المعلومات عبر جوجل، والتجارة عبر أمازون، والنقل الحضري عبر أوبر. معظم هذه الشبكات مملوكةٌ لشركاتٍ احتكاريّةٍ متعدّدة الجنسيّات مقرّها الولايات المتّحدة. تجمع هذه الشركات بيانات خام مجانيّة من الدول النامية، وتحوّلها إلى خبرةٍ رقميّة، تسُتخدم بعد ذلك لإعادة تنظيم جميع الصناعات والهيمنة عليها. إلى جانب ترسيخ استراتيجيّة الاستغلال الاقتصادي للدول النامية، فإنّ هذا النوع الجديد من الاعتماد الرقميّ له آثارٌ سياسيّةٌ واجتماعيّةٌ وثقافيّةٌ كارثيّة. لا تزال الدول النامية على هامش عمليّات الحوكمة الرقميّة، دون هدفٍ أو خططٍ جماعيّة. في الواقع، يواصل العالم المتقدّم تحديد معايير المجتمع الرقمي العالمي ومبادئ سياساته بناءً على أولوياته ومنظوره الاستراتيجي. إذا استمرت الاتجاهات الحالية، فستُجبر الدول النامية على الاعتماد بشكلٍ كبيرٍ على التكنولوجيا الرقميّة[46].
في ظلّ الاستعمار الرقمي، تنُشئ القوى الأجنبيّة، بقيادة الولايات المتّحدة، بنيةً تحتيّةً في دول الجنوب العالمي مصُممةً خصيصًا لتلبية احتياجاتها؛ ممّا يُمكّنها من الهيمنة الاقتصاديّة والثقافيّة مع فرض أشكال حوكمةٍ مخُصخصة. ولتحقيق هذه المهمّة، تصمم الشركات الكبرى التكنولوجيا الرقميّة لضمان هيمنتها على الوظائف الحيوية في النظام البيئي التكنولوجي[47].

وادي السيليكون: الأداة التقنية للهيمنة والقوة الناعمة» تجسد عمالقة التكنولوجيا الأمريكية، مثل Google وMeta وAmazon، نمطاً حديثاً من القوة الناعمة التي تتجاوز السيادة الوطنية؛ فهي لا تكتفي بالسيطرة على البنى التحتية الرقمية العالمية، بل تحتكر المنصات التي تعيد صياغة السلوك الاجتماعي والاقتصادي في أفريقيا. وما يعمق هذا النفوذ هو «التواطؤ المؤسسي» بين الشركات والدولة؛ إذ كشفت تسريبات (سنودن) عن تنسيق وثيق بين وكالات الأمن الأمريكية وهذه الشركات، مما يحولها من كيانات اقتصادية إلى أدوات استخباراتية ورقابية عابرة للحدود، تمارس أدواراً سياسية تخدم الأجندات الدولية.
لم يقتصر الانتشار المتسارع لشركات التكنولوجيا في الأسواق الناشئة على عروض الاتصال والبنية التحتية السخيّة المقدّمة للسكّان فحسب، بل وفرّت شركات التكنولوجيا العملاقة أيضًا بنيةً تحتيّةً رقميّةً لعشرات الحكومات، بدءًا من الخدمات السحابيّة ووصولًا إلى حزم البريد الإلكتروني والمكاتب المتكاملة. قد قادت أمازون ومايكروسوفت هذه العمليّة، وتبعتهما فيسبوك وجوجل بفارقٍ ضئيل. إنّ قيام دولة بأكملها بتفويض خدماتها الرقميّة لشركةٍ أجنبيّةٍ أمرٌ مثيرٌ للقلق. إذ لا يقتصر دور الشركة على التعامل مع وثائق حكوميّةٍ بالغة الحساسيّة فحسب، بل تمتلك أيضًا معلوماتٍ بالغة الأهميّة تتعلّق بالدولة بأكملها[48]. وهو ما يشكّل خطرًا على الأمن القومي للدول الإفريقيّة بصفةٍ خاصّةٍ والدول الخاضعة للهيمنة التكنولوجيّة الغربيّة في الجنوب لعالمي بصفةٍ عامّة، حيث تصبح جميع المصالح والبيانات الحكوميّة تحت سيطرة الدول المهيمنة تكنولوجيًّا.

خامسًا: النموذج الرقميّ الصينيّ
يعتمد نهج الصين في الاستعمار الرقميّ على آليةٍ موازيةٍ ومتميزة، مستغلّةً التوسّع التكنولوجي المدعوم من الدولة لترسيخ نفوذها في دول إفريقيا. وخلافًا لهيمنة الشركات الأمريكيّة القائمة بشكلٍ استراتيجيّ مشاريع البنية التحتيّة (DSR) على السوق، تدمج مبادرة طريق الحرير الرقميّ الصينيّة الرقميّة التي ترعاها الدولة، بطموحاتٍ جيوسياسيّةٍ أوسع. من خلال تصدير شبكات الاتصالات، والحوسبة السحابيّة، وتكنولوجيا المراقبة، ونماذج الحوكمة القائمة على الذكاء الاصطناعيّ، تُرسي الصين اعتمادياتٍ طويلة الأمد على نظامها البيئيّ الرقميّ؛ ممّا يشُكل ليس فقط المشهد التكنولوجيّ، بل أيضًا الأطر التنظيميّة في الدول المضيفة. تحت راية السيادة السيبرانيّة، تُروّج بكين لرؤية للإنترنت تُعطي الأولويّة لسيطرة الدولة على المساحات الرقميّة، متُحديةً النموذج المفتوح واللامركزي الذي طالما دافع عنه الغرب. يلزم قانون الأمن السيبراني لعام 2016 شركات التكنولوجيا الصينيّة بمشاركة البيانات مع الدولة؛ ممّا يُثير المخاوف بشأن جمع المعلومات الاستخباراتيّة السريّة والتأثير السيبراني الاستراتيجي يبُرز هذا النظام الرقمي المتطوّر كيف أنّ أشكال الاستعمار المعاصرة لم تعد تعتمد على الاحتلال الإقليميّ، بل على احتكار تدفّقات البيانات، والحوكمة الخوارزميّة، والسيطرة على البنى التحتيّة؛ ممّا يدُيم التفاوتات العالميّة من خلال بنية القوة الرقميّة[49].

الدولة كمحرك للتحول الرقمي: بعكس النموذج الأمريكيّ القائم على السوق الحرّة، يرتكز النموذج الصينيّ على تدخّل الدولة المباشر في دعم شركات التكنولوجيا مثل Huawei وAlibaba وغيرهم، بما يخدم رؤيةً سياسيّةً وأمنيّة.
الرقابة والضبط الاجتماعي: تمثّل التجربة الصينيّة في الرقابة الرقميّة نموذجًا متكاملًا للضبط السلوكي، عبر نظم التصنيف الاجتماعيّ، والكاميرات الذكيّة، والتحكّم الكامل في تدفّق المعلومات.
طريق الحرير الرقمي: ضمن مبادرة الحزام والطريق، تروّج الصين لبنيتها التحتية الرقميّة في إفريقيا وآسيا، ما يمكنها من بناء مناطق نفوذٍ رقميّ خاضعةٍ لنموذجها السلطويّ.
تنافس استراتيجي مع الغرب: يشكّل التمدّد الصيني الرقميّ تحدّيًا للنموذج الأمريكي، ما يحوّل الجنوب العالمي إلى ساحة مواجهةٍ رقميّةٍ بين قوّتين، كلّ منهما تحمل أجندةً وهيمنةً مختلفةً في الشكل، متشابهة في المضمون.
الاختراق التكنولوجيّ الصينيّ في أفريقيا من شأنه أن يثير شبح (الاستعمار الرقمي الجديد) - تطبيق الصين للضغط الاقتصاديّ والسياسيّ من خلال التكنولوجيا من أجل السيطرة والتأثير على تصرّفات الدول الأفريقيّة. يتّخذ الاستعمار الرقميّ الصينيّ الجديد في أفريقيا شكل ثلاثة عناصر رئيسة، وهي: أولًا، الترويج للنموذج الصيني المتمثّل في (سيادة الإنترنت) في الدول الأفريقيّة؛ ثانيًا، تصدير تكنولوجيا المراقبة الاستبداديّة. إلى الدول الأفريقيّة. ثالثًا، نشر تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي وتقنيات استخراج البيانات في جميع أنحاء أفريقيا[50].

لقد نجحت الصين في تقويض التصوّر السائد بأنّ التكنولوجيا سوف تلعب دور القوّة الديمقراطيّة العظيمة؛ ممّا يؤدي إلى زيادة الحريّة والشفافيّة والمشاركة. في الصين تجلب التكنولوجيا المراقبة والتحكّم. طُرحت عبارة (سيادة الإنترنت) لأوّل مرةٍ في النقاش العام في يونيو 2010، عندما نشرت الصين ورقةً بيضاء أكّدت فيها على أولوية حقّها في إدارة الإنترنت داخل حدودها وإبقائه تحت سيطرة صارمة. وجاء في هذه الورقة البيضاء أنّ «الإنترنت، داخل الأراضي الصينيّة، يخضع لسلطة السيادة الصينيّة. وينبغي احترام وحماية سيادة الصين على الإنترنت». وجاء في القرار: «إنّ القوانين والأنظمة تحظر بوضوح نشر المعلومات التي تحتوي على محتوى من شأنه تقويض سلطة الدولة، أو تقويض الوحدة الوطنيّة أو انتهاك الشرف والمصالح الوطنيّة».
لقد نجحت الدولة الصينيّة في بناء نسخةٍ وطنيّةٍ من الإنترنت معزولة عن الإنترنت العالمي، تتمتع الدولة بالسيطرة الكاملة عليها[51].

التكنولوجيا الصينيّة في أفريقيا
تقوم الصين بدورٍ كبيرٍ في الأوضاع في أفريقيا حيث تقوم الشركات الصينيّة بالتجارة والاستثمار في البلدان الأفريقيّة. تتهم بعض التعليقات المساعدات الصينيّة بالمساعدة في دعم الحكومات الشموليّة، وبناء البنية الأساسيّة ذات الجودة الرديئة، وتوظيف العمّال الذين يتم جلبهم من الصين، والتركيز على إحسانها بشكلٍ أساس على البلدان التي تمتلك النفط والمعادن والموارد الطبيعيّة الأخرى[52].
لقد نما الوجود الصيني في أفريقيا بشكلٍ مطرّدٍ على مدى فترة عشرين عامًا. أصبحت الصين أكبر مصدرٍ لتمويل مشاريع البنية التحتيّة في أفريقيا. وفي كلّ مكانٍ تظهر الأدلة على تأثيرها، حيث تحتضن الحكومات الأفريقيّة عرض الخبرة الصينيّة والقروض الميسرة. ترعى الصين آلافًا من الجيل القادم من القادة والبيروقراطيين والطلّاب ورجال الأعمال الأفارقة للخضوع للتدريب والتعليم في الصين. إنّ الدعم المالي الذي تقدّمه الصين لطلّاب الدراسات العليا الأفارقة لا مثيل له؛ وتستضيف الصين كلّ عامٍ عشرات الآلاف من طلّاب الجامعات والمدارس العليا من أفريقيا، وتقدّم الحكومة الصينيّة سنويًّا آلاف المنح الدراسيّة للطلّاب الأفارقة[53].

لقد قامت شركة هواوي، عملاق الاتصالات الصيني، ببناء من شبكة الجيل الرابع ومعظم شبكات الجيل الثاني والثالث في القارّة، متفوقةً بسهولةٍ على منافسيها الأوروبيين. وعيّنت الحكومة الكينيّة شركة هواوي مستشارًا رئيسًا لخطّتها الرئيسة فيما يتعلّق بتكنولوجيا المعلومات والاتصالات. توفّر شركة الاتّصالات الصينية ZTE للحكومة الإثيوبيّة البنية الأساسيّة التي تمكّنها من مراقبة وممارسة الرقابة على اتّصالات نشطاء المعارضة والصحفيين. المفهوم الصيني لسيادة الإنترنت يُقدّم، على نحوٍ غير مسُتغربٍ، آفاقًا مغريةً للعديد من الحكومات، بما في ذلك في أفريقيا، التي تسعى إلى مكافحة الآثار المحتملة المزعزعة للاستقرار لإنترنت حر، وإلى قمع حريّة التعبير بدلًا من تبنيّ مفهوم إنترنت يلغي الحدود. وتُطبّق هذه الدول الأفريقيّة على نحوٍ متُزايدٍ قواعد وتضع عوائق تعُيق عملها باسم السيادة الوطنيّة، ولكن بهدف السماح للحكومات بتفتيش بيانات مواطنيها والتحكّم فيها كما تشاء[54].

بدأت بعض الحكومات الأفريقيّة بفرض ضرائب على وسائل التواصل الاجتماعيّ لقمع حريّة التعبير. في عام ٢٠١٨، أعلنت حكومات أوغندا وزامبيا وبنين، عن فرض ضرائب جديدةٍ على مستخدمي الإنترنت عبر الهاتف المحمول، ممّا ترك ملايين الأفارقة يكافحون لتغطية تكاليف الاتصال بالإنترنت. وفي أوغندا فرضت الحكومة ضريبةً يوميّةً على استخدام منصّات التواصل الاجتماعيّ مثل فيسبوك وتويتر وواتساب من أجل الحدّ ممّا وصفته بالثرثرة الفارغة[55].
طوّرت شركة الذكاء الاصطناعي الصينيّة Percent Corporation نظامًا ذكيًّا لتصوّر المعلومات وتحليل البيانات لمساعدة حكومة أنغولا في عملية صنع القرار. يقوم هذا النظام بتسجيل البيانات بشكلٍ دقيقٍ وديناميكيّ حول دورة الحياة الكاملة من الميلاد والتعليم والزواج والضمان الاجتماعي لكلّ شخص، بالإضافة إلى المعلومات البيومتريّة للشخص مثل بصمات الأصابع وصورة الوجه. الهدف الظاهري للنظام هو إدارة الموارد السكانيّة، لكن من الواضح أنّ لديها إمكاناتٍ كبيرة من حيث المراقبة وأدوات القمع. وفي العديد من البلدان، وفي ضوء تكاليف تطوير أو الحصول على هذه التقنيات، يُعدّ العرض الصيني مغريًا؛ ولهذا السبب، وبفضل إغراءات القروض السهلة والاستثمارات، أصبحت العديد من البلدان الأفريقيّة تعتمد بشكل شبه كاملٍ على الصين في توفير التكنولوجيا والخدمات. وهم عرضة للضغوط للقبول بالمفهوم الصيني (سيادة الإنترنت). يكمن الخطر الجسيم في أنّه نتيجة لهشاشة الديمقراطيّة في هذه الدول وتاريخها المتواضع في الدفاع عن حقوق الإنسان، فإنّها منفتحةٌ على دروسٍ تتجاوز مجرد الدروس الاقتصادي[56].

خلاصة التكنولوجيا الصينيّة في إفريقيا أنّ الصين تؤدّي دورًا نشطًا في إعادة صياغة النقاش العالمي حول الأمن والحرية والانفتاح من خلال الدعوة إلى نموذجها الخاصّ بسيادة الإنترنت. إنّ التوسّع السريع للتكنولوجيا الصينيّة في مختلف أنحاء أفريقيا يبرر اليقظة من جانب الديمقراطيين. وتسهم أنشطة الصين في خلق إطارٍ يتيح لعددٍ متزايدٍ من البلدان الأفريقيّة اتّباع نموذج حوكمة التكنولوجيا الصيني. ويثير هذا التطوّر احتمال أن يصبح الموقف الصيني تجاه سلطة الدولة هو النموذج السائد الذي ينبغي اتّباعه في تنفيذ الأمن والمراقبة في أفريقيا. والحقيقة الجيوسياسيّة هي أنّه مع وجود مثل هذه الأجزاء الكبيرة من البنية التحتيّة للاتّصالات في القارّة تحت السيطرة الصينيّة، فسوف تجد الدول الأفريقيّة صعوبةً في فصل نفسها عن الصين، إذا فشلت الحكومات الأفريقيّة في تعزيز القيم والمصالح بما يتّفق مع رغبات شعوبها، بما في ذلك حريّة التعبير والمبادرة الحرّة وسيادة القانون، والجرأة نفسها التي تتمتع بها الدول الأخرى.

سادسًا: الجنوب الإفريقي بوصفه ساحة صراعٍ رقميّ
يبدو أنّ مستقبل الاستعمار الرقمي مرتبطٌ بنحوٍ متزايدٍ بالصراع العالمي بين الولايات المتّحدة والصين، وكما جادل جوان أورتيز فرويلر Juan Ortiz Freuler «يبدو أنّ كلّ شيءٍ يشير إلى أنّنا ندخل في حربٍ باردةٍ رقميّة. إذا كان الأمر كذلك، فقد حان الوقت لأن تبدأ الدول الطرفيّة بتشكيل حركةٍ رقميّةٍ غير منحازة. يمكن لهذه الحركة أن تعمل كحاجزٍ بين جمهوريّة الصين الشعبيّة والولايات المتّحدة، سعيًا لحماية قيمة الإنترنت المفتوح، ومساعدتنا على تكييفه ليصبح أداةً لتبادل المعرفة التي يتطلّبها عصرنا، وتوفير الغطاء اللازم بحيث لا تشعر أيّ دولةٍ بأنّها مجُبرةٌ على الانضمام إلى شبكةٍ داخليّةٍ لا تخدم مصالح شعبها»[57].

الأثر على السيادة الوطنيّة؛ تتآكل السيادة الرقميّة في ظلّ استيراد التكنولوجيا دون قدرةٍ على تطويرها محليًّا، وتتحوّل الحكومات إلى مستهلكةٍ لحلولٍ تفرض شروطًا سياسيّةً واقتصاديّة. إنّ آثار استغلال البيانات على مستقبل تنمية الاقتصادات الأفريقيّة متعدّدة الجوانب. ويتمحور أحد المخاوف الرئيسة حول القيمة الاقتصاديّة الناتجة عن بيانات المستخدمين. إذ تستخدم شركات مثل (فيسبوك وجوجل) هذه البيانات وسيلةً لبيع حقّ الوصول للأفراد لشركاتٍ خارجيّةٍ، ومع قيام الكيانات الخارجيّة باستثمار هذه البيانات، فإنّ الأرباح تتدفق في كثيرٍ من الأحيان إلى خارج أفريقيا، ممّا يسهم في انتقال الثروة الرقميّة الذي يؤدّي إلى تفاقم الاختلالات الاقتصاديّة داخل القارّة[58].
وعلاوةً على ذلك، عندما تعتمد أفريقيا بشكلٍ كبيرٍ على شركات التكنولوجيا الدوليّة في البنية التحتيّة والخدمات الرقميّة، يصبح خطر الاعتماد الاقتصادي على هذه الجهات الخارجيّة كبيرًا، يمكن ربط القرارات التي تؤثّر في المجتمعات المحليّة بمصالح جهاتٍ أجنبيّة، ممّا قد يؤثّر على المصير الاقتصادي للدول الأفريقيّة ويتلاعب به. يمكن أن يعُيق استغلال البيانات الابتكار وريادة الأعمال المحليّة. فعندما تُهيمن الكيانات الأجنبيّة على الأسواق الرقميّة وتجمع بياناتٍ واسعة، تواجه الشركات المحليّة عوائق في الدخول والمنافسة. كما تُعيق محدوديّة الفرص نمو شركات التكنولوجيا المحليّة، إذ تمتلك الجهات الأجنبيّة موارد وخبرات وشبكات يصعب منافستها. وقد تُؤدّي هذه الهيمنة إلى تفاوتٍ في الفرص، ويُعيق تطوير منظومةٍ تكنولوجيّةٍ نابضة بالحياة. باختصار، تشمل تداعيات استغلال البيانات على التنمية المستقبليّة لأفريقيا اختلالات اقتصادية، واعتمادًا محتملًا على جهاتٍ خارجيّة، وخنقًا للابتكار المحلّي، وتحدّيات للسيادة الوطنيّة. تبرز هذه العواقب المتعدّدة الجوانب الحاجة إلى نهجٍ شاملٍ واستراتيجي للتعامل مع المشهد الرقمي المتطوّر في أفريقيا[59].

سابعًا: خطورة الاستعمار الرقميّ في الجنوب الإفريقي
في حين أنّ المساعي الرقميّة مفيدةٌ للمجتمع بشكلٍ واضح، إلّا أنّ لها جانبًا مظلمًا في إفريقيا. وفي هذا الصدد، فإنّ أحد أكثر أشكال التكنولوجيا غدرًا هي التقنيات المدعومة بالذكاء الاصطناعي التي يتم استخدمها بثباتٍ من قبل الديكتاتوريات الرقميّة، والتي تصف الحكومات بتتبع حريّات مواطنيها والتحكّم فيها وتقويضها. هناك إشارةٌ إلى أنّ دول مثل جنوب إفريقيا مثل أنغولا وزيمبابوي، تُستخدم التكنولوجيا الصينيّة مثل تلك التي تنتجها Cloud Walk لمراقبة المعارضين السياسيين على نطاقٍ واسع. وفقًا لمسحٍ عالميّ أُجري عام 2020 حول التلاعب بوسائل التواصل الاجتماعي، تلجأ 81 دولةً على الأقل إلى نوعٍ محدّدٍ من أنشطة التصيّد الإلكتروني، يُسمّى (الجنود السيبرانيّة)، 13 منها دول أفريقيّة تُعرّف هذه القوات بأنّها «جهاتٌ حكوميّةٌ أو حزبيّةٌ سياسيّةٌ مكلّفةٌ بالتلاعب بالرأي العام عبر الإنترنت»، وتعمل عبر منصّات التواصل الاجتماعيّ مثل فيسبوك وتويتر[60].

أيضًا هناك انتهاك لقوانين البيانات بسبب الفوائد التي تفوق العقوبات؛ فإنّ وجود لوائح تنظيميّة واسعة النطاق لحماية خصوصيّة البيانات لا يضمن تمامًا التزام الشركات الرقميّة بها إذا كانت فائدة الاختراق تفوق تكلفة العقوبة. تُعدّ أوبر مثالًا على هذا الادّعاء، إذ انتهكت العديد من القواعد في دول مختلفة، واستمرّت في العمل لأنّ تكلفة غرامات إدارة الأعمال أقلّ من فوائدها. تنتشر انتهاكات أوبر القانونيّة عالميًّا، كما يتّضح في قضيّة عام 2016 عندما أدانت محكمةٌ فرنسيّةٌ أوبر لمخالفتها قواعد النقل والحماية الفرنسيّة. وجدت جوجل نفسها في موقفٍ مماثلٍ عندما خطّطت خدمة جوجل بوكس ــ وهي خدمة توزيع كتب إلكترونيّة تديرها جوجل ــ لمسح عددٍ كبيرٍ من الكتب وتحويلها إلى صيغةٍ رقميّة، متجاهلةً قواعد حقوق النشر الخاصّة بها. ورغم غرامة قدرها 3.6 تريليون دولار، مضت جوجل بوكس قدمًا في المشروع. بسبب اختلال التوازن بين حماية البيانات وحريّة الإنترنت، يبدو أنّ هناك انتهاكًا غير مقيّد للقواعد وإساءة استخدام البيانات[61].

يُنظر إلى الرأسماليّة الرقميّة في الجنوب العالمي، وتحديدًا في أفريقيا، بوصفها الشكل الجديد للاستعمار، حيث توجد مواردُ اقتصاديّةٌ هائلةٌ واستغلالٌ للحياة البشريّة ذات القيمة الاقتصاديّة، تمامًا مثل الاستعمار التاريخيّ، الذي يركّز على العمل البشريّ وضمّ أراضٍ شاسعة. حتى في القطاع الرسميّ لاقتصاد العمل المؤقّت، كما يوضّح أنور وجراهام، لا يزال العمّال الأفارقة يواجهون نقصًا في الاستقلاليّة ومساومة القوة الاقتصاديّة في كثيرٍ من النواحي. تشير هذه التناقضات، التي تتجاوز تشابهها مع الاستعمار التاريخيّ، إلى إعادة تمثيل الأساليب الاستعماريّة القديمة كأشكالٍ جديدةٍ من الاستعمار، حيث تظلّ أفريقيا نقطةً محوريّة. إنّ أفريقيا تقع في قلب التفاوت الجغرافيّ العالميّ، وبما أنّ التكنولوجيا مرتبطةٌ عكسيًّا بالثروة الماديّة، وأنّ إنتاج الثروة هو نتاجٌ ثانويّ للتكنولوجيا، فإنّ أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى تستحقّ بالتالي أكثر من مجرد اهتمامٍ سلبيّ في فهم الرأسماليّة الرقميّة العالميّة والاستعمار[62].

من أهمّ المخاوف المتعلّقة بالذكاء الاصطناعي احتماليّة فرضه لنماذج غربيّة لإدارة التراث على الثقافات الأفريقيّة. فالعديد من أنظمة الذكاء الاصطناعي مبنيةٌ على مجموعة بياناتٍ وخوارزميّاتٍ وأطرٍ تفسيريّة تعكس المُثل والممارسات الغربيّة والأولويّات التي تحرّكها قوى السوق. نتيجة لذلك، قد تعجز هذه الأنظمة عن استيعاب الجوانب الفلسفيّة والروحيّة والجماعيّة الفريدة للتراث الأفريقي. على سبيل المثال، قد يُعاد تفسير المفاهيم الأفريقيّة التقليديّة لملكيّة الأراضي، والطقوس المجتمعيّة، والممارسات الروحيّة من منظورٍ غربيّ يعُطي الأولويّة للفردانيّة، والتسليع، والقيمة الماديّة. بهذه الطريقة، يُمكن للذكاء الاصطناعي تجريد التقاليد الأفريقيّة من معانيها العميقة، مخُتزلًا إيّاها إلى مجرد موادّ استهلاكيّةٍ أو ترفيهيّة للجمهور العالمي[63].

تكمن خطورة الاستعمار الرقميّ في الاعتماد على التكنولوجيا الأجنبيّة، اعتمادًا شبه كليٍّ على الشركات الأمريكيّة والصينيّة في البنية التحتيّة والبرمجيّات والمنصّات. فهو الاعتماد الأكثر حدّة؛ لأنّه لا يقتصر على استيراد التقنيات، بل حتى نماذج الحوكمة الرقميّة الجاهزة. ومن المخاطر أيضًا ما يشمل البيانات والسيادة الرقميّة؛ إذ تُستخرج البيانات بلا حماية قانونيّة واضحة، ممّا يخلق استعمارًا ناعمًا طويل الأمد. وإنّ تسرّب البيانات أكثر خطورةً بسبب غياب تشريعات الخصوصيّة الفعّالة، مع تغلغلٍ استخباراتيّ أجنبيّ. وتتمثّل المخاطر أيضًا في الرقابة والسيطرة؛ إذ الرقابة تأتي عادةً من الخارج أو تُفرض بنحوٍ غير مباشرٍ عبر الشروط التقنيّة؛ فتكون الرقابة مزدوجة: خارجيّة من قبل القوى الكبرى، وداخليّة من أنظمةٍ سلطويّةٍ تتحالف مع شركات تكنولوجيا. وهناك أيضًا التهديدات السيبرانيّة، إذ تتعرّض الدول لهجماتٍ إلكترونيّةٍ واستغلال البيانات لصالح الشركات الكبرى. ويهدد الاستعمار الرقميّ الهويّة والخصوصيّات الثقافية واللغويّة للدول الصغيرة. والخطر أكبر في العالم العربي، حيث تخترق المنصّات الغربيّة الوعي الجمعيّ وتعيد تشكيل الهويّة القوميّة والدينيّة.

يمكن إيجاز المخاطر في النقاط الآتية:
- المخاطر الأخلاقيّة المتمثّلة في استخدام الذكاء الاصطناعي في المراقبة الجماعيّة أو التمييز الخوارزميّ.
- الفجوة الرقميّة المتزايدة؛ فعلى الرغم من التقدّم، لا تزال العديد من المناطق الإفريقيّة تفتقر إلى البنية التحتيّة الرقميّة، والانقطاع المتكرر للكهرباء، وضعف شبكات الإنترنت في مناطق كثيرة؛ ممّا يوسّع الفجوة بين المناطق الحضريّة والريفيّة، وبين الدول المتقدّمة والنامية داخل القارّة.
- نقص المهارات البشريّة؛ تفتقر أغلب الدول الإفريقيّة إلى الكوادر البشريّة المتخصّصة في علوم البيانات والبرمجة وتطوير تقنيّات الذكاء الاصطناعي.
- مخاوف اختراق الخصوصيّة واستخدام البيانات الشخصيّة؛ إذ ضعف الأطر القانونيّة والتنظيميّة يجعل من حماية البيانات الشخصيّة تحدّيًا كبيرًا، في ظلّ احتمال سوء استخدام التكنولوجيا لأغراضٍ غير أخلاقيّة أو قمعيّة.
- الاعتماد المفرط على التكنولوجيا المستوردة؛ إذ ما تزال معظم حلول الذكاء الاصطناعي تُستورد من الخارج، ما يعرض إفريقيا لمخاطر التبعيّة التكنولوجيّة والهيمنة الرقميّة.
- غياب الإطار السياسيّ والاستراتيجيّ الشامل؛ تفتقر معظم الدول إلى استراتيجياتٍ وطنيّةٍ واضحةٍ تنظّم استخدام الذكاء الاصطناعي، وتضمن تكامله مع أولويّات التنمية المستدامة.

ثامنًا: مواقف نقديّة ومقاومة رقميّة
نقد الاستعمار الرقمي: تُظهر التجربة الرقميّة أنّ التكنولوجيا ليست محايدة، بل تُصمَّم ضمن أنساقٍ أيديولوجيّة وسياسيّة، وهو ما يتطلّب تفكيك خطاب الحياد التقني الذي تروّج له الشركات الكبرى. يتناول مايكل كويت في كتابه (الاستعمار الرقميّ: الإمبراطوريّة الأمريكيّة والإمبرياليّة الجديدة في الجنوب العالميّ)، المراحل الأربع لهذا الاستعمار الرقميّ، أولها (احتكار سلطة استخراج الموارد متعدّدة الجنسيّات)، وهو شكلٌ جديدٌ من أشكال الاستعمار الرقميّ، وشكلٌ من أشكال الهيمنة الاقتصاديّة، والسيطرة على النظام البيئيّ الرقميّ، بدءًا من الكابلات التي تنقل البيانات إلى إفريقيا أو الأقمار الصناعيّة لشركات البيانات الضخمة مثل جوجل ومايكروسوفت وأبل، ورأسماليّة المراقبة وهيمنة التكنولوجيا. تسمح هذه السبل بالاستعمار، وهو وضعٌ يتفاقم مع استمراره بسبب الإقناع الأمريكي غير المباشر، وما يترتب عليه من إغراقٍ في الفضاء التكنولوجيّ، وهو وضعٌ يفرض بنحوٍ غير مباشرٍ نمط الحياة الأمريكيّ على مستهلكي الحقائق الرقميّة. وقد أدّت هذه المواقف إلى نوعٍ من يوتوبيا الإنترنت التي تتجلّى في المحتوى المنتج في معظم وسط وغرب إفريقيا تحت ستار اتّباع منشئي المحتوى الأمريكيين كما لو كانوا يقولون إنّ إفريقيا في بمستوى التطوّر الأمريكي[64].
يصف مايكل كويت الاستعمار الرقميّ بأنّ ظاهرةً جديدةً خبيثة، تُلقي بظلالها على الجنوب العالميّ. الاستعمار الرقميّ هو شكلٌ هيكليٌّ من أشكال الهيمنة يُمارس من خلال الملكيّة والسيطرة المركزيّة على الركائز الأساسيّة الثلاثة للنظام البيئيّ الرقميّ: البرمجيّات، والأجهزة، والاتّصال الشبكي. إنّ السيطرة على هذه الركائز تمنح الولايات المتّحدة قوةً سياسيّةً واقتصاديّةً واجتماعيّةً هائلة. وبالتالي، تعدّ شركات GAFAM جوجل/ ألفابت، أمازون، فيسبوك، آبل، ومايكروسوفت) وغيرها من الشركات العملاقة، بالإضافة إلى وكالات استخبارات حكوميّة مثل وكالة الأمن القومي (NSA) بمنزلة الإمبرياليين الجُدد في المجتمع الدولي. ويُشكّل الانغماس في المنتجات والنماذج والأيديولوجيات التقنيّة للقوى الأجنبيّة ــ بقيادة الولايات المتّحدة ــ عبئًا اقتصاديًّا هائلا[65]. يجُادل فوبارا- مانويل Fubara- Manuel بأنّ التقاط البيانات قبل أن يصبح حاسوبيًّا، كان استعماريًّا، ويبحث في الدراسات المبكّرة التي تُقدّم استعارة الحوسبة كاستعمار، رابطًا هذا التاريخ بمفاهيم معاصرة مثل (استعمار البيانات). ويدافع فوبارا عن دراساتٍ وأبحاثٍ تتناول الاستعمار كنظام قمعٍ ملموسٍ وموجودٍ مسبقًا، وله إرث بياناتٍ عنيف يستمر من خلال الحوسبة. ويفترض أنّ الأساليب الحاسوبيّة لالتقاط البيانات، وخاصّةً في علاقات ما بعد الاستعمار مثل الهجرة العالميّة، تمثّل استخلاصًا من الدرجة الثانية لشعوب كانت مستعمرةً سابقًا، ولا ينبغي عدّها أمرًا مسلّمًا به في أيّ تحليلٍ متقاطعٍ للبيانات والاستعمار. فوبارا مانويل القائل بأنّ (الأسر قبل أن يصبح حاسوبيًّا، كان استعماريًّا). ويزعم أنّ المنطق الاستعماريّ للاستغلال يمكن إيجاده في السياق التاريخيّ المبكّر للإقطاع في العصور الوسطى. لم يكن المجتمع في العصور الوسطى، الذي نشأ بتسلسلاتٍ هرميّةٍ قويّة، قائمًا على الاستغلال فحسب، بل على أنظمة الظهور والتشهير العلني أيضًا[66].

يواصل لوديك Ludec القول إنّ (استعمار البيانات) مفهومٌ خاطئٌ جوهريًّا. ويستشهد بمثال دراسة ميدانيّة أُجريت في مدغشقر، ليجادل بأنّ مستخدمي الإنترنت الذين يزعم خضوعهم لاستعمار البيانات لا يمكن معاملتهم بالطريقة نفسها التي يُعامل بها منتجو البيانات في مدغشقر. ويجادل بأنّه بدلًا من الحديث عن استعمار البيانات، ينبغي أن نتحدّث عن (استخراج البيانات)، أو (الاستعمار الرقميّ). ويرى أنّ هذين المفهومين الأخيرين يُفسّران بشكلٍ أفضل انغماس الصناعة الرقميّة في آليات القمع الاستعماري التقليديّة[67].
ثم انضمت بريفيني Brevini إليهم لتجادل بأنّه ليس مجرد سوء فهمٍ جوهريّ، بل هناك فجوة في مفهوم استعمار البيانات فيما يتعلّق بالبيئة. وتجادل بأنّ هناك حاجةً إلى تدخّلٍ في خطاب استعمار البيانات؛ لتقديم نقدٍ للعدالة البيئيّة يأخذ في الاعتبار الأضرار البيئيّة الجسيمة لتطوير تقنيات الاتّصال القائمة على البيانات؛ إذ تعتمد تقنيات الاتّصال، بجميع أشكالها المتنوّعة، على مساحاتٍ شاسعةٍ من الأراضي والبحار، وآلات وبنى تحتيّة تصدر غازاتٍ دفيئة؛ ممّا يستنزف الموارد النادرة في إنتاجها واستهلاكها والتخلّص منها. وهي تتطلّب كمياتٍ متزايدةً من أنّها تلفت انتباه، الطاقة والمياه والموارد المحدودة القارئ إلى الطرق المتنوّعة التي تؤثّر فيها تقنيات البيانات ــ بما في ذلك نماذج الذكاء الاصطناعي كثيفة الاستهلاك للطاقة ومراكز البيانات ــ على البيئة، والتي تتجاوز بكثير انبعاثات الكربون الخاصّة بها[68].

الحركات الرقميّة المناهضة للاستعمار: تنتشر حركاتٌ رقميّةٌ مناهضةٌ للهيمنة التكنولوجيّة، تنادي بحقوق المستخدمين، وشفافيّة الخوارزميّات، وحماية البيانات، وتعدّ هذه الحركات امتدادًا جديدًا للنضال التحرّري. ثمّة حاجةٌ ملحّةٌ إلى تصوّرٍ أفريقيّ لواقعه في المجال الرقميّ. والبدء في التفكير في هذا السياق، يدفع المرء إلى التأمّل في الفلسفات أو المفاهيم الأفريقيّة السابقة، وتقييم مدى قدرتها على تمثيل الواقع الأفريقيّ في المجال الرقميّ. فإذا أخذنا مثالًا مفهوم (الزنوجة)، فلن يكون قادرًا على تقديم ميزةٍ واضحةٍ لأفريقيا؛ إذ أصبح مع مرور الوقت عتيقًا. وإذا اعتمدنا على (أوجاما) نيريري، التي يدعو فيها نيريري إلى إنشاء قريةٍ أفريقيّة، فستظلّ هذه الفكرة عاجزةً عن تمثيل الصورة الأفريقيّة في المجال الرقميّ؛ لأنّها تضمن لأفريقيا البدء من الصفر، وأن تكون في حالةٍ من العزلة التكنولوجيّة. على الرغم من ذلك، يبدو أنّ كتاب (الضمير) لنكوامي نكروما، الذي يدعو فيه إلى تبنّي ما هو غربيّ مع إضفاء ضميرٍ أفريقيّ عليه، مناسبٍ لتشكيل الأساس الفلسفيّ الذي يمكن من خلاله محاولة طرح فكرة (الأفريقيّة الرقميّة). وللمضي قدمًا في هذا، من المهم التأكيد على أنّ كتاب كواسي وريدو (تفكيك الاستعمار المفاهيميّ للفلسفة الأفريقيّة) يشير إلى ثلاث مجالاتٍ للاستعمار؛ أوّلها الدين، ثم التعليم، والديمقراطية. وعلى هذه الخلفيّة، يضاف المجال الرابع للاستعمار، وهو المجال الرقميّ؛ لذا نقترح (الأفريقيّة الرقميّة). تؤكّد (الأفريقيّة الرقميّة) على الاستشراق/الاستعمار الرقميّ، لكنها تتجنّب الخوض في ألعاب إلقاء اللوم التي يعتقد فيها قطّاعٌ عريضٌ من النقّاد الأفارقة أن جميع مشاكل أفريقيا تنبع من الغرب. بدلًا من ذلك، تحتفي بإمكانيّة مشاركة الأفارقة في إنشاء المحتوى الرقميّ، لكنّها تدعو إلى وعي أفريقيّ نقديّ في هذه العمليّة[69].

مقاومة التبعيّة الثقافيّة: تسعى بعض الدول والمجتمعات إلى تعزيز الإنتاج الثقافيّ الرقميّ المحلّي، وتشجيع المحتوى بلغات السكّان الأصليّين، وتطوير منصّاتٍ مستقلةٍ تُعبّر عن الهويّات المتنوّعة. أدركت بعض البلدان أهميّة تأكيد الملكيّة والوكالة في المجال الرقميّ، وتقوم الآن ببعض المبادرات والاستجابات لتشكيل مستقبلها الرقميّ؛ فلقد اتّخذت نيجيريا خطوةً مهمّةً في تطوّرها الاقتصاديّ مع إطلاق سياسة واستراتيجيّة الاقتصاد الرقميّ (مجموعة القمّة الاقتصاديّة النيجيريّة)، وقد صُمّم هذا الإطار الاستراتيجيّ لتسخير قوّة التقنيّات الرقميّة لتنويع اقتصاد البلاد. ويركّز على مجالاتٍ حيويّةٍ مثل تطوير المهارات الرقميّة، وتعزيز التجارة الإلكترونيّة، وتهيئة بيئةٍ تنظيميّةٍ داعمة. وحقّقت كينيا سابقةً من خلال منصّتها (Huduma Kenya)؛ ممّا يقلّل من العوائق البيروقراطيّة، ويعزّز الكفاءة الإداريّة، ويسمح بسهولة الوصول إلى الخدمات الحكوميّة للمواطنين. وفي جنوب أفريقيا، يوجد قانون حماية البيانات، وقانون حماية المعلومات الشخصيّة (POPIA) الذي يحمي حقوق خصوصيّة الأفراد للمواطنين. وفي الوقت نفسه، يتّضح التزام رواندا بتعزيز نظامٍ بيئيّ للابتكار من خلال مبادراتٍ مثل (مدينة كيغالي للابتكار)، و(أكاديمية رواندا للترميز).

تؤدّي هذه الجهود دورًا فعّالًا في تنمية القوى العاملة الماهرة في مجال التكنولوجيا ودفع نمو القطاع الرقميّ. وعلى المستوى القاريّ، أطلق الاتّحاد الأفريقيّ استراتيجيّة التحوّل الرقميّ، ممّا يُشير إلى التزامٍ جماعيّ بتسريع التطوّر الرقميّ في أفريقيا. تشمل هذه الاستراتيجية جهودًا لتنسيق السياسات الرقميّة بين الدول الأفريقيّة وتعزيز تطوير البنية التحتيّة الرقميّة الحيويّة. تُظهر هذه الأمثلة أنّ الدول والمنظمات الأفريقيّة تعمل بنشاطٍ لتأكيد فاعليّتها في المجال الرقميّ. فمن خلال تطبيق السياسات، وتشجيع الابتكار، والاستثمار في البنية التحتيّة الرقميّة، تهدف هذه الدول إلى صياغة مستقبلها الرقميّ الخاصّ، وتعظيم فوائد العصر الرقميّ لمواطنيها واقتصاداتها[70].

إنّ مستقبل أفريقيا الرقميّ يواجه تحدّياتٍ كبيرةً، وفي ضوء هذه التحدّيات، تتّضح ضرورة مساهمة أفريقيا في رسم مستقبل القارّة الرقميّ من خلال:
تعزيز الابتكار المحليّ: من أهمّ أسباب دعم الوكالات الأفريقيّة في المجال الرقميّ ضرورة تعزيز الابتكار المحليّ. إنّ الاعتماد على التكنولوجيا الأجنبيّة قد يُعيق الإبداع وريادة الأعمال المحلّيّة. وللتغلّب على هذه العقبة، يجب على الدول الأفريقيّة إعطاء الأولويّة لتطوير الحلول التكنولوجيّة المحليّة والشركات الناشئة.
حماية السيادة الرقميّة: يجب على الدول الأفريقيّة حماية سيادتها الرقميّة لمنع أيّ تأثيرٍ أو سيطرةٍ خارجيّةٍ غير مبرّرة. ويشمل ذلك سنّ سياساتٍ ولوائح تحمي البيانات الحسّاسة، وتشجّع على توطينها، وتضمن توافق مشاريع البنية التحتيّة الرقميّة مع المصالح الوطنيّة.
سدّ الفجوة الرقميّة: لسدّ الفجوة الرقميّة التي تؤثّر بنحوٍ غير متناسبٍ في المجتمعات المهمّشة، يجب على الحكومات الأفريقيّة أن تعمل بنحوٍ استباقيّ على توسيع نطاق الوصول إلى الإنترنت والوعي الرقميّ في جميع أنحاء القارّة. يُعدّ هذا ضرورةً اقتصاديّةً ووسيلةً لضمان العدالة الاجتماعيّة[71].
تعزيز تطوير البنية التحتيّة الرقميّة المحليّة: في حين أنّ الشراكات الدولية قادرةٌ على تسريع تطوير البنية التحتية الرقميّة، يجب على الدول الأفريقيّة أن تؤدّي دورًا محوريًّا في تشكيل بيئتها الرقميّة. من شأن هذا النهج أن يعزّز الحلول المصمّمة خصيصًا للسياق الأفريقيّ؛ ممّا يدفع عجلة النمو المستدام لتعزيز ثقافة التقدّم التكنولوجي من الداخل. بالإضافة إلى ذلك، ينبغي أن يكون التعاون مع الجهات الفاعلة الخارجيّة منصفًا وشفّافًا ومتماشيًا مع أهداف التنمية الوطنيّة.
تشجيع التعليم والبحث: ينبغي للدول الأفريقيّة الاستثمار في التعليم والبحث لبناء أساسٍ متينٍ في مجال التقنيات الرقميّة. ويشمل ذلك تشجيع تطوير منظوماتٍ من المهارات الرقميّة تتجاوز البرمجة الأساسيّة. ومن مجالات التدخّل الاستراتيجيّ لمنع الاستعمار الرقميّ التعليم وتوفير المعرفة التي تُسهم في بناء المجتمع الرقميّ. وينبغي للدول منخفضة الدخل ألّا تتخلّى عن إمكانيّة المشاركة الفاعلة في الإبداع الرقميّ. وينبغي تزويد الأطفال بالأدوات وتدريبهم على استخدام التكنولوجيا المحايدة لإتاحة خياراتٍ لهم في المستقبل[72].

المشتريات العامّة لتغيير قواعد اللعبة ولامركزية قوة التكنولوجيا: ينبغي أن يكون دور الاستثمار العام والمشتريات جزءًا أساسيًّا من خطّة لمكافحة الاستعمار الرقميّ. عند وضع خطّةٍ مستقبليّة، ينبغي على الحكومات التي تسعى لاستعادة السيطرة على البنية التحتيّة الحيويّة أن تضع المصلحة العامّة في المقام الأول عند تقييم الاستثمارات الجديدة في التكنولوجيا. ينبغي عليها الاستثمار في بنيتها التحتيّة الخاصّة لنقل البيانات، على الأقلّ فيما يتعلّق بمعلومات الحكومة، وكذلك معلومات القطاعات الاستراتيجيّة. وينبغي عليها إعطاء الأولويّة وخلق حوافز لإنشاء مراكز بيانات إقليميّة، وللمطوّرين المحليين والصناعات المحليّة لتقديم الخدمات والمعدات. ومن ثم ينبغي وضع إطار عملٍ لمكافحة الضغط لتنظيم التبرعات التكنولوجيّة ومشاريع المساعدات، وخاصّة الكبيرة منه. ينبغي ــ كخطوةٍ فوريّة ــ توجيه الاهتمام إلى ممارسات شركات التكنولوجيا العملاقة، وكشف دسائسها، والتشكيك في رواياتها، ولا سيّما فيما يتعلّق بالتعليم التقني وسدّ الفجوة الرقميّة، بدلًا من الاحتفاء (بمبعوثي التكنولوجيا)، وينبغي على وسائل الإعلام وجماعات المناصرة التدقيق عن كثبٍ في هذه الزيارات وتفاعلات شركات التكنولوجيا مع الحكومات.
عصر مختلف من التعاون الرقميّ: ويكون عبر التعاون بين الدول لتطوير وصيانة البنية التحتيّة الرقميّة العامة، ووضع أجندةٍ رقميّةٍ متعدّدة الأطراف أكثر مرونة. هناك حاليًا نقصٌ في التنسيق العالمي ضدّ الاستعمار الرقميّ خارج نطاق نظام منظمة التجارة العالميّة. هناك العديد من الهيئات المختلفة التي تؤدّي دورًا مهمًّا في تشكيل مستقبلنا الرقمي، من هيئات وضع المعايير إلى مؤسّسات مثل اليونسكو، والأونكتاد. لا تقتصر الأجندة الرقميّة العالميّة على التجارة فحسب، بل يجب أن تأخذ أيضًا في الاعتبار التنمية والتعاون، وحتى بناء السلام. ينبغي تمويل ابتكارات القطّاع العام وتشجيعها عالميًّا بشكلٍ جيّد، وتشجيع التبادل بين القطّاعين العام والخاصّ لإيجاد شكلٍ جديدٍ من أشكال التعاون التقني[73].
باختصار، يتطلّب الحد من الاستعمار الرقميّ وتعزيز مستقبلٍ رقميٍّ خالٍ من الاستعمار في أفريقيا مزيجًا من الاستراتيجيات التنظيميّة والتعليميّة والاقتصاديّة. فمن خلال إعطاء الأولويّة للسيادة الرقميّة، والاستثمار في البنية التحتيّة الرقميّة، وتشجيع الابتكار المحليّ وتنمية المهارات، يمكن للدول الأفريقيّة تعزيز سيطرتها على مصيرها الرقميّ، وإطلاق العنان لكامل إمكانات العصر الرقميّ لمجتمعاتها واقتصاداتها[74].

خاتمة
يكشف تحليل الاستعمار الرقمي عن أنّ الهيمنة التكنولوجيّة ليست مسألة أدواتٍ أو تطبيقاتٍ فحسب، بل هي امتدادٌ للسيطرة الاقتصاديّة والسياسيّة والثقافيّة. وبينما تَعِد التكنولوجيا بفرصٍ هائلةٍ للتنمية، فإنّ غياب التمكين المحليّ يحوّل هذه الوعود إلى أدواتٍ جديدةٍ للإخضاع. إنّ العدالة الرقميّة لا تُمنح بل تُنتزع عبر سياساتٍ نقديّةٍ وممارساتٍ مقاومة، تُعيد التوازن لعالمٍ اختُرقت حدوده الرقميّة بلا استئذان.
إنّ ما نشهده اليوم هو تحوّلٌ من استعمار الأرض إلى استعمار البيانات، ومن احتلالٍ مباشرٍ إلى احتلالٍ رقميٍّ ناعم، تمارسه قوى عالميّة باسم التنمية والتقدم.
لقد أظهرت هذه الدراسة أنّ الهيمنة الرقميّة الأمريكيّة تعتمد أساسًا على قوّة الشركات التكنولوجيّة العملاقة مثل ( Google، وMeta، وMicrosoft) التي تسيطر على الفضاءات الافتراضيّة، وتفرض أنماطًا ثقافيّةً ومعرفيّةً عالميّةً تهمّش الإنتاج المحلّي، بينما تميل الهيمنة الصينيّة إلى استخدام النفوذ الاقتصاديّ والمشروعات التحتيّة عبر شركات مثل ( Huawei، وZTE)، مدعومة بتمويلاتٍ ضخمةٍ وسياسات شراكةٍ استراتيجيّةٍ مع الحكومات الإفريقيّة. ورغم اختلاف الأسلوبين، فإنّ النتيجة واحدة: تعزيز الاعتماد الإفريقيّ على الخارج، وتقييد إمكانيات بناء سيادةٍ رقميّةٍ حقيقيّة.
كما بيّنت الدراسة أنّ هذه المنافسة الثنائيّة ليست مجرد صراعٍ بين قوّتين عظميين، بل هي أيضًا اختبارٌ لقدرة إفريقيا على صياغة مستقبلها الرقميّ وفقًا لأولويّاتها التنمويّة والأمنيّة والثقافيّة. فغياب استراتيجيّاتٍ رقميّةٍ موحّدةٍ على مستوى الاتّحاد الإفريقيّ، وضعف التشريعات المحليّة لحماية البيانات، وانعدام الاستثمار الكافي في البحث العلميّ والبنية الرقميّة المحليّة، كلّها عوامل تجعل القارّة عرضةً لإعادة إنتاج التبعيّة الرقميّة بأشكالٍ متعدّدة.
إنّ مستقبل إفريقيا الرقميّ لن يُحسم فقط في مراكز القرار في واشنطن أو بكين، بل على أرض القارّة نفسها، من خلال الإرادة السياسيّة، والاختيارات الإستراتيجيّة، والقدرة على تحويل التحوّلات التكنولوجيّة العالميّة إلى أدواتٍ للتمكين لا للاستلاب. وهنا تكمن أهميّة بلورة مشروعٍ إفريقيّ جماعيّ يضع السيادة الرقميّة في صميم الأمن القوميّ والتنمية المستدامة، ويجعل من التكنولوجيا وسيلةً للتحرّر، لا أداة لإعادة إنتاج الاستعمار بثوبٍ معاصر.
إنّ نقد الاستعمار الرقميّ لا يعني رفض التكنولوجيا، بل يعني مساءلة علاقتها بالقوة، وتفكيك من يتحكّم في أدواتها ويوجّه غاياتها. فالمعركة ليست بين (تقدّم وتأخّر)، بل بين (استقلالٍ وتبعيّة)، و(تحكّمٍ ذاتيّ، وهيمنةٍ خارجيّة). إنّ إنهاء التبعيّة الرقميّة ليس خيارًا تقنيًّا فحسب، بل هو خيارٌ سياديّ، حضاريّ مصيريّ، يحتاج إلى رؤيةٍ بعيدة المدى، وإرادةٍ سياسيّةٍ تتجاوز منطق السوق إلى منطق الاستقلال والمصلحة العامة.

المصادر والمراجع
African Union. (2020).THE DIGITAL TRANSFORMATION STRATEGYFOR AFRICA (2020–2030).
Avila, Renata. (2020). Against Digital Colonialism. Platforming Equality.
Banos, Alejandro Mayoral. (2023). Data colonialism is not a metaphor: Remembering colonialism and why it matters in the digital ecosystem. In Resisting Data Colonialism – A Practical Intervention. Amsterdam: The Institute of Network Cultures.
Benedetta Brevini, Irene Fubara- Manuel, Clément Le Ludec, Jakob Linaa Jensen, Andrea Jimenez, and Jo Bates. (2024). Critiques of Data Colonialism. In DIALOGUES IN DATA POWER. Britain: Bristol university press.
Coleman, Danielle. (2019). Digital Colonialism: The 21st Century Scramble for Africa through the Extraction and Control of User Data and the Limitations of Data Protection Laws, Michigan Journal of Race and Law. Vol. 24. https://repository.law.umich.edu/mjrl/vol24/iss2/6.
Dahiya, Bhavna. (2023). Digital Colonialism: Neo-Colonialism of the Global South. https://www.researchgate.net/publication/370938813
Fonyuy, Banla Samuel. (2024). Oscillating between Racism, Colonialism, and Digital Colonialism: towards Theorizing Digi-Africanism. International Journal of Humanities Social Sciences and Education (IJHSSE). Vol. 11. Issue .5. PP. 74-83.
Gravett, Willem. (2020). Digital neo-colonialism: The Chinese model of internet sovereignty in Africa. African Human Rights Law Journal 125-146. http://dx.doi.org/10.17159/1996-2096/2020/v20n1a5.
Kalema, Nai Lee. (2023). Intersections of Data Power: Unmasking the Nexus of Data Colonialism and Digital Racial Capitalism. In In Resisting Data Colonialism – A Practical Intervention. Amsterdam: The Institute of Network Cultures.
Kenny, Bríd. (2022). Digital Colonialism. Æther Journal - Issue 1.
Köppert, Katrin. (2021). Digital Colonialism – In Visual Culture.
Kwet, Michael. (2019). Digital colonialism: US empire and the New Imperialism in the Global South. https://ssrn.com/abstract=3232297.
Navigating Digital Neocolonialism in Africa. (2024). CIGI. Tyler Stevenson.
NDUBISI, Ejikemeuwa J. O. (2024). ARTIFICIAL INTELLIGENCE AND THE MANAGEMENT OF AFRICAN CULTURAL HERITAGE: TOWARDS ECONOMIC GROWTH AND DEVELOPMENT. Journal of African Studies and Sustainable Development Vol. 7, No. 5.
Obi, Paul A. (2024). Labouring and Smiling: Re-Imagining Digital Colonialism in Af- rica, Silicon Valley Big Techs, and the Politics of Prosumer Capitalism in Nigeria. Triple C. 22 (1): 381-395.
Ogunbukola, Matthew. (2024). Digital Africa: Transforming the Continent through Technology. https://www.researchgate.net/publication/381339406.
Ruth Karachi Benson Oji & Nzeaka, Emmanuel Ezimako. (2020). Digital Colonialism on Digital Natives: A WhatsApp Usage Perspective. UJAH. Vol. 21. No.1.
Salami, Aishat Oyenike. (2024). Artificial intelligence, digital colonialism, and the implications for Africa’s future development. Cambridge University Press. https://doi.org/10.1017/dap.2024.75.
Susan Brokensha, Eduan Kotzé, Burgert A. Senekal. (2023). AI in and for Africa A Humanistic Perspective. CRC Press.
Yılmaz, Ö. (2025). The Origins of Digital Colonialism. İmgelem. Vol. 16. pp. 321-344.
Zia, Samavia. (2025). Digital Colonialism: Reimagining Power, Identity, and Resistance by Decolonizing AI.

---------------------------------------------
[1]. باحثة دكتوراه متخصّصة في الفلسفة الإفريقيّة الحديثة والمعاصرة – كليّة الآداب جامعة القاهرة - مصر.
[2]. Benedetta Brevini, Irene Fubara- Manuel, Clément Le Ludec, Jakob Linaa Jensen, Andrea Jimenez, and Jo Bates. (2024). Critiques of Data Colonialism. In DIALOGUES IN DATA POWER. Britain: Bristol university press. P. 123.
[3]. Coleman, Danielle. (2019). Digital Colonialism: The 21st Century Scramble for Africa through the Extraction and Control of User Data and the Limitations of Data Protection Laws, Michigan Journal of Race and Law. Vol. 24. P. 423. Available at: https://repository.law.umich.edu/mjrl/vol24/iss2/6
[4]. Köppert, Katrin. (2021). Digital Colonialism – In Visual Culture. P. 2.
[5]. Navigating Digital Neocolonialism in Africa. (2024). CIGI. Tyler Stevenson. P. 1.
[6]. Ruth Karachi Benson Oji & Nzeaka, Emmanuel Ezimako. (2020). Digital Colonialism on Digital Natives: A WhatsApp Usage Perspective. UJAH. Vol. 21. No.1. p. 24.
[7]. Ibid. p. 22.
[8]. Kenny, Bríd. (2022). Digital Colonialism. Æther Journal - Issue 1. P. 40.
[9]. Ibid. P. 36.
[10]. Coleman, Danielle. (2019). P. 421.
[11]. Navigating Digital Neocolonialism in Africa. (2024). CIGI. Tyler Stevenson. P. 2.
[12]. Salami, Aishat Oyenike. (2024). Artificial intelligence, digital colonialism, and the implications for Africa’s future development. Cambridge University Press. P. 1. https://doi.org/10.1017/dap.2024.75
[13]. Kwet, Michael. (2019). Digital colonialism: US empire and the New Imperialism in the Global South. P. 4. https://ssrn.com/abstract=3232297
[14]. Navigating Digital Neocolonialism in Africa. (2024). P. 2.
[15]. Zia, Samavia. (2025). Digital Colonialism: Reimagining Power, Identity, and Resistance by Decolonizing AI. P. 132.
[16]. Fonyuy, Banla Samuel. (2024). Oscillating between Racism, Colonialism, and Digital Colonialism: towards Theorizing Digi-Africanism. International Journal of Humanities Social Sciences and Education (IJHSSE). Vol. 11. Issue .5. PP. 74-83. P. 80.
[17]. Yılmaz, Ö. (2025). The Origins of Digital Colonialism. İmgelem. Vol. 16. pp. 321-344. P. 331.
[18]. Obi, Paul A. (2024). Labouring and Smiling: Re-Imagining Digital Colonialism in Af- rica, Silicon Valley Big Techs, and the Politics of Prosumer Capitalism in Nigeria. Triple C. 22 (1): 381-395. P. 385.
[19]. Banos, Alejandro Mayoral. (2023). Data colonialism is not a metaphor: Remembering colonialism and why it matters in the digital ecosystem. In Resisting Data Colonialism – A Practical Intervention. Amsterdam: The Institute of Network Cultures. P. 14.
[20]. Ibid. P. 16.
[21]. Ibid. P. 18.
[22]. Ibid.
[23]. Ibid. P. 19.
[24]. Kalema, Nai Lee. (2023). Intersections of Data Power: Unmasking the Nexus of Data Colonialism and Digital Racial Capitalism. In In Resisting Data Colonialism – A Practical Intervention. Amsterdam: The Institute of Network Cultures. P. 21.
[25]. Ibid. P. 26.
[26]. Benedetta Brevini, Irene Fubara- Manuel, Clément Le Ludec, Jakob Linaa Jensen, Andrea Jimenez, and Jo Bates. (2024). P. 124.
[27]. African Union. (2020).THE DIGITAL TRANSFORMATION STRATEGYFOR AFRICA (2020–2030). P.3.
[28]. Ogunbukola, Matthew. (2024). Digital Africa: Transforming the Continent through Technology. P. 10. https://www.researchgate.net/publication/381339406
[29]. Zia, Samavia. (2025). P. 137.
[30]. Ibid. P. 138.
[31]. Coleman, Danielle. (2019). P. 426.
[32]. Salami, Aishat Oyenike. (2024). P. 2, 3.
[33]. Ibid. P. 3, 4.
[34]. Susan Brokensha, Eduan Kotzé, Burgert A. Senekal. (2023). AI in and for Africa A Humanistic Perspective. CRC Press. P. 20.
[35]. Salami, Aishat Oyenike. (2024). P. 3.
[36]. Susan Brokensha, Eduan Kotzé, Burgert A. Senekal. (2023). P. 17.
[37]. Yılmaz, Ö. (2025). The Origins of Digital Colonialism. P. 323.
[38]. Susan Brokensha, Eduan Kotzé, Burgert A. Senekal. (2023). P. 21.
[39]. Ibid. P. 14.
[40]. Salami, Aishat Oyenike. (2024). P. 4.
[41]. Ibid. P. 5.
[42]. Ibid.
[43]. Köppert, Katrin. (2021). P. 2.
[44]. Coleman, Danielle. (2019). P. 428.
[45]. Yılmaz, Ö. (2025). P. 322.
[46]. Dahiya, Bhavna. (2023). Digital Colonialism: Neo-Colonialism of the Global South. P. 3. https://www.researchgate.net/publication/370938813
[47]. Coleman, Danielle. (2019). P. 423.
[48]. Avila, Renata. (2020). Against Digital Colonialism. Platforming Equality. P. 3.
[49]. Yılmaz, Ö. (2025). P. 327.
[50]. Gravett, Willem. (2020). Digital neo-colonialism: The Chinese model of internet sovereignty in Africa. African Human Rights Law Journal 125-146. P. 127. http://dx.doi.org/10.17159/1996-2096/2020/v20n1a5
[51]. Gravett, Willem. (2020). P. 128.
[52]. Ibid. P. 135.
[53]. Ibid. P. 136.
[54]. Ibid. P. 137, 138.
[55]. Gravett, Willem. (2020). P. 141.
[56]. Ibid. P. 142.
[57]. Avila, Renata. (2020). Against Digital Colonialism. P. 11.
[58]. Salami, Aishat Oyenike. (2024). P. 5.
[59]. Ibid. P. 6.
[60]. Susan Brokensha, Eduan Kotzé, Burgert A. Senekal. (2023). P. 51.
[61]. Dahiya, Bhavna. (2023). P. 4.
[62]. Obi, Paul A. (2024). Labouring and Smiling: Re-Imagining Digital Colonialism in Af- rica, Silicon Valley Big Techs, and the Politics of Prosumer Capitalism in Nigeria. Triple C. 22 (1): 381-395. P. 386.
[63]. NDUBISI, Ejikemeuwa J. O. (2024). ARTIFICIAL INTELLIGENCE AND THE MANAGEMENT OF AFRICAN CULTURAL HERITAGE: TOWARDS ECONOMIC GROWTH AND DEVELOPMENT. Journal of African Studies and Sustainable Development Vol. 7, No. 5. P. 179.
[64]. Fonyuy, Banla Samuel. (2024). Oscillating between Racism, Colonialism, and Digital Colonialism: towards Theorizing Digi-Africanism. P. 80.
[65]. Kwet, Michael. (2019). Digital colonialism: US empire and the New Imperialism in the Global South. P. 2.
[66]. Benedetta Brevini, Irene Fubara- Manuel, Clément Le Ludec, Jakob Linaa Jensen, Andrea Jimenez, and Jo Bates. (2024). P. 121, 122.
[67]. Ibid. P.124.
[68]. Ibid. P. 127.
[69]. Fonyuy, Banla Samuel. (2024). P. 81.
[70]. Salami, Aishat Oyenike. (2024). P. 7.
[71]. Ibid.
[72]. Avila, Renata. (2020). P. 8.
[73]. Ibid. P. 8: 10.
[74]. Salami, Aishat Oyenike. (2024). P. 8, 9.