الباحث : د. غيضان السيّد علي
اسم المجلة : الاستعمار
العدد : 7
السنة : ربيع _ 2026 م
تاريخ إضافة البحث : April / 11 / 2026
عدد زيارات البحث : 864
الملخص
عمل علماء الدين في مصر - الذين تخرجوا في الأزهر الشريف الجامع والجامعة - على التصدّي للمحاولات الاستعماريّة التي استهدفت مصر مع نهاية القرن الثامن عشر، وتمثّلت في الاستعمار الفرنسيّ سنة 1798م، أو تلك التي جاءت مع بدايات العقدين الأخيرين من القرن التاسع عشر، وتمثّلت في الاستعمار الإنجليزي لمصر سنة 1882م. وقد فطن علماء الدين الإسلامي إلى حقيقةٍ مهمّةٍ فحواها أنّه إذا كان الغزو العسكري المباشر يستهدف السيطرة الماديّة على البلاد، وسرقة خيراتها وثرواتها وكنوزها، فإنّ المشروع الحقيقي للاستعمار هو تشويه الثقافات، وطمس الهويّات وخاصّة الهويّة الإسلاميّة. ومن ثم كان لعلماء الدين دورٌ بارزٌ في مواجهة الاستعمار وغزوه السياسيّ والثقافيّ، تجلّى بوضوحٍ في كلّ الوقائع الميدانيّة التي خاضتها البلاد من أجل التحرّر من الاستعمار، التي سلك فيها المستعمِر كافة سُبله الوحشيّة والبربريّة من قتلٍ، وتمثيلٍ بالجثث، وتعذيبٍ، وسجنٍ، ومصادرة أموالٍ وأملاكٍ، وهدم أحياءٍ بكاملها على رؤوس ساكنيها، وغير ذلك من أفعال المستعمِر التي تعكس همجيّةً ووحشيّةً تتنافى مع أبسط مبادئ الإنسانيّة.
الكلمات المفتاحيّة: علماء الدين، الأزهر، ثورة القاهرة الأولى، ثورة القاهرة الثانية، ثورة 1919م، ثورة يوليو 1952م.
مقدّمة
يقوم علماء الدين الإسلامي منذ عصر نزول الوحي حتى اليوم بدورٍ عظيمٍ في الدفاع عن الأوطان ومواجهة المحتلّين والظالمين والمتجبّرين والمتغطرسين، فلم يبخل- الصادقون منهم- بنفيسٍ ولا غالٍ، فبذلوا – وما زالوا يبذلون- المال والنفس عن رضًى وهم صابرون محتسبون، يرجون الأجر والثواب من الله تعالى وحده[2].
وفي هذا البحث نحاول أن نلقي الضوء على جهود بعض من علماء الدين في مصر الذين تصدّوا للمحتل الأجنبي سواء أكان فرنسيًّا أم إنجليزيًّا، وسطّروا أروع صفحات البطولة والفداء والوطنيّة في الدفاع عن الأرض والعرض، عن الهويّة والدين، وعن المقدّسات والثوابت الدينيّة.
تعرّضت مصر منذ نهايات القرن الثامن عشر حتى اليوم إلى ثلاثة أنواعٍ من الاستعمار أو الاحتلال، كان أوّلها عام 1798م، حيث كان الاحتلال الفرنسيّ لمصر بقيادة نابليون بونابرت الذي قاد حملته الشهيرة على مصر لكنّها أمام جهود المخلصين من أبناء الوطن لم تستطع الصمود واحتلال مصر سوى ثلاث سنوات؛ فكان الجلاء عن مصر في عام 1801م. ثم كان الاستعمار الإنجليزيّ الأطول عمرًا ومكوثًا، والأصعب والأكثر تأثيرًا في مصر حيث استمر من 1882م، حتى عام 1956م، أي ما يقرب من 75 عامًا. ثم كان احتلال الكيان الصهيوني لجزءٍ غالٍ ونفيسٍ من أرض مصر، وهو شبه جزيرة سيناء عام 1967م، وقد اندحر هذا المحتلّ الصهيوني عام 1973م، بعد نصر أكتوبر العظيم.
ومع كلّ استعمارٍ أو احتلالٍ كان يَهِبُ علماء الدين من المسلمين للدفاع، سواء في المجال السياسي أو على مستوى النضال الميداني وحمل السلاح، أو على مستوى النضال في الميدان الثقافي، فيقاومون الغزو الفكريّ والاستلاب الثقافيّ، وهو دورٌ لا يقلّ أهميّةً عن النضال السياسي أو حمل السلاح لمقاومة المستعمِر.
وسوف نقتصر في هذا البحث على تناول دور علماء الدين الإسلامي في التصدّي للاستعمار الفرنسي الذي استعمر مصر في يوليو 1798م، ولم يمكث إلّا ثلاثة أعوامٍ حتى تم إجلاؤه مرغمًا عن مصر بفعل تلك المقاومة التي صاحبتها عزيمةٌ لا تلين من الشعب المصري على وجه العموم وعلماء الدين وطلّابه في الأزهر الشريف على وجه الخصوص. وكذلك المستعمِر الإنجليزي الذي احتلّ مصر لأكثر من سبعين عامًا حتى تم إجلاؤه نهائيًّا عام 1956م. على أمل أن نخصّص بحثًا مستقلًّا لتناول جهود علماء الدين الإسلامي في مقاومة المحتلّ الصهيوني الذي وإن كان قد تم دحره وإنهاء احتلاله لجزءٍ من أرض مصر إلّا أنّه لا يزال يحتلّ أجزاءً غاليةً من بلداننا العربيّة الإسلاميّة.
قُسّم هذا البحث إلى قسمين رئيسين؛ تناول القسم الأول: دور علماء الدين في مواجهة الاستعمار الفرنسيّ. وتناول القسم الثاني: دور علماء الدين في مواجهة الاستعمار الإنجليزي. واشتمل القسم الأول على أربعة مباحث أساسيّة، هي: 1- سياسة التعايش وموقف علماء الدين منها. 2- دور علماء الدين في ثورة القاهرة الأولى (21 أكتوبر 1798م). 3- دور علماء الدين في ثورة القاهرة الثانية (20 مارس 1800م) .4- أبرز العلماء في مواجهة الاستعمار الفرنسي. في حين اشتمل القسم الثاني على ثلاثة مباحث رئيسة، هي: 1- دور علماء الدين في مواجهة العدوان العسكريّ الإنجليزيّ سبتمبر 1882م. 2- دور علماء الدين في ثورة مارس 1919م. 3- دور علماء الدين في ثورة 23 يوليو 1952م.
وقد استخدم الباحث في إنجاز بحثه مجموعةً من المناهج البحثيّة، لعلّ أهمّها المنهج التاريخي الذي يتمّ من خلاله سرد الوقائع والأحداث مرتبةً زمنيًّا. والمنهج التحليليّ الذي يعمل على تحليل النصوص وعرض الأفكار ومناقشاتها، وكذلك المنهج الوصفي؛ إذ إنّه الأنسب في وصف دور علماء الدين في مواجهة الاستعمار الفرنسيّ والإنجليزي.
أولًا: دور علماء الدين في موجهة الاستعمار الفرنسي
أدّى علماء الدين في الأزهر الشريف دورًا كبيرًا على كلّ المستويات النضاليّة في مواجهة الحملة الفرنسيّة، بل تكاد تكون مواقفهم هي المواقف الأبرز في تاريخ مقاومة الاستعمار؛ فقد كانوا في طليعة جموع المصريين لمقاومة المحتلّ الغاشم بحكم مكانتهم الدينيّة والعلميّة، وهو الأمر الذي أدركه نابليون بونابرت مبكّرًا قبل مجيئه إلى مصر؛ لذلك عندما وصلت الحملة الفرنسيّة مصر حاول نابليون أن يتودّد إليهم فأضفى عليهم كثيرًا من مظاهر الاحترام والتبجيل والتقدير، واستبقى لهم امتيازاتهم، وعلى رأسها حصصهم في نظام الالتزام في القرى، وتنظّرهم على الأوقاف.
وأمر بأن يؤدّي رجال حرس الشرف الذين يرابطون أمام مقرّ القيادة العامّة للجيش الفرنسي في الأزبكيّة التحيّة العسكريّة بالسلاح لعلماء الأزهر، إذا جاءوا لمقرّ القيادة، فإذا دخلوا هذا المقرّ خفَّ لاستقبالهم رجال الياوران والمترجمون يرحبون بهم، ويقودونهم إلى الصالون الرئيس في القصر، وتُقدم لهم المرطبات ثم القهوة، فإذا فرغوا من تناولها دخل عليهم بونابرت ورحّب بهم، وجلس وسطهم، محاولًا أن يدخل في نفوسهم الطمأنينة والثقة [3]. وكان هذا ضمن خطّةٍ محكمةٍ تتغيّا تأييد علماء الدين للاحتلال الفرنسي فيكون لهذا التأييد أصداء بعيدة في نفوس جماهير الشعب المصري، فيخلدون إلى السكينة، وعدم المقاومة. لكن هذه الخطّة لم تنجح ووقف منها علماء الدين موقفًا حازمًا تجلّى في عدّة نقاطٍ مهمّةٍ نرصد لها فيما يأتي:
1. سياسة التعايش السلميّ وموقف علماء الدين منها
حاول نابليون أن يمارس سياسةً استعماريّةً مع علماء الدين في الأزهر أطلق عليها بعض المؤرّخين المصريين (سياسة التعايش السلمي)، بينما أطلق عليها المؤرّخون الفرنسيّون (سياسة بونابرت الإسلاميّة Politiqe Musulmanne de Bonaparte)، وانطلاقًا من هذه السياسة تظاهر نابليون باحترامه للدين الإسلامي، وبالحرص على استمرار المسلمين في إقامة الشعائر الدينيّة كالصلاة في المساجد، ثم الاحتفال بالمناسبات الدينيّة الإسلاميّة وغيرها ربطًا للشعب الإسلامي في مصر بالحكم الفرنسي [4].
ومن ثمَّ حرص نابليون على مهادنة علماء الدين؛ لأنّه كان يدرك المكانة الحقيقيّة لهؤلاء العلماء، فقد نظر إليهم من زاويتين: الأولى، أنّهم الصفوة الممتازة من الطبقة المستنيرة في البلاد، والمتعمّقون في الدراسات الدينيّة واللغويّة أو السوربونيّون.
أمّا الزاوية الثانية، فهي أنّهم زعماء الشعب المصري الذين اعتاد أن يفزع إليهم عندما يشعر بالظلم؛ إذ كان علماء الدين سرعان ما يتدخّلون لدى الحكّام لرفع المظالم عن المظلومين. فكانوا بذلك أكثر عناصر المجتمع المصري نفوذًا وهيبةً، وعلمًا واحترامًا، واستقرارًا ووقارًا [5].
ولذلك عندما بدأ الأمر يستتب لنابليون في القاهرة، وطاب له المقام ببيت محمد بيك الألفي بالأزبكيّة، استدعى العلماء والمشايخ ليشكّل منهم الدواوين (ديوان القاهرة- دواوين الأقاليم- الديوان العام)، وكان على رأس هؤلاء العلماء:
الشيخ عبد الله الشرقاوي (شيخ الأزهر حينذاك)، والشيخ خليل البكري، والشيخ مصطفى الصاوي، والشيخ سليمان الفيومي، والشيخ محمد المهدي، والشيخ موسى السرسي، والشيخ مصطفى الدمنهوري، والشيخ أحمد العريشي، والشيخ يوسف الشبرخيتي، والشيخ محمد الدواخلي[6]. وعلى إثر ذلك أصدر نابليون بونابرت في 27 يوليو 1798- أي في خلال الأسبوع الأول لدخوله القاهرة- قرارًا بتخصيص حصانٍ لكلّ عالمٍ من علماء الأزهر (دكاترة الشريعة كما أطلق عليهم) من أعضاء ديوان القاهرة، وكان هذا القرار يحمل معنى التكريم والتقدير للمشايخ علماء الأزهر بالذات، لكنّ هذا القرار لم يثبت أنّه وضع موضع التنفيذ [7].
وإمعانًا في توطيد (سياسة التعايش السلمي) التي حرص عليها نابليون أنّه لمَّا امتنع المصريّون عن إقامة احتفالهم السنويّ بالمولد النبويّ الشريف نظرًا للظروف العصيبة التي تمرّ بها البلاد، سأل نابليون عن السبب فاعتذر الشيخ البكري بتعطيل الأمور وتوقف الأحوال، فلم يقبل نابليون بذلك، وقال: (لا بد من ذلك)؛ أي لا بدّ من إقامة الاحتفال بالمولد النبويّ الشريف، وأعطى للشيخ البكري ثلاثمائة ريال فرانسة[8] معاونة، وأمر بتعليق تعاليق وأحبال وقناديل، واجتمع الفرنسيّون يوم المولد، وملأوا الميادين وضربوا الطبول، ونفخوا في المزامير، وأشعلوا بعضًا من الألعاب الناريّة[9]. وطلب نابليون المشايخ فلمّا اجتمعوا عنده نهض بونابرت من المجلس، ورجع وبيده طيلسانات ملونة بثلاثة ألوان، كلّ طيلسان ثلاثة عروض: أبيض وأحمر وكحلي، فوضع منها واحدًا على كتف الشيخ الشرقاوي فرمى به إلى الأرض، واستعفى وتغيّر مزاجه، وانتقع لونه واحتدّ طبعه، فقال الترجمان: «يا مشايخ، أنتم صرتم أحبابًا لصاري عسكر، وهو يقصد تعظيمكم وتشريفكم بزيّه وعلامته، فإنّ تميّزتم بذلك عظمتكم العساكر والناس، وصار لكم منزلة في قلوبهم»، فقالوا له:» لكن قدرنا يضيع عند الله وعند إخواننا من المسلمين»، فاغتاظ نابليون من ذلك القول[10]، وأيقن أنّ خدعة (سياسة التعايش السلمي)، لم تنطل على هؤلاء المشايخ الذين أدركوا أنّ سياسة بونابرت ليست صادرةً عن عقيدةٍ حقيقيّةٍ وإيمانٍ صحيح، وإنّما هي ضربٌ من الخداع يتغيّا تخدير الشعب وتسكينه حتى تتوطد دعائم الحكم الفرنسي في مصر.
2. دور علماء الدين في ثورة القاهرة الأولى (21 أكتوبر 1798)
وبعد اشتداد وطأة الفرنسيّين على المصريّين وعلى أهالي القاهرة خاصّة، إذ فرضوا عليهم الضرائب الباهظة، وصادروا أملاكهم وأموالهم، وأسرفوا في قتل الأهالي، فزادت كراهية المصريّين للفرنسيّين، ووجدت هذه الكراهيّة صداها بين علماء الدين في الجامع الأزهر [11]. وفي صباح يوم الأحد من جمادى الأولى (21 أكتوبر 1798) اندلعت ثورةٌ دينيّةٌ عارمةٌ في القاهرة على الحكم الفرنسي، تنادى إليها الأزهريّون وتزعمها الشيخ محمد السادات، بعد أن كوّنوا مجلسًا لقيادة الثورة، جعل من الجامع الأزهر مقرًّا له، وانطلق المؤذنون من مآذن المساجد في القاهرة يدعون المسلمين إلى الحفاظ على دينهم بالثورة على الفرنسيّين، فنفر عددٌ كبيرٌ من المصريّين خفافًا وثقالًا حتى امتلأت شوارع القاهرة بالثوّار وهم يصيحون: نصر الله دين الإسلام، نصر الله السلطان [12].
واجتمع علماء الدين في رحاب الجامع الأزهر، وأخذوا يحثّون الناس على الثورة، ممّا لهم من كلمةٍ مسموعةٍ عند عامّة الناس، وبما ألهبوا حماسهم من خطبٍ دينيّةٍ جعلتهم لا يأبهون بالموت من أجل حماية دار الإسلام من تدنيس الفرنسيين، فكان المصريّون لا يخفون حسرتهم واستياءهم من انتصار غير المؤمنين الذين دنسوا بوجودهم مياه النيل المقدّسة، ورأوا أنَّه من الخزي والعار أن تسقط مصر في أيدي الفرنسيين؛ لأنّها تقع على الطريق المؤدّي إلى الحجاز مهد الكعبة، وغيرها من الآثار الإسلاميّة المقدّسة. ولم ينخدع المصريّون بمزاعم نابليون ولا سياسة التعايش السلمي، وكانوا يقولون: كلّ هذا خداع ومخاتلة ريثما يتملك، وأمَّا هو فنصراني ابن نصراني» [13].
وفي تلك الأثناء أعلن السلطان العثماني الحرب على فرنسا في سبتمبر 1798م، وأصدر منشورًا يدعو فيه المصريين إلى الجهاد الديني ضدّ الفرنسيين، مؤكّدًا فيه على العاطفة الدينيّة؛ إذ وصف الفرنسيّين بأنّهم قومٌ لا ينكرون وحدانيّة الله فقط ، ولا ينكرون رسالة محمد فحسب، بل ينكرون وجود الله، ويهزؤون بكلّ الأديان، ولا يعتقدون في يوم الحساب، والحياة الآخرة، وأنّهم يحللون ما تحرّمه الأديان، ويعتقدون أنّ الكتب السماويّة ليست إلّا مجموعة من الأكاذيب، أو نوعًا من الأساطير، وأنّ موسى وعيسى ومحمدًا ليسوا إلّا رجالًا عاديين لم يخصّهم الله بالرسالة التي عهد إلى كلٍّ منهم تبليغها إلى بني الإنسان[14]. كما ساعدت أخبارًا أخرى في شحذ همم المصريّين على الثورة من قبيل: هزيمة الفرنسيّين في موقعة أبي قير البحريّة، وانقطاع الاتّصال بين الحملة وفرنسا، ونقص عدد أفراد الجيش الفرنسي يومًا بعد يوم.
وقد انطلقت الثورة من الأزهر؛ حيث أصبح مركز تجمّع الثوّار الذين تدفقوا من كلّ حدبٍ وصوبٍ يحملون ما استطاعوا أن يتسلّحوا به من بنادق وسيوف ونبابيت، وشرعوا في مهاجمة أماكن إقامة وتجمّع الفرنسيين في مناطق عديدةٍ من القاهرة، واستطاعوا قتل حاكم القاهرة الفرنسي دوبويDupuy، ومعه سكرتير بونابرت وعدد كبير من جنود الحملة ممّا زاد من حماستهم، فما كان من بونابرت إلّا أن أمر جنوده بمهاجمة الأزهر وقذفه بالمدافع من تلال المقطم، ثم محاصرة الجامع وقطع السُبل المؤدّية إليه، وضربوا الأحياء المجاورة له، في الوقت الذي شرع فيه الثوّار في شنّ هجومٍ ضارٍ على مقرّ القيادة الفرنسيّة في حي الأزبكيّة، وظلّوا يطلقون بنادقهم حتى قتلوا عددًا كبيرًا من الفرنسيّين[15]. فما كان من الفرنسيّين سوى أن أطلقوا النيران من مدافعهم صوب القاهرة من أعلى جبل المُقطّم، وكما يقول أحد ضبّاط الحملة:» وإنّ نيران مدفعيتنا تركّزت بشكلٍ أساسيّ على المسجد (الأزهر) الذي ضيّقت دوريتنا الخناق على الثوار به»[16].
وبعد إخماد الثورة بالغ الفرنسيّون في التنكيل بالمصريين قتلًا وحرقًا ونهبًا ومصادرة للأموال والممتلكات، حتى قال أحد ضباطهم:» وقد كان للاحتياطات التي اتّخذناها لوأد بذور هذا التمرّد والشدّة التي أظهرناها في هذه الظروف والمآسي التي جلبتها هذه المدينة على نفسها أبلغ الأثر في إثارة الرعب في نفوس من راودتهم أنفسهم أو تحمّسوا لكي يحذو حذو أهل القاهرة»[17].
فلم يكن يُشاهَد في منطقة الأزهر إلّا مبانٍ محترقة، ودورٌ منهارة، وقد دفنت عائلات بأكملها تحت الأنقاض[18]. فضلًا عن المذبحة الرهيبة التي ارتكبها الفرنسيّون داخل الأزهر، فقد ربطوا الخيول في قبلة المسجد، وتبوّلوا، وقضوا حوائجهم في شتّى أرجاء الجامع، وألقوا المصاحف على الأرض وداسوها بأحذيتهم، وسرقوا خزائن الطلبة. ويقول الشيخ عبد الله الشرقاوي شيخ الجامع الأزهر حينذاك: «إنّ اليهود انتهزوا الفرصة، فدخلوا الأزهر في أثر الجنود، واستولوا على مصاحف نفيسةٍ وكتبٍ قيّمة»[19].
ونتيجة لتزعم علماء الدين في الأزهر الثورة ألقى الجنود الفرنسيّون على خمسةٍ من علماء الأزهر، هم: الشيخ سليمان الجوسقي، والشيخ أحمد الشرقاوي، والشيخ عبد الوهاب الشبراوي، والشيخ يوسف المصيلحي، والشيخ إسماعيل البراوي، وكلّهم من الفقهاء والمحدِّثين من الصف الثاني من علماء الأزهر، واعتقلوهم في دار البكري، ثم صعدوا بهم إلى القلعة، وسجنوهم حتى الصباح، ثم أجلسوهم القرفصاء في فناء القلعة وأطلقوا على كلٍّ منهم عيارًا ناريًا أرداه قليلًا [20]. ثم ألحقوا بهم ثمانية آخرين من علماء الدين البارزين في الأزهر، ليصل عددهم ثلاثة عشر عالمًا - كما أشار إلى ذلك الشيخ عبد الله الشرقاوي [21]- تم قتلهم بوحشيّةٍ وبربريةٍ تتنافى مع أبسط مبادئ الإنسانيّة.
3. دور علماء الدين في ثورة القاهرة الثانية (20 مارس1800)
لم تكن نفوس المصريين قد هدأت ممّا حدث في ثورة القاهرة الأولى من أعمال قتلٍ ونهبٍ وتخريبٍ، حتى اشتعلت ثورةٌ أخرى عُرفت بثورة القاهرة الثانية، وانطلقت من حي بولاق في 16 شوال سنة 1214هـ الموافق 20 مارس 1800م، وامتدّت إلى جميع أحياء القاهرة على مدى ثلاثة وثلاثين يومًا. وقد اشترك فيها من علماء الدين البارزين الشيخ عمر مكرم والشيخ محمد الجوهري، وكان لهما دورٌ بارزٌ في توجيه الثورة وإلهاب حماس الثوّار لدرجة أنّ كليبر القائد العام للحملة بعد رحيل بونابرت عن مصر، لم يجد حلًّا لتهدئة الأمور سوى أن يلجأ لكبار علماء الدين في الأزهر؛ فأرسل في طلب نخبةٍ من العلماء البارزين كان على رأسهم الشيخ الشرقاوي شيخ الأزهر، والشيخ محمد المهدي، والشيخ السرسي، والشيخ الفيومي، وغيرهم من أعيان علماء الدين في الأزهر وعرض عليهم إنهاء الثورة مقابل أن يعطي أهل القاهرة أمانًا وافيًا، وعبثًا حاول علماء الأزهر تهدئة الأمور لحقن الدماء ووقف عمليات الإحراق والتخريب لكن دون جدوى. وهنا أمر كليبر بالهجوم العام على حي بولاق وضربه بالمدفعيّة حتّى اشتعلت النيران في البيوت والمتاجر والوكائل، فتناثرت جثث القتلى ودُفنت عائلات بأكملها تحت الأنقاض أو احترقت في لهيب النيران حتى دُمر الحي بأكمله، ثم تتابع هجوم الفرنسيّين على سائر أحياء القاهرة مثل باب اللوق، والمدابغ، والفجالة، وكوم أبي الريش، وباب الشعرية، والرويعي، وباب البحر، وحاقت بالثوار الفظائع والأهوال [22]، حتى لم يجد الثوار سبيلًا للنجاة ولا للنصر أمام القوة الغاشمة للمحتلّ الفرنسي فاضطروا لتقبّل الهزيمة مرغمين.
وبعد أن نجحت القوات الفرنسيّة في إخماد الثورة فرض كليبر غراماتٍ باهظةً على بعض من علماء الأزهر المشاركين في الثورة وبعض المصريين، وكان على رأس العلماء الشيخ محمد السادات، والشيخ مصطفى الصاوي، والشيخ محمد الجوهري، وأخوه الشيخ فتوح الجوهري، الذين تم القبض عليهم وتعذيبهم حتى يدفعوا ما فُرض عليهم، وفي ذلك يقول الشيخ عبد الله الشرقاوي شيخ الأزهر حينذاك: «ووكل بجمع ذلك منهم رجلًا من القبط يُقال له يعقوب، ففرض ذلك على طوائف الناس والحرف، وصار يجمع بمشقةٍ عظيمةٍ من ضربٍ وغيره حتى صار بعض الناس يموت من شدّة الضيق والحبس، وطلبوا من شيخ السادات سيدي محمد أبي الأنوار مالًا عظيمًا نحو خزنة، وحبسوه وباعوا جميع متاعه، فلم يفِ بثلث ما طُلب منه»[23]، فصاروا يضربونه خمس عشرة عصا في الصباح، ومثلها في الليل، وطلبوا زوجته حتى استدلوا عليها، وأحضروها إلى محبسه، وكانوا يضربونه أمامها زيادةً في الإذلال والتعذيب.
وكانت لهذه القسوة في معاملة رجلٍ من كبار علماء الدين وصاحب مركزٍ ممتازٍ ينتمي إلى الأسرة النبويّة الشريفة أبلغ الأثر في نفوس الشعب بعامّة، وطلّاب الأزهر على وجه الخصوص، حتى خرج أحد طلّاب الأزهر القدامى وهو شاب يُدعى سليمان الحلبي على كليبر فقتله في بستان خلف البيت الذي في الأزبكيّة، وقُبض على هذا الثائر الأزهري الذي كان قد أفضى إلى أربعةٍ من طلّاب الرواق بعزمه على اغتيال كليبر، وتمّت محاكمته، وصدر حكم المحكمة العسكريّة بإعدام القاتل والطلبة الأربعة. وكان الحكم غاية في الوحشيّة والبربريّة، إذ نصّ الحكم على وسائل تنفيذ أحكام الإعدام من الخازوق إلى قطع الرؤوس إلى إحراق بعض الجثث وترك بعضها في العراء تفترسها الجوارح؛ فبالنسبة للمتّهم الأول سليمان الحلبي نصّ الحكم على أن تحرق يده اليمنى التي قتل بها القتيل، ثم يتخوزق؛ أي يعدم على الخازوق، وتترك جثته في العراء تفترسها الجوارح! وأن يُعدم شركاؤه الأربعة بقطع رؤوسهم ثم توضع الرؤوس فوق نبابيت، ثم تحرق بقية جثثهم بعد الإعدام، وأن تنفذ جميع هذه الأحكام علنًا أمام الجنود والأهالي [24].
4. أبرز العلماء في مقاومة الاستعمار الفرنسي
نلاحظ ممّا سبق كيف تحمل علماء الدين الإسلامي في الأزهر العبء الأكبر في مقاومة المحتل الفرنسي، ويأتي على رأس هؤلاء السيّد عمر مَكْرم الذي يقول عنه المؤرّخ الكبير عبد الرحمن الرافعي:» كان أكبر زعماء الشعب نفسًا، وأكثرهم شجاعة وإقدامًا، وأعظمهم نفوذًا، وأرفعهم كلمةً، فلا غرو أن نعدَّه زعيم الزعماء ورئيس الرؤساء... أسيوطي المولد والنشأة، ولد في أسيوط ونشأ فيها؛ ولذلك يسميه في بعض المواطن السيد عمر الأسيوطي، وقد تحققنا أنّه من سلالة الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه»[25].
كان نقيبًا للأشراف في مصر قبل مجيء الحملة الفرنسيّة، ممّا أعطاه مكانةً كبيرةً بين الناس، فلما جاء الفرنسيّون ظهرت شخصيّته الكبيرة ونفسيّته القويمة بما دعا الشعب إليه من التطوّع للقتال وما بثّه في نفوس الجماهير من روح المقاومة، وكان له دورٌ كبيرٌ في المقاومة قبل سقوط القاهرة، نادى بالنفير العام وحثّ الناس على الخروج الناس بالمتاريس استعدادًا للمقاومة، وسار في مقدّمة الثوّار من بولاق حتى إمبابة حيث وقعت الواقعة المسماة بواقعة الأهرام، فكان في طليعة المتطوّعين للقتال المدافعين عن القاهرة في وجه الاحتلال الفرنسي، ولمّا وقعت الهزيمة في معركة الأهرام لم يرضَ بالبقاء في القاهرة بعد إن أصبحت تحت رحمة الغزاة، ولم تلن قناته لهم على الرغم من أنّهم اختاروه لعضويّة الديوان الأول، فرفض العضويّة وهاجر إلى سوريا، وآثر الهجرة والنفي وشظف العيش إباء للضيم ونفورًا من الذل، وترك في مصر أمواله وأملاكه عرضة للنهب والمصادرة. أعاده الفرنسيّون مكرّمًا إلى مصر بعد احتلالهم يافا، فاعتزل الفرنسيّون ولو اتّصل بهم لأغدقوا عليه النعم والعطايا، لكنَّه أَبى، ولما كانت ثورة القاهرة الثانية كان من زعمائها، ولما أخمد الفرنسيّون تلك الثورة هاجر من مصر ثانية وعاد إليها بعد جلاء الفرنسيين [26].
ثم يأتي الشيخ محمد السادات - الذي سبقت الإشارة إليه – في المرتبة نفسها مع السيد عمر مُكْرم؛ إذ إنّه كان سليل بيت السادات العريق في المجد وشرف المحتد، تربى في مهاد العز والنعمة، وتلقّى العلوم الشرعيّة واللغويّة على شيوخ الأزهر، فوصل في العلم والثقافة إلى ما وصل إليه علماء العصر، وجمع بين العلم وشرف النسب. كان جريئًا في الحقّ لا يهاب من بيده سلطة الحكم، جاهد الفرنسيين خير جهاد، اختاروه لعضويّة الديوان فرفض العضويّة، تزعم ثورة القاهرة الأولى وقامت عليه البينات بذلك، ولكن نابليون رأى أنّ محاكمته تجعله شهيدًا في نظر الشعب، وأنّ الضرر من قتله أكثر من نفعه، فأبقى عليه. وكان من زعماء ثورة القاهرة الثانية ممّا جعله ينال من التعذيب والتنكيل والإذلال ما أشرنا إليه سابقًا.
كما يأتي ذكر الشيخ عبد الله الشرقاوي المولود بقرية الطويلة بإقليم الشرقيّة، الذي حفظ القرآن في قريته، وطلب العلم بالأزهر، وانتظم في سلك العلماء المعدودين حتى شغل أرفع المناصب العلميّة والدينيّة وهو منصب شيخ الأزهر سنة 1208م، فعظمت منزلته، وأكسبته المشيخة نفوذًا كبيرًا ومكانةً عظمى في كافّة ربوع البلاد؛ لأنّ شيخ الأزهر يُنظر إليه بوصفه كبير علماء العصر. ولما جاء الفرنسيّون إلى مصر تولّى رئاسة الديوان الذي تأسّس في أول عهد الحملة، ثم تولّى رئاسة الديوان العام، ثم تولّى رئاسة الديوان العمومي والديوان الخصوصي اللذين أنشأهما نابليون في ديسمبر سنة 1798م، ثم كان رئيسًا للديوان الذي تأسّس في عهد الجنرال مينو، وقد كان الوحيد الذي جمع بين رئاسة الديوان ومشيخة الأزهر، ورغم أنّه لم يكن صداميًّا إلّا أنّه قد كان له مع الفرنسيين شأنٌ طويل، فقد غضبوا عليه ثلاث مرات؛ الأولى في عهد نابليون حينما رفض أن يرتدي طيلسان الجمهوريّة المثلث الألوان ورمى به إلى الأرض، فغضب عليه نابليون وقال إنّه لا يصلح لرئاسة الديوان. والثانية في عهد الجنرال مينو؛ إذ ارتاب الفرنسيّون في موقفه بعد مقتل كليبر لأنَّ قاتله كان يبيت في الأزهر ويقيم فيه، فأحضره الفرنسيّون رفقة الشيخ أحمد العريشي قاضي مصر وحجزوهما إلى منتصف الليل، وألزموهما البحث عن الأزهريّين الأربعة الذين ذكرهم سليمان الحلبي في اعترافه، وإحضارهم.
والثالثة كانت في عهد مينو أيضًا إذ تم حبسه مع مجموعةٍ من العلماء في القلعة مئة يوم خوفًا من تحريضهم أهل البلاد على الفرنسيّين الذي داهمهم جنود الحلفاء من الأتراك والإنجليز، وتم الإفراج عنه مع بقية المعتقلين بعد جلاء الفرنسيين عن مصر [27]. كما أنّه شارك السيّد عمر مَكْرم في مجلس الحرب الذي عُقد ببيت القاضي لمناقشة كيفيّة التصدّي لحملة فريرز الإنجليزيّة على مصر عام 1807 [28].
كم كان الشيخ سليمان الفيومي من أصحاب المواقف المشهودة في جهاد الفرنسيّين. وُلِد الشيخ بالفيوم وحضر إلى القاهرة وحفظ القرآن وتلقّى العلوم بالأزهر، واشتهر بقضاء حوائج الناس، فكان الناس يلجؤون إليه لرفع المظالم وقضاء الحاجات فلا يبخل على أحد بجاهه وسعيه، فكان وافر الحرمة شهير الذكر، بعيد الصيت، مرعي الجانب، مقبول القول عند الأكابر والصغائر. ومن مواقفه التي يخلدها له التاريخ أنَّه حينما جاء الفرنسيّون على مصر وطردوا المماليك خرج نساؤهم من بيوتهم وذهبن إليه أفواجًا لاجئاتٍ إليه، فامتلأت بهن داره وما حولها من الدور، فحماهن وتصدّى للدفاع عنهن أمام الفرنسيّين [29].
كما ساند ثورة أمير الحج مصطفى بك نائب الوالي التركي القديم بالشرقيّة، الذي دعا إلى الثورة في كافّة أنحاء البلاد، وأخذ الشيخ الفيومي في الطواف مع مصطفى بك كافة أنحاء البلاد لإثارة الفلاحين ضدّ الفرنسيّين الغزاة. كتب عنه الجنرال دوجا في رسالة إلى نابليون أن طوافه مع أمير الحج كان من أسباب استفحال الثورة لما له من المكانة بين الناس، وقد رجع إلى القاهرة بعد إخماد ثورة أمير الحج ووُضع تحت المراقبة [30]. وفي أواخر أيام الحملة الفرنسيّة اُعتقل في القلعة حين وردت أنباء الحملة الإنجليزيّة العثمانيّة، ولم يلبث قليلًا حتى أفرجوا عنه [31].
كما لا يمكن إغفال دور الشيخ محمد المهدي بوصفه واحدًا من أهمّ العلماء الذين كان لهم دورٌ مشهودٌ في مقاومة المحتلّ الفرنسي، وهو عالمٌ من كبار العلماء، اشتهر بسعة العلم وحدة الذكاء، تردّد اسمه كثيرًا في مذكرات نابليون وقُوّاد جيشه في معظم المراجع الفرنسيّة ممّا يعبّر عن دوره البارز في معظم الأحداث التي حدثت في مصر أثناء الحملة الفرنسيّة؛ إذ دافع عن سكّان القاهرة عندما راجت الإشاعات بأنّهم عاملون على إثارة الفتنة، إذ استدعاه الجنرال دوجا وكلَّمه في هذا الصدد فحاجَّه المهدي، ونفى التهمة عن المصريين، وانعقد الديوان في اليوم التالي، وكذّب المهدي أقوال الوشاة، ودافع عن سكّان العاصمة وكفاهم انتقامًا وشيكًا. كما تم اعتقاله بالقلعة ضمن من اعتقلوهم من أعضاء الديوان في أواخر عهد الحملة.
ويشارك الشيخ المهدي المكانة نفسها الشيخ مصطفى الصاوي وهو من كبار العلماء المشار إليهم بالبنان، وكان مرشحًا لمشيخة الجامع الأزهر بعد وفاة الشيخ العروسي، وزاحم فيها الشيخ الشرقاوي، فهو إذًا قرين الشيخ الشرقاوي وندّه في العلم والمكانة، كان أحد أعضاء الديوان، ورغم ذلك شارك في ثورة القاهرة الثانية، وكان له فيها دورٌ بارزٌ؛ لذلك اضطهده الفرنسيّون بعد إخماد الثورة، وخصُّوه بجزءٍ من الغرامة التي فرضوها على سكّان القاهرة، واعتقلوه حتى سدد ما فُرض عليه، وكان نصيبه في الغرامة خمسين ألف ريال، واعتقلوه للمرة الثانية في مارس 1801 بعد وصول الحملة الإنجليزيّة العثمانيّة [32] حتى لا يؤلّب الجماهير على الثورة ضدّ الفرنسيين.
وهكذا وقف علماء الدين من الأزهريّين مواقف مشهودةً ضدّ المستعمِر الفرنسي، فلقى بعضهم حتفه، وتحمل بعضهم الآخر كافّة أنواع الأذى من نفيٍ وحبسٍ وتعذيبٍ ومصادرة الأموال والأملاك، لكن ذلك كلّه لم يفت في عضدهم، وصمدوا حتى النهاية، حتى شاهدوا المستعمِر الفرنسي يرحل عن بلادهم مهزومًا مدحورًا عقب مجيئه بثلاث سنواتٍ فقط قضاها في مصر لم يذق فيها طعم الراحة، ولم يحقّق أيًّا من أهدافه التي جاء من أجلها.
ثانيًا: دور علماء الدين في موجهة الاستعمار الإنجليزي
أدّى علماء الدين دورًا كبيرًا في مقاومة المحتل الإنجليزي كما كان شأنهم في مقاومة المحتل الفرنسي، بل إنّهم لعبوا الدور الأبرز في الأحداث الجسام التي قام بها الشعب المصري ضدّ الاحتلال الإنجليزي، وهي: مقاومة دخول المحتلّ الإنجليزيّ لمصر عسكريًا، وفي ثورة 1919م، وأثناء ثورة 23 يوليو 1952م. وسوف نعرض فيما يأتي بشيءٍ من التفصيل دور رجال الدين في مقاومة المستعمِر الإنجليزيّ الذي احتلّ البلاد أكثر من سبعين عامًا؛ إذ فطن المستعمِر الإنجليزيّ منذ مجيء الحملة الفرنسيّة إلى مصر إلى أهميّة موقع مصر الجغرافي للمواصلات والتجارة العالميّة، وزادت الأهميّة بعد افتتاح قناة السويس للملاحة العالميّة عام 1869م. وبعد وقوع الخديو إسماعيل في فخ الديون التي استدانها من إنجلترا وفرنسا وعجز عن سدادها، والتي كانت سببًا مباشرًا لتدخّل الدولتين السافر في شؤون مصر، الأمر الذي جعل إنجلترا تشتري أسهم مصر في قناة السويس والبالغة نصف الأسهم متذرعةً بعدم قدرة مصر على سداد الديون، ومن ثم بدأت الهيمنة الإنجليزيّة على مصر تدريجيًّا حتى تمّ الاحتلال العسكريّ الرسميّ في سبتمبر 1882م.
1. دور علماء الدين في مواجهة العدوان العسكريّ الإنجليزيّ
عندما خرج أحمد عرابي لملاقاة المحتل الإنجليزي أعلن الخديو توفيق الموالي للإنجليز عزل عرابي من منصبه، لكن المجلس العرفي، المكوّن من جميع طوائف الأمة وعلى رأسها علماء الدين، قرر بقاءه، واكتسب عرابي تأييدًا شعبيًّا جارفًا، وأُطلق عليه (حامي حمى الديار المصريّة).
وكان من أشهر هؤلاء العلماء الذين وقفوا هذا الموقف الجريء الشجاع: الشيخ محمد الإنبابي شيخ الجامع الأزهر الذي أفتى بعدم صلاحيّة الخديو توفيق للحكم، بعد أن باع مصر للأجانب، مناصرًا بذلك عُرابي ورفاقه[33]، وكذلك الشيخ حسن العدوي، مفتي المالكيّة، والشيخ عبد الهادي الإبياري، والشيخ محمد الأشموني، والشيخ خليل العزازي، والشيخ عبد القادر الرافعي عضو المحكمة الشرعيّة، والشيخ عبد الله الدرستاني مفتي ضبطية مصر، والشيخ مسعود النابلسي، والشيخ محمد القلماوي، والشيخ زين المرصفي، والشيخ أحمد الخشّاب قاضي مديريّة الجيزة، والشيخ أبو العلا الخلفاوي، والشيخ سليم عمر القلعاوي، والسيد عبد الباقي البكري نقيب الأشراف، والشيخ عثمان مدوخ [34]. ولم يتوقّف العلماء عند ذلك الحدّ، بل عقدوا الاجتماعات، وألقوا الخطب، ونظموا القصائد الحماسيّة التي ألهبت حماس الجماهير لجهاد المحتل الغازي؛ فقال الشيخ محمد أبو الفضل في الخطبة التي ألقاها في جامع الحنفي بالقاهرة:» قد تميّز الغثّ من الثمين، واستبان أنّ الإنجليز جاءوا محاربين يريدون- لا أمكنهم الله- سلب الأموال وهتك الحرم، وقد جاءوا بمكرٍ وخداعٍ يصطادون بشباكهم الأوطان من غير قتالٍ أو دفاع، كما هو ديدنهم القبيح في كلّ إقليم، فيقظ لذلك العقلاء والشجعان وذبوا عن الأعراض والأوطان»، ونظم الشيخ السيد المرصفي قصيدةً كان مطلعها:
يا صاح قمْ واشكرْ إلهَكَ واحمدِ
فالدين منصور على يد أحمدِ
إلى غير ذلك من خطبٍ وقصائد لا يتّسع المقام لحصرها أو ذكرها [35]. وقد ذهب الشيخ عليش إلى خطّ النار في كفر الدوار، وقام في طائفةٍ من العلماء ومشايخ الطرق يدعو الله للثوّار بالنصر على الأعداء ويشدّ من أزرهم، وكان من أشهر المشايخ الذين رافقوا الشيخ عليش إلى خطّ النار: الشيخ حسن العدوي، والشيخ أحمد البصري، والشيخ أحمد مروان.
وبعد هزيمة الجيش المصري قي 13 سبتمبر 1882م لأسبابٍ شتّى، تم إلقاء القبض على أحمد عُرابي قائد الجيش المصري، وحُكم عليه بالإعدام، ثم خُفّف الحكم ليتمّ نفيه هو ورفاقه (علي فهمي وعبد العال حلمي ومحمود سامي البارودي وطلبة عصمت ومحمود فهمي ويعقوب سامي) إلى جزيرة سيلان [36]. وهنا أسفر الخديو توفيق عن وجهه الخائن بالارتماء في أحضان الغزاة فكان لا بدّ من معاقبة العلماء الذين تعاونوا مع العرابيين؛ فنُفي الشيخ عليش إلى الآستانة، والشيخ محمد الهجرسي إلى مكّة المكرّمة، والشيخ يوسف شرابة إلى غزّة، والشيخ محمد عبده إلى بيروت، ورافقه منفيًّا إلى بيروت كلٌّ من: الشيخ أحمد عبد الجواد القاياتي، والشيخ عبدالقادر، والشيخ محمد عبدالجواد، والشيخ أمين أبو يوسف. كما تم تجريد عددٍ كبيرٍ من المشايخ من ألقابهم [37].
ومع لجوء بعض المشايخ إلى المهادنة مع الخديو خوفًا من سيفه أو طمعًا في ذهبه، فإنّ أكثر المشايخ من العلماء الحقيقيين، ظلّوا على موقفهم المعادي للسلطة العميلة: مثل الشيخ حسن العدوي الذي أعلن أمام لجنة التحقيق أنّه على استعداد (الآن) للتوقيع على فتوى عزل الخديو؛ لأنّه خرج عن الدين والوطن [38]. كذلك الشيخ محمد خليل الهجرسي الذي كان منفيًا إلى الحجاز ولمّا انتهت مدّة نفيه أرسلت إليه الحكومة إذنًا بالعودة إلى وطنه، فرفض أن يعود «حتى يعود عُرابي، وحتى يموت توفيق، أو يتنحى عن عرشه» [39].
كما أصدر الشيخ محمد عبده جريدة (العروة الوثقى) بعد خروجه من منفاه ورحيله إلى باريس مع جمال الدين الأفغاني في مارس1301/1884م، وكانت أول صحيفةٍ قاومت الاحتلال مقاومة جمعت بين الروح الثوريّة وبلاغة العبارة، والسخط على السياسة الاستعماريّة البريطانيّة، وكانت تعمل على بعث روح الأمل والجهاد في النفوس، وهي مجلةٌ أسبوعيّة، سُمّيت بالعروة الوثقى باسم الجمعيّة التي كانت تتولى الإنفاق عليها، وقد ظهر العدد الأول منها في3 مارس1884م، وكان غرضها الأساس إنارة الرأي العام؛ لذا أصدر مجلس الوزراء قرارًا بمنع دخولها مصر، وذلك بعد أن انعقد مجلس النظار المصري في القاهرة، ثم أصدر أمره إلى نظارة الداخليّة المصريّة قاضيًا بأن تشتدّ في منع هذه الجريدة من دخول الأقطار المصريّة، ومن توجد عنده نسخة منها يغرم بمبلغٍ من خمسة جنيهاتٍ مصريّة إلى خمسة وعشرين جنيهًا، ذلك أنّ كلّ عددٍ منها كما ذكر السيّد رشيد كسلك الكهرباء الذي إذا اتّصل بالجسد أحدث الهزة والانفعال والحرارة والاشتعال [40].
2. دور علماء الدين في ثورة مارس 1919م
يعدّ المؤرّخون ثورة 1919م قمّة الثورات الوطنيّة المصريّة؛ إذ خرجت جميع طوائف الشعب للمشاركة فيها كبارًا وصغارًا، مسلمين ومسيحين، تجارًا وصنّاعًا ومزارعين، سكّان القاهرة مع سكّان الأقاليم، وشاركت المرأة المصريّة بدورٍ بارزٍ في هذه الثورة لأوّل مرة.
لكن يبقى دور علماء الدين هو الدور الأبرز؛ فقائد هذه الثورة الزعيم سعد زغلول، وهو أحد علماء الأزهر الذين تعلّموا وتخرجوا فيه، كما «تصدّرت الطبقة المثقّفة النضال وقادته منذ البداية، وانبثّ أفرادها بين العمال في المدن، والفلاحين في القرى، يوقظون الوعي والشعور وينظّمون الصفوف»[41]. وكان الأزهر هو المكان الفسيح - كما يقول عبد الرحمن الرافعي- الذي لم تستطع السلطة العسكريّة اقتحامه ومنع الاجتماعات فيه بسبب مكانته ومنزلته الدينيّة؛ ولهذا أصبح محفلًا عامًّا للخطابة يتبارى فيه الخطباء من كلّ الطبقات، ويقف على منبره القسّ المسيحي إلى جانب العالم المسلم. وظهر خطباء للثورة عرفوا بمواهبهم الخطابيّة التي تسترعي الأسماع من أمثال الأستاذ يوسف الجندي، والدكتور زكي مبارك، والدكتور محجوب ثابت، والشيخ مصطفى القاياتي، والشيخ محمود أبو العيون [42].
كما يشير الرافعي إلى دور علماء الدين من الأزهريين في ثورة 1919 فيقول: «كان الأزهريّون في مقدمّة صفوف المتظاهرين، ومن أكثر الطلبة جرأةً وحماسةً وتضحية، ومن أشدّ العاملين على بثّ روح الثورة والاضطراب في طبقات الشعب، وكثيرًا ما كانت المظاهرات تبدأ من الأزهر، هذا إلى أنّ الاجتماعات العامّة كانت تُعقد فيه غاليًا، فكان يموج كلّ مساءٍ بالألوف المؤلّفة لسماع الخطب الناريّة والقصائد الحماسيّة التي تُلقى فيه ضدّ الاحتلال والحماية»[43]؛ لذلك تمركزت الدوريات الإنجليزيّة أمام أبواب الأزهر، لكي تمنع خروج المظاهرات من داخله، فرابطت أمامه مدججةً بالسلاح والمدافع الرشاشة، ولكن هذه الوسائل لم ترهب طلّابه ومشايخه، وقد حدث أن هجم أحد الطلبة على أحد المدافع الرشاشة واختطفه من أيدي الجنود، وسار به نحو زملائه عند أبواب المسجد، فألهب الحماسة في نفوسهم، ولكن الجند أدركوه واستردوه منه، وقتلوه رميًا بالرصاص، فكان هذا العمل في ذاته جرأةً منقطعة النظير [44]. كما رفض الشيخ محمد أبو الفضل الجيزاوي شيخ الأزهر في ذلك الوقت الاستجابة لطلب الإنجليز بإغلاق الجامع الأزهر [45].
وفي يوم 12 من مارس كان أول تعرّضٍ مسلّحٍ من الجنود البريطانيين لطلبة الأزهر، وكان أوّل الشهداء من طلبة الأزهر. وفي يوم 13 من مارس ظهر الأزهريّون في قيادة مظاهرة المسجد الحسينيّ بعد صلاة الجمعة التي أطلقت المدرعات البريطانيّة عليها النار، فقتلت منهم 12 شخصًا، وكان العلماء وطلبة الأزهر في مطلع المظاهرة الكبرى في 17 مارس. وكان علماء الأزهر في مقدمة العناصر التي يستشيرها الوفد في خطواته مثلما حدث قبل تقديم تقرير الوفد إلى المارشال (اللنبي) في 26 من مارس، إذ استشار فيه علماء الأزهر، وبطريرك الأقباط، وبعض الوزراء، والنواب.
وفي أوّل أبريل اشتدت ثورة الأزهر وكثرت اجتماعاته حتى لجأت السلطة العسكريّة في مخاطبة شيخ الأزهر في إغلاقه دفعةً واحدة، أو الاكتفاء بإغلاقه في غير أوقات الصلاة، فأبى. وفي يوم ١٧ من مارس سارت مظاهرةٌ في القاهرة ضمت نحو ١٠ آلاف شخصٍ بقيادة طلبة الأزهر [46]. وهكذا سجّل علماء الدين من رجال الأزهر أروع الأمثلة في المقاومة الباسلة ضدّ المستعمر الإنجليزي في ثورة مارس 1919.
3. دور علماء الدين في ثورة يوليو 1952م
رغم إعلان تصريح 28 فبراير 1922م، الذي أعلنت فيه بريطانيا انتهاء الحماية البريطانيّة على مصر، وأنّ مصر أصبحت دولةً مستقلّةً ذات سيادةٍ مع تحفظاتٍ أربعة تضمّن الآتي: الأول، حقّ بريطانيا في تأمين مواصلات الإمبراطوريّة البريطانيّة في مصر؛ وذلك لتبرير وجود جيش احتلالٍ إنجليزيّ في مصر.
والثاني حقّها في الدفاع عن مصر؛ وذلك لتبرير منع تكوين جيشٍ مصريٍّ قويّ. والثالث حقّ بريطانيا في حماية المصالح الأجنبيّة في مصر وحماية الأقليّات؛ وذلك لتبرير تدخّلها في الشئون الداخليّة المصريّة. والرابع، حقّها في التصرّف في السودان [47].
لذلك كان استقلال 1922م استقلالا مبتورًا، فكان لزامًا على الشعب استمرار النضال والكفاح من أجل الاستقلال التام، وكان ذلك يستدعي تثقيف الشعب وتبصيره بما يدور من حوله، وكانت هذه المهمّة تقع على عاتق الشيوخ والمثقّفين، وكان لا بدّ من التدبير والتخطيط لهذا، وفي هذه الثورة أدّى الشيوخ والعلماء دورًا مزدوجًا؛ إذ كانوا همزة الوصل بين الجيش ورجالاتٍ من الشباب المتمرّد على الظلم والأحكام العرفيّة في البلاد وبين الثوّار وبين أفراد الشعب ليقنعهم بكفاءة هؤلاء الضبّاط الأحرار المحبّين لوطنهم الرافضين للذلّ والهوان، فكان التحام الشعب مع الجيش في ثورة 23 يوليو 1952م للخلاص من الملك وأعوانه ومن الاحتلال والاستعمار وآثامه وللحصول على الاستقلال التام[48].
فثورة 23 يوليو هي ثورة على الأوضاع الاستعماريّة وفساد الحكم، هي ثورةٌ تحريريّةٌ قامت لتحقيق الجلاء وتحرير البلاد من ربقة الاستعمار، ولتطهير أداة الحكم من الفساد؛ فالاحتلال والاستعمار، ومساوئ حكم الملك فاروق، كانت البواعث السياسيّة على ثورة يوليو، وأهدافها السياسيّة منذ الساعة الأولى هي التحرّر من الاحتلال والاستعمار، وإسقاط حكم فاروق معًا [49].
ومن البواعث الأساسيّة لقيام ثورة يوليو ما رآه الضبّاط الأحرار أو طالعوه من ماضي الأمّة في الجهاد، والثورات الشعبيّة التي قامت من قبل ضدّ الاحتلال الأجنبيّ والاستبداد الداخلي، فإنّ صفحات الماضي قد غرست في نفوسهم روح الكفاح الوطني من أجل الحريّة والاستقلال، وانطبعت في أذهانهم ثورات الشعب على الفرنسيّين، ثم ثوراته على المماليك والأتراك، ثم الثورة العُرابيّة، فالثورة الوطنيّة على الاحتلال، فثورة سنة 1919م، واستمرار روح الثورة، إلى الكفاح في القنال سنة 1951 [50]. ومن ثم كان عامل الوعي هو أهمّ العوامل التي عمل على تنميتها علماء الدين في ذلك الوقت والتي آتت أُكلها بشكلٍ رائعٍ في وقتٍ محدود.
فقامت مجموعةٌ من العلماء بإصدار بيانٍ دعوا فيه إلى الجهاد ضدّ إسرائيل بعد صدور قرار تقسيم فلسطين سنة 1947م، ومحاربة من يقف وراء إسرائيل. كما قام الشيخ الإمام عبد المجيد سليم شيخ الأزهر في الفترة بين (1950-1952) بالاعتراض على فساد الملك فاروق الأول قائلًا عبارته الشهيرة (تقتير هنا وإسراف هناك)، في إشارة إلى بذخ الملك فاروق وتبذيره الأموال الكثيرة على ملذاته الشخصيّة وتقتيره على الشعب [51].
وبعد قيام الثورة ناصرها الشيوخ والعلماء وعلى رأسهم الشيخ محمد الخضر حسين، شيخ الأزهر في الفترة ما بين (1952-1954)، الذي بادر بدعوة الرئيس محمد نجيب لزيارة الأزهر ليشهد مبايعة شيخه وعلمائه وطلّابه في مبايعة خاصّة [52]، وقام الشيخ محمد الخضر حسين بوصف الثورة بأنّها «أعظم انقلابٍ اجتماعيّ مرّ بمصر منذ قرون» [53]. وكان محقًّا في ذلك إلى حدٍّ كبير؛ إذ تحقّق بفضلها جلاء المستعمِر الأجنبيّ عن أرض مصر، وانتهجت الجمهوريّة الجديدة سياسة الحياد وعدم الانحياز في الشؤون الخارجيّة، والبعد عن الأحلاف العسكريّة الاستعماريّة، وعملت على تقوية الجيش وتسليحه، وتأميم قناة السويس، وبعث القوميّة العربيّة، وتحقيق العدالة الاجتماعيّة بإصدار جملةٍ من القوانين كان أهمّها قانون الإصلاح الزراعي الذي حدّد ملكيّة الفرد بمئتي فدانٍ كحدٍّ أقصى؛ فقضى بذلك على الإقطاع والإقطاعيين، كذلك كان الاهتمام بالتعليم، والصحّة، والصناعة، والزراعة، والاقتصاد الوطني واضحًا بشكلٍ بارزٍ على طاولة الاهتمامات الحكوميّة لرجال الثورة.
كما ألقى الشيخ عبد الرحمن تاج شيخ الجامع الأزهر عام 1954م، خطبة عصماء يحتفي بها بالثورة المصريّة في عيدها، قال فيها: «واليوم نحتفي بثاني العيدين الوطنيين، ولكنّه في الحقيقة أولهما بحسب الترتيب الواقعي، هو عيد الثورة، التي انفجرت بها الوطنيّة المكبوتة والتي هب بها أحرار الشعب من رجال الجيش، بقيادة البطل الماهر، الزعيم الأمين جمال عبد الناصر، في 23 يوليو سنة 1952»[54]. وفرّق الشيخ محمد عرفه عضو جماعة كبار العلماء ومدير مجلة الأزهر حينذاك، بين عهدين: عهد ما قبل الثورة، وعهد الثورة وما بعدها في مقالته (عهدان) بقوله: «أمَّا أحدهما فليل بهيم، وأمَّا ثانيهما فصبح منير»[55]. ثم أتبعه بمقالٍ آخر بعنوان (بماذا نبدأ؟)، واصل فيه تأييده للثورة وأوضح مهامها في الإصلاح الشامل وما ينبغي عليها أن تبدأ به. ثم كان المقال الشهير للعالم الجليل محبّ الدين الخطيب رئيس تحرير (مجلة الأزهر) تحت عنوان (حقائق)؛ ذهب فيه إلى القول: «تدارك الله كنانته برجال قويت نفوسهم بسلاح الأخلاق، واطمأنت قلوبهم لقواعد الدين، فحملهم ذلك على المغامرة بتجريد سلاح الأمّة لإنقاذها من الغشّ المخزي والرياء المخجل، وحاولوا انتشال هذا الوطن المسكين - المظلوم من فراعنته، المهضوم الحقّ من أقويائه وأذكيائه - فاجتثوا شجرة الغشّ والرياء وألقوا بها في عرض البحر لتقذف بها أمواجه في بقاعٍ أخرى إلى غير رجعة. وكان ذلك إيذانًا من الله بتحويل دفة السفينة المصريّة وشراعها عن اتجاههما الخاطئ إلى الوجهة السليمة»[56].
وكتب الشيخ محمد محمد خليفة من علماء الأزهر الشريف مناصرًا للثورة مقاله الأشهر (وانتصرنا على الخوف)، الذي جاء فيه: «لقد صنعت سياسة الاستعمار من بعض الملوك أشباه أرباب، وسيقت إليهم نفوس المستذلين قرابين تستحل دماؤها وتستباح أرواحها، ونصبت سياسة الاستعمار حول هؤلاء الملوك سياجًا يستمدّ قوته من سلطان المستعمِر، ويحمي سيادته الجوفاء حديد المستعمِر وناره، وجعلت سياسة الاستعمار تصوّر هؤلاء الملوك معابد نسجت لها من الرهبة الزائفة قدسيّة، وساقت إليها الشعوب تتمسح بالأعتاب، وطالما تمسح بأعتاب المستعمر صاحب الأعتاب حتى دوى النفير وصاح النذير: لا استعمار، ولا صنيعة بيننا للاستعمار، تحرّرنا من التضليل، وانتصرنا على الخوف»[57].
وكتب الشيخ عبد اللطيف السبكي عضو جماعة كبار العلماء مقالًا يناصر فيها الثورة ويباركها، جاء فيه: «مصر– بطبيعتها، وبتدينها، وبأزهرها، وبأصالة الخلق الديني فيها- ليست مستعدةً للانسلاخ عن مقوماتها، والتي أبرزت شخصيتها منذ القدم بين جاراتها وغير جاراتها من الدول. فكيف وقد تولى قيادتها وأمورها أناسٌ من أبنائها لحمًا ودمًا، ومن أسرها المحافظة الكريمة، ومن نبغائها الذين ادّخرهم القدر لهذه الساعات المرموقة وللحياة المرجوة التي تعثرت مصر في الطريق إليها عثراتٍ مدميات، ثم لم تيأس حتى آلت القوس إلى باريها»[58].
كذلك يمكننا الإشارة إلى موقف بعض علماء الدين الذين انضووا تحت رايات الحركات الإسلاميّة، وكان أشهرها على الإطلاق في ذلك الوقت، جماعة الإخوان المسلمين، الذين وقفوا موقفًا إيجابيًّا من الثورة في البداية، وإنْ كان قد تغيّر الموقف بعد ذلك إلى صراعٍ مع مجلس قيادة الثورة لرغبة الإخوان في القيام بالوصاية على الثورة. إلّا أنّ موقفهم في البداية كان لصالح الثورة، وهذا ما يؤكّده كمال الدين حسين عضو مجلس قيادة الثورة وأحد نوّاب رئيس الجمهوريّة؛ حيث ذكر الرجل أنّ الإخوان المسلمين كانوا على علمٍ بموعد الثورة قبل قيامها، وأنّه قد اتّصل في 20 يوليو 1952 هو وجمال عبد الناصر بالإخوان بمنزل صالح أبو رقيق الموظف بالجامعة العربيّة؛ حيث أطلعوا الإخوان على تفاصيل الحركة، وأنّ الإخوان كان لهم متطوّعون على طريق السويس لاحتمال تحرش قوات الإنجليز بالثورة، وأنّ أعدادًا منهم كانت تقوم على حراسة المنشآت العامّة والمرافق أثناء الثورة [59].
وهو الأمر الذي أكّده بيان المرشد العام لجماعة الإخوان بوادي النيل والذي نشرته جريدة الأهرام في 28 يوليو 1952م في صفحته السادسة، حيث أوردت تحت عنوان: (الإخوان يؤيدون الجيش ويؤازرونه ويدعون إلى حماية نهضته الصادقة)[60]. وقد جاء في مقدمة هذا البيان ما يدلّ دلالةً واضحةً على تأييد الإخوان للثورة، من قول المرشد العام: «في الوقت الذي تستقبل فيه البلاد فيه مرحلةً حاسمةً من تاريخها بفضل هذه الحركة المباركة التي قام بها جيش مصر العظيم، أهيب بالإخوان المسلمين في أنحاء الوادي أن يستشعروا ما يلقى عليهم الوطن من تبعاتٍ كبيرةٍ في إقرار الأمن وإشاعة الطمأنينة وأخذ السبيل على الناكصين ودعاة الفتنة، ووقاية النهضة من أن تمسّ روعتها وجلالها بأقلّ أذى أو تشويه»[61].
وهكذا وقف علماء مصر ومشايخها مع ثورة 23 يوليو 1952؛ لأنّهم رأوا في هذه الثورة خلاص مصر من الاستعمار بصوره كافة؛ خلاصًا من الاستعمار الإنجليزي العسكري الذي بدأ في سبتمبر 1882 في عهد الخديو توفيق، وخلاصًا من الاستعمار والغزو الفكري والثقافي، والاحتلال الاقتصادي والاجتماعي، الذي سبق الاحتلال العسكري بنحو عشرين عام؛ حيث تمكّن من أوصال البلاد من خلال (الامتيازات الأجنبية) في عهد الخديو إسماعيل (1239-1863)، حينما أقنعوه أنّ التقدّم لا يأتي إلّا من ناحية أوروبا، فَحَلِمَ بأن تصبح مصر قطعةً من أوروبا، حتى أغرقوه في الديون، ومات مخلوعًا ذليلًا. وهذا جزاء من يؤمن بأنّه يمكن أن يتعاون الذئب مع الحمل. كما رأى علماء الدين في ثورة 23 يوليو خلاصًا من عملاء الاستعمار وأعوانه ممثلين في الملك وحاشيته وأعوانه ممّن تعاونوا مع المستعمِر الأجنبي.
خاتمة
وهكذا انتهى بحث موضوع (دور علماء الدين في مواجهة الاستعمار الفرنسي والإنجليزي) إلى مجموعةٍ من النتائج المهمّة، كان من أهمّها ما يأتي:
أولًا: إنّ علماء الدين في مصر جاء جُلّهم عبر مؤسسةٍ واحدةٍ هي مؤسّسة الأزهر الشريف الذي كان بمنزلة جامع ومدرسة وجامعة تخرّج فيها علماء الدين في مصر وفي كثيرٍ من البلاد الإسلاميّة. فكان من الطبيعي أن يتشرب علماؤه وطلابه مبادئه التي أرساها ودشّنها مشايخ الأزهر الكبار على مرّ التاريخ، وما اتّسموا به على مرّ العصور من عزة وشموخ وإباء؛ إذ لم يرضوا يومًا بالظلم، ولم يهادنوا ظالمًا أو مستعمرًا، بل كانوا- دائمًا- صوتًا صداحًا بالحقّ لا يخشى في الله لومة لائم. ويتفق هذا الدور الجهادي لعلماء الدين مع قواعد الدين الإسلامي ومبادئه؛ فالإسلام يدعو إلى الجهاد، بل يجعله ذروة سنامه، كما يدعو إلى الحريّة ويقدسها، ويمقت الذين يختارون الضعف والعبوديّة ويستسلمون للذلّ والهوان.
ثانيًا: إنّ دور علماء الدين في أواخر القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر مرورًا بالقرن العشرين لم يقف عند حدود الإفتاء في أمور الدين وقضاياه الشائكة أو تعليم علوم القرآن والحديث والسيرة والفقه وغيرها من علوم الدين، وهو بلا شكّ شأن عظيم ومهمة جليلة، وإنّما تعدّى ذلك؛ إذ التحموا بهموم الناس ومشاكلهم وقضاياهم، والتي كان على رأسها مناهضة الاستعمار والثورة عليه؛ فحملوا هم الأوطان فوق أكتافهم ودافعوا عنها بكلّ ما أوتوا من قوةٍ، ولم يبخلوا بالنفس والمال والأهل والولد، بل بذلوا كلّ غالٍ ونفيسٍ من أجل تحرير البلاد من الاستعمار وأعوانه، وقد ظهر ذلك جليًّا في مقاومتهم الباسلة ضدّ الاستعمار الفرنسي والإنجليزي على السواء.
ثالثًا: إنّ الاستعمار لم يترك أرضنا إلّا مُرغمًا وأنفه في التراب، بعد إن استنفذ قواه في إخضاع بلادنا، وبعد أن اقترف أبشع الجرائم وأكثر الأفعال انحطاطًا من قتل للأبرياء، ونهب المؤن والمتاع، وسرقة الأموال والكنوز، والآثار والنفائس العلميّة. وإنّه لا يزال حتى يومنا هذا يحوك المؤامرات والمكائد التي ينصبها للشعوب العربيّة والإسلاميّة لسرقة أقواتها وأرزاقها، ونهب أموالها وأرزاقها، والقضاء على مقوماتها وكيانها وهويتها.
رابعًا: لم يكن الغزو الاستعماري الفرنسي أو الإنجليزي مقتصرًا على أساليبه العسكريّة ومظاهره السياسية، كما يلوح لمن ينظر إليه في أوّل وهلةٍ، وإنّما كان غزوًا فكريًّا وثقافيًّا، واحتلالًا اجتماعيًّا واقتصاديًّا، ثم هو بعد ذلك غزوٌ عسكريٌّ واحتلالٌ سياسيّ، لمواصلة الغزو الفكريّ والاحتلال الاجتماعيّ والاقتصاديّ. فالغزو الفكريّ والثقافيّ، والاحتلال الاجتماعيّ والاقتصاديّ هما الغرض الأول من الاستعمار، والغزو السياسيّ والعسكريّ وسيلةٌ لهما في بعض الظروف، أو نتيجة من نتائجهما في ظروفٍ أخرى، وهو الأمر الذي فطن إليه علماء الدين في مصر وتصدّوا له.
خامسًا: كان أكثر ما فضحه علماء الدين من أمر الاستعمار والمستعمِرين هو اختلاق المستعمِرين لمزاعم لا أساس لها والترويج لها لتبرير الاحتلال والسيطرة الاستعماريّة؛ إذ ادّعى الفرنسيّون أنّهم يحبّون الإسلام، وأنّهم لم يأتوا مستعمِرين، وإنّما جاءوا لتأديب المماليك، وشابههم الإنجليز في ذلك؛ إذ ادَّعوا أنّهم جاءوا لينقذوا مصر من التردّي الاقتصاديّ والحضاري، ونقلها إلى مصاف العالم المتحضر؛ وذلك لتعزيز الشرعيّة المزعومة للسلطة الاستعماريّة. كما تصدّى علماء الدين لمحاولة المستعمِر تشجيع الشعور بالنقص الثقافي والدونيّة لدى السكّان المحليين؛ ممّا يجعلهم أكثر قابليةً للتأثر بالدعاية والتلاعب الإيديولوجي. كما تصدّى علماء الدين بقوة لكلّ محاولات المستعمِر في تحريف وتشويه الثقافات والهويّات المحليّة عبر فرض الثقافة الاستعماريّة وإزاحة الثقافات الإسلاميّة، وهو الأمر الذي لا يزال بحاجةٍ إلى بحثٍ وتقصٍّ ورصدٍ للوقوف على حقيقة دور علماء الدين في جهاد المستعمِرين في تاريخنا الحديث والمعاصر.
المصادر والمراجع
الترك، نقولا يوسف، مذكرات نقولا الترك، نشر وترجمة وتعليق الأستاذ فيت، مطبعة المعهد الفرنسي للآثار الشرقية، القاهرة، 1950.
الجبرتي، عبد الرحمن، عجائب الآثار في التراجم والأخبار، ج3 تحقيق عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم، القاهرة، مطبعة دار الكتب المصريَّة، 1998.
الخطيب، محب الدين، حقائق، مجلة الأزهر، المجلد (25)، الجزء (6)، غرة جمادى الأخرة 1372- 15 فبراير 1953.
الرافعي، عبد الرحمن، مقدمات ثورة 23 يوليو سنة 1952، القاهرة، دار المعارف، ط3، 1987.
الرافعي، عبد الرحمن، ثورة 1919 تاريخ مصر القومي من سنة 1914 إلى سنة 1921، القاهرة، دار المعارف، ط4، 1987.
الرافعي، عبد الرحمن، تاريخ الحركة القومية وتطور نظام الحكم في مصر، ج2، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2021.
السبكي، عبد اللطيف، موقف الثورة من الأزهر، مجلة الأزهر، المجلد (27)، الجزء (6).
الشرقاوي، عبد الله، تحفة الناظرين فيمن ولى مصر من الولاة والسلاطين، القاهرة، تحقيق وتعليق رحاب عبد الحميد القاري، مكتبة مدبولي، 1996.
الشلق، أحمد زكريا، الغزو الفرنسي لمصر وآثاره (1898-1801)، فصل بكتاب: المرجع في تاريخ مصر الحديث والمعاصر، تقديم ومراجعة يونان لبيب رزق، القاهرة، المجلس الأعلى للثقافة، ط1، 2009.
الشناوي، عبد العزيز محمد، الأزهر جامعًا وجامعة، الجزء الثاني، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2013.
القوصي، عطية وآخرون، الحضارة الإسلامية وتاريخ العرب الحديث، القاهرة، طبعة وزارة التربية والتعليم، 2011/2012.
الهدهد، إبراهيم، علماء الأزهر وطلابه في مواجهة الاحتلال البريطاني(1882-1919م)، مجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة، صفر 1439ه/ نوفمبر2017م.
تاج، عبد الرحمن، عيد الثورة – 23 يوليو، مجلة الأزهر، المجلد (28)، الجزء (1).
حمروش، أحمد، شهود ثورة 23 يوليو، ج4، بيروت، 1977.
خليفة، محمد محمد، وانتصرنا على الخوف...!، مجلة الأزهر، المجلد (29)، الجزء (5).
رمضان، عبد العظيم، تطور الحركة الوطنية في مصر 1918-1936، ج1، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ص 1998.
زهمول، إبراهيم، الإخوان المسلمون- أوراق تاريخية، بدون بيانات نشر، ص203.
سالم، لطيفة محمد، التدخل الأجنبي والثورة الوطنية (1879-1882)، فصل بكتاب: المرجع في تاريخ مصر الحديث والمعاصر، تقديم ومراجعة يونان لبيب رزق، القاهرة، المجلس الأعلى للثقافة، 2009.
سليمان، عبد الباسط محمد أمين، الأزهر ومساندة الثورات في مصر ومقاومة الاستعمار، المؤتمر العلمي الدولي الثالث- دور الأزهر في النهوض بعلوم اللغة العربية وآدابها والفكر الإسلامي، كلية اللغة العربية بالزقازيق- جامعة الأزهر، مج3، 2012.
عاطف، مصطفى، الأزهر في مقاومة الاحتلال، مجلة الأزهر، مجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة، جمادى الآخرة 1439ه/ فبراير2018م.
عرفة، الشيخ محمد، عهدان، مجلة الأزهر، المجلد (24)، الجزء (2).
علي، سعيد إسماعيل، دور الأزهر في السياسة المصرية، القاهرة، كتاب الهلال، دار الهلال، العدد (431)، صفر 1407-نوفمبر 1986.
محمد، أشرف صالح، الأزهر الشريف والسلطة في مصر، مجلة الثقافة الجديدة، الهيئة العامة لقصور الثقافة، العدد (283) أبريل 2014.
مواريه، جوزيف ماري، مذكرات ضابط في الحملة الفرنسية على مصر، ترجمة كاميليا صبحي، القاهرة، المجلس الأعلى للثقافة، 2000.
------------------------------------
[1]. متخصّصٌ في الفكر الإسلامي، وأستاذٌ بكليّة الآداب جامعة بني سويف/ مصر.
[2]. آثر الباحث استخدام مصطلح (علماء الدين) بدلًا من مصطلح (رجال الدين)؛ لأنّ الإسلام ليس به كهنوت ولا إكليروس، وإنّما به علمٌ وعلماء؛ فمصطلح (علماء الدين) يعني أنّ هؤلاء (العلماء) أعلم وأدرى وأفقه من غيرهم بالإطار المعرفي للدين. أمَّا مصطلح (رجال الدين) فيعني احتكار هؤلاء (الرجال) للدين، وأنّهم يمثّلون وساطةً بين الله وعباده، وأنّهم ظلال الله على الأرض، وأنّ كلّ اجتهادٍ يصدر منهم فهو مقدّسٌ ومطلق الصواب، وهذا يتنافى كليًّا مع تعاليم الشريعة الإسلاميّة.
[3]. الشنّاوي، عبد العزيز محمد، الأزهر جامعًا وجامعة، الجزء الثاني، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2013، ص26-27.
[4]. المصدر نفسه، ص7.
[5]. المصدر نفسه، ص8.
[6]. الجبرتي، عبد الرحمن، عجائب الآثار في التراجم والأخبار، ج3 تحقيق عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم، القاهرة، مطبعة دار الكتب المصريَّة، 1998، ص 16.
[7]. عبد العزيز محمد الشناوي، الأزهر جامعًا وجامعة، الجزء الثاني، ص28.
[8]. ريال فرانسة عملة كانت سائدة في القرن الثامن عشر، وكان سعره في ازدياد دائم؛ إذ وصل سعره عام 1798م إلى مئة نصف فضة بالعملة المصريّة آنذاك، ثم وصل في أقلّ من عشرين عامًا، أي في عام 1816م، إلى 360 نصف فضة. وكان العامة في مصر يطلقون عليه (ريال فرانسة)، وهو يشبه الدولار الأمريكي واليورو في أيامنا الراهنة.
[9]. الجبرتي، عبد الرحمن، عجائب الآثار في التراجم والأخبار، ج3، ص 24-25
[10]. المصدر نفسه، ص 26
[11]. سليمان، عبد الباسط محمد أمين، الأزهر ومساندة الثورات في مصر ومقاومة الاستعمار، المؤتمر العلمي الدولي الثالث- دور الأزهر في النهوض بعلوم اللغة العربيّة وآدابها والفكر الإسلامي، كليّة اللغة العربيّة بالزقازيق- جامعة الأزهر، مج3، 2012، ص 3334.
[12]. الشنّاوي، عبد العزيز محمد، الأزهر جامعًا وجامعة، الجزء الثاني، ص37.
[13]. الترك، نقولا يوسف، مذكرات نقولا الترك، نشر وترجمة وتعليق الأستاذ فيت، مطبعة المعهد الفرنسي للآثار الشرقية، القاهرة، 1950، ص60.
[14]. الشنّاوي، عبد العزيز محمد، الأزهر جامعًا وجامعة، الجزء الثاني، ص48.
[15]. الشلق، أحمد زكريا، الغزو الفرنسي لمصر وآثاره (1898-1801)، فصل بكتاب: المرجع في تاريخ مصر الحديث والمعاصر، تقديم ومراجعة يونان لبيب رزق، القاهرة، المجلس الأعلى للثقافة، ط1، 2009، ص94.
[16]. مواريه، جوزيف ماري، مذكرات ضابط في الحملة الفرنسيّة على مصر، ترجمة كاميليا صبحي، القاهرة، المجلس الأعلى للثقافة، 2000، ص77.
[17]. المصدر نفسه، ص77.
[18]. عبد العزيز محمد الشنّاوي، الأزهر جامعًا وجامعة، الجزء الثاني، ص102.
[19]. المصدر نفسه، ص104.
[20]. المصدر نفسه، ص115.
[21]. الشرقاوي، عبد الله، تحفة الناظرين فيمن ولى مصر من الولاة والسلاطين، القاهرة، تحقيق وتعليق رحاب عبد الحميد القاري، مكتبة مدبولي، 1996، ص122.
[22]. الشنّاوي، عبد العزيز محمد، الأزهر جامعًا وجامعة، الجزء الثاني، ص115.
[23]. الشرقاوي، عبد الله، تحفة الناظرين فيمن ولى مصر من الولاة والسلاطين، ص124.
[24]. الشنّاوي، عبد العزيز محمد، الأزهر جامعًا وجامعة، الجزء الثاني، ص169.
[25]. الرافعي، عبد الرحمن، تاريخ الحركة القومية وتطوّر نظام الحكم في مصر، ج2، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2021، ص 263-264.
[26]. المصدر نفسه، ص264-266.
[27]. المصدر نفسه، ص 271
[28]. دور الأزهر في الحياة المصريّة، ص254-255.
[29]. الرافعي، عبد الرحمن، تاريخ الحركة القوميّة وتطوّر نظام الحكم في مصر، ج2، ص 275
[30]. المصدر نفسه، ص 275.
[31]. المصدر نفسه، ص 276.
[32]. المصدر نفسه، ص 277.
[33]. محمد، أشرف صالح، الأزهر الشريف والسلطة في مصر، مجلة الثقافة الجديدة، الهيئة العامة لقصور الثقافة، العدد (283) أبريل 2014، ص106.
[34]. علي، سعيد إسماعيل، دور الأزهر في السياسة المصرية، القاهرة، كتاب الهلال، دار الهلال، العدد (431)، صفر 1407-نوفمبر 1986، ص 167.
[35]. علي، سعيد إسماعيل، دور الأزهر في السياسة المصرية، ص 169.
[36]. انظر، سالم، لطيفة محمد، التدخل الأجنبي والثورة الوطنية (1879-1882)، فصل بكتاب: المرجع في تاريخ مصر الحديث والمعاصر، تقديم ومراجعة يونان لبيب رزق، القاهرة، المجلس الأعلى للثقافة، 2009، ص 359.
[37]. علي، سعيد إسماعيل، دور الأزهر في السياسة المصرية، ص 176.
[38]. المصدر نفسه، ص 182.
[39]. علي، سعيد إسماعيل، دور الأزهر في السياسة المصرية، ص 183.
[40]. الهدهد، إبراهيم، علماء الأزهر وطلابه في مواجهة الاحتلال البريطاني(1882-1919م)، مجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة، صفر 1439ه/ نوفمبر2017م، ص302.
[41]. رمضان، عبد العظيم، تطور الحركة الوطنية في مصر 1918-1936، ج1، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ص 1998، ص130.
[42]. الرافعي، عبد الرحمن، ثورة 1919 تاريخ مصر القومي من سنة 1914 إلى سنة 1921، القاهرة، دار المعارف، ط4، 1987، ص 230.
[43]. المصدر نفسه، ص 228-229.
[44]. المصدر نفسه، ص 228-229.
[45]. محمد، أشرف صالح، الأزهر الشريف والسلطة في مصر، ص106.
[46]. عاطف، مصطفى، الأزهر في مقاومة الاحتلال، مجلة الأزهر، مجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة، جمادى الآخرة 1439ه/ فبراير2018م، ص1077.
[47]. القوصي، عطية وآخرون، الحضارة الإسلامية وتاريخ العرب الحديث، القاهرة، طبعة وزارة التربية والتعليم، 2011/2012، ص190.
[48]. سليمان، عبد الباسط محمد أمين، الأزهر ومساندة الثورات في مصر ومقاومة الاستعمار، ص3344.
[49]. الرافعي، عبد الرحمن، مقدمات ثورة 23 يوليو سنة 1952، القاهرة، دار المعارف، ط3، 1987، ص158.
[50]. م، ن، ص 159.
[51]. محمد، أشرف صالح، الأزهر الشريف والسلطة في مصر، ص107.
[52]. انظر، جريدة الأهرام السنة 79 بتاريخ 30 يوليو 1952، ص12.
[53]. محمد، أشرف صالح، الأزهر الشريف والسلطة في مصر، ص107.
[54]. انظر، تاج، عبد الرحمن، عيد الثورة – 23 يوليو، مجلة الأزهر، المجلد (28)، الجزء (1)، ص74.
[55]. انظر، عرفة، الشيخ محمد، عهدان، مجلة الأزهر، المجلد (24)، الجزء (2)، ص202.
[56]. انظر، الخطيب، محب الدين، حقائق، مجلة الأزهر، المجلد (25)، الجزء (6)، غرة جمادى الأخرة 1372- 15 فبراير 1953، ص650.
[57]. خليفة، محمد محمد، وانتصرنا على الخوف...!، مجلة الأزهر، المجلد (29)، الجزء (5)، ص 445.
[58]. السبكي، عبد اللطيف، موقف الثورة من الأزهر، مجلة الأزهر، المجلد (27)، الجزء (6)، ص 676.
[59]. انظر، حمروش، أحمد، شهود ثورة 23 يوليو، ج4، بيروت، 1977، ص337.
[60]. انظر، جريدة الأهرام بتاريخ 28 يوليو 1952، ص6.
[61]. زهمول، إبراهيم، الإخوان المسلمون- أوراق تاريخية، بدون بيانات نشر، ص203.