الباحث : د.شريف الدين بن دوبه
اسم المجلة : الاستعمار
العدد : 7
السنة : ربيع _ 2026 م
تاريخ إضافة البحث : April / 11 / 2026
عدد زيارات البحث : 339
الملخص
تعدّ الإبادات الجماعيّة، ومنها (محرقة الأغواط) في الجزائر، تجسيدًا للفكر الاستعماريّ القائم على ادّعاء التفوّق واستعلاء الغرب على البشريّة، حيث تُسخَّر الشعوب والثروات لخدمة المركزيّة الاستعماريّة، بينما تُستعمل الواجهات الثقافيّة لتبييض هذا السلوك العدواني.
تستعرض هذه الورقة جريمة الإبادة التي ارتكبها الاستعمار الفرنسي في مدينة الأغواط، التي راح ضحيّتها ثلثا سكّان المدينة. لم تكن هذه المحرقة عملًا عسكريًّا فحسب، بل خطّة استراتيجيّة للسيطرة على موارد الطاقة الهائلة في المنطقة (مثل حاسي الرمل). استعمل الجيش الفرنسي في هذه المعركة وسائل وحشيّة، شملت غاز (الكلوروفورم) لشلّ حركة المواطنين قبل حرقهم ورميهم في الآبار.
تُصنّف هذه الواقعة جريمةَ حربٍ وإبادةً جماعيّةً مكتملة الأركان، وهو ما اعترفت به فرنسا رمزيًّا عبر تدشين «آن هيدالغو» (عمدة باريس) للوحةٍ تذكاريّةٍ تخلّد الحادثة في (شارع الأغواط) بباريس، لتظلّ شاهدةً على وحشيّة الحقبة الاستعماريّة.
الكلمات المفتاحيّة: هولوكوست الأغواط - الإبادة الجماعيّة – المجتمع الجزائري- الأسلحة الكيماويّة.
تمهيد
من النماذج الاستعماريّة التي طالت الشعوب العربيّة الغزو والاحتلال الفرنسي الذي عرف بخبثه ودنائته في التعامل مع الشعوب التي يستعمرها . وإن كان اصطلاح الاستعمار من حيث الدلالة اللغوية يعني التعمير والبناء، لكن الأساليب التي استعملها الغرب الكولونيالي لا تمت بصلةٍ إلى الإعمار، وما تركه المستعمِر المحتل من بناء وعمران لم يكن بغرض تعمير منطقة الضعيف، بل هو استقرارٌ وتسلّطٌ على الأرض التي استولى عليها.
والتعاطي مع الشعوب بلغة الحرق والتعذيب والتنكيل في تاريخ الغرب لا يمكن تبريره بأيّ وجهٍ حتى ولو اعترف وأقرّ المستعمِر بعد ذلك بجرائمه، فلا يمكن إسقاط مسؤوليته عنها، فإذا افترضنا أنّ الأحفاد تناسوا أو قبلوا بالاعتراف، فكيف يمكن ضمان غفران الضحايا؟!
ولم يتوانَ الاستعمار الفرنسي للجزائر في استعمال أيّة وسيلةٍ تثبت ملكه وسيطرته على المناطق التي استعمرها ، وأخطرها تزوير الحقائق التاريخيّة للجزائر، وتهديد هويتها، فإلى هذه الساعة تعيش الجزائر جدلًا هوياتيًّا تركه المستعمِر ليلعب على أوتاره في تمزيق النسيج الاجتماعيّ للمجتمع الجزائري، وإضافةً إلى الطمس التاريخي واستلاب وسرقة الموروث الفكريّ والعلميّ المتمثّل في سرقة المكتبات والمخطوطات التي كانت تزخر بها الجزائر استعمل الأرض الجزائريّة كحقلٍ لتجاربه الكيماويّة والذريّة حيث كان كثيرٌ من أفراد الشعب الجزائري فئران تجارب ليدرس مفعول وأثر تلك الأسلحة على الأفراد البشريّة.
1. جغرافية الأغواط
الأغواط Laghouat واحةٌ من الواحات في الجنوب الجزائري، تقع في الجزء الشمالي الأوسط من الجزائر، يحدّها من الشمال ولاية تيارت، ومن الغرب ولاية البيض، ومن الجنوب ولاية غرداية، ومن الشرق ولاية الجلفة. وبذلك فهي تتوسّط منطقة الأطلس الصحراوي، وبالتالي منطقة السهوب. تشتهر بالنخيل، وتُعرف بتربية المواشي بحكم طابعها الرعوي والسهلي. كما تشتهر ببساتينها المنتشرة على ضفاف الوادي، حيث اصطلح عليها عند الأوروبيين «بالمدينة الحديقة أو مدينة البساتين»[2].
وتعدّ حاليًا من أهمّ ولايات الجزائر المساهمة في اقتصاد البلاد؛ إذ تتخطى صادراتها حاجز الـ 20 مليار دولار سنويًّا، وتسهم في الناتج الإجمالي الخام للجزائر بما يقارب الـ 50 مليار دولار. جل هذا المدخول يأتي من المحروقات الغاز خصوصًا- إلى جانب محطات الكهرباء، وقطاع المواشي الذي يُقدّر بأزيد من ثلاثة ملايين رأسٍ من الأغنام.
والقصد من هذا التقديم بيان الأهميّة الاستراتيجيّة لمدينة الأغواط فهي مصدرٌ رئيسٌ للطاقة (حاسي الرمل)، وللثروة الحيوانيّة، وهي كما يقول بعض الباحثين :»بوابة للصحراء ... و نقطة استراتيجيّة متساوية البعد بين الجزائر والقليعة وورقلة، وقريبة من البيض وأولاد سيدي الشيخ، وتسمح بأخذ جبال العمور من الخلف، وهي أقرب نقطةٍ استراتيجيّةٍ صحراويّة إلى مدينة الجزائر، ومركز تموين الجيوش وإيوائها ومحطّة للمياه. ونقطة مراقبة تجارة الميزاب نحو التلّ، ونقطة ارتكاز وحماية القوافل .. وقاعدة عسكريّة، وموقع جيّد لكلّ التحرّكات. كما أنّ الموقع العسكريّ للأغواط يسمح بملاحظة ومراقبة تحديد تحرّكات السكّان إلى إفريقيا جنوب الصحراء، كما تشكّل مع البيض وبسكرة وبوسعادة حزامًا أمنيًّا لشمال الجزائر...»[3].
كما تتميّز الأغواط بتضاريس متنوّعةٍ تبدو متناقضةً؛ حيث «فرضت تناقضات الموقع الجغرافي حالةٍ فريدةٍ من التكيّف على الإنسان الأغواطي؛ فثمّة الجبل والصحراء والوديان وسهول وواحات وصحراوات، هذه الثنائيّات المتناقضة ولّدت لدى الإنسان الأغواطيّ حافزًا قويًّا للحركة والتفاعل على مدى التاريخ حتى يحافظ على وجوده، وحماية مدخل الصحراء الذي أصبح هدفًا للخطط الفرنسيّة الاستعماريّة. فضلًا عن عروشها الكثيرة المتمركزة على أطرافها بالقرى والمداشر والبدو الرحّل، والذهنيّات المتشدّدة، وتأجّج الثائرين ضدّ أيّ تواجدٍ غريبٍ في المنطقة»[4].
ونظرًا لهذه الأهميّة الاستراتيجيّة لمدينة الأغواط أرسلت فرنسا حملاتٍ استكشافيّةً للمنطقة بقيادة الجنرال مونج (Marey Monge)، قائد الشعبة العسكريّة للمدينة في شهر مارس 1844 م، مع طابورٍ من ألفٍ وخمسمائة جندي، وعند ذلك: «أسرع (أحمد بن سالم ) بإرسال أخيه إلى القائد الفرنسي ليقدّم له الولاء، ويطلب منه أن يمنحه منصب خليفة على الأغواط ممثّل للسلطة الفرنسيّة بالمنطقة بقصورها الخمس...»[5].
وقد كانت هذه الملاحظة بالنسبة لقائد الحملة اكتشافًا رئيسًا وحسّاسًا تمثّل في وجود فئةٍ في المنطقة تعلن براءتها من الأمير عبد القادر، وتقرّ بالولاء الصريح لفرنسا، وهذه ضربةٌ تقصم ظهر الأمير، وعليه أسرع القائد إلى « إبلاغ رؤسائه، فبادر بإرسال يحيى بن معمّر الى الجزائر العاصمة محملًا بتقريره إلى الوالي العام الماريشال بوجو bugeaud الذي كاتب هو بدوره وزير الحربيّة بباريس الماريشال سولت ذكّره بفوائد الصحراء السياسيّة والاقتصاديّة والاستراتيجية، بوصفها همزة وصلٍ في داخل إفريقيا، ويجب الإسراع ببسط النفوذ الفرنسي عليها، ومزاحمة الأمير عبد القادر فيها لحرمانه من مصادرها[6].
2. الأغواط وثقافة المقاومة
عرفت الصحراء العديد من المقاومات الشعبيّة التي جاهد فيها الشعب الجزائري بكلّ ما يملك عن أرضه وعرضه، رغم البنية الهشّة التي كانت تنخر النسيج الاجتماعيّ بسبب الانقسام القبليّ الذي كان طبيعة أوليّة في ثقافة القبيلة، وهو ما استغلّه الاستعمار كثيرًا في مدّ نفوذه وسلطته على الأراضي الجزائريّة. والملاحظ على هذه الثورات كثرة التقاطعات التي تلفها، فحركة الأشخاص أو أبطال المعارك تجدها حاضرةً في كثيرٍ من المعارك التي يصطلح عليها بنسبتها الى الأشخاص، أو بنسبتها الى الأماكن أحيانًا، والى القبيلة في بعض الأحيان. فبطل المقاومة الذي واجه المستعمِر في مدينة الأغواط هو الشريف إبراهيم [7] الذي بدأ مساره الجهادي من مدينة ورقلة « ففي سنة 1850 توفّي الحاج أحمد بن بابيه سلطان ورقلة، وكانت السلطة في يد لا لا الزهرة وولد عبد الله بن خالد، فعرضت السيدة زهرة السلطة في ورقلة على الشريف إبراهيم فقبلها وسمي نفسه سلطان ورقلة ..»[8] .
وقد كانت تربطه بهم علاقات عائلية فمع أخواله الشعانبة أولاد بن فردية بدأ في تشكيل نواة من الرجال والعتاد ثمّ انضمّ إليه جل سكّان ورقلة من شعانبة ومخادمة وبني ثور وغيرهم، وبايعوه بصفة سلطان ورقلة في شهر أوت (آب) سنة 1851م، وبعدها مبايعة شعانبة متليلي شهر سبتمبر من السنة نفسها.
وتاريخ الشريف محمد بن عبد الله ينبئ بسيرته الجهاديّة، فقد استقرّ في الصغر بحاضرة تلمسان، واشتغل معلِّمًا للقرآن الكريم بزاوية أولاد سيدي يعقوب، وهذا سنة 1840م. وبعد احتلال مدينة تلمسان من طرف الفرنسيين شهر ديسمبر 1841م، حمل لواء المقاومة ضدّ المستعمِر.
وعندما اكتشفت فرنسا حضوره ودوره في تأليب المقاومة ضدّ فرنسا سنة 1844 غادر باتجاه المشرق لتأدية مناسك الحج، وبدأ يتصل بعددٍ من الجزائريين المطرودين والفارين من الضغط الاستعماري الجديد، ومن بينهم محمد بن علي السنوسي الذي طرد من الجزائر عام 1849م، واستقرّ بالتراب الليبي حيث أسس الزاوية السنوسيّة. وفيها أنشأ علاقاتٍ دبلوماسيّة مع الملك السنوسي بليبيا، والعثمانيين؛ قصد الإعداد والتنظيم للمقاومة ضدّ الغزو والاحتلال الفرنسي للجزائر.
وعندما تربّع الشريف محمد بن إبراهيم على السلطة في ورقلة شرع في تنظيم القبائل من أجل مقاومة الفرنسيّين، حيث استطاع إقناع أهالي بلدة [ تقرت ] بالانضمام في خطّ المقاومة، وعلى رأسهم الحاكم سليمان بن جلاب. وهكذا استمر في حشد القوات متّجهًا إلى الغرب نواحي جبل العمور قصد التصدّي لقوات الزحف الفرنسي بعد أن قرّرت سلطاتها إرسال بعثةٍ على مدينة الاغواط منطلقةً من مدينة المدية.
«وفي ظلّ هذه الظروف أعلن شريف ورقلة عن ثورته، وبدأ في مهاجمة المتعاونين مع العدو، وكانت غايته الاستيلاء على تقرت والأغواط»[9]. كما استطاع الشريف أن يثبت سلطته، وافتكاك مدينة الأغواط حيث قطع الطريق أمام الفرنسيّين، وذلك «من خلال تمكّنه من ردّ هجمات ضبّاط المكاتب العربيّة المتتالية نحوها، وهما هجوم كلٍّ من (بان) و(دينو) ...»[10].
3. هولوكوست الأغواط
كان على رأس قيادة الحملة العسكريّة المتّجهة لغزو الأغواط الجنرال لادميرونت [Paul de Ladmirault] في شهر ماي 1851م. و في يوم 3 جوان من السنة نفسها دخلت هذه الحملة مدينة الجلفة.
وبعد الاجتماع بقادة القبائل المحليّة، ومن بينهم خليفة الأغواط الآغا شريف بلحرش فكر قائد الحملة الفرنسيّة في تعيين ابن الناصر بن شهرة [11]∗ خليفة على الأغواط خلفًا لأحمد بن سالم. لكن ابن الناصر بن شهرة كان دومًا يرى أنّ الفرنسيين ما هم إلّا غزاة متعطشون، ورفض الانضمام إليهم، وفضّل الالتحاق والانضمام إلى لواء الشريف محمد بن عبد الله ضدّ الاحتلال الفرنسي.
ومن جهته أمر الحاكم العام للجزائر روندون الجنرال لادميرولت بالزحف على الأغواط على رأس حملةٍ قوامها أكثر من 1500 عسكري، وهكذا بدأت أولى المناوشات بين هذه القوات الزاحفة، وقوات المقاومة بقيادة الشريف محمد بن عبد الله ورفقائه ابن الناصر بن شهرة، والشريف بوشوشة بن التومي.
عندها أدركت قوّات الاحتلال صلابة المقاومة، وبدأت تخشى ردّ فعلها اضطرّت إلى استدعاء قواتٍ إضافيّةٍ من جيوشها المتمركزة بتيارت تحت قيادة الجنرال دولينيي.
و من جهته وبعد الاطّلاع على خطط وحركات الجنرال لادميرولت تحرّك الشريف محمد بن عبد الله بسرعةٍ فائقةٍ ناحية طاجرونة بالقرب من وادي زرقون، وهذا قصد إعداد العدة الملائمة وتعبئة أكبر عددٍ ممكنٍ من الرجال داخل القبائل المجاورة.
ثم التحق بقوّات بن الناصر بن شهرة. وكانت كلّ هذه القوات المعبّأة لمقاومة الفرنسيّين تتكون من عناصر تابعةٍ لقبائل أولاد سيدي عطا لله، وسعيد عتبة، والمخادمة، والشعانبة من ورقلة شعانبة متليلي، أولاد عامر من تيماسين، وأولاد جلاب وغيرهم من عرب الصحراء.
هذا التجمّع الهائل زرع بعض التخوّف في صفوف الفرنسيّين؛ لذا كلّف الضابط الفرنسي كولنو بتعبئة الفيالق العسكريّة في انتظار المواجهة، وفي الوقت نفسه لم يكف الشريف محمد بن عبد الله بالتردد على الأغواط بهدف تحشيد وتعبئة السكان.
وبعد الاطلاع واكتشاف حركات ودعوات الشريف محمد بن عبد الله من طرف الجنرال يوسف حاول هذا الأخير إغراء السكّان قصد تصفية الشريف محمد بن عبد الله، بشتّى الوسائل. وقد بعث الجنرال يوسف إلى الجنرال بيليسييه Pillissier في 21 نوفمبر 1852 رسالةً عكست مدى الخوف الذي كان يعتري الفيلق الفرنسي من تنامي قوّة الشريف محمد بن عبد الله، ونصّ الوثيقة مدرج في الملحق.
بعد فشل هذه المحاولات والدسائس قرّر الحاكم العام للجزائر ضرب الأغواط بقوةٍ لأجل إخضاعها لسيطرة الفرنسيّين؛ لذا عبّأ وجنّد لهذه الحرب خمس تشكيلاتٍ من العساكر تحت قيادة الجنرال بي ليسيي. وهكذا بدأت الحرب على مشارف مدينة الأغواط يوم 3 ديسمبر 1852م، وعلى عدة جبهات.
وبعد وصول بيليسييه منطقة الحويطة في الأوّل من ديسمبر 1852 أقرّ خطةً عسكريّةً للهجوم على المدينة حيث «وضع في الشمال الجنرال يوسف، وفي الشمال الغربي العقيد تروملي، ومن الغرب الجنرال بيليسييه، ومن الجنوب الغربي الجنرال بوسكارين، ومن الشرق الرائد موران»[12].
ورغم القوّة الهائلة التي كانت تحاصر المنطقة لم تضعف المقاومة، ولم تقف عن الكرّ والفرّ في الهجوم على الفيالق العسكريّة الفرنسيّة، وقد اعترف الفرنسيّون أنفسهم بشراسة المقاومة في عدّة مناسبات، وبدأت المعركة النهائيّة في صباح الثالث من ديسمبر 1852م، من خلال احتلال التلال المحيطة بالمدينة.
ولكن في اليوم التالي: 4 ديسمبر 1852م، ضاعف بيليسييه من هجومه على المقاومين مستعملًا المدفعيّة، وحاول الجنرال يوسف السيطرة على الضلعة، ولكنه عاد أدراجه لشدّة المقاومة، واستمرت محاولات الفرنسيّين بقيادة بوسكارين في الهجوم، إلى أن أصيب برصاصةٍ كانت سببًا في هلاكه لاحقًا[13].
4. سقوط الأغواط
تمكّنت القوات الفرنسيّة بخرق الأماكن المتقدّمة للمقاومة بعد أن سقط الجنرال الفرنسي بوسكارين أثناء المواجهات، وخلف مكانه العقيد كلير بالتنسيق مع الجنرال يوسف بهدف السطو على المدينة التي كانت تجري فيها معارك شرسة حتّى داخل الأزقة والمنازل، وكلّفت القوات الفرنسيّة خسائر باهظةً، وكانت المدافع تقصف تحصينات هذه المدينة قصد فتح ثغرات تمكّن من دخول أكبر عددٍ من العساكر. ونتيجة عدم تكافؤ القوى تمكّنت القوات الفرنسيّة من احتلال مدينة الأغواط يوم 4 ديسمبر 1852م، بعد ارتكابها مجازر رهيبةً سقط فيها أكثر من 2500 شهيد من صفوف المقاومة، وآلاف الجرحى والمعتقلين.
وقد كان وقع السقوط على الجزائريين صعبًا لدرجةٍ قال فيها سكّان الصحراء: «إنّ فرنسا احتلت أو ربحت جزائر ثانيةً في الجنوب»[14].
يقول يحيى بوعزيز نقلًا عن قارو: «ارتكب الفرنسيّون في الأغواط بعد احتلالها فضائع، فاستحلّوها للجنود ثلاثة أيامٍ يقتلون الناس بالجملة، ويرمون جثثهم في الآبار والحواسي، ولمدة ثمانية أيامٍ وهم يقتلون الناس الذين يستسلمون حتى حفيت السيوف، ومارس الجنود النهب والسلب للحلي النساء، والاعتداء على عفافهن»[15].
وبالنسبة للمحرقة أو الهولوكوست فتمثّل في استعمال الغازي الفرنسي الأسلحة الكيماويّة لشلّ القدرات العصبيّة عند المواطنين مستخدمًا غاز الكلوروفورم، وحسب بعض الباحثين تعدّ محرقة الأغواط أوّل هولوكوست عرفه تاريخ البشريّة؛ إذ «تمّ في الجزائر على يد القوات الاستعماريّة الفرنسيّة الغازية بعد حصار الجيوش للأغواط22 نوفمبر -2 ديسمبر 1852م، نُفّذ أوّل هولوكوست كيماويّ في التاريخ لإبادة السكّان المدنيين العُزّل»[16].
وحسب الباحث العبودي فإنّ اصطلاح المحرقة أو الهولوكوست استعمل لأوّل مرةٍ في أدبيات وتقارير قادة وضبّاط الحرب الفرنسيّة الواردة من الجزائر في خمسينيّات القرن التاسع عشر، حيث وردت في كتاب مارسيل ميليا Marcel Melia في كتابه الأغواط بيوت محاطة بالجنائن «Jean melia, laghouat ou les maisons entourées de jardins» الذي استعمل فيه مصطلح الهولوكوست إشارةً إلى تقريرٍ عسكريّ كان مرسلًا من القائد الفرنسي بيليسييه إلى ريفي القائد العام للقوات الفرنسيّة في الجزائر يخبره أنّه نفّذ التعليمات الموجّهة له بالإبادة مستخدمًا في تقريره مصطلح هولوكوست .. ونقل عن لسان بيليسييه ما نصّه لو لم أحصل على تلك النتائج بالإبادة لكنت أحرقت البلاد بنخيلها، وهجّرت أهلها إلى مكانٍ لا يوجد فيه حتى الهواء»[17].
ولم يخجل الفرنسي من جرائمه ضدّ المستضعفين من الولدان والنساء بقتلهم وحرقهم، بل نجده يفتخر ويتلذذ بتلك الأحداث التي تعكس همجيّة الغرب وخبثه، والواقع المعاصر يثبت ذلك، فلا نجد الحريّة والتسامح إلّا حذلقة وتشدّق فكري، وموقف الغرب من الهولوكوست في غزّة مؤخّرًا يؤكّد دناءة الغرب ورؤيته الضيقة التي ترى الإنسان ممثّلًا فيهم فقط، أمّا الشعوب الأخرى فليست إلّا بهائم، وهذا الفكر من الموروث التلمودي، ورواسب الحروب الصليبيّة، فالعدو الحقيقي للغرب هو المسلم.
فهناك نصوصٌ فرنسيّةٌ تتحدّث عن «مشاهد للفتيات وهن مطروحات أرضًا في كلّ مكانٍ من المدينة وفي بيوتهن على السلالم وعتبات البيوت.. كما أنّ مشهد هروب الكلاب ولجوئها إلى الجبل الذي أطلق عليه الفرنسيّون جبل الكلاب إشارة واضحة لهروب جميع هذه الحيوانات ذات الحاسة الشميّة العالية هروبًا من الغازات الخانقة التي قُصفت بها المدينة... ويقول أحد الضباط إنّه دفن في بئرٍ واحدةٍ ما يقارب 250 جثة»[18].
ومن النصوص التي تؤكّد استعمال السلاح الكيماوي في محرقة الأغواط ما جاء في دراسة مونجان المعنونة بتقييدات أو ملاحظات حول تاريخ الأغواط: «... استغرق إخلاء المدينة من ضحاياها وقتًا طويلًا جدًا، وكان هذا عملًا كريهًا تناوبت على القيام به عدّة كتائب في اليوم الواحد.. بعد وقوع الهجوم تفقد الجنرال بيليسييه مواقع المجازر فوجد أنّ العمل لا يسير كما يريد؛ فاستدعى الضابط شاربون فوبّخه على البطء الذي يبديه في مسألة التخلّص من الجثث؛ فرّد عليه قائلًا: مهلًا سيدي الجنرال فنحن لا ندفن الموتى بمثل السرعة التي نقتلوهم بها»[19].
وقد تضمّنت مذكرات بعض المشاركين في الجريمة أو هولوكوست الأغواط تقريرًا يشير إلى استخدام الأسلحة الكيماويّة فيها، وهو ما عرف بتقرير راير جاء فيه[20]: «يضع السيّد راير على المكتب ملاحظةً مبعوثةً من الجزائر العاصمة من طرف الدكتور أوسينال إلى السيّد المارشال فيالانت Viallant يطلب منه معلوماتٍ دقيقةً حول الظروف المتعلّقة باستعمال الكلوروفرم[21]∗ في العمليّات العسكريّة في الأغواط، ثم بعث تلك الملاحظة لتحليل اللجنة المكلّفة بالتعرّف على مذكرات السيّد جوبير Jobert ، والسيّد لومبال lamballe، والسيّد بودنز.
والمقاصد التي كان يرنو إليها الاستعمار هي إرهاب الشعب الجزائري، من خلال زرع الخوف والروح الانهزاميّة بين الأوساط الشعبيّة، وعدّ المجرم الفرنسي الحادثة فتحًا عظيمًا، واحتلالًا جديدًا للجزائر يكشف عن مدى اللؤم والخبث الاستعماري.
ورغم ما يحزّ في النفس وفي الذاكرة الجماعيّة من آثارٍ وجراحٍ فإنّ حادثة الأغواط، أو الهلوكوست الكيماوي الأول الذي سجّل تاريخ الفرنسيّين وجبِّلتهم المتوحشة يكون جزءًا من الذاكرة الوطنيّة، حيث لا تزال الذاكرة الشعبيّة تذكر (عام الشكاير)، أي الأكياس التي وضع فيها الأعيان والنخبة من أهالي الأغواط، والتي كانت أكياسًا غير نفاذة مشبّعة بأبخرة الكلوروفورم لتشلهم وتخنقهم قبل هلاكهم، كما اصطلح أهل الأغواط على العام بـ(عام الخِلية) بكسر الخاء، أي العام الذي أصبحت فيه الأغواط خاليةً من الأهالي وكانت مدينة أشباحٍ فقط.
خاتمة
ينبغي الإشارة – بعد كلّ ما سبق - إلى تباين الرؤى في التعاطي مع هذا الحدث التاريخي، وهذا أمرٌ طبيعيّ لأنّ الحدث التاريخي ماضٍ، والخبر بطبيعته معرّضٌ للكذب كما يقول ابن خلدون، فالتاريخ يكتبه الغالب، ولا يملك في كتابته المغلوب شيئًا؛ ولهذا كانت فرنسا الخصم والدليل في الوقت نفسه، وهذا أمرٌ يدعو إلى الاستغراب؛ فالوثائق المعتمدة في معرفة الحدث هي الوثائق الفرنسّية، ومنها المجلة الإفريقيّة la revue africaine ، وبعض المذكّرات التي وصلت إلينا، التي تصوّر بعض الجزئيّات من الحدث، وما خفي أعظم، فالحدث التاريخي يقتضي من الباحث التدقيق في كلّ ما يصل إليه، ويوظف المقارنة والتحليل لتفكيك خيوط الحدث، وإعادة بنائه.
والغريب في الأمر أنّ البحوث التي قدّمت واشتغلت على هذا الهولوكست تعدّ على الأصابع ، ومنها البحوث التي اعتمدناها في دراستنا تقريبًا، والفضل يعود إلى المرحوم الدكتور عبد الكاظم العبودي الباحث العراقي الجزائري الذي اشتغل على جرائم فرنسا في الجزائر، وبالأخص ما تعلّق بالتجارب النوويّة التي أجرتها في رقان والصحراء الكبرى. وفي الدراسات التي قدّمها سواء كانت في رسالته الثانية التي تقدم بها لنيل شهادة الدكتوراه في الفلسفة، أو الأولى تقدّم بها في العلوم الطبيعيّة التجريبيّة وهو تخصّصه الأول حيث اجتهد في إثبات المحرقة التي وقعت في الأغواط، وفي الجزائر بشكل عام.
وما نستخلصه من هذه الورقة أنّ الاستعمار استحمارٌ[22] للمجتمع وللنخبة أولًا، واستغلالٌ للثروات، واستدمار[23] للأرض وللبشر، فالغاية تبرّر الوسيلة مبدأ رئيسٍ في الممارسة السياسيّة عند الغرب.
الملحق
الوثيقة: رسالة الجنرال يوسف إلى الجنرال بيليسيي قبيل الحملة على الأغواط:
«لقد استقبلت اليوم بالقرب من الأغواط وعلى وقع الرصاص رجال الشريف فرسانًا وفنتازيةً وعددًا غفيرًا جدًّا من المواطنين، لقد كسبنا معركةً في غاية الأهميّة حيث تجاوزت الساعة من أجل الدخول على واحات المدينة، وقد تمكّن فرساننا من تحقيق انتصارٍ كبيرٍ، حيث خلف العدو [الجزائريون] أكثر من مائة قتيل [شهيد]، منهم قادة كثيرون تم التعرّف عليهم.
لقد قادت كتائبي المعركة بكثيرٍ من الهدوء والدم البارد، وقد كلّفنا ذلك خمس قتلى واثني عشر جريحًا، كلهم في حالةٍ خطيرةٍ، وقد كان النقيب دوستال de stail أحد قنّاصي جيش إفريقيا من بين الجرحى، حيث أصابته رصاصةٌ كسرت كتفه، هذا إضافةً إلى قتيلين اثنين وثلاثة جرحى من فرساننا.
وقد تمركزت المقاومة وتموقعت في مدينة الأغواط التي تحصّن بها الشريف ورجاله، بينما أرسلت المواشي والنساء نحو الجنوب، وباعتبار أنّ أهل الأغواط من الفنتازية فقد ردّوا على خطاب السلم والأمان بالرغبة في الاستشهاد من أجل ضمان الجنة.
إنّ الوضعية خطيرة، لقد أضحت الأغواط بؤرة المقاومة، وستغدو أكثر صلابةً وشراسةً، ولا أظنّ أنّه من الحكمة مهاجمة المدينة بالقوّة التي هي تحت تصرّفي حاليًا، لست متخوّفًا من الهزيمة، وإنّما سيكلّفنا ذلك الكثير من الخسائر البشرية، وسيكون الانتصار ربما غير مكتمل، ولا تنسَ سيّدي حضرة الجنرال باسم سعادتكم استدعاء النفر لتجنّب زعاطشة جديدة، عليك بالتعجيل ولا تترك الوقت للعدو لينظّم إمكاناته القويّة جدًّا. دعني أقول لك إنّ العدو في مرحلة الحشد التي يقوم بها السيّد سي النعيمي. كما أنّ مسألة التموين بالشعير لا تقلق حاليًا إذ هي كافية لمدّة عشرة أيامٍ قادمة.
إنّني على بعد 1800م من مقرّ مدينة رافد العيون، حيث يخيم الهدوء وعدم القتال ليلًا، ولا أظنّ أنّ رجال الشريف سيحاولون التقدّم نحو الجبال، وإنّما لا بد أن ندفعهم الى مقاومةٍ داخل المدينة، لا بد أن تعلم فيالق الرائد بان Pein أنّ مدينة الأغواط هي هدفنا، ونحن أمام فرصةٍ متاحةٍ، وإذا تمّ لنا ذلك فلن يبقى لنا سوى خطوةٍ واحدةٍ للتمكّن من الجنوب.
إنّي أنتظر تجاوبكم الفعّال مع هذه المستجدات، والأحسن أن تأتي شخصيًّا لقيادة تلك العمليات. وتقبّلوا مني سيدي حضرة الجنرال خالص تحياتي». الأرشيف الوطني لما وراء البحار بآكس اون بروفونس مرسيليا–فرنسا-/ الرصيد: الحكومة العامة بالجزائر (GGA)العلبة: [24] 8X417
المصادر والمراجع
إبراهيم، مياسي، الاحتلال الفرنسي للصحراء الجزائريّة 1837-1934 دار هومة الجزائر 2009.
بن عتو بلبراوات، الاحتلال الفرنسي لاغواط في 1852 وجرائمه، مجلة عصور الجديدة، وهران العدد السادس 2012.
بومدين، بوكعبوش، الواقع الثقافي في منطقة الأغواط في ظلّ الاحتلال الفرنسي، أطروحة دكتوراه في التاريخ، جامعة الجزائر ، جامعة الجزائر، 2019.
عبد الكاظم، العبودي، أخلاقيات البحث العلمي: البيولوجيا واسلحة الدمار الشامل نموذجين، رسالة دكتوراه غير منشورة، جامعة وهران.2011.
عميراوي احميدة، وآخرون، السياسة الفرنسيّة في الصحراء الجزائريّة: 1844-1916، دار الهدى عين مليلة، الجزائر2009.
عيسى، بوقرين، الهولوكوست الفرنسي في الأغواط ، مجلة قضايا تاريخيّة، المجلد:05 العدد:01، سنة 2020 .
لياس نايت قاسي، مليكة بلقاضي، قراءة في الاستراتيجيّة الاستعماريّة الفرنسيّة لاحتلال الأغواط 1852، المجلة التاريخيّة الجزائريّة، المجلد :4 العدد2 2020 .
مصطفى عبيد، ومحمد يعيش، الحملة على الأغواط من خلال رسالة الجنرال يوسف الى الجنرال بيليسيه، المجلة التاريخيّة الجزائريّة، المجلد: الأول العدد: الأول، السنة 2017.
يحيى بوعزيز، ثورات القرن التاسع عشر في الجزائر، دار البصائر، الجزائر 2009.
Trumelet , l’Algerie legendaire. ed adolphe jordan libraire .Paris (1892).
E.Mangin, Note sur l’histoire de Laghouat, revue Africaine, n°37.1893.
Melia. J : Laghouat ou La Maison entourées Des Jardins, Ed. Plan Nourrit et Cie, Paris, 1923.
-------------------------------------------
[1]. جامعة سعيدة/ الجزائر
[2]. Melia. J : Laghouat ou La Maison entourées Des Jardins, Ed. Plan Nourrit et Cie, Paris, 1923, P22
[3]. عيسى، بوقرين، الهولوكوست الفرنسي في الأغواط ، مجلة قضايا تاريخية، المجلد5 العدد 1 ، ص 89 .
[4]. لياس نايت قاسي، مليكة بلقاضي، قراءة في الاستراتيجية الاستعماريّة الفرنسية لاحتلال الأغواط 1852، المجلة التاريخية الجزائريّة، المجلد 4 العدد2 ، ص 130.
[5]. إبراهيم، مياسي، الاحتلال الفرنسي للصحراء الجزائريّة 1837-1934، ص 101.
[6]. ينظر: إبراهيم مياسي، الاحتلال الفرنسي للجزائر، ص.101
[7]. وهو الطيّب بن إبراهيم بن أحمد الشريف، سيد حسني.
[8]. عميراوي احميدة، وآخرون، السياسة الفرنسية في الصحراء الجزائرية 1844-1916 ، ص43.
[9]. المصدر السابق، ص 44.
[10]. المصدر السابق، ص 45.
[11]. ناصر بن شهرة أو بن ناصر بن شهرة (1804م - 1884م)، قائد وزعيم ومقاوم الاحتلال الفرنسي للجزائر خلال القرن 19م. ينتمي إلى قبيلة المعامرة والحجاج الذين ينتمون بدورهم إلى الأرباع. هو شيخ قبائل الأرباع الهلاليّة بنواحي مدينة الأغواط، ذلك الرجل الذي دام كفاحه ضدّ الاحتلال الفرنسي أكثر من أربع وعشرين سنة (1267-1292هـ/1851-1875م) يُنظر: يحيى بوعزيز، ثورات القرن التاسع عشر في الجزائر، ص 218.
[12]. بومدين ، بوكعبوش، الواقع الثقافي في منطقة الأغواط في ظلّ الاحتلال الفرنسي، أطروحة دكتوراه في التاريخ، ص 161.
[13]. Trumelet , l’Algerie legendaire. ed adolphe jordan libraire .Paris (1892) pp561-562
[14]. E.Mangin, Note sur l’histoire de Laghouat, revue Africaine, n°37.1893, p87
[15]. بوعزيز، يحيى، ثورات القرن التاسع عشر في الجزائر، ص 220.
[16]. عبد الكاظم، العبودي، أخلاقيّات البحث العلمي: البيولوجيا وأسلحة الدمار الشامل نموذجين، ص 404.
[17]. المصدر السابق، ص 404.
[18]. المصدر السابق، ص405.
[19]. المصدر السابق، ص 407.
[20]. ينظر :
Melia. J : Laghouat ou La Maison entourées Des Jardins, Ed. Plan Nourrit et Cie, Paris, 1923,
[21]. الكلوروفورم مادّةٌ متطايرةٌ سريعة التبخّر في درجات الحرارة العادية، والبخار أو الغاز الناتج عنه يبقى ويدوم انتشاره في الجو والميدان لفتراتٍ طويلةٍ عند توفّره بكمياتٍ كبيرةٍ وتركيزٍ عالٍ، وهو من الموادّ التي يمكن حفظها وتعبئتها في القذائف على شكل سائل، يمكن اطلاقها على شكل سحبٍ من البخار والغازات، أو على شكل رشّاتٍ من الرذاذ يمكن استنشاقها، فهي مادّة لا لون لها، ولا يشعر الضحايا بوجودها.
[22]. اصطلاح قدّمه المرحوم علي شريعتي في كتابه النباهة والاستحمار.
[23]. اصطلاح تقدّم به المفكّر الجزائري مولود قاسم نايت بلقاسم وزير الشؤون الدينية والأوقاف في عهد الرئيس هواري بومدين.
[24]. مصطفى عبيد، ومحمد يعيش، الحملة على الأغواط من خلال رسالة الجنرال يوسف إلى الجنرال بيليسيه، المجلة التاريخيّة الجزائريّة، المجلد: الأول العدد: الأول، السنة 2017 ص.ص : 72-73-74.