الباحث : م.م مصطفى الشمري
اسم المجلة : الاستعمار
العدد : 7
السنة : ربيع _ 2026 م
تاريخ إضافة البحث : April / 11 / 2026
عدد زيارات البحث : 261
الملخص
يقدّم المؤلّفُ قراءةً نقديّةً لخطابٍ يبرّرُ الاستعمار أو يحنُّ إلى عودته، عبر تحليلِ الأطروحاتِ التي تُبرز «منجزاته» التنمويّة، وتُغفلُ مخاطرَهُ الاستراتيجيّة. كما يبيّنُ أنّ الدوائرَ الاستعماريّةَ عملت تاريخيًّا على وفقِ مخططاتٍ بعيدةِ الأمد تخدمُ مصالحَها، مستفيدةً أحيانًا من نُخبٍ محلّيّةٍ سوّغت ذلك بدعوى اللحاقِ بالتقدّم العلميّ والتقني. وفي مقابلِ خطاب الضحايا الذي يركّزُ على آثارِ الدمارِ والتخلّف، يبرزُ تيّارٌ يُحمّلُ الدولةَ الوطنيّةَ مسؤوليّةَ الفشلِ والأزمات، متجاهلًا أنّ هذه الدولةَ نشأت أصلًا كبديلٍ للاستعمارِ ضمن ظروفٍ موضوعيّةٍ حدّت من استمراره المباشر، وأنّ بنيتَها الداخليّةَ أسهمتْ في إعادةِ إنتاجِ منطقِ «دولة التجزئة» بصيغٍ قوميّةٍ أو دينيّةٍ متعدّدة. ويَخْلصُ المؤلّفُ إلى أنّ الدعوة إلى تبييضِ صفحةِ الاستعمار تتجاهلُ تحوّلَه إلى «استعمارٍ جديدٍ» يقوم على الهيمنةِ غير المباشرةِ عبر وكلاء محلّيّين. فالاستعمار في جوهرِه يسعى إلى المنفعةِ الذاتيّة، وقد يُنتج منافعَ عرضيّةً للآخرين، لكنّه لا يتخلّى عن منطقِ الاحتكارِ والهيمنة.
الكلمات المفتاحيّة: الاستعمار، التنمية الاستعماريّة، إيجابيّات الاستعمار، الدولة العثمانيّة، الولايات المتّحدة.
اسم الكتاب: معضلة التنمية الاستعماريّة نظراتٌ في دعاوى إيجابيّات الاستعمار
المؤلّف: محمد شعبان صوان
الباب الأول: (التطوير الاستعماري بين الإفادة والإبادة)
يبدأ المؤلّفُ من موقفٍ نقديّ يتعارض مع القناعة الشائعة بأنّ الاستعمار كان مصدرًا للتنمية أو مُحركًا للحداثة في العالم غير الغربي. فالتاريخ الاستعماري، وفق هذا المنظور، لا يُفهم من خلال إحصاءات البنية التحتيّة أو معدلات التعليم أو ظهور مؤسّساتٍ حكوميّة، بل من خلال هيكل القوّة الذي فرضته القوى الاستعماريّة. وعليه فإنّ ما يُسمّى (إيجابيات الاستعمار) لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه نتاجًا مستقلًا أو مكاسب تاريخيّة، بل كآثارٍ جانبيّةٍ لطبيعة مشروعٍ سياسيّ واقتصاديّ قائمٍ على السيطرة والنهب، وفي سياق منطقٍ تنافسيّ دوليّ لا يعترف إلّا بسلطة المركز.
يرفض المؤلّفُ الاختزالَ المزدوج بنوعَيه: الأول: اختزال الاستعمار إلى الاستفادة الماديّة وحدها، والثاني، اختزاله إلى الشر المطلق دون الاعتراف بأنّ بعض مظاهره قد تُقرأ في ظاهرها على أنّها تحديث. وفي مواجهة هذا الاختزال المزدوج، يقدم الكاتب قراءةً موضوعيّةً فهو لا ينكر وجود تغييراتٍ ماديّة، لكنّه يصر ّعلى أنّ هذه التغييرات كانت خاضعةً لغاية الاستغلال، وأنّ التحديث لم يكن هدفًا بقدر ما كان وسيلةً لضبط المستعمَرات وتسهيل استخراج فائضها. وهكذا تصبح البنية التحتيّة التي تُبنى في المستعمَرات ليست شبكة تنمية، بل شبكة إخضاع: سكك حديد تُبنى لتسريع نقل المحاصيل والموارد إلى الموانئ، وطرق تُمدّ لتسهيل وصول القوات، وموانئ تُفتتح لتخدم تجارة المركز، لا احتياجات المجتمع المحلّي. وهذا ما يجعل من المنفعة التي تُنسب للاستعمار منفعةً مشروطة ومُسقَطة من جوهرها؛ لأنّها لا تدمج المجتمعَ في عملية تطويرٍ ذاتي، بل تُدمجه في منظومة إنتاج تستنزف مواردَه.
وفي موضعٍ آخر يُقدّم المؤلّف نقدًا صريحًا لفكرة (الرسالة الحضارية)، التي تُستعمل كغطاءٍ أخلاقيّ للاستعمار. فالاستعمار ـ كما يراه ـ لم يكن مجرد مشروعٍ سياسيّ واقتصادي، بل مشروع معرفي - أيديولوجي يهدف إلى إعادة تشكيل وعي الشعوب المستعمَرة، بحيث يُصبح القمع والهيمنة خدمةً وتقدمًا وتحضيرًا للحداثة.
وتتجلّى في هذا الباب أيضًا فكرةٌ مركزيةٌ تتعلّق بالإبادة كصفةٍ بنيويّةٍ للاستعمار، وليس كاستثناء. فالإبادة هنا لا تعني فقط القتلَ الجماعي أو الحروبَ المباشرة، بل تشمل تفكيك النظم الاجتماعيّة، وتدمير الاقتصاد المحلّي، وإلغاء أنماط الإنتاج التقليديّة، وتفريغ المجتمعات من قدراتها على التماسك الذاتي. ومن هذا المنظور، يصبح الاستعمار بمنزلة عملية إعادة إنتاج للتخلّف؛ لأنّ المجتمع الذي تُسلب منه إرادته الاقتصاديّة والسياسيّة لا يمكن أن يحقّق تنميةً ذاتيّةً، حتى في المدى الطويل. فالتخلّف الذي يعاني منه العالم غير الغربي ليس نتيجةً طبيعيّةً لعدم وجود حضارة أو كفاءة، وإنّما هو نتيجة هيكليّة لسيطرة استمرّت قرونًا، تُفرَض فيها قواعد السوق العالميّة لصالح المركز.
وفي محاولةٍ منه لصياغة كيفيّة إعادة توجيه الاقتصاد لصالح المركز، بما يُصطَلح عليه (وهم التنمية)، يُقدّم المؤلّف ضمن هذا الإطار مقارنةً ضمنيةً مع نماذج تاريخيّة مثل اليابان وتركيا. فاليابان التي لم تُستعمر، استطاعت أن تفرض مسارًا تنمويًّا مستقلًّا بعد فترةٍ من التحديث الذاتي، بينما لم تُعرف تجارب مماثلة في العالم المستعمَر؛ لأنّ هذه التجارب كانت تُعطّلها آليات التحكّم والسيطرة التي تمنع المجتمعات من بناء اقتصادٍ وطنيّ مستقلّ. أمّا تركيا التي عاشت تجربة تداخلٍ مع الاستعمار عبر الانهيار العثماني وصعود الدولة القوميّة، فهي نموذجٌ يوضّح أنّ التحديث ليس نتاجًا للاستعمار، بل يمكن أن يكون ردَّ فعلٍ داخليًّا على ضغط الهيمنة الخارجيّة. وفي كلتا الحالتين، يتّضح أنّ (التقدم) لا يُقاس بوجود مؤسّساتٍ حديثةٍ فحسب، بل بمدى سيطرة المجتمع على مسار تطوّره، وهو ما يجعل الفرق بين النموذجين وبين التجارب الاستعماريّة واضحًا؛ ففي اليابان وتركيا ـ بصورةٍ نسبيّة ـ كان التحديث مرتبطًا بإعادة بناء الدولة وفق رؤيةٍ داخليّة، أمّا في المستعمَرات كان التحديث أداةً لتثبيت تبعيّة الدولة المستعمَرة.
ويذهب المؤلّف إلى أنّ أيّ محاولةٍ لتقديم الاستعمار على أنّه بذرة التنمية تُغفل أنّ التنمية نفسها كانت قد بدأت في العديد من المجتمعات قبل الاستعمار، وأنّ الاستعمار، بدلًا من أن يُسرّع التنمية، قد عرقلها عبر إعادة ترتيب الأولويّات الاقتصاديّة لصالح المركز. فالتنمية لا تُختزل في أثر، بل هي عمليّةٌ تاريخيّةٌ طويلة تتطلب الاستقلال في اتّخاذ القرار. ولهذا، فإنّ قراءة الاستعمار على أنّه سببٌ للتنمية تمثّل تشويهًا منهجيًا؛ كونها تتجاهل أنّ الاستعمار هو حالةٌ من انقطاع المسار الطبيعي للتطوّر، وأنّ ما حدث بعده من تغييراتٍ لم يكن إلّا إعادة توجيه لموارد المجتمع نحو خدمة اقتصاد المركز.
وبهذا يرسّخ المؤلّفُ الإطارَ النظري للكتاب، مؤكّدًا أنّ الاستعمار لا يمكن فهمه بوصفه مشروعًا تحديثيًّا، بل بوصفه بُنيةً استغلاليّةً، تأسّست على إعادة توجيه موارد المجتمعات الخاضعة لخدمة المركز المهيمن. أمّا ما يُسوَّق من إيجابياتٍ مزعومة، فإما أن يكون آثارًا جانبيّةً غير مقصودةٍ لمنظومة الهيمنة، وإمّا قراءات انتقائيّة تُغفل السياقَ الذي نشأت فيه تلك الظواهر؛ ذلك أنّ التحديث ـ في معناه التاريخي والمعياري ـ يفترض استقلالَ الإرادة الجمعيّة، وامتلاك المجتمع القدرة على تحديد أولوياته وصياغة مسارات تطوّره، وهي شروط تنتفي في ظلّ السيطرة الاستعماريّة. وعليه، تغدو فكرة المنفعة الاستعماريّة جزءًا من خطابٍ تبريريّ يُشرعِن الهيمنةَ، في حين يكشف التحليل التاريخي أنّ الاستعمار كان، في جوهره، مشروعًا لتقويض الفاعليّة الذاتيّة للمجتمعات المستعمَرة، وإدماجها قسرًا في نظامٍ عالمي، يعزّز ازدهار المركز على حساب تهميش الأطراف.
الباب الثاني: أضرار الاستعمار
يستعرض المؤلّف في هذا الباب ـ الذي يُعدّ جوهر البحث النقدي للموضوع ـ أضرارَ الاستعمار، إذ ينتقل المؤلّف من تفنيد الخطاب التبريري للاستعمار إلى تشريح آثاره البنيويّة العميقة، أي تلك الآثار والأضرار التي لم تكن عابرةً أو ظرفيّة، بل أعادت تشكيل مسارات المجتمعات المستعمَرة على نحوٍ طويل الأمد. فالفكرة المركزيّة التي تحكم هذا الباب هي أنّ الاستعمار لم يكن مجرد قوة سياسيّة غازية، بل كان مشروعًا لإعادة هندسة التاريخ والاقتصاد والمجتمع بما يخدم مصالح الخارج، حتى لو بدا في ظاهره حاملًا لبعض مظاهر (التحديث).
ينطلق المؤلّف أولًا من نقد أطروحةٍ شائعةٍ في الأدبيات الاستعماريّة، مفادها أنّ الاستعمار أسهم في إدخال المجتمعات المتأخّرة إلى مسار الحداثة والتنمية. ويردّ على هذه الأطروحة بتأكيد أنّ التنمية ليست مجرد إدخال أدواتٍ أو مؤسّساتٍ جاهزة، بل هي عمليّةٌ تاريخيّةٌ داخليّةٌ تنمو من رحم المجتمع، وتتراكم عبر تفاعلٍ طويلٍ بين الثقافة والاقتصاد والسياسة. ومن هنا يبرز مفهوم قطع طرق التطوّر الطبيعي، بوصفه أحدَ أخطر أضرار الاستعمار. فالاستعمارـ وفق هذا التحليل ـ لم يدخل إلى فراغٍ حضاريّ أو تأريخيّ، بل اقتحم مجتمعاتٍ كانت تمتلك أنماطها الخاصّة في التنظيم الاقتصاديّ والاجتماعيّ، حتى وإن لم تكن مطابقةً للنموذج الأوروبي. ما فعله الاستعمار هو إيقاف هذا المسار، لا تطويره؛ إذ فكّك البنى المحليّة القائمة، وحطّم آليات التراكم الداخلي، واستبدلها ببنى هجينةٍ لا تخدم إلّا حاجاته.
هذا القطع لم يكن مجرد تعطيلٍ مؤقّت، بل كان إعادة توجيهٍ قسريّةً لمسار التاريخ. فبدلًا من أن تتطوّر الزراعة أو الحِرف أو التجارة وفق حاجات المجتمع المحلّي، جرى ربطها بالاقتصاد العالمي في موقع التابع، بحيث أصبحت وظيفة المستعمَرة تزويد المركز الاستعماري بالموادّ الخام، واستيعاب منتجاته المصنّعة. هنا تتجلّى الفكرة العميقة التي يريد المؤلِّف إيصالها ومفادها: الاستعمار لا يجمّد التطوّر فقط، بل يعيد تشكيله على نحوٍ مختلّ، بحيث يبدو كأنّه تقدّمٌ وتحديثٌ، بينما هو في الحقيقة تطوّرٌ زائفٌ لا يملك شروط الاستمرار الذاتي.
ومن هذا المدخل ينتقل الكاتب إلى تفكيك ما يسميه نشر (رذائل الحضارة)، وهو تعبيرٌ بالغ الدلالة؛ لأنّه يعاكس الخطاب الاستعماري الذي يتحدّث دائمًا عن (فضائل) الحضارة الغربيّة. فالمقصود هنا أنّ الاستعمار لم ينقل القيم الإنتاجيّة أو العقلانيّة أو المؤسسيّة التي قامت عليها نهضة أوروبا، بل نقل أسوأ ما في التجربة الرأسماليّة الحديثة، عندما تُفصَل عن سياقها الاجتماعي والتأريخي. لقد جلب أنماطًا اقتصاديّةً قائمةً على الاستهلاك لا الإنتاج، وعلى الربح السريع، لا التراكم الطويل، وعلى التبعية لا الاستقلال.
في هذا السياق، يبيّن المؤلِّف أنّ الاستعمار أدخل علاقات سوقٍ مشوّهة، دمّرت الاقتصادات المحليّة، دون أن تبني بديلًا حقيقيًّا. فالحِرف التقليديّة تلاشت أمام السلع المستوردة، والزراعة تحوّلت من زراعةٍ معيشيّةٍ متوازنةٍ إلى زراعةٍ تصديريّةٍ أحاديّة المحصول، والمدينة الاستعماريّة نشأت كملحقٍ إداريّ وتجاريّ يخدم مصالح الأجنبيّ، لا كمركز حضريّ وطني. وهكذا نشأت مجتمعاتٌ مزدوجةٌ: أقليّةٌ مرتبطةٌ بالاقتصاد الاستعماريّ وتستفيد منه، وأكثريّةٌ مهمّشةٌ تعيش خارج أيّ مشروعٍ تنمويّ حقيقي. وهذه الازدواجيّة كما يوضح المؤلّف، ليست عرَضًا جانبيًا بل بِنيّة مقصودة؛ لأنّها تضمن استمرار السيطرة عبر خلق نُخبٍ محليّةٍ مرتبطةٍ بالمستعمِر اقتصاديًّا وثقافيًّا.
أما أخطر ما في هذه (الرذائل) فهو أنّها تخلق تبعيّةً دائمة. فحتى بعد خروج المستعمِر عسكريًّا، تبقى البنى الاقتصاديّة والاجتماعيّة على حالها، عاجزةً عن إنتاج تنميةٍ مستقلّة؛ لأنّها لم تُصمَّم أصلًا لهذا الغرض. وبذلك يفكك المؤلِّف الوهمَ القائل إنّ الاستعمار كان مرحلةً ضروريّةً للتحديث، مؤكّدًا أنّ ما خلّفه هو بُنية مأزومة تجعل أيّ محاولةٍ لاحقةٍ للتنمية شديدة الكلفة ومعرّضةً للفشل.
ويبلغ التحليل ذروته عند تناول تضارب المصالح، بوصفه دليلًا عمليًّا على زيف الادّعاءات الاستعماريّة. فالاستعمار، كما يبيّن المؤلّف، لم يكن يعارض التنمية من حيث المبدأ، بل كان يعارض أيّ تنميّةٍ لا تقع تحت سيطرته المباشرة. ويستدلّ بمثال الاستثمارات في السكك الحديديّة العثمانية ليكشف هذه الحقيقة بوضوح. فالسكك الحديديّة، من حيث هي مشروع بُنية تحتيّة، يمكن أن تكون أداةً لتكاملٍ اقتصاديّ داخليّ وتعزيز السيادة، لكن القوى الاستعماريّة لم تكن معنيةً بذلك. إذ كانت تدعم فقط تلك المشاريع التي تخدم خطوطها التجاريّة والعسكريّة، وتعارض أو تعرقل أيّ مشروعٍ مستقلّ، حتى لو كان ذا جدوى اقتصاديّةٍ عالية للبلاد.
هذا المثال لا يُطرح بوصفه حالةً استثنائيّة، بل كنموذجٍ عامٍّ لسلوك استعماريّ ممنهج: تشجيع التنمية المشروطة، ومحاربة التنمية السياديّة. ومن هنا يتّضح أنّ المشكلة لم تكن في تخلّف المجتمعات المستعمَرة عن استيعاب الحداثة، بل في أنّ الحداثة نفسها قُدّمت لهذه المجتمعات في صورةٍ مشوّهةٍ ومقيّدة، تُبقيها دائمًا في موقع الحاجة والارتهان.
في المحصلة، يفكّك الباب الثاني الأساسَ الفكري لدعاوى (إيجابيات الاستعمار (عبر إظهار أنّ أضراره لم تكن سطحيّةً أو مؤقّتة، بل بنيوية وعميقة، أصابت منطق التطوّر نفسه، وأعادت صياغة المجتمعات المستعمَرة بوصفها كياناتٍ ناقصة النمو، عاجزةً عن الاكتفاء الذاتي. وهذه القراءة لا تكتفي بإدانة الاستعمار أخلاقيًّا، بل تقدّم فهمًا تأريخيًّا نقديًّا يفسّر لماذا ما تزال معضلة التنمية قائمةً حتى اليوم، ولماذا لا يمكن تجاوزها، دون تفكيك الإرث الاستعماري في بنيته العميقة، لا في مظاهره فقط.
الباب الثالث: الحياة في ظلّ الاستعمار
يُعدّ الباب الثالث من أكثر أبواب الكتاب كثافةً من حيث الشواهد التاريخيّة وأشدّها تأثيرًا من حيث الحِجاج، إذ ينتقل المؤلف فيه من مستوى التنظير العام حول علاقة الاستعمار بالتنمية إلى مستوى التجربة المُعاشة، من خلال عرض نماذج متفرقةٍ جغرافيًّا ومتنوعةٍ سياسيًّا، ليبرهن على أنّ الحياة في ظلّ الاستعمار لم تكن حياة تحديثٍ متوازن، بل حياة مُعادة التشكيل، وفق مقتضيات السيطرة.
واللافت أنّ المؤلّف لا يكتفي بإدانةٍ أخلاقيّة، بل يسعى إلى تفكيك البنية التي جعلت كلّ تجربةٍ استعماريّةٍ ـ مهما اختلفت أدواتها ـ تدور في فلك مصلحة المركز على حساب قابلية المجتمع المستعمَر للنمو الذاتي .في حديثه عن الجزائر، يستحضر تجربة الاحتلال الفرنسي، بوصفها المثال الصارخ على زيف أطروحة (الاندماج الحضاري). فالخطاب الفرنسي الذي روّج لفكرة الإدماج والمساواة داخل الجمهوريّة انتهى عمليًّا إلى تكريس تمييزٍ بنيويّ طويل الأمد، حيث ظلّ الجزائريون في مرتبةٍ قانونيّةٍ أدنى، رغم عقود من الادّعاء بأنّهم جزءٌ من المجال الفرنسي.
ويقود المؤلّفُ القارئَ إلى استنتاج مفاده أنّ المطالبة بالمساواة داخل البنية الاستعماريّة ليست إلّا اعترافًا ضمنيًا بشرعية تلك البنية، وأنّ مآلها في الحالة الجزائريّة كان صِدامًا دمويًّا، بلغ ذروته في حرب التحرير ضد فرنسا، وهي حرب ارتبطت في الوعي الجمعي الجزائري برقم (مليون ونصف المليون شهيد) بوصفه رمزًا لحجم الفجوة بين خطاب التمدين وممارسة الإقصاء. فالاستعمار هنا لم يفشل فقط في تحقيق تنميةٍ عادلة، بل فشل في إقناع السكان بشرعيّة بقائه.
ولدى الانتقال إلى تونس، يختار المؤلّف مقاربةً أكثر تعقيدًا، إذ يُشار غالبًا إلى التجربة التونسيّة بوصفها نموذجًا (أقلّ عنفًا)، وأكثر انفتاحًا على الإصلاح الإداري والتعليمي تحت الحماية الفرنسيّة. غير أنّ المؤلّف يُنبّهنا إلى أنّ هذا (النجاح) كان نجاحًا وظيفيًّا، يخدم إعادة تنظيم الاقتصاد والمجتمع بما يتوافق مع المصالح الاستعماريّة.
ويكتسب هذا التحليل دلالته اللاحقة حين يستحضر لحظة انفجارٍ اجتماعي، قادها حدثٌ فرديٌّ تمثّل في إحراق محمد البوعزيزي نفسه في تونس، ليؤكّد أنّ التحديث الشكلي الذي لا يؤسّس لعدالةٍ اجتماعيّةٍ عميقةٍ يظلّ هشًّا وقابلًا للانكشاف. فالنموذج الذي عُدّ يومًا (ناجحًا) لم يمنع تراكم اختلالاتٍ بنيويةٍ في توزيع الثروة والفرص، ما يعني أنّ أثر الاستعمار – حتى إن بدا أقلّ قسوة – قد يرسّخ اختلالًا طويل الأمد.
أمّا فلسطين، فهي لدى المؤلّف النموذج الحي للاستعمار الاستيطاني الذي لا يكتفي بالهيمنة، بل يسعى إلى الاحتلال. وهنا تتخذ الحياة في ظلّ الاستعمار طابعًا وجوديًّا؛ إذ لا يتعلّق الأمر بإدارة موارد أو إعادة تشكيل اقتصادٍ فحسب، بل بإعادة تعريف الأرض والسكّان والشرعيّة التاريخيّة. من خلال هذا المثال، يوسّع المؤلّف مفهوم الاستعمار ليشمل أبعاده الديموغرافيّة والقانونيّة والثقافيّة، ويُظهر أنّ التنمية المزعومة في مثل هذا السياق ليست سوى إعادة توزيع للموارد لمصلحة المشروع الاستيطاني، بينما يعيش الشعب الأصلي حالة اقتلاعٍ مستمر.
وفي الحالة المصريّة، يقدّم المؤلّف قراءةً لحقبة الاحتلال البريطاني، تركّز على فكرة (التنمية من أجل الاستغلال). فالسكك الحديديّة وشبكات الري التي أُنشئت في ظلّ السيطرة البريطانيّة لم تُبنَ لتحقيق استقلالٍ اقتصادي، بل لتكريس دور مصر كمصدر للموادّ الخام، خصوصًا القطن، ضمن منظومة الاقتصاد الإمبراطوريّ المرتبط بالمملكة المتّحدة. هنا يوضّح المؤلّف أنّ البنية التحتية ليست معيارًا كافيًا للحكم على الطابع التنموي لأيّ مشروع؛ إذ قد تكون أداةً لتعميق التخصص الأحادي وربط الاقتصاد المحلّي بسوق خارجيّة تُملي شروطها.
ويقترب التحليل من الحالة العراقيّة ليبيّن أنّ مراعاة المصالح الاستعماريّة لم تتوقف عند لحظة (الاستقلال) الشكلي، بل استمرت عبر ترتيباتٍ سياسيّةٍ واقتصاديّةٍ ضمنت استمرار النفوذ. فالعراق، في قراءة المؤلّف، مثالٌ على الكيفيّة التي يمكن بها إعادة إنتاج التبعيّة، عبر اتفاقياتٍ وتحالفاتٍ، بحيث تبدو الدولة مستقلةً بينما تبقى خياراتها الاستراتيجيّة مقيّدة. وهنا يتعمّق المؤلّف في فكرة أنّ الاستعمار قد يتحوّل من احتلالٍ مباشرٍ إلى هيمنةٍ غير مباشرة، دون أن تتغير البنية الجوهريّة للعلاقة.
أمّا في الحالة الكويتيّة، يناقش المؤلّف ما يسميه (الثمن الغربي للمعجزة الأسطوريّة)، في إشارةٍ إلى الطفرة النفطيّة التي وضعت البلاد في مصاف الدول ذات الدخل المرتفع. غير أنّ هذه الطفرة ـ في تحليله ـ لم تكن منفصلةً عن شبكة الحماية والترتيبات الدوليّة التي ربطت أمن الدولة الصغير بمصالح القوى الغربيّة. فالمعجزة الاقتصاديّة لم تكن نقيضًا للارتباط بالمركز العالمي، بل كانت نتاجًا لعلاقةٍ مركّبةٍ تجمع بين الحماية الخارجيّة والمصلحة المحليّة، بما يطرح سؤالًا حول حدود الاستقلال الحقيقي في ظلّ نظامٍ دوليّ غير متكافئ.
ويتّخذ هذا الباب بُعدًا مقارنًا أوسع حين ينتقل إلى تجربة الولايات المتّحدة في تعاملها مع السكّان الأصليين، إذ يرى المؤلّف أنّ خطاب (التمدين) استُخدم لتبرير الإزاحة والإبادة. فالتوسّع غربًا جرى تحت شعاراتٍ حضاريّة، بينما كان في جوهره صراعًا على الأرض والثروة. ويستحضر مثال كاليفورنيا بوصفه جانبًا من المجزرة الأمريكيّة ضدّ الهنود الحمر، ليؤكد أنّ الطمع حين يُغلَّف بشروط تمدّنٍ مستحيلةٍ يجعل الضحية مسؤولةً عن عجزها عن الارتقاء إلى معايير يضعها المستعمِر ذاته. وبهذا يتبين أنّ الاستعمار ليس ظاهرةً أوروبيّةً فحسب، بل منطق قوةٍ يمكن أن يتكرّر في سياقاتٍ مختلفة.
أمّا الكونغو، فيقدّمها المؤلّف بوصفها الحالة التي أحرجت المستعمِرين أنفسهم بسبب حجم الوحشيّة المرتكبة باسم الحريّة والتحضّر، في إشارةٍ إلى حقبة الاستغلال البلجيكي، التي ارتبطت بجرائم واسعة النطاق تحت حكم (ليوبولد الثاني) . هذه الحالة تكشف ـ في نظر المؤلّف ـ أنّ الخطاب الإنساني قد يتحوّل إلى قناعٍ لنهبٍ منظّم، وأنّ الفضيحة الأخلاقيّة لم تمنع استمرار أنماط الهيمنة بأشكالٍ أخرى.
بعد ذلك يطرح المؤلّف مفهوم (استعمار الاستعمار)، في إشارةٍ إلى التراتبية داخل النظام الدولي، إذ قد تخضع دولٌ ناميةٌ لهيمنة دولٍ كانت بدورها خاضعةً لنفوذ قوى أكبر، كما فعلت بريطانيا بالبرتغال، فيتضاعف منطق التبعيّة ويتعقد. هذا المفهوم يوسّع النقاش من ثنائيّة مستعمِر- مستعمَر إلى شبكة علاقاتٍ غير متكافئة عالميًا، بحيث يصبح الاستعمار بُنيةً ممتدة، لا حدثًا تاريخيًا منقطعًا.
وهكذا يختم المؤلّف هذا الباب بفكرة (الإفادة من الاستعمار دون استعمار)، ليشير إلى إمكانيّة الاستفادة من منجزات الحداثة الغربيّة - عِلمًا ومؤسّسات وتقنيّات - من دون الخضوع لمنطق السيطرة. هنا تتبلور الرسالة النهائيّة للباب التي مفادها: أنّ المشكلة ليست في الأخذ بأسباب التقدّم، بل في ربطها بعلاقة هيمنةٍ تُفرِغها من مضمونها التحرّري. فالتنمية ـ كما يستخلص المؤلّف ـ لا تتحقّق بالارتهان لبُنيةٍ استعماريّة، بل ببناء قدرةٍ ذاتيّةٍ على الاختيار والتكييف.
بهذا العرض المتدرّج والمتعدّد الأمثلة، ينجح المؤلّف في تحويل النقاش من جدلٍ نظريٍّ حول (إيجابيّات الاستعمار) إلى قراءةٍ ملموسةٍ للحياة اليوميّة والسياسيّة والاقتصاديّة تحت السيطرة. وهو لا يدّعي تماثل التجارب، إنّما يؤكّد أنّ القاسم المشترك بينها هو غياب السيادة الكاملة، وأنّ أيّ إنجازٍ تحقّق في ظلّ الاستعمار ظلّ مشروطًا بإرادة الخارج. ومن ثم فإنّ الحُكم على الاستعمار من زاوية بعض مظاهره العمرانيّة أو الإداريّة يظلّ حكمًا مبتورًا، بعد ذلك، ما لم يُنظر إلى البنية العميقة التي حكمت تلك الحياة وحدّدت سقفها وإمكاناتها.
الباب الرابع
في هذا الباب يطرح المؤلّف جملة تساؤلاتٍ مهمةٍ نابعةٍ من رحم الموضوع وتداعياته
أوّلًا: هل تعلَّم الاستعمار من أخطائه؟
هنا يبتدئ المؤلّف بالإشارة إلى أنّه ما دامت الدوافع مغروسةً في النفس البشريّة دون ضوابط، فيجب أن لا نتوقع التغيير في الأساليب الإجراميّة حسب سهولتها وعوائدها وكفاءتها، ولكنّنا لا يمكن أن نضع هالةً أخلاقيّةً غير موجودةٍ حول الدروس القاسية التي تعلم أصحابها عدم تكرار أخطاء مكلفة؛ لأنّ المجرم قد يتعلّم الابتعاد عن أحد حقول الإجرام بسبب صعوبة ارتياده وكلفته الباهظة، أو يفضّل ممارسة لونٍ إجراميّ آخر أكثر سهولةً وكفاءةً وربحًا من غيره، ولا سيّما مع التقدّم التقني الذي يوفّر الجهد في هذه المجالات القتل بضغطة زرٍ تطلق قنبلةً ذريّةً نظيفةً، بدل معمعة السكاكين والسواطير الخطرة والقذرة ـ على حدّ قوله ـ كذلك النهب الإلكتروني بدل تسلّق جدران البيوت والبنك الدولي، بدل الجيوش الجرّارة. وبهذه الحالة لا يمكننا أن نقول إنّ المجرم أصبح ذا خلقٍ بسبب إقلاعه عن الجريمة السابقة. إنّما نستطيع الجزم أنّ هذا المجرم استفاد من تجارب لنفسه وليس لصالح الآخرين لتحسين الاستغلال، وليس لسيادة الأخلاق. نعم تعلّم الاستعمار من أخطائه، ولكن ليُحسّن أداءه في الاستغلال، وليس ليحسّن أحوال ضحاياه.
وهكذا ينتهي المؤلّف إلى التنبيه إلى فكرة مفادها: أنّه على دعاة فكرة تصحيح الغرب أخطائه ذاتيًّا أن يحدّدوا لنا الوجهة التي يتم تصحيح الأخطاء اليها: هل هي في صالح الأكثريّة المستغِلة، أم في صالح الأقليّة المستغَلة.
ثانيًا: هل انتهت أضراره؟
هنا يرى المؤلّف أنّ الدروس الأخلاقيّة تتطلب ثمنًا باهضًا. وعلى هذا الأساس فإنّ المبادئ الأخلاقيّة تقتضي إدانة الغرب لماضيه الاستعماري الذي قامت عليه شرعيّة الحاضر، وهذا ما يرفضه المستعمِر لسببين:
الأوّل: أنّ أدانته تعني إدانة الماضي الذي شرّع الحاضر (الديمقراطي العقلاني المتطوّر) الذي يتباهى به.
الثاني: أنّ إدانته لسلوك الماضي تعني وجوب تغيير السلوك السابق (أي التخلّي عن الديمقراطيّة العقلانيّة التي سببت مآسي الآخرين).
وهكذا ينتهي المؤلّف في هذا المقام إلى أنّ كِلا الأمرين مُكلِفان على الصعيدين النفعي المادّي والنفس المعنوي، ممّا يعني أنّ المستعمِر غير مستعدٍ لدفع هذا الثمن.
وبناءً على رفضِ المستعمِر إدانةَ سلوكه الماضي، يرى أنّ الولايات المتّحدة تضطهد السكّان الأصليين، وتستبعدهم من منظومة رفاهيتها، في الوقت الذي نراها مستعدّةً لاستقبال الملايين من المهاجرين واستيعابهم، لكنّها غير مستعدةٍ لاستيعاب عددٍ قليلٍ من الهنود الحمر الذين تبقوا من حروب الإبادة والسلب والتهجير؛ لأنّ تصحيح السلوك تجاه الهنود المعاصرين يقتضي إدانة الرموز التي أسبغت عليها الصفات الإلهيّة في التاريخ الأمريكي ـ على حدّ قوله ـ كحرب الاستقلال، والدستور ووثيقة الحقوق، والآباء الحجاج، والآباء المؤسّسين، والمصير الجلي، والتوسّع الإقليمي، والحرب الأهليّة، وجميعها كانت رموزًا سلبيةً للهندي الأصلي، وإيجابيّة للمستوطن الأوروبي؛ لأنّها أفسحت له مجال البقاء على هذه الأرض على حساب صاحبها الذي تضرّر على حدّ قول المؤلّف.
ثالثًا: ما هو دور آلية التصحيح الذاتي في الحضارة الغربيّة؟ وما هو دور الاستعمار الجديد؟
للإجابة على ذلك يرى المؤلّف أنّ المجتمع الأمريكي ما زال قادرًا على التعاطي مع كثيرٍ من مشاكله، أكثر من التعاطي مع تبعات اضطهاد السكّان الأصليين في القرن التاسع عشر، رغم بعد الزمن وتعاقب الأيام.
ولعلّ هذا هو السرّ ـ كما يقول ـ في انبثاق الوعي بنكبة السكّان الأصليين الذي لم يؤدِ إلى تغير السياسة الرسميّة تجاه محمياتهم البائسة في الولايات المتّحدة. وينطبق ذلك على معارضة الأغلبيّة الديمقراطيّة الأستراليّة في إنصاف السكّان الأصليين أيضًا.
هنا يشير المؤلّف إلى نقطةٍ مهمةٍ مفادها: أنّ رفض دفع هذا الثمن (أي إدانة الماضي اللازمة لتصحيح الحاضر) غير مقصورٍ على القرشي زمن بزوغ الدعوة الإسلاميّة، بل يشمل الأمريكي وآلهته التي قتلَتنا، والفرنسي وثورته التي سحقَتنا، والبريطاني واستعماره الذي استغلنا.
أمّا بالنسبة لاعتذار الغربيين لليهود فيرى المؤلّف أنّ هذا الاعتذار هو اعتذارٌ داخليّ ضمن مكونات حضارةٍ يرونها واحدة، أصبحت قائمةً على تراثٍ يهودي مسيحي مشتركٍ، كمن يعتذر لنفسه عن أخطاء يرى أنّها أضرَّته في الماضي، ليس لسببٍ أخلاقيّ، بل لسببٍ نفعي!
وهكذا ينتهي المؤلّف في هذا المقام إلى أنّ الغربيين لو كانوا جادّين في اعتذارهم عن محرقة اليهود، فلماذا يصاب هذا الغرب بالرعب والهستيريا، عندما طالبه الرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد باستيعاب اليهود داخل البلاد الغربيّة التي تدّعي محبّة اليهود والهيام به؟!
وفي محطّةٍ من محطات هذا الباب يحطّ المؤلّف رحاله في أخطر موضعٍ وموضوع ألا وهو التنمية العربيّة والإسلاميّة على الطريقة الأمريكيّة في ظلّ الاستعمار الجديد. ففي ثنايا هذا الموضوع ينبِّه المؤلّف إلى مسألةٍ سياسيّةٍ دأب الغرب السياسي على إنتاجها في خطابه للأنظمة العربيّة والإسلاميّة المعاصرة، ألا وهي مطالبات هذا الغرب لهذه الأنظمة بالإصلاح والتنمية!
ففي تفاصيل هذه العلاقات بين الأنظمة العربيّة والإسلاميّة المعاصرة والولايات المتّحدة، نلمس كثرة المطالبات الأمريكيّة لهذه الأنظمة بتحقيق الإصلاح، والسير على طريق التنمية. لكن سياسة الغرب عامة وقفت ضد صعود قوى محلّية، منذ زمنٍ طويل. هذه السياسة أكّدها (هنري كيسينجر)، وزير الخارجيّة الأمريكي بقوله: حدّدت السياسةُ الأمريكيّة في الشرق الأوسط عدّةَ أهدافٍ أمنيّة، منها: مَنْع أيّة قوةٍ في المنطقة من الظهور والهيمنة، ضمان تدفّق موارد الطاقة التي ما زالت ضروريةً لتشغيل الاقتصاد العالمي، ومحاولة القيام بدور الوسيط بين إسرائيل وجيرانها من أجل قيام سلامٍ دائم.
ولو تأمّلنا في دوافع هذه المطالبات المستمرّة بالتنمية والإصلاح لوجدنا اشتراك الدول الغربيّة مع أمريكا فيها، إذ تعود هذه المطالبات بجذورها إلى أيام الهيمنة البريطانيّة بعد حصول دول المنطقة على الاستقلال وبقائها في الفلك البريطاني. هذه التنمية ـ كما يراها المؤلّف ـ هي جزء من محاولات الغرب الحثيثة لتحقيق الاستقرار بما يحقّق مصالحه الإستراتيجيّة، مع السعي لتحقيق مستوى بسيطٍ من المعيشة والرفاهية، كما يُبعد شبحَ المدّ الشيوعي المتربص بالمنطقة.
لكن هذه التنمية كانت مقيدةً بالنظام الإقليمي والدولي السائد وهو المحافظة على الأنظمة والحدود والموروثة من عهد الاستعمار، كما كانت مشروطةً بعدم الوصول إلى حدّ الخروج عن بيت الطاعة الغربي، وإلّا سيتم تحجيمها وإعادتها إلى سابق عهدها، أي لم يكن مسموحًا لنا بتحقيق النهوض (بوحدة) تتجاوز هذه القيود، والوصول إلى درجة تحدّي النظام العالمي الظالم الذي فُرض علينا باسم الشرعيّة الدوليّة.
ويرى المؤلّف أنّ الصورة المثلى التي يريدها الغرب لهذه التنمية، تتمثّل في أنّ الاستقرار المطلوب غربيًّا والتنمية اللازمة له والإصلاح السياسي الذي ينادون به نظريًّا لا تتعدّى صورته المثلى في أحسن الأحوال بقائنا (شراذم متفرقة) من الدول الصغيرة، بما يضمن النظامُ العالمي الغربي وجودَها واستمرارها، دولًا ضعيفة، تتعاقب عليها حكوماتٌ بظاهرٍ ديمقراطي، يتضمّن الطقوس الديمقراطيّة، دون تمثيلٍ حقيقيّ لإرادة شعوبنا التي تتعارض جذريًّا مع إرادة المهيمنين عليها بطبيعة الحال. وتكون هذه الحكومات قادرةً على توفير مستوى من المعيشة يبعد شبح الثورة التي لا يطيق الغربُ احتمالَها؛ لإمكان خروجها عن السيطرة.
إذًا فالإصلاح والتنمية ليسا على رأس أولويّات الغرب ـ كما يرى المؤلّف ـ مما يعني أنّ هذا الغرب إذا وجد نظامًا يحقّق له مصالحه، ولكنه ينتهك حقوق شعبه، فإنّ الغرب يقدّم المصالح العاجلة على الآجلة، فيدعمه بلا تحفّظ، ويلغي أهميّة الإصلاح السياسي من جداوله ومن أمثلة ذلك:
١. نظام شاه إيران السابق الذي أرشده الغرب في جزئيّات انتهاك حقوق الإنسان، وساعده الأمريكيّون والصهاينة على إنشاء استخباراتٍ رهيبةٍ، وكالوا له قوافيَ الثناء والمديح بلا حساب.
٢. نظام الرئيس المصري السابق أنور السادات الذي دعمه الأمريكيّون وقدّموا له المساعدات الوفيرة؛ لأنّها تحقّق مصالحهم المادّية الآنية، رغم ما شاب معاملاته مع شعب مصر من عيوبٍ كبرى هددت الاستقرار، وكذا الأمر مع خليفته حسني مبارك الذي تخلّت أمريكا عنه لحظة الانفجار الشعبي الكبير. إذ تبرّأت منه ورأت في الثورة مناسبةً للبكاء والعويل على الديمقراطيّة المهدورة أيام مبارك.
والآن لنرى ما مصير طاعة أوامر الإصلاح؟ بالتأكيد لقد حازت هذه الأنظمة العربيّة والإسلاميّة على الإعجاب الغربي؛ كونها أكثر طاعةً واتّباعًا لإصلاحاته في المجال الاقتصادي، من خلال تقديمها طلبات المعونات والقروض من المؤسّسات الدوليّة التي هيمنت بل فرضت وصايتها الماديّة على سياسات هذه الأنظمة العربيّة والإسلاميّة، الأمر الذي أدّى إلى جملة تداعيات أهمّها:
١. إصابة عددٍ ليس بالقليل من الدول العربيّة بالإرهاق والتعب من الالتزام بتنفيذ توصيات صندوق النقد الدولي، وهو ما ظهرت نتائجه السلبيّة على الشعوب العربيّة والإسلاميّة. وليس ببعيد ما جرى في الأردن عام 1996م، عندما قامت الحكومة بإلغاء الدعم عن القمح، في إطار ما يُسمّى ببرنامج الإصلاح الاقتصادي الذي قامت به تحت رعاية صندوق النقد الدولي؛ ممّا أدّى إلى تضاعف سعر رغيف الخبز ثلاثة أضعاف، كان من نتائجها موجة الغضب والاضطرابات في جنوب الأردن.
٢. والحال ذاته حين شهدت اليمن أحداثًا مماثلةً عام 2005 م، عندما نفّذت حكومة اليمن آنذاك مشروع صندوق النقد الدولي بإلغاء الدعم عن الوقود جزئيًّا؛ ممّا أدّى إلى ارتفاع الأسعار ارتفاعًا شديدًا، أعقب ذلك أحداث شغبٍ واضطرابات نتج عنها بعض الوفيات.
ومثلما وعد الغرب وأمريكا مصر واليمن بمستقبلٍ زاهر، ثم تبّين زيف ذلك ـ كما تقدّم ـ يتكرّر المشهد في ظاهرة اتّفاق أوسلو عام 1993م، حينما شاع الحديث عن مستقبلٍ زاهرٍ ينتظر أراضي سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني، وما قدّمه لها الأمريكان من وعود بأنّ قطاع غزة سيتحول إلى سنغافورة الشرق الأوسط، لتدور الأيام وتظهر حقيقة السياسة الأمريكيّة تجاه زعامة الرئيس عرفات، لتحقيق مزيدٍ من التنازلات للمصالح الصهيونيّة، ويكتشف الناس الذين حلّقوا بأحلامهم في السماء أنّ فيها طائرات ستقصفهم بالفسفور الأبيض وليس بالعسل الأبيض ـ كما يقول المؤلّف ـ بحيث مرّت على غزة أيّامٌ عجاف، دمّرت ما حصدته الأيام السِّمان من مطار وميناء ومؤسّسات، ما جعلها تكفر بكلّ وعود الثواب الأمريكي والجنة الغربيّة، بعدما فقدت أبسط مقوّمات الحياة.
وكان من نتائج بيت الطاعة الغربي توجيه صفعةٍ لدعاة الخضوع العربي للإملاءات الأمريكيّة والغربيّة. هؤلاء الذين سمّاهم المؤلّف (دعاة الواقعيّة التغريبيّة) الذين كان بعضهم يقبض راتبًا جزاء استسلامه. فمن مصاديق هذه الصفعة لهم:
أوّلًا: أنّ بلادنا لم تجنِ من طاعتها وإذعانها على مدى عشرات السنين سوى زيادة التبعيّة والتخلّف والانقسام والفقر وسلب الحقوق، وذلك لسببٍ بسيطٍ هو إدراك الغربي أنّ أيّ طريقٍ نسلكه أو يسلكه معنا سيؤدّي إلى قيام عملاق في بلادنا يزاحمه السيادة عليها، وهو ما لا تسمح به المنفعة التي يسير على هداها.
ثانيًا: ما نقله المؤلّف عن الاقتصادي الشهير الحائز على جائزة نوبل (جوزيف اي ستيغليتز) في شهادته عن البنك الدولي وصندوق النقد الدولي قوله: «لقد أمست هاتان المؤسّستان اليوم فاعلتين مهمتين في الاقتصاد العالمي. والبلدان التي تطلب مساعدتها.... عليها أن تتبع أوامرهما الاقتصادية». هذه الأوامر التي تعكس أيديولوجيتها بشأن السوق الحرّة. والنتيجة بالنسبة إلى كثيرٍ من الناس كانت الفقر.
كما أنّ من مصاديق تداعيات الرضوخ للإملاءات الأمريكيّة ومباركة الداعين لها، هو الشرط الأمريكي الرئيس لتطبيق برامج تنمويّة للفلسطينيين، وهو تخلّيهم عن وطنهم وقبولهم بالأوطان البديلة ليتمكّنوا من الحصول على حياة البحبوحة الأمريكيّة التي صُورت لهم في مشاريع تسوية عديدة مثل:
أ. مشروع جونستون عام 1953م: القاضي بإمكانيّة توطين اللاجئين في بعض البلدان العربيّة (العراق والأردن).
ب. مشروع ألفا عام 1954م: وهو مشروعٌ أمريكيّ بريطانيّ مشتركٌ نصّ على عودة بعض اللاجئين وتوطين غالبيتهم في الدول العربيّة المجاورة، مع إغراء هذه الدول بمليارات الدولارات، فضلًا عن الضمانات الأمنيّة لها.
ج. مشروع دالاس عام 1955م: القاضي بإعادة توطين اللاجئين في البلدان العربيّة التي لجأوا إليها ومساعدتهم على ذلك بمنحهم تعويضات من أمريكا وإيجاد فرص عملٍ وبناء مساكن، وغير ذلك من الوعود.
ومثلما استخدمت الولايات المتّحدة وعودَ التنمية للاجئين الفلسطينيين لقاء تنازلهم عن ديارهم، استخدمت الوعود نفسها مع البلاد العربيّة لتتنازل هذه البلدان عن همومها الحقيقيّة، وتتبنى همومَ الغرب ومصالحه في ديارها. وقد عبرت عن ذلك رسميًّا في مبدأ (أيزنهاور)، وهو المشروع الذي طرحه الرئيس الأمريكي عام 1957م، بهدف ملء الفراغ الذي تركته القوى الاستعماريّة الغربيّة في مواجهة احتمالات الغزو الشيوعي المباشر أو غير المباشر لمنطقة الشرق العربي الإسلامي، رغم اعترافه بوجود مشكلاتٍ أخرى في المنطقة مثل مشكلة فلسطين، مشكلة اللاجئين، علاقة الكيان الصهيوني مع الدول العربيّة، مستقبل قناة السويس، فإنّه حاول حرف الرؤية لتتركز على خطرٍ شيوعيّ موهومٍ ليحشد الجيوش ضدّه.
حينما يتحدّث المؤلّف عن الوضع العراقي وموقف الولايات المتّحدة والغرب منه، لم يكن المؤلّف موضوعيّا فيما تعرّض له أبناء هذا الشعب من جرائم الاضطهاد والإرهاب والإعدام والملاحقات من قبل النظام العراقي السابق قبل 2003م، حيث يقول في معرض حديثه عن جريمة اغتيال العلماء العراقيين بعد عام 2003 م: «هذا الحدث أصبح من الحديث المتواتر، وخرج عن نطاق التداول داخل دوائر خاصّة؛ ممّا ينفي الادّعاءات المعلنة عن دكتاتوريّة النظام بصفتها سببًا لشنّ الحرب عليه»!
وكان الأجدر بهذا الكاتب المرموق أن ينطق بكلمة الضمير الحرّ، وتنبهه إلى ضرورة أن يصدح بالحقّ في كلّ الظروف ولكن!!
هذا من جانب، ومن جانبٍ آخر فيما يخصّ الوضع العراقي عمومًا أيام الحصار الجائر بين 1990 ـ 2003م، كان المؤلّف موضوعيّا فيما عرض من معاناةٍ للشعب العراقي زمن الحصار الجائر، مشيرًا إلى ارتكاب أبشع الجرائم من قبل الدول الغربيّة وأمريكا بحقّ العراقيين، إلى الحدّ الذي تفتخر به وزيرة الخارجيّة الأمريكيّة مادلين أولبرايت بقتل نصف مليون طفلٍ عراقيّ من أجل المصالح الأمريكيّة! هذا مع وعودهم الكاذبة أثناء زحفهم بإعادة إعمار العراق، وجعله نموذجًا يحتذى به، ولكن عدوانهم ـ على حدّ قول المؤلّف ـ أثبت جدواه في شيءٍ واحد، هو جعل العراق نموذجًا للدمار والخراب وانتهاك الحقوق.
وهكذا ينتهي المؤلّف في هذا الباب إلى استحالة أن تكون التنمية الغربية نموذجًا بنّاءً. إنّما هو نموذجٌ مدمّرٌ لأسبابٍ عديدةٍ أهمّها:
أ. لأنّه نخبويٌّ يشبع الأقليّة الثرية، ويغوي، ثم يُحبط الأكثريّة المحرومة.
ب. لأنّ هذا النموذج عدوانيٌّ؛ إذ بنى الغرب الأوروبي نموّه على إبادة سكّان ثلاث قاراتٍ هي أمريكا الشماليّة وأمريكا الجنوبيّة وأستراليا، واستعباد القارّة الرابعة (أفريقيا)، واستعمار الخامسة (آسيا).
ج. لأنّ هذا النموذج ملوِّثٌ؛ كونه ألحق الضرر بالبيئة والحياة من خلال ما أُطلق عليه الثورة الصناعيّة التي أسهمت بارتفاع درجة حرارة الأرض وإحداث تغيراتٍ مناخيةٍ إضافيّة من جفافٍ وأمطارٍ جارفةٍ وذوبان جليدٍ، وغير ذلك.
د. لأنّ هذا النموذج (مفكِّك) فالغرب إذا كان قابلًا بالتكاليف الاجتماعيّة السلبيّة الناتجة عن نموذج نموه كالبطالة والإدمان على الكحول والمخدِّرات وتفكّك الأسرة وشيوع العنف وارتفاع معدلات الجريمة الإباحيّة، فهذا ما يصطدم مع ثوابت الشعوب الأرض الأخرى على الصعيد الاجتماعيّ والعقديّ والاخلاقي.
الباب الخامس
في هذا الباب يطرح المؤلّف جملة تساؤلاتٍ مهمّة، لها صلة في بعض جوانبها بجهةٍ استعمرت البلاد العربيّة ردحًا من الزمن، أَلَا وهي الدولة العثمانيّة.
ولأجل إجراء مقارنةٍ بين الاستعمار الغربي والدولة العثمانيّة، يطرح المؤلّف هذا التساؤل: هل كانت الدولة العثمانيّة استعمارًا؟ ولمن كانت إنجازاتها؟ وما هو حجم هذه الإنجازات؟ هنا يستعرض المؤلّف محاولة بعض الدوائر الاستعماريّة الغربيّة على لسان المستشرق برنارد لويس تبرير أفعالها وتزيين أهدافها، من خلال الإشارة إلى عدم وجود فرقٍ بين الجانبين ـ الغربي والعثماني ـ فكلاهما لصوص - على حدّ قول برنارد لويس - ومع ذلك فنحن الأفضل كما يقول!
إلّا أنّ المؤلّف يدحض مقارنة لويس هذه؛ ذلك أنّ الفرق شاسعٌ جدًّا ــ كما يقول ــ بين الفتوح الاستعماريّة وما يسميه بالفتح الإسلامي فالفتوح الاستعماريّة قامت على طرد أو إبادة السكّان الأصليين والحلول محلّهم في حين أنّ الفتح الإسلامي في الأندلس أو بقية البلاد لم يفعل شيئًا من هذا، كما يقول المؤلّف. فالفاتحون المسلمون لم يطردوا أحدًا من أرضه مشيرًا إلى أنّ هدف الفتوحات هو ضمّ الآخرين إلى عالَمهم، لهم ما لنا وعليهم ما علينا، ولهذا لا نرى تفاوتًا بين الأمم الإسلاميّة في التطوّر حسب قوله. فضلًا عن عدم وجود فرقٍ بين الأناضول وبقية البلاد العثمانية.
والواقع أنّ المؤلّف لم يكن موضوعيًّا في عدم عرضه لانتهاكات الدولة العثمانيّة في بعض البلاد الإسلاميّة كالعراق مثلًا إذ وضعت إستراتيجيّة طائفيّة في تعاملها مع أتباع أهل البيت، تعبّر عن مدى الجهل وعدم القدرة على استيعاب الآخر في الدين الواحد، ومن يتصفح المصادر التاريخيّة التي كتبت عن انتهاكات العثمانيين وسلاطينهم في النجف وكربلاء سيجد ما فيه الدليل الكافي لإدانتهم بمجازر موثّقة.
والغريب أنّ المؤلّف ـ في هذا المقام ـ يستشهد بكلمات المؤرّخ (مجيد خدوري) عندما صرّح بأنّ: «الإسلام لم يفرض نفسه على أتباع الديانات الأخرى، بل كانت الأقليّات الدينيّة تتمتع بحريّةٍ واسعةٍ في ممارسة حقوقها». والغريب في الأمر أنّهم يمنحون الأقليّات الدينيّة كامل حقوقها ويمنعون أهل القبلة الواحدة من أتباع أهل البيت من ممارسة طقوسهم! بل إنّ الدولة العثمانيّة هذه قد ارتكبت مجزرةً مروعةً في كربلاء عام (1842م)، راح ضحيتها (9000 ضحية)، كما قصفت المدفعيّة العثمانيّة قبة الإمام الحسين (عليه السلام).
وفي مقام بيان الفرق بين مشاريع التنمية العثمانيّة المتمثّلة (بسكّة حديد الحجاز)، ومشاريع التغريب الاستعماريّة المتمثّلة بـ (قناة السويس)، يشير المؤلّف إلى:
أوّلًا: إلى أنّ الدولة العثمانيّة تقدّم أبناءها الأتراك لإنشاء مشروعٍ حيويّ في أرض العرب لإفادة كلّ المسلمين، في الوقت الذي يستعمل الغرب مليونًا من أبناء العرب لإنشاء مشروع لأجل مواصلاته البحريّة؛ خدمةً للإمبراطوريّة، فمات منهم (125 ألف) في سبيل المصالح الاستعماريّة التي أضرّت بالعرب أنفسهم.
ثانيًا: استيلاء البريطانيين على قناة السويس، بعد إفلاس الخديوي المبهور بأوروبا، واحتلال مصر، واستنزاف ثرواتها على مدى (70 سنة)، ثم قيامهم بشنّ حربٍ عليها سنة 1956م، باستخدامهم القناة هذه القناة التي ما زالت تعمل على خدمة الدول الكبر، وتعْبر خلالها سفنُهم الحربيّة كلّما أرادوا العدوان على بلداننا العربيّة والإسلاميّة، ولا نستطيع الاعتراض.
أمّا منهجيّة التغني بمشاريع التغريب الاحتلاليةّ وطمس مشاريع العثمانيين ـ على حدّ تعبير المؤلّف ـ فإنّ التغريب ما زال يحيي ذكرى لحظة تأسيس مشروعه النهضوي بجلب المطبعة على يد الحملة الفرنسيّة التي أذاقت مصر الأَمَرّين مع أنّ الفرنسيين أخذوها معهم أثناء انسحابهم من مصر في الوقت الذي يتناسى المؤيّدون للغرب كلّ جرائم الاحتلال الفرنسي ومجازره.
وهكذا يختتم المؤلّف هذه الدراسة بالقول إنّ الاستعمار لو ترَكنا وشأننا لكان أفضل لنا، ولكن ليس له، ومنفعته الذاتيّة هي معياره في النهاية.
---------------------
[1]. ماجستير التفسير وعلوم القرآن.