البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

دور المرأة المهاجرة في تحرير الجزائر حقبة ما بين 1954-1962م

الباحث :  سميرة نميش
اسم المجلة :  الاستعمار
العدد :  8
السنة :  صيف _ 2026 م
تاريخ إضافة البحث :  July / 21 / 2026
عدد زيارات البحث :  94
تحميل  ( 515.026 KB )
يتناول النصّ دور المرأة الجزائريّة المهاجرة في فرنسا خلال حقبة الثورة التحريريّة (1954–1962م)، حيث انتقلت الهجرة من طابعٍ فرديّ ذكوريّ إلى هجرةٍ عائليّةٍ بعد الحرب العالميّة الثانية؛ ممّا سمح بظهور دورٍ نسويّ بارز. شاركت المرأة المهاجرة بفعاليّةٍ في دعم الثورة سياسيًّا وعسكريًّا ضمن فدراليّة جبهة التحرير الوطني، حيث أسهمت في نقل الأموال والأسلحة، وتنظيم الاتصالات، وجمع المعلومات، إضافةً إلى تجنيد المتعاطفين. كما لعبت دورًا مهمًا في النشاط النقابيّ والتوعويّ، خاصّةً عبر الوداديّة العامّة للعمال الجزائريين، وأسهمت في تنظيم المظاهرات، مثل مظاهرات أكتوبر 1961م. وعسكريًا، شاركت في التمريض، ونقل الأسلحة، بل وحتى في تنفيذ عملياتٍ فدائيّة. ورغم قلّة الدراسات حول هذا الموضوع بسبب طابعه السريّ، تؤكّد الشهادات أنّ دور المرأة المهاجرة كان أساسيًّا ومكملًا لدور الرجل، وأسهم بشكلٍ كبيرٍ في نجاح الثورة الجزائريّة داخل فرنسا وخارجها.

الكلمات المفتاحيّة: المرأة الجزائريّة المهاجرة، الثورة التحريريّة، فدراليّة جبهة التحرير الوطنيّ، النشاط السياسيّ، الكفاح المسلّح.

تمهيد
الهجرة الجزائريّة إلى فرنسا بدأت منذ 1830م، ولكن جلّ المصادر والمراجع تتحدث عن أنّها كانت فرديّةً، يمارسها الرجال فقط من عزّاب، ومتزّوجين يتركون زوجاتهم وأطفالهم بالجزائر، ولم تصبح عائليّةً إلّا بعد 1945م، أي إنّ المرأة لم تهاجر وحدها بل مع عائلتها، وقد بلغ عدد النساء المهاجرات بفرنسا إلى 3000 امرأةٍ سنة 1954م، و25000 امرأةٍ سنة 1961 م.
لقد كان للمرأة الجزائريّة المهاجرة بفرنسا دورٌ فعّالٌ في الثورة التحريريّة على غرار دور المرأة بالجزائر في الثورة، فقد كانت تقوم بنقل الأموال والأسلحة، بالإضافة إلى المشاركة في عمليّات فرق التدخّل، والمنظّمة الخاصّة التابعة لفيدراليّة جبهة التحرير الوطنيّ على غرار عائشة عليوات، وزينة حرايق، ونادية صغير، بالإضافة إلى المشاركة في المظاهرات، ونخصّ بالذكر مظاهرات النساء في 20 أكتوبر 1961م، التي جاءت بعد مظاهرات 17 أكتوبر 1961م، تنديدًا بالاعتقالات والقمع والقتل التي تعرّض لها أزواجهن.

مقدّمة
انضمّت المرأة الجزائريّة في فرنسا إلى الثورة التحريريّة، وانخرطت في التنظيمات السياسيّة والعسكريّة، فكانت تنقل التعليمات وتقوم بالاتصالات، كما كانت تنقل الاشتراكات والأسلحة والقنابل إلى أماكن العمليات، كما قامت بجمع المعلومات عن نشاط العدو والخونة، واستطاعت أن تجند العديد من الأوربيّات، وأدّت هؤلاء المناضلات دورهن كاملًا في إطار الثورة التحريريّة في فرنسا.
إنّ موضوع إسهام المرأة الجزائريّة المهاجرة بفرنسا في الثورة التحريريّة ما بين 1954 و1962م، يُعدّ موضوعًا هامًّا، ويطرح إشكاليّةً رئيسةً تتحدّث عن المرأة الجزائريّة المهاجرة بفرنسا ودورها في الثورة، وهل كان دورها رئيسًا أم كانت مجرد مساعدة؟ وهل كان بإمكانها الهجرة إلى فرنسا لوحدها أم مع عائلتها؟ وهل هجرتها بدأت مع بداية الهجرة الجزائريّة إلى فرنسا؟ وهل كان دورها سياسيًّا أو عسكريًّا؟
تهدف هذه الدراسة إلى إبراز مكانة المرأة الجزائريّة المهاجرة بفرنسا، كما سنحاول تسليط الضوء على دورها في الثورة الذي لم يقلّ عن دور أخيها الرجل خاصّة بعد نقل العمليّات العسكريّة إلى فرنسا، فيمكننا القول لولا مساعدة نساء المنظمّة الخاصّة لفيدراليّة جبهة التحرير الوطنيّ بفرنسا ما كانت لتنجح بالدرجة التي نجحت فيها، إلّا أن نقص الدراسات الأكاديميّة المتخصّصة في هذا الجانب حالت دون إعطاء هؤلاء النسوة حقّهن، ماعدا بعض الشهادات الحيّة في بعض الكتب، أمّا بالنسبة للمنهج فقد اتّبعت المنهج الوصفي التحليليّ.

أولًا: هجرة المرأة الجزائريّة إلى فرنسا
إنّ بداية الهجرة الجزائريّة إلى فرنسا كانت منذ زمنٍ بعيدٍ يصعب تحديده بدقةٍ نظرًا لضعف التوثيق في ذلك الوقت وخصوصًا توثيق هجرة الأفراد، أمّا بداية الهجرة الملحوظة فقد ظهرت بشكلٍ أساسٍ بعد ثورة المقراني سنة 1871م، أين تمت مصادرة الأراضي من الجزائريين[2]، حيث صدر القانون العقاري الذي من خلاله تمّت مصادرة حوالي 2400000 ألف هكتار من الأراضي الفلاحيّة بشرق الجزائر خاصّة منطقة الهضاب العليا، وقد مسّت رجال المقاومة الذين دفعوا الى جانب الشيخ المقراني، كما لم تسـتثنِ أولئك الذين تعاطفوا معهم وأرغمتهم على دفع التعويضات عن الخسائر التي مسّتهم، وقد تضرّرت منها العائلات الجزائريّة حيث بلغت المصادرة حوالي 330 قبيلة، أمّا الفردية فقد مسّت 3601عائلة جزائريّة[3]، فالشعب الجزائري كان شديد التمسّك بالأرض التي تعدّ من القدسيّات لديه الأمر الذي لم يرقْ لمعظم العائلات التي مسّها القرار، وأضحت تبحث عن البديل للحفاظ على الكرامة وعزّة النفس، إضافةً إلى مصادرة الأراضي، فإنّ السياسة المجحفة التي مارستها فرنسا؛ إذ قامت بمحاكمة عشرات الآلاف وإعدام ستة آلافٍ من الجزائريين، ونفت المئات من الجزائريين، وشردّت العديد منهم الذين لجؤوا إلى الهجرة والفرار من السياسة القمعيّة المجحفة في حقّ كلّ جزائريّ[4].

وقد استمرّت الهجرة الجزائريّة إلى فرنسا فرديّةً يمارسها الرجال فقط – من عزّاب ومتزوّجين يتركون زوجاتهم وأطفالهم بالجزائر -، ففرنسا في البداية كانت رافضةً للهجرة الجزائريّة نحو فرنسا، وأصدرت مرسومًا يمنع ذلك في 06ماي 1874م، مستثنيةً بذلك بعض الحالات التي سمحت لهم بالذهاب ومغادرة الأراضي الجزائريّة إليها بترخيصٍ خاصٍّ بالسفر من أجل العمل[5]، واستمرّ الجزائريّون على ذاك الحال الى غاية نهاية الحرب العالميّة الأولى، حيث فقدت فرنسا حوالي 1800000شابٍ، والتي تسببت في نقص اليد العاملة، فما كان على الحكومة الفرنسيّة إلّا السماح للجزائريين بالهجرة لتعويض النقص، وقد بلغ عدد المهاجرين إلى فرنسا ما يزيد عن 100 ألفٍ جزائريّ عام 1922م، واستمرّت الهجرة للشباب الجزائريّ إلى فرنسا خاصّة في الفترة الممتدة مابين 1931م الى 1941م، بصفةٍ فرديّةٍ حتى أضحى عدد المهاجرين يزيد عن 154 ألف[6]، ومع نهاية الحرب العالميّة الثانية غادرت بعض العائلات الجزائريّة نحو فرنسا بنحوٍ فعّالٍ ومنظّم[7].
إنّ السياسة القمعيّة التي أرستها السلطات الاستعماريّة ضدّ الشعب الجزائريّ من تجويعٍ وتشريدٍ ونفي، كان لها الأثر الواضح والجلي على الهجرة والتهجير للشباب الجزائريّ، أعزبًا كان أو متزوجًا، خاصّة ذاك الاستياء الذي مسّ العائلة الجزائريّة، وحال دون بقائها في أرض الوطن، بعد سياسة التقتيل والتنكيل ومصادرة الأراضي، ولعلّ قضيّة التهجير والهجرة كانت ذات أبعادٍ سياسيّةٍ لخلو الجزائر من شبابها، ويحلّ مكانه المعمّر الفرنسي خاصّة الوافدين الجدد.

في أواخر عام 1945م أصبحت التجمعات العائليّة تظهر بفرنسا خاصّةً بعد سياسة الهجرة والتهجير التي مارستها الإدارة الفرنسيّة ضدّ أبناء الشعب العُزّل[8]، وخشية من الانشقاق والتفرقة نتيجة سياسة النفي إلى مناطق مختلفة، والتي أصدرتها السلطات الاستعماريّة[9]، فما كان كلّ الشباب الجزائريّ سوى إلحاق عائلته أو أسرته وتقريبهم منه، وهكذا بدأت التجمعات العائليّة التي كانت في البداية ضعيفة جدًّا، إذ لم يكن بها سوى النساء والأطفال من عائلات المهاجرين في باريس، ففي سنة 1948م، هاجرت 768 امرأة إلى فرنسا، أسهمت مقاطعة الجزائر بحوالي 234 امرأة منهن، وكانت 293 امرأة من مقاطعة قسنطينة، و213 امرأة من مناطق الجنوب، في الوقت الذي لم يكن عدد النساء الجزائريّات بفرنسا قبل 1939م، يتجاوز 40 امرأة[10]، وفي ماي 1952م، أحصى تحقيقٌ أعدّته وزارة الصحة العموميّة والسكّان، تعداد الأُسر المسلمة المقيمة بفرنسا بحوالي 3400 أسرة، وفي أوت 1953 صرّحت وزارة الداخلية بـ 5000 أسرة، وحوالي 11000 طفلٍ[11].
ورغم أنّ الجزائريّات كُنّ أقليّةً في المهجر، إلّا أنّ عددهن ما فتئ يرتفع باستمرار بين 1954-1962م، والشيء الذي يؤكّد بروز ظاهرة الهجرة العائليّة هو الرقم المرتفع للمهاجرين في سنة 1954م، والذي تجاوز 165000 مهاجر، وهو أكبر عددٍ من المهاجرين باتّجاه فرنسا، منهم نحو 3000 امرأة، وأكثر من 5000 طفل[12].

قامت محافظة شرطة باريس سنة 1955م، بإحصائهن في حي لاغوت دور، حيث تم حصر 3792 شمال إفريقي من بينهم 47 امرأة، وفي حي لافيلات كن 35 امرأة من بين 4075 رجل، وقد كان الوضع مماثلًا في الضواحي، ففي دائرة بيتو، بلغ الإحصاء أكثر من 10000 رجل، و48 امرأة، بينما كن 35 من بين 5000 رجل في مدينة سان دونيه[13]، وفي أكتوبر 1961م، كان عدد الجزائريين في فرنسا يقدر بـ 400000 شخص، يتشكلون من 300000 رجل، و25000 امرأة، و75000 طفل[14]، من بينهم 150000 شخص متمركزين في مقاطعة السين، منهم 8000 امرأة، و29000 طفل[15].
من الإحصائيّات المذكورة أعلاه نستنتج أنّ الهجرة الجزائريّة إلى فرنسا لم تكن عشوائيةً، وإنّما كانت متأثرةً بالأوضاع الاقتصاديّة التي شهدتها فرنسا خاصّةً بعد الحرب العالميّة الثانية، فاحتياجها لليد العاملة أزال بعض القيود الإداريّة التي فرضتها سابقًا، فبعد ظهور القلّة القليلة من المهاجرين الجزائريّين، توافدت العائلات الجزائريّة على الهجرة نحو فرنسا وبرز العنصر النسويّ الذي كان منعزلًا على العالم الخارجي ملازمًا للبيت شغله الشاغل إنتاج الجيل، وتربية الأطفال بمبادئ دينيّةٍ محافظة على الهويّة الجزائريّة، ومندِّدة بالسياسة الاستعماريّة.

فبعد الهجرة النسويّة نحو فرنسا واللحاق بأزواجهن أصبحن يمارسن بعض الأعمال، ويحترفن بعض المهن، لكن في البداية ظلّت النسب قليلةً جدًّا؛ إذ لم يتجاوز المصنع الواحد تشغيل عائلةٍ أو أكثر، ففي (مصنع رينو) منحت الفرصة لعائلتين جزائريتين للشغل، وفي الوقت ذاته شاركت المرأة الجزائريّة إلى جانب زوجها في بعض الأعمال كبيع الخضر وأنواع البقوليات الجافة والخبز، خاصّةً في منطقة باريس، وأخذت نساء أخريات منحىً آخر؛ فأصبحن يدرن المقاصف جنبًا إلى جنبٍ مع الرجل، وهناك من الإناث من توجّهن نحو التعليم، لكن ظلّ العدد قليلًا جدًّا؛ إذ لم يتعدَّ عددهم عشر جزائريّات على طول مساحة فرنسا من المهاجرات الجزائريّات بفرنسا[16].
ظلّت المرأة الجزائريّة تكافح إلى جانب الرجل، وتحترف المهن والحرف في الأراضي الفرنسيّة، وبرزت في مختلف المجالات، فلم يقتصر دورها على الجانب الاجتماعيّ، بل تجاوزت ذلك، فكان لها أدوارٌ سياسيّةٌ وعسكريّةٌ، وأسهمت لخدمة ومساندة جبهة التحرير الوطنيّ داخل الأراضي الفرنسيّة.

ثانيًا: المرأة الجزائريّة ودورها السياسي في فرنسا
إنّ هجرة العائلة الجزائريّة الى فرنسا إبّان الفترة الاستعماريّة لم يكن هروبًا من السياسة الاستعماريّة أو خوفًا من الاستشهاد، وإنّما كانت نتيجةً لظروفٍ قاسيّةٍ واجهتها خاصّة بعد هجرة الشباب تاركين وراءهم نساءهم وفلذات أكبادهم، فبمجرد وصولها أعربت المرأة عن مساندتها ومساهمتها في نقل الثورة للخارج، فبرز دورها السياسيّ في العديد من الخلايا والمنظمّات الجزائريّة بفرنسا.

دعم فدراليّة جبهة التحرير الوطنيّ بفرنسا
عُرفت المرأة الجزائريّة بحشمتها ووقارها فكانت ماكثةً في البيت، همها الوحيد هو إنجاب الصغار والسهر على تربيتهم تربيةً صالحةً على وفق مبادئ الشريعة الإسلاميّة، وإبّان الحقبة الاستعماريّة لم يكن خروجهن إلّا للضرورة، وهذا لايعني أنّ المرأة اكتفت بما كانت عليه، بل اقتحمت عالم التوظيف فكانت منهن الطبيبة، والممرضة، والأستاذة، وبعض الوظائف والمهام التي أسندت اليها، خاصّةً إبّان الحقبة الاستعماريّة والدور المهم الذي أولي إليها سواء داخل الوطن أو خارجه، فقد شاركت المرأة الجزائريّة المهاجرة في دعم الثورة الجزائريّة، وأسندت لها بعض المهام، وبرزت في العديد من الأدوار؛ إذ كان لها دورٌ في دعم جبهة التحرير الوطنيّ، وبرزت خاصّةً في فدراليّة جبهة التحرير الوطني[17]، فقد أوكلت مهمة التأسيس للمناضل محمد بوضياف بصفته المسؤول عن الوفد الخارجي، ومن المساعي الأولى التي اجتهدوا فيها تأسيس خليةٍ ناشطةٍ ضدّ السياسة الاستعماريّة، وقد عملت الفدراليّة على تنظيم المهاجرين الجزائريين في فرنسا، وتوعيتهم لدعم الثورة الجزائريّة بالمهجر، وبعد نضالٍ مستمرٍ تمكّنوا من تأسيس هيأةٍ من فدراليّة جبهة التحرير الوطنيّ تضمّ أربعة نشطاء تم تقسيمهم على أربع مناطق بفرنسا؛ إذ تمّ تعيين محمد مشاطي بشرق فرنسا، وفضيل بن سالم، وغراس في الجنوب الفرنسي والوسط، أمّا مدينة مرسيليا فأوكلت المهمّة لليون، في حين تواجد دوم بباريس[18].
إنّ معظم النسوة الجزائريّات المهاجرات إلى فرنسا في بادئ الأمر كن من المناطق الريفية الجزائرية، والمعروف عنهن أنّهنّ لا يجدن اتقان اللغة الفرنسيّة وهذا ماجعلهن في عزلةٍ حال دخولهنّ الأراضي الفرنسيّة، لكن هذا لم يكن عائقًا لدعم الثورة الجزائريّة في الخارج ومدّ يد العون لجبهة التحرير الوطني، وكأنّ حالهنّ كان بمنزلة المباغتة للسلطات الاستعماريّة التي استصغرت دورهن وتواجدهن الى جانب الجبهة، فقد صرّحت مصلحة التنسيق والإعلام الشمال الإفريقيّة في جانفي 1958م بما يلي:
«...في فرنسا لايوجد مؤشر دقيق يسمح بافتراض أنّ النّساء الجزائريات زيادةً على قلّتهنّ يشاركن بأيّ طريقةٍ في العمل الانفصالي، على العكس فإنّ أوربيّات يعشن مع الجزائريين يشاركن في النشاطات الانفصاليّة، وخاصّةً في مجال تجارة الأسلحة؛ لهذا يتعيّن أن يظللن محلّ مراقبةٍ خاصّة»[19].

لذلك قد كان لهن دورٌ بارزٌ في فدراليّة جبهة التحرير الوطني ضمن نهج تأطير المهاجرين الجزائريين بفرنسا[20]؛ إذ كان نشاطهن بسريةٍ تامّة، فقد كانت جبهة التحرير الوطني تكلّفهن بعدّة مهام وخدمات، وفي هذا الشأن أجادت المتعاطفة مع الجبهة السيدة يمينة في منطقة الأيزار (Isere) أنّهم كانوا يطلبون منهن غسل الثياب وإخفاء الأسلحة؛ لأنّ المرأة هي أحسن من يعرف بيتها، بالإضافة إلى إعداد الطعام للمناضلين، ولم تكن الحرب عند بعضهن إلّا استمرارًا لدورهن التقليديّ كربّات بيوتٍ، أما بعضهن الآخر فتقلّدن مسؤولياتٍ سياسيّةً بفيدراليّة جبهة التحرير بفرنسا[21].
إنّ المرأة الجزائريّة في المهجر شاركت وناضلت بالرغم من عدم وجود هيأةٍ خاصّةٍ بالنسوة لتنظيمهن وتوجيههن، فقد حملن على عاتقهن المسؤوليّة وشاركن بصدقٍ وتفانٍ، ويظهر هذا الموقف جليًّا من خلال التطوّع في اللجنة الفدراليّة لجبهة التحرير الوطنيّ، فأصبحن يقمن بتنظيم الاتصالات العامّة وتسيير أمانة الفدراليّة، وشاركن في مهامٍ وأدوارٍ دقيقةٍ وخطيرةٍ جدًّا، ومن بينهنّ باية أقطاي وعائشة بوزار وغيرهن من النسوة اللواتي لم يختلف دورهنّ عن النساء المناضلات داخل الجزائر كباية حسين التي قدّمت حياتها خدمةً للوطن رغم صغر سنّها، فقال عنها المؤرّخ بلخوجة: «باية حسين هي هذه المراهقة التي دخلت الحرب ضدّ الاستعمار في الوقت الذي لم يكن عمرها سوى 16 عامًا، المعركة شرسة هي معركة الجزائر (العاصمة)، معركة أطفال القصبة الذين تجرّؤوا على تحدِّي القوة والكره لكلّ من ماسو وبيجار، والجلادين ا لعاملين في خدمة نظام صنع عار الإنسانيّة: الاستعمار»[22]، لم تستسلم المناضلة وظلّت تتحدّى العدو رغم أساليب التعذيب المجحفة التي مورست ضدّها خارج السجن وداخله من ضغط نفسي وتنكيل[23].

ومن هنا لم يكن صغر السنّ أو نوعيّة الجنس عائقًا أمام المرأة الجزائريّة التي أعربت عن وطنيّتها، ومن الواجبات التي أوكلت للمرأة زيارة المساجين وتزويدهم بالحيثيات.

الانخراط بالمنظمة الخاصّة ودورها في الاستعلامات والاتصال
تمكّنت المرأة الجزائريّة من الانخراط في الأمور السياسيّة التي كانت من مهام الرجال، فقد أضحت قائدةً للمهام النضاليّة وكلّفت بتسيير الاتصالات وتنظيمها في كلّ المناطق الفرنسيّة، فقد كانت عمليّة جمع المعلومات ونقلها من أهمّ الأدوار التي قامت بها مناضلاتٌ فيدراليّة جبهة التحرير الوطن، فانخرطت المرأة الجزائريّة في المنظّمة الخاصّة (OS).
كانت المنظمة الخاصّة تملك عملاء ارتباطٍ خاصّين بها، وكانت معززةً بأولئك الذين كانت توفّرهم لها اللجنة الفيدراليّة، وهو حال المناضلة صحراوي سليمة المدعوة (نادية)، التي حولها قبايلي موسى إلى المنظمة الخاصّة سنة 1957م، حيث كانت تنشط كعميلة اتصالٍ مع بوعزيز سعيد[24].

كانت المناضلات الجزائريّات هن اللواتي يقمن بمهمة الاتصالات الداخليّة، ففي ما يخصّ الاتصالات ما بين المناطق، كانت المنظمة تعتمد على مساعدة إدجيري يمينة أنطوانيت، ونادية صغير، وبن سادي ليديا، ومريم يوسفي بالنسبة للجنوب، ودكاري رابية المدعوة (جميلة)، وياشير زهرة بالنسبة لنورمانديا، وبورنان زهرة المدعوة (نورة) بالنسبة لليل دو فرونس[25]، بالإضافة إلى عائشة عليوات التي تعدّ من أولى مناضلات جبهة التحرير الوطني، وهي من مدينة صغيرة بالحدود الفرنسية-البلجيكية، والتي تم تجنيدها من طرف (علي) المسؤول عن المنطقة، حيث أصبحت عضوًا في فرقة التدخل الريفيّ تحت أوامر مكي، حيث اضطرت للعمل كخادمةٍ في ثلاثة مقاهٍ مختلفة، لتحديد وجمع معلومات عن قادة الحركة الوطنية[26].
إنّ انخراط المرأة في الخلايا السياسية العسكريّة مكّنها من تأدية الأعمال الأكثر خطورةً كنقل القنابل من منطقةٍ الى أخرى، فتمكّنت المناضلة عائشة بوزار من وضع القنبلة في الطابق الثالث ببرج ايفل، أمّا يمينة إنجي قامت بوضع المتفجرات في محافظة الشرطة بمرسيليا، وشاركت الزهرة حرايق في القوة الخاصّة لعبد الرحمن مزيان الشريف في عمليةٍ فدائيّةٍ ضد سوستيل، في حين قامت امرأةٌ أخرى بتخريب مستودع البترول بموربيان (Maurepiane)، ومن الأعمال النضاليّة التي لفتت الانتباه وأعربت عن التضحية في سبيل الوطن ماقامت به النضاليّة زهرة بن بوزيان المعروفة بجاكلين التي لم يكن عمرها يتعدّى 16 سنة؛ إذ قامت بنقل حقائب محمّلةٍ بالأسلحة بين آلاس ومرسيليا وباريس[27].

إنّ العمل والانخراط في المنظّمة الخاصّة لم يكن منحصرًا في المناضلين الذكور، بل كانت المرأة الجزائريّة تسهم معهم في التخفيف من ثقل المسؤوليّة وتسهيل عمليّة الوصول إلى حلّ بعض القضايا التي استصعب حلّها أو تجاوزها كالحواجز الأمنيّة.

النشاط النضالي للمرأة الجزائريّة بالودادية العاّمة للعمّال الجزائريين
سعت فدراليّة جبهة التحرير الوطني إلى لمّ شمل العمّال الجزائريين بفرنسا، والدفاع عن حقوقهم بنحوٍ منظّمٍ وبما يسمح به القانون الفرنسي لانشاء الجمعيات الصادر في 01 جويلية 1901م، فأعلنت بذلك عن تأسيس الوداديّة العامّة للعمّال الجزائريين (AGTA) في 21 فبراير 1956م، وقد اختير المقرّ لها في شارع نابليون بباريس برقم ASS.30.767 [28]، فقد الودادية تهدف إلى توحيد النضال بين مختلف الفئات الجزائرية وتوعيتها على تعبئة الثورة الجزائريّة ودعم القضية الوطنيّة.

إنّ الدور الفعّال الذي قامت به المرأة الجزائريّة في الاستعلامات والاتصال مكّنها من إحراز مكانةٍ مهمّةٍ للفدراليّة، فبعد تأسيس الوداديّة تمّ تزويدها ببعض المناضلات اللواتي كانت مهامهن تنظيم الاتصالات وتجهيز أماكن الإيواء، وتحسين عملية الادّخار لتوفير المؤن وتهيئة المخابئ الضروريّة[29]، كما سهرن على تنظيم الدروس المسائيّة للمهاجرين وتوعيتهم بالظروف التي تمرّ بها الجزائر عن طريق إعداد جلساتٍ تضمّ الجزائريين الراغبين في دعم الثورة، كما قمت بتحليل اللسان الناطق باسم الوداديّة والمتمثّل في جريدة العامل الجزائري « L ouvrrier algerien والتي منعتها الإدارة الفرنسيّة من الصدور»[30]، فأصبحت مهمّة النقابيين رجالًا كانوا أو نساءً من ممارسة النشاط وتحقيق أهدافها بترويج مسألة الشعب الجزائر والمتمثّلة أساسًا في الكفاح من أجل التحرير واسترجاع السيادة[31]، كما قامت المرأة بمصاحبة النساء الفرنسيّات وإبلاغهن عن الجرائم والمآسي التي تعترض المرأة في الجزائر جرّاء الحرب التي شنّتها فرنسا عليها، وكانت تتم هذه العمليّة خاصّة للنسوة الرافضات للحروب فتشكّلت بذلك مجموعةً من اللجان التي نشطت في الأراضي الفرنسيّة، والتي سعت لإجراء مفاوضاتٍ مع ممثّلي الثورة ووقف إطلاق النار وسياسة التعذيب والتنكيل التي تمارسها فرنسا ضدّ الشعب الأعزل، فقد عملت النساء المنخرطات في الوداديّة الى جمع التوقيعات ورفعها الى رئاسة المجلس بفرنسا مثلما حدث في 25مارس 1056 إذ تمكنّ من جمع حوالي 125 ألف توقيع[32].
من خلال النشاط تحت راية الوداديّة تمكّنت المرأة الجزائريّة من التأثير على النساء الفرنسيّات والأوربيّات وجلبهن لدعم القضيّة الجزائريّة والتنديد بسياسة العنف التي تمارسها الدول الاستعماريّة ضدّ مختلف البلدان من بينها الجزائر.

مظاهرات 20 أكتوبر 1961
تمكّن المهاجرين الجزائريين بفرنسا من تقديم الدعم المادّي والمعنوي للثورة الجزائريّة، ممّا اضطر الإدارة الاستعماريّة الى تضييق الخناق عليهم، كما طبّقت عليهم إجراءاتٍ عنصريّةً استثنائيةًّ خُصّ بها الجزائريّون المتواجدون بفرنسا كحضر التجوال لشلّ نشاط جبهة التحرير بفرنسا، الأمر الذي دفعهم إلى تنظيم مظاهراتٍ والخروج للشارع الفرنسيّ مندّدين بالسياسة الفرنسيّة الرامية إلى ضرب الشخصيّة الجزائريّة؛ فتجنّد لذلك الرجال والنساء، وخرجوا في مظاهراتٍ للتعبير عن رفضهم للضغط الاستعماري، وأثبتت المرأة صلابتها في التعبير السلمي.
لقد تجنّدت النساء يوم 20 أكتوبر للقيام بمظاهرات، وفي الساعة 10:00 صباحًا، بدأت مجموعاتٌ صغيرةٌ من النساء والأطفال يصلون بالحافلات، بالقطارات، بسيارات الأجرة، بالمترو إلى مختلف نواحي العاصمة – ساحة الجمهوريّة، ساحة إيطاليا، الشاتلي، محافظة الشرطة، دار البلدية[33]، حيث رفعن لافتات وهن يصرخن «الاستقلال التام للجزائر»، «حرروا أزواجنا»، «لا لحضر التجول»[34]، تلقّت الشرطة الأوامر باجتناب أيّ عنفٍ جسديّ، وقد تقرّر نقل النساء بالحافلات[35] إلى مختلف مراكز التوقيف المؤقّت في المستشفيات وبنايات المساعدة الاجتماعيّة [36]، وهناك تعرضن لاعتداءاتٍ جسديّةٍ وشفهيّةٍ، وقد ذكر بابون أنّ النساء لم يكن يرغبن في التظاهر وإنّما خرجن تحت ضغط جبهة التحرير الوطني، وفي الواقع هنّ عزمنَ على التظاهر، وقد وجدت الشرطة صعوبةً في السيطرة عليهن[37]، و قد بلغ عدد المتظاهرين من النساء والأطفال قرابة 1000 امرأة، و500 طفل[38]، وهذه شهادةٌ لجزائريّةٍ في (جريدة لوموند) تتحدّث عن الطريقة التي عوملن بها في مركز الشرطة وحتى بعد خروجهن: «أحضروا لنا دلوًا من الماء و دلوًا من الحليب لأطفالنا، في المساء فقط منحوا لنا القليل من الأكل، وقد كانت الجدران والتخشيبات الموجودة في المركز ملطخةً بالدماء، أطلق سراحنا في المساء، أردت إيقاف سيارةٍ أجرةٍ، لكن رفض السائقون التوقّف» [39].
لقد كان للمرأة الجزائريّة دورٌ محوريٌّ في مظاهرات أكتوبر 1961م؛ إذ سعت للتنسيق بين الأفراد المهاجرين لتنظيم الاتّصالات ونجاحها، كما تمكّنت من طباعة الأوراق وتوصيلها لأصحابها، وقامت بالدور التوعوي عند أصدقاء الثورة والنشطاء الرافضين والرافضات للسياسة الاستعماريّة، فقد كانت المرأة الجزائريّة بمنزلة الأم للثورة الجزائريّة داخل الوطن وخارجه.

ثالثًا: الدور العسكريّ للمرأة الجزائريّة بفرنسا
إلى جانب الدور السياسيّ الذي برزت فيه المرأة الجزائريّة المناضلة كان لها شأنٌ في الجانب العسكريّ؛ إذ تمكّنت من تسجيل نشاطاتها وتوسيع رقعة تعاملاتها لدعم الفدراليّة الوطنيّة وجبهة التحرّي الوطنيّ، ومن بين المهام والأدوار التي تقلّدتها المرأة ما يأتي:

التمريض
بمجرد أن بدأت الاشتباكات الأولى، كان يجب بسرعة ارتجال هياكل تتكفّل بالجرحى من أجل تقديم الإسعافات الأوليّة، كانت عائشة عليوات تقوم بدور الممرضة وتقدم الإسعافات الأوليّة لمصابي الحرب بحكم خبرتها الطويلة في الميدان منذ الفترة الصعبة لمجابهات جبهة التحرير الوطني مع الحركة الوطنيّة الجزائريّة، اضطرت أن تتحوّل إلى ممرضة، حيث قامت بالعديد من العمليات بأدواتٍ بسيطة[40]، بينما إيواء المصابين ونقلهم كان مضمونًا من قبل عقيلة ناصري، في حين كانت سناح مليكة تهتم بالتكفّل الطبّي للجرحى[41]، وقد قامت المهاجرات الجزائريّات بفرنسا بمراسلة قيادة الفدرالية عام 1958م، يعربن عن رغبتهنّ في الالتحاق بالمناضلين لخدمة الثورة الجزائريّة، ومن بينهنّ المتربصة بالمركز الاستشفائي سعيدة مترف وزميلتها كريمة بحمامي التي كانت مستعدّةً للقيام بأيّ دورٍ في سبيل أن تبقى الجزائر حرّةً مستقلّة، وتعرّفت الممرضة سعيدة بوهانة على الجزائريين المتواجدين بفرنسا لمساعدتهم والسهر على راحتهم فأضحت جزءًا لا يتجزّأ منهم[42].

سعت الممرضات الجزائريّات المتواجدات بالأراضي الفرنسيّة إلى دعم الثورة الجزائريّة بربط علاقات والإسهام في الاتّصال مع مختلف الأطياف الجزائريّة بالمهجر لضرورة الالتحاق ودعم الثورة، كما كانت نقطة اتصالٍ داخل المستشفيات، وأسهمن بدرجةٍ قصوى في علاج الجرحى داخل الوطن وخارجه، وكان لهن شأنٌ في نمو الوعي التحرّري عند المرأة الجزائريّة خاصّة المهاجرة.

نقل الأسلحة والأموال والوثائق
يعدّ عمر حرايق من النشطاء السياسيين الذين تمكّنوا من إرساء القواعد السياسيّة ، الأمر الذي جعله يسعى لضمّ العنصر النسويّ في بعض العمليات الخاصّة فوقع اختياره على شقيقته زينة حرايق المجنّدة في صفوف جبهة التحرير الوطنيّ والناشطة بفرق التدخّل في المناطق التالية: ليون وفيرميني وسانت إتيان، خاصّة وأنّ النشاط السياسي داخل الأراضي الفرنسيّة يتطلّب الحيطة والحذر لخطورة المهام التي تقوم بها المرأة، كما يجب أن تحسن المباغتة والصبر إن تطلّب الأمر، فكلّفت زينة بنقل الوثائق، والأسلحة والأموال وغيرها من الأمور الأخرى طيلة أيام الأسبوع.
والميزة التي دفعت العمر خرايق في أخته هو معرفتها لقادة الفدراليّة من جهة وسهولة التواصل معهم، كما كان لها الحريّة في التنقل في الأراضي الفرنسيّة بكلّ حريّةٍ، ولا سيّما أنّها كانت متزوجةً من رجل ألماني، فشكلها ولبسها يبعد عنها كلّ الشكوك، وفي هذا الشأن تقول زينة: «كنت أتنقل من مدينةٍ الى مدينةٍ أخرى خاصّة المنطقة الليونية، بين سانت اتيان وسان شامون، كنت أعود من المصنع على الساعة السادسة مساء، وأنطلق مباشرةً لنقل الأسلحة والوثائق وغيرها، وكنت أحيانًا أرافق مسؤولين عابرين في تنقلاتهم؛ لأنّ الأزواج لم يكن يتنبه إليهم كما ينتبه إلى الفرد»؛ إنّ العمل طيلة النهر والإرهاق لم يكن عائقًا أمام زينة في التتنقل من مدينةٍ إلى أخرى خاصة بما فيها المنطقة الليونية كما ذكرت، فقد كانت مباشرةً تتولّى مهامها السياسيّة الداعمة للثورة الجزائريّة، فتأخذ الأسلحة وتنقلها إلى جانب الوثائق وغيرها، مما يخدم الفدراليّة والجبهة.
أصبحت زينة حرايق عنصر اتصالٍ مع العاصمة باريس بعد إرساء المنظمة الخاصّة والالتقاء مع قادة الفيدراليّة، فكانت على اتصالٍ مع بن عدودة عمار وبوداود عمر وبوعزيز سعيد وقبايلي موسى ومناع اسماعيل وغيرهم، واستمر نشاط زينة حرايق في إطار فرق التدخّل، ولأنّها كانت مطلوبةً من قبل الشرطة اضطرّت لمغادرة فيرميني، والذهاب إلى باريس والدخول في حياةٍ السريّة، لكنّها استمرّت في عملها لحساب المنظمة الخاصّة فكانت تسافر كثيرًا إلى مرسيليا وبوردو لتوصيل الأسلحة والمال إلى أخيها[43]، كما كان عليها أن تقوم بالذهاب والإياب مراتٍ عديدةً من باريس إلى مرسيليا لإيصال المال والأسلحة لعيساوي الذي كان يحتاجها، وهكذا وجدت زينة نفسها على متن قطار وبحوزتها مليون ونصف مليون فرنك يجب عليها نقلها لتغطية احتياجات مناطق الجنوب[44].

لم تكن زينة حرايق الناشطة السياسيّة الوحيدة بفرنسا، بل كانت هناك أخريات أثبتن دورهنّ وقدّمن كلّ ما بوسعهن لخدمة الثورة في الخارج، فنجد نادية صغير مختار التي غادرت الجزائر إلى مرسيليا سنة 1957م، فمغادرتها أراضي الوطن كان نتيجة التسلّط الاستعماري خاصّة بعد اعتقال مسؤولها في النضال (أحمد لزال)، واستقرت عند صديقةٍ لها بفرنسا المسمّاة خدوجة، وهي أيضا كانت مناضلةً بجبهة التحرير الوطني، الأمر الذي سهّل عليها مساعدة الوافدة من الأراضي الجزائريّة المناضلة نادية في الالتحاق بالمنظمة، وحينها التقت بعمر حرايق الذي حولها مباشرة إلى نقل الأسلحة والوثائق، وبعد انتقال عمر إلى مرسيليا اضطرّت إلى الذهاب معه لمتابعة عمل الارتباط ونقل الأسلحة، فمعظم اللقاءات والتواصل كان لها مع عمر وأخته زينة، قامت باستئجار شقة بلباي دوماي «Labelle de mai»، وحوّلتها الى مستودعٍ لتخزين الأسلحة والأموال والوثائق، كما كلفت في مرسيليا باسترجاع الأسلحة المودعة بمختلف أحياء المدينة وإيداعها بقبو العمارة التي كانت تقطن فيها قبل أن توزعها في مدنٍ أخرى في الجنوب، فنجدها في مدينة بوردو تقوم بتسليم الأسلحة للمناضلين والقادة السياسيين، فقد كانت على تواصلٍ مع علي بطروني المكلّف باستلام الأسلحة والتعليمات، وتمكّنت المناضلة من شراء المنبّهات والأسلاك الكهربائيّة، وكلّ ما يساعد في صناعة القنابل والمتفجّرات[45].
بالإضافة إلى نادية وزينة كانت يمينة إدجيري أنطوانيت كذلك تقوم بنقل الأسلحة والأموال إلى موريبيان وبور دو بوك[46]، اهتمت المناضلة بالجانب الاجتماعيّ فكانت تقوم بتسليم الحوالات لعائلات السجناء وتنظيم المواعيد واللقاءات، وتذكر المناضلة يمينة بأنّ الظروف أحيانًا تضطرّها للسير لمدّة ساعتين للقيام بمهامها التي كلّفت بها[47]، كما اُستدعيت الأختان زولة وبن عيسى يمينة لنقل الأسلحة[48]، وكذلك قامت عائشة عليوات بنقل المتفجّرات لشنّ هجمات أوت 1958 [49].
رغم ثقل المسؤوليّة فإنّ المرأة الجزائريّة لم تلتزم الحياد، ولم يتمكّن منها الخوف، بل سعت وناضلت للحفاظ على هويّتها الجزائريّة، فهي لم يمنعها تواجدها ببلاد المهجر بالتخلّي عن وطنيّتها بل تقلّدت أصعب المهام كالاستعلامات ونقل الوثائق الهامّة، إضافةً إلى ذلك توصيل الأمانات إلى أصحابها، وقد حملت الرزم الكبيرة من الأموال لمسافات طويلة، والتزمت بالصمود أمام الحواجز الأمنية، وهذا يدلّ على ثبات المرأة الجزائريّة وبسالتها.

المشاركة في العمليات العسكريّة
شاركت المرأة الجزائريّة المهاجرة بفرنسا في العمليات العسكريّة التي قامت بها فرق التدخّل والمنظّمة الخاصّة فيما بعد، حيث كان لها دورٌ كبيرٌ في نقل الثورة إلى الأراضي الفرنسيّة، سواء عبر المشاركة في العمليات أم من خلال مساعدة رجال المنظّمة في نقل القنابل والأسلحة وحتى التمويه.
أول عمليّةٍ قامت بها عائشة عليوات كانت رفقة مكي وبوبول قاسي، حيث جرت العمليّة في محلٍّ صغيرٍ ببوبينيي، كان أحد قادة الحركة الوطنيّة يلعب الدومينو، وصل بوبول ومكي، وفي هذه اللحظة ذهبت إليه عائشة ووضعت يدها على كتفه وسألته إن كان يفوز، وكانت هذه الإشارة التي سمحت لزميليها بالتعرف إليه، فأطلقا النار عليه، وقذفا بالمسدس نحو عائشة ليلوذا بالفرار[50]، بالإضافة إلى وضعها قنبلة موقوتة في برج إيفل بهدف تدمير جهاز إرسال الشرطة، وليس لتخريب الرمز العالمي البريء حسب أقوال الصحافة، إلا أنّ القنبلة لم تنفجر بسبب عدم معرفة عائشة طريقة تشغيلها، ورغم أنّها لم تنفجر فإنّها أحدثت ضجّةً كبيرة[51].
هناك عمليّة أخرى قامت بها إدجيري يمينة أنطوانيت[52]، حيث قامت بوضع قنبلةٍ في قسم الشرطة، التي انفجرت مخلّفةً بعض الخسائر الماديّة، لكن الأثر أصاب مباشرةً الرأي العام، وأصبح جليًّا من هذا النوع من الهجمات أن جبهة التحرير الوطني والمنظمة الخاصة يمكنهما أن يضربا في كلّ مكانٍ، حتى بقلب جهاز الأمن الفرنسيّ[53].
ساعدت نادية صغير عبد الرحمن مزيان شريف في تحديد الأهداف والتحضير للهجمات، حيث كان يستعين بها في التمويه عند التنزّه بالقرب من المنشآت العسكريّة ومخازن الوقود؛ إذ إنّ الأزواج لا يلفتون الأنظار عكس التنزّه المنفرد في هذه الأماكن[54].
إنّ العمل الثوري للمرأة الجزائريّة لم يكن محصورًا في الأمور المنزليّة كتربية الأطفال وتحضير الغذاء، بل تجاوز ذلك، فأصبحت المرأة تقطع الأميال لمساندة الثورة وتسهيل التواصل وجلب الأخبار، كما كانت تقوم بزيارة الأسرى وتنظيم اللقاءات مع أسرهم، بالإضافة إلى تحضير الأسر الجزائريّة وتحفيزهم على المشاركة في خدمة الثورة في سبيل أن تبقى الجزائر جزائريّة.

الخاتمة
شاركت المرأة الجزائريّة المهاجرة إلى فرنسا مشاركةً مباشرةً في الكفاح المسلّح، فالعديد منهن حُملن على القيام بمهامٍّ كان يقوم بها عادةً من هو أعلى مراتب التسلسل الهرمي، ولكن هذه الأمور لم تذكر كثيرًا في الكتب عن جبهة التحرير الوطنيّ في فرنسا؛ لأننا أمام مجال كانت تغلب عليه السريّة المطلقة، ونظام الفصل الصارم، ممّا جعل القليل من المعلومات عدا ما ينقل عن شهادات الفاعلين المباشرين، تتسرّب حول ما قامت به هؤلاء المناضلات بشبكة الارتباط والاتصال لجبهة التحرير الوطنيّ في فرنسا، وكذلك التمريض ونقل الأسلحة والأموال والمعلومات، والمشاركة في العمليات العسكريّة وحتى التمويه.

قائمة المصادر والمراجع
أحمد شنتي، صالح حيمر: فدرالية جبهة التحرير الوطني بفرنسا ودورها في تأطير النشاط الثوري للمهاجرين الجزائريين، مجلة الواحات للبحوث والدراسات، مج 14، ع1، 2021.
أحمد عصماني، المغتربات الجزائريات بفرنسا ودورهن في ثورة التحرير الكبرى، مج 02، ع02، جامعة البليدة، 30 ديسمبر 2016.
إيمان، قرناشي، فدرالية جبهة التحرير الوطني بفرنسا، مجلة القرطاس، ع4، جامعة تلمسان، 2017.301.
بسّام، العسلي: محمد المقراني وثورة 1871م، دار النفائس، بيروت، 2010.
بلال، بوخضرة: جزائريو فرنسا أم فرنسيو الجزائر...إلى أين؟، جريدة القدس، ع6976.
بلخوجة عمّار: باية حسين، تر: مصطفى قاسمي، موفم للنشر، الجزائر، 2014.
دحو، جربال: المنظمة الخاصة لفيدرالية فرنسا لجبهة التحرير الوطني –تاريخ الكفاح المسلح لجبهة التحرير الوطني في فرنسا 1956-1962-، تر: سناء بوزيدة، منشورات الشهاب، باتنة، 2013.
سعدي، بزسان: جرائم موريس بابون ضدّ المهاجرين الجزائريين في17أكتوبر 1961م، منشورات تالة، الجزائر..
صباح نوري، هادي حنان، طلال جاسم: تنظيمات العمال والطلبة المهاجرين ودورهم في المقاومة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي، مجلة ديالي، كلية التربية الأساسية، جامعة ديالي، ع52، العراق، 2011.
علي، تابليت: اتحادية فرنسا لجبهة التحرير الوطني «الولاية السابعة» 1959، منشورات ثالة، الجزائر، 2014.
عمّار أوصديق، ثورة 1871م، تر: جباح مسعود، الجزائر؛ عمّار بوحوش، العمّال الجزائريين في فرنسا، دراسة تحليلية، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1989.
عمر بوداود، من حزب الشعب الى جبهة التحرير الوطني، مذكرات مناضل، تر: أحمد بن محمد بكلي، دار القصبة للنشر، الجزائر، 2007

القائمة الببليوغرافيّة:
ليندة، عميري: معركة فرنسا- حرب الجزائر بفرنسا -، تر: فضيل بوماله، منشورات الشهاب، باتنة، 2013.
م ميشيل، لوفين: حملة أكتوبر العقابية- اغتيال جماعي في باريس1961-، تر: عبد القادر بوزيدة، دار القصبة للنشر، 2013.
محمد، قريشي: الأوضاع الاجتماعية للشعب الجزائري منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى اندلاع الثورة التحريرية الكبرى1945-1954، مذكرة ماجستير، كلية العلوم الإنسانية، جامعة الجزائر.
مزيان شريف، عبد الرحمن: حرب الجزائر في فرنسا – موريبيان: جيش الخفاء-، تر: العربي بوينون، دار الحكمة، الجزائر، 2012
مزيــان، وشن: سياسة الهجرة والتهجير أسلوب استعماري في الجزائر، حوليات التاريخ والجغرافيا، ج 03، ع 06، 31-12-2012، المسيلة.
مصطفى الأشرف الجزائري، الجزائر الأمّة والمجتمع، تر: حنفي بن عيسى، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1983.
نيل ماك ماستر، جيم هاوس: باريس 1961 الجزائريون، إرهاب الدولة والذاكرة، تر: أحمد بكلي، دار القصبة للنشر، الجزائر، 2013.
يحيى، بوعزيز: سياسة التسلط الاستعماري والحركة الوطنية الجزائرية 1830-1954، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1958.
يحيى، بوعزيز، موقف العائلات الأرستقراطيّة من الباشاغا المقراني، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1994، ص 29.
Ernest Mercier, Le bachaga Mokran et les causes de l insurrection de1872, paris, 1900, p p 35-36.
Ali, Haroun:La 7 éme wilaya –La guerre du FLN en France 1954-1962, éditions du SEUIL, Paris, 1986.
L’humanité du 23 octobre 1961.
El Moudjahid n°86,le 1 novembre 1961.
Le monde du 27 octobre 1961.

-----------------------------------------
[1]. أستاذة التاريخ الاجتماعيّ- جامعة أبو بكر بلقايد - تلمسان- الجزائر
[2]. بلال، بوخضرة، جزائريّو فرنسا أم فرنسيّو الجزائر...إلى أين؟، جريدة القدس، ع6976، ص 18.
[3]. مصطفى الأشرف الجزائريّ، الجزائر الأمّة والمجتمع، 71.
[4]. يحيى، بوعزيز، موقف العائلات الأرستقراطية من الباشاغا المقراني، ص 29.
[5]. Ernest Mercier, Le bachaga Mokran et les causes de l insurrection de1872, paris, 1900, p p 35-36.
[6]. عمّار بوحوش، العمّال الجزائريّين في فرنسا، دراسة تحليلية، ص 148-149.
[7]. محمد، قريشي، الأوضاع الاجتماعيّة للشعب الجزائريّ منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى اندلاع الثورة التحريريّة الكبرى1945-1954، مذكرة ماجستير، ص216.
[8]. مزيــان، وشن، سياسة الهجرة والتهجير أسلوب استعماري في الجزائر، ص 138-143.
[9]. بسّام، العسلي، محمد المقراني وثورة 1871م، ص82.
[10]. يحيى، بوعزيز، سياسة التسلّط الاستعماريّ والحركة الوطنيّة الجزائريّة 1830-1954، ص233.
[11]. ليندة، عميري، معركة فرنسا- حرب الجزائر بفرنسا -، ص47.
[12]. محمد، قريشي، المرجع السابق، ص217.
[13]. ليندة، عميري، المرجع السابق، ص70.
[14]. م ميشيل، لوفين، حملة أكتوبر العقابية- اغتيال جماعي في باريس1961-، ص72.
[15]. علي، تابليت، اتّحاديّة فرنسا لجبهة التحرير الوطني «الولاية السابعة» 1959، ص9.
[16]. يحيى، بوعزيز، المرجع السابق، ص233.
[17]. ليندة، عميري، المرجع السابق، ص65؛ إيمان، قرناشي، فدراليّة جبهة التحرير الوطنيّ بفرنسا، مجلة القرطاس، ع4، ص 300-301؛ صباح نوري، هادي حنان، طلال جاسم، تنظيمات العمال والطلبة المهاجرين ودورهم في المقاومة الجزائريّة ضدّ الاستعمار الفرنسيّ، ع52، ص6.
[18]. سعدي، بزسان، جرائم موريس بابون ضدّ المهاجرين الجزائريين في17أكتوبر 1961م، ص11.
[19]. أحمد عصماني، المغتربات الجزائريّات بفرنسا ودورهن في ثورة التحرير الكبرى، مج 02، ع02، ص 69-70.
[20]. من الأهداف التي سعت لها فدراليّة جبهة التحرير بفرنسا هي تنظيم وهيكلة المهاجرين الجزائريين بفرنسا لمساندة الثورة ونقلها الى الخارج؛ يُنظر، أحمد شنتي، صالح حيمر، فدرالية جبهة التحرير الوطني بفرنسا ودورها في تأطير النشاط الثوري للمهاجرين الجزائريين، مجلة الواحات للبحوث والدراسات، مج 14، ع1، ص 162-168.
[21]. أحمد عصماني، المرجع نفسه، ص 70.
[22]. بلخوجة عمّار، باية حسين، ص 162
[23]. المصدر نفسه، ص 170.
[24]. دحو، جربال، المنظمة الخاصة لفيدرالية فرنسا لجبهة التحرير الوطني – تاريخ الكفاح المسلح لجبهة التحرير الوطني في فرنسا 1956-1962-، ص115.
[25].Ali, Haroun،La 7 éme wilaya –La guerre du FLN en France 1954-1962, éditions du SEUIL, Paris, 1986, P.402.
[26].دحو، جربال، المرجع السابق، ص.43.
[27]. أحمد عصماني، المرجع السابق، ص .71
[28]. عمر بوداود، من حزب الشعب الى جبهة التحرير الوطني، مذكرات مناضل، ص 115.
[29]. علي هارون، المرجع السابق، ص91.
[30]. عمر بوداود، من المرجع نفسه، ص115.
[31]. صباح نوري وآخرون، المرجع السابق، ص8.
[32]. أحمد عصماني، المرجع السابق، ص 74-75.
[33].نيل ماك ماستر، جيم هاوس، باريس 1961 الجزائريّون، إرهاب الدولة والذاكرة، ص192.
[34]. L’humanité du 23 octobre 1961.
[35]. ميشيل لوفين، حملة أكتوبر العقابيّة، اغتيال جماعي، باريس، ص 194.
[36]. El Moudjahid n86, le 1 novembre 1961.
[37]. نيل ماك ماستر، جيم هاوس، المرجع السابق، ص.193.
[38]. El Moudjahid,Op.Cit L’humanité du 21 octobre 1961.
[39]. Le monde du 27 octobre 1961.
[40]. دحو، جربال، المرجع السابق، ص284-285.
[41]. المصدر نفسه، ص116.
[42]. أحمد عصماني، المرجع نفسه، ص 73.
[43]. دحو جربال، المرجع السابق، ص116-117.
[44]. دحو جربال، المرجع السابق، ص240-241. يُنظر أيضًا، مزيان شريف، عبد الرحمن، حرب الجزائر في فرنسا – موريبيان، جيش الخفاء-، ص134-135.
[45]. دحو جربال، المرجع السابق، ص119-120.
[46]. المرجع نفسه، ص121.
[47]. عبد الرحمن مزيان الشريف، المرجع السابق، ص 186.
[48]. Ali, Haroun, OP.Cit, P.402.
[49]. دحو جربال، المرجع السابق، ص259.
[50]. دحو جربال، المرجع السابق، ص43-44.
[51]. المرجع نفسه، ص258-263.
[52]. عبد الرحمن مزيان شريف في كتابه يطلق عليها اسم نينا، على الأغلب كان هذا اسمها الحربي؛ لأنّ السرية وعدم معرفة الأسماء الحقيقية واستخدام أسماء مستعارةً كانت أساسيةً في عمل المنظمة الخاصة. يُنظر، عبد الرحمن، مزيان شريف، المصدر السابق، ص186.
[53]. دحو جربال، المرجع السابق، ص268-269.
[54]. عبد الرحمن، مزيان شريف، المصدر السابق، ص143-144.