البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

العدوان الثلاثيّ تحالفٌ استعماريٌّ ضدّ الدولة الوطنيّة دراسةٌ توثيقيّةٌ تحليليّةٌ

الباحث :  د. أيمن أحمد عبد الفتاح عبد السلام
اسم المجلة :  الاستعمار
العدد :  8
السنة :  صيف _ 2026 م
تاريخ إضافة البحث :  July / 21 / 2026
عدد زيارات البحث :  97
تحميل  ( 669.000 KB )
يتناول البحث العدوان الثلاثي عام 1956م بوصفه تحالفًا استعماريًّا بين بريطانيا وفرنسا وإسرائيل ضدّ الدولة الوطنيّة المصريّة بقيادة جمال عبد الناصر. يوضح أنّ جذور العدوان تعود إلى تصاعد حركات التحرّر الوطنيّ بعد الحرب العالميّة الثانية، ورفض مصر الانخراط في الأحلاف الغربيّة، واتجاهها إلى سياسة عدم الانحياز. كما أسهمت صفقة السلاح التشيكيّة وتأميم قناة السويس في تصعيد التوتر مع الغرب. يبرز البحث دوافع كلّ طرفٍ؛ فبريطانيا وفرنسا سعتا لاستعادة نفوذهما الاستعماريّ، بينما هدفت إسرائيل إلى كسر الحصار وتعزيز تفوّقها العسكريّ. يناقش كذلك الموقف الدولي، حيث عارضت الولايات المتّحدة والاتحاد السوفيتي العدوان، وأسهمت الأمم المتّحدة في فرض وقف إطلاق النار. وينتهي إلى أنّ العدوان فشل في تحقيق أهدافه، بينما عزّز مكانة مصر دوليًّا، وأسهم في تراجع النفوذ الاستعماريّ التقليديّ في المنطقة.

الكلمات المفتاحيّة: العدوان الثلاثي، قناة السويس، جمال عبد الناصر، الاستعمار، حركة عدم الانحياز

تمهيد
شهد القرن العشرون تصاعد النزعات الوطنيّة القوميّة، وانطلاق حركات وثورات التحرّر الوطنيّ في مستعمَرات الدول الأوربيّة في أفريقيا وآسيا، حيث هبّت شعوبها لمواجهة استمرار النهب الاقتصاديّ الاستعماريّ لمواردهم الطبيعيّة، والاعتداء على مقدّساتهم وثقافاتهم، ولم يكن النصر الذي حقّقته كلٌّ من بريطانيا وفرنسا في الحرب العالميّة الثانية مؤشرًا على بقائهم في مستعمراتهم، بل تبعه مطالباتٌ سلميّةٌ وحركاتٌ وثوراتٌ متعدّدة، أنهكت الدولتين فبدأت المستعمرات تنسلخ منهما، وتحصل على الاستقلال، ومن هذه الدول مصر وأغلب الدول العربيّة.
لذا بدأت بريطانيا وفرنسا بربط تلك الدول بمعاهدات حمايةٍ ودفاعٍ لمنعها من التحوّل إلى الكتلة الشيوعيّة، وضمها إلى أحلافٍ كحلف شمال الأطلنطي وحلف بغداد؛ لعزل المنطقة عن أيّ تدخّلٍ من قبل الاتّحاد السوفيتي، لكن مصر رفضت الانضمام إلى هذه الأحلاف، وتزعّمت حركة عدم الانحياز، وعندما قامت ثورة (يوليو) تموز سعت للتخلّص من أيّ شكلٍ من أشكال التدخّل الأجنبيّ في مصر، فعقدت معاهدة الجلاء مع بريطانيا، وأممت قناة السويس، ونجحت في عقد صفقة سلاحٍ من تشيكو سلوفاكيا، وبدت كأنّها تحلّلت من أيّ تدخّلٍ غربيّ في شؤونها وهو الأمر الذي أغضب بريطانيا وفرنسا، ودفعهما لعقد تحالفٍ ثلاثيّ انضمت إليه إسرائيل.

ينطلق هذا البحث من جملة تساؤلاتٍ واستفهاماتٍ، ويسعى إلى الإجابة عنها. وقد جاءت على الوجه التالي:
ما دوافع بريطانيا وفرنسا من هذا العدوان؟ وما سبب انضمام إسرائيل إليهما في العدوان على مصر؟ وما هو الموقف الأميركيّ والدوليّ من هذا العدوان؟ وما هي نتائج العدوان الثلاثيّ على أطراف الصراع؟ نشير إلى أنّ هذا البحث سيعتمد في إجاباته على مصادر أصيلة أهمّها الوثائق البريطانيّة، والمراجع والدوريات العلميّة ذات الصلة.

مقدّمات الحدث الجلل
بعد الحرب العالميّة الثانية تغيّرت موازين القوى في العالم وانقسم المنتصرون إلى معسكرين شرقي تحت زعامة الاتّحاد السوفيتي، وغربي تحت قيادة الولايات المتّحدة وبدأت بينهم مرحلةٌ من الصراع أُطلق عليها الحرب الباردة، وكانت استراتيجيّة الغرب تقوم على فكرة حصار الاتّحاد السوفييتي والدول التابعة له داخل نطاق الأحلاف والتكتلات المعادية للشيوعيّة والموالية للغرب، وبذلك أصبحت سياسة إنشاء الأحلاف مكوّنةً للخطّ الرئيس في سياسة الغرب في قيام توازن للقوى في مصلحته، وفي ضوء هذه السياسة قام حلف شمال الأطلنطي، وحلف جنوب شرق آسیا [2].
وسعت الدول الغربيّة خاصّةً بريطانيا للسيطرة على منطقة الشرق الأوسط وإخضاعها لنفوذها ضمانًا للمحافظة على مصالحها الاقتصاديّة وأهمّها البترول، ولرغبتها في إنشاء حلفٍ يضمّ دول المنطقة لتكمل حلقة الحصار المضروبة حول الاتّحاد السوفييتي، وسعى الغرب إلى وسائل معينةٍ لتحقيق أهداف استراتيجيّته في الشرق الأوسط كان أهمّها: تحطيم القوى القوميّة والوطنيّة الموجودة في المنطقة، وإدخال إسرائيل منذ ١٩٤٨م، كعاملٍ أساسي في توازن القوى داخل منطقة الشرق الأوسط، والعمل عن طريقها إمّا إلى ازدياد الخلافات العربيّة، إذا ما اقتضت المصلحة ذلك، أو التظاهر بالوحدة، إذا حتّمت ذلك الظروف، ولكن في كلا الحالتين، فإنّ النتيجة المطلوبة هي ألّا تجور قوّةٌ عربيّةٌ على أخرى وألّا يتوفّر الاستقرار في هذا الجزء من العالم[3].

لذلك لم يكن من السهل على الغرب تحقيق ما تقدّم من أهدافٍ بسبب تعرّضه لعقباتٍ رئيسةٍ يمكن تحديدها في الآتي[4]:
قيام حركات التحرّر العربيّة؛ للتخلّص الكامل من سيطرة الاستعمار البريطانيّ والفرنسيّ، وكان التيّار الوطني الذي اكتسح المنطقة جارفًا وأقوى من أن تتجاهله بريطانيا وفرنسا، إلّا أنّهما لم تسايراه، وأصرتا على اتّباع الأساليب الاستعماريّة التقليديّة؛ ممّا أدى إلى صدامٍ عنيفٍ بينها وبين القوى الشعبيّة النامية في المنطقة[5].
قيام ثورة 23 تموز سنة ١٩٥٢م، ومحاولة مصر التخلّص من كلّ آثار الاحتلال البريطانيّ، والامتيازات الأجنبيّة على أرضها، بالإضافة إلى المشاكل السياسيّة القائمة في المنطقة وعلى رأس هذه المشاكل ما يسمّى بدولة إسرائيل التي تبنّاها الغرب، وتولّى بعد ذلك تأييدها ومدّها بأسباب الحياة؛ لذا كانت إسرائيل بحكم أوضاعها وظروفها قاعدةً عسكريّةً للغرب، وجزءًا من خططه لإبقاء سيطرته على المنطقة، والمحافظة على أوضاعٍ سياسيّةٍ بها، فقد أدّى ذلك إلى ازدياد حدّة الصراع بين الشعوب العربية والغرب، وبين هذه القوى وحكامها، وصارت المعركة محتدمة بين القومية العربية وقوى الاستعمار[6].

ومن العقبات التي واجهها الغرب في الوطن العربي قيام الثورات ضدّ الاستعمار الفرنسيّ في شمال أفريقيا، والاستعمار البريطانيّ في الجنوب العربيّ، والقواعد العسكريّة في المنطقة والاحتكارات الغربيّة القائمة، ومشكلة قناة السويس التي تمثّلت في الرفض لمطالب الحكومة المصريّة المعتدلة؛ لذا كثرت المحاولات لسحب مصر وجرّها للانضمام إلى الأحلاف التي كانت تراعى في النهاية هدفًا واحدًا وهو حماية المصالح الاقتصاديّة البتروليّة والاستراتيجيّة العسكريّة؛ لتحويط الاتّحاد السوفيتي ودول التحالف الشرقيّ بإطارٍ كاملٍ من القواعد العسكريّة في الدول المجاورة محافظةً على مصادر البترول التي كانت تكتشف باستمرار، ولاعتماد الدول الغربية وأوربا على مصادر وطرق نقل البترول التي يشاء القدر أن تقع كلّها في المنطقة العربيّة.
وكان المظهر هو منع تقدم الشيوعيّة، أمّا الواقع فكان تأمين المصالح المالية الاستعماريّة واحتكار مصادر الطاقة وآبار البترول في المنطقة، ومن خلال مراقبة تطوّر الحوادث السياسيّة والعسكريّة في هذه المنطقة خلال عام 1955م، والاستفزازات التي كان الجيش المصريّ والقيادة الشابة الجديدة يواجهانها بشكلٍ دائم[7]، وخاصّةً بعد أن قامت مصر بتأييد الحركة التحريريّة الجزائريّة بشكل قوي، كان يُتوقع أن المنطقة سوف تشهد قريبًا أو بعيدًا مواجهةً عسكريّةً حتميّة، تؤدّي في النهاية إلى هزّ الأوضاع لمصلحة إنجلترا وفرنسا، وأيضًا أمريكا ــ التي كانت تحاول أن تملأ الفضاء في المنطقة بعد توقيع اتفاقية جلاء القوات البريطانيّة عن قواعد منطقة القناة ـــ ويزيد في هذا التوقّع أنّ قيادة الثورة لم تخضع رغم محاولات الضغط الغربيّ المستمرّ، أو محاولات الإغراء والتفرقة أو محاولات هزّ الحكم الثوريّ المعروفة بأحداث آذار 1954م في مصر، زيادةً على موضوع استقلال السودان[8].

وفي غمرة هذا الجو المتوتر والشعور المتزايد ضدّ الغرب أعلن في ٢٤ شباط ١٩٥٥م أنّ تركيا والعراق وقعتا حلفًا دفاعيًّا سُمّي بحلف بغداد، ونصّا فيه أنّه مفتوحٌ للانضمام إليه من قبل أيّة دولةٍ من دول الجامعة العربيّة وغيرها من الدول التي يهمّها أمر السلم والأمن في منطقة الشرق الأوسط، وفي ٢٣ أذار من العام نفسه انضمت بريطانيا إلى الحلف المذكور، ثم تلتها باكستان في ١٧ أيلول ، وإيران في ١١ تشرين الأول، ولم ينضم إلى الحلف من غير دول المنطقة سوى بريطانيا التي كانت ترغب في إعادة هيبتها في الشرق الأوسط بعد الضربات التي تلقتها في السودان ومصر، وتخلص هاتين الدولتين من سيطرتها الاستعمارية، ولتدعيم نفوذ بريطانيا في منطقة تعدّها من مناطق نفوذها، وقد أعلن إيدن (وزير الخارجية البريطاني) في مجلس العموم في ٤ نيسان ١٩٥٥م، أنّ الهدف الذي توخته بريطانيا من الانضمام إلى حلف بغداد بسيط، وهو تعزيز نفوذها وتدعيم حقوقها في الشرق الأوسط، ولبثّ التفرقة في العالم العربي لسلخ العراق عنه، وخلق جبهة منه تتنافي مع السياسة المصريّة المتحرّرة، التي أصبحت تمثّل خطرًا عظيمًا على مستقبل النفوذ الغربيّ في الشرق الأوسط وأفريقيا[9]، والتمهيد لتطوير حلف بغداد ليصبح حلف الشرق الأوسط المنشود، وقد ذكر إيدن في جلسة مجلس العموم في ٣ آذار ١٩٥٥م، لقد انتقلنا من مرحلة التنظيمات الثنائيّة إلى مرحلة استطعنا أن نضع فيها نظامًا يصح أن يكون أساسًا لتنظيم عام في الشرق الأوسط[10].

إسرائيل ودورها في العدوان على مصر
كان توقيع اتفاقية الجلاء في ١٩٥٤م نكبةً سياسيّةً وعسكريّةً بالنسبة لإسرائيل، فقد عبَّرت التعليقات السياسيّة في الصحف والإذاعة الإسرائيليّة عن تحذير بريطانيا من الانسحاب وخطورة ذلك، وكانت لهجة القلق واضحةً في هذه التعليقات؛ لأنّ وجود القوات البريطانيّة في منطقة قناة السويس يمنع أيّ تحرّكٍ مصريّ ضدّها. وفي ٣١ آب ١٩٥٥م، قامت إسرائيل بهجومٍ عسكريّ مفاجئ ضدّ قطاع غزّة كان نتيجته ما يقرب من ٤٠ قتيلًا عربيًّا، وادّعت أنّ هذا الهجوم ردٌّ على هجمات الفدائيين المستمرّة ضدّ القرى الإسرائيليّة [11].
وقد تبيّن لمصر وقتئذٍ أنّ موقفًا جديدًا قد بدأت تظهر ملامحه وهو اتّجاهٌ من جانب الغرب لتدعيم إسرائيل عسكريًّا، مع حجب أيّ أسلحةٍ عن مصر حتى يختلّ ميزان القوى لصالح إسرائيل، ووضح وقتئذٍ أنّ ضمن أهداف هذا المخطّط الغربيّ الضغط على مصر وإحراجها؛ لكي تمتنع عن اتّخاذ موقفٍ معادٍّ لحلف بغداد، أو تسليمها بالحماية الغربيّة لها، وأنّ حيادها لن يجدي في مواجهة إسرائيل [12].

وإزاء هذا الوضع لجأت مصر مرّةً ثانيةً إلى الولايات المتّحدة لطلب أسلحة، ولكن كان الرفض هو الجواب من جديد، فمنذ قيام الثورة والمحاولات مستمرّة من جانب مصر لطلب السلاح تدعيمًا لجيشها، إلّا أنّ الرفض كان دائمًا في انتظار أيّ طلبٍ بحجّة التصريح الثلاثي لسنة ١٩٥٠م، ثم موقف مصر المعاديّ من منظمّات الدفاع الغربيّة [13]. ويقول الرئيس المصري جمال عبد الناصر في هذا الصدد: «لم يكن في استطاعتنا الحصول على السلاح من الغرب، وأرسلنا بعثاتٍ إلى لندن وجاء الردّ: أوقفوا حملاتكم ضد حلف بغداد لنتكلّم عن الأسلحة. ثم علمنا أنّ اللجنة الثلاثيّة التي تشرف على التصريح الثلاثي وافقت على إعطاء إسرائيل أسلحةً جديدةً وطائراتٍ جديدةً، وأنّ فرنسا ستتولّى مهمّة التوريد»[14]. وكانت مصر قد تفتحت لها آفاقٌ جديدةٌ في سياستها الخارجيّة بعد مؤتمر باندونج، وبدأت في الوقت نفسه مفاوضات مع الاتّحاد السوفييتي لتسليح الجيش المصريّ، وفي شهر حزيران سنة ١٩٥٥م، وصل شبيلوف رئيس تحرير جريدة برافدا السوفييتيّة، الذي عُيّن وزيرًا للخارجيّة في ١٩٥٦م، وجرت معه محادثاتٌ في هذا الشأن، وفي ٢٦ أيلول ١٩٥٦م، أعلن جمال عبد الناصر نبأ توقيع صفقة الأسلحة مع تشيكوسلوفاكيا، وأنّ هذا النبأ كما وصفه هنري أزو في كتابه (فخ السويس) تحوّلٌ حاسمٌ في ميزان القوى في الشرق الأوسط [15].
وكان ردّ فعل العواصم الغربيّة على موقف السياسة المصريّة من التسليح يمثّله ما ورد على لسان دالاس (وزير الخارجيّة الأميركي)، عدّ هذه الصفقة ضربةً في الصميم لسياسته وكرامته، إذ كان يرى أنّ الصفقة تسمح للاتّحاد السوفييتي بتخطّي حواجز الأحلاف المفروضة عليه ليلعب دوره في قلب المنطقة، وقال دالاس: «إنّ هذه الصفقة أخطر تطوّر منذ أزمة كوريا. إن لم يكن منذ الحرب العالميّة الثانية». وبعث دالاس بالسفير جورج ألن لمقابلة جمال عبد الناصر، وكان الهدف واضحًا، وهو التحذير والتهديد بأنّ:

1. اتّجاهات الحكومة المصريّة تجاه الكتلة الشرقيّة ستحدّد موقف الحكومة الأمريكيّة تجاه إسرائيل خاصّةً من حيث التسليح.
2. الولايات المتّحدة تقدم عونًا اقتصاديًّا لمصر، ولا تحبّ أن ترى أنّها تساعد طرفًا يشترى بما يقابل معونتها سلاحًا.
وقد كان موقف الرئيس واضحًا في رفض هذا التهديد، وأشار إلى هذه المقابلة في خطابه في ٢٦ تموز ١٩٥٦م[16].
أما في بريطانيا فقد أعلن أنتونى إيدن في 9 نوفير أنّه يقترح السلام بين العرب وإسرائيل على أساس تعديل الحدود، وكان يهدف بذلك إلى محاولة كسبٍ جديدٍ لحلف بغداد، وتهدئة للشعور العربي المضادّ لبريطانيا. أمّا في باريس، فكان الوضع مختلفًا فحرب التحرير الجزائريّة قد بدأت والقاهرة تؤيّد الثورة، والموقف العسكريّ يتدهور في الجزائر والوزارات الفرنسيّة تتعاقب على السقوط، واتّجهت فرنسا إلى محاولة إقناع مصر بوقف تأييدها للجزائر عندما زار بينو مصر في ١٤ آذار ١٩٥٦م، وطلب من الرئيس جمال عبد الناصر الوصول إلى تسوية مشكلة الجزائر مع مصر، وكان ردّ الرئيس «أنّه غير مسؤولٍ عن الثورة الجزائريّة، ويجب أن يعلم أنّ الجزائريين هم أصحاب المسؤوليّة، وأوضح له الرئيس جمال عبد الناصر خلال تلك المحادثات: أنّه لا يعتقد أنّ هذه الثورة من خارج الجزائر وإنّما من داخلها، وأنّ مسؤوليتنا هي تأييد إخواننا الجزائريين»[17].

وعندما استفسر بينو عن تدريب الجزائريين في مصر أجاب الرئيس بالإيجاب، وعندما سأله مرةً ثانيةً عن وجود جزائريين للتدريب في ذلك الوقت، ولم يكن هناك وقتئذٍ أيّ منهم، فنفي الرئيس له ذلك. عند هذه النقطة فشلت مباحثات بينو في إقناع جمال عبد الناصر بأن تكفّ مصر عن مساعدة ثوّار الجزائر[18].
ثم إنّنا لو حللنا بنود هذا الاتفاق المزعوم لوجدنا أنّ فرنسا كانت في ذلك الوقت ضدّ حلف بغداد، والمرجّح أنّ بينو أكّد للرئيس هذا الموقف دون حاجةٍ من جانب الرئيس للاستفسار، أمّا عن إجراء الانتخابات في الجزائر فهو عرضٌ فرنسيٌّ لا بد أن يلقى قبولًا من جانب مصر، وتبقى بعد ذلك النقطة الأخيرة وهي تصدير الأسلحة إلى إسرائيل، فليس من شكّ في أنّ الرئيس أثارها مع وزير الخارجيّة الفرنسي، وأنّ الأخير وعد بتخفيض كميّة هذه الأسلحة التي ترسل لإسرائيل، ولكن هذا الموعد لم يكن محلًّا للتصديق؛ فقد كانت المعلومات تشير إلى أنّ هناك شيئًا ما في العلاقات الفرنسيّة – الإسرائيليّة[19].
ففي أيلول ١٩٥٥م، زار شمعون بيريز نائب وزير الدفاع الإسرائيلي باريس، والتقى ببورجى مونوري الوزير المسؤول عن الشؤون الجزائريّة ليقنعه بأنّ مصر تقدّم إلى ثورة الجزائر مساعداتٍ مختلفةً تفوق ما يتصوّره الفرنسيّون، وأنّ جمال عبد الناصر لا يقلّ عداءً لفرنسا عن عدائه لإسرائيل، ووافقه الوزير الفرنسيّ الرأي، وبدأت إسرائيل تتلقّى السلاح من فرنسا كموردها الرئيس سواء كان طائرات أم دبابات أم مدافع مضادّة لها، وبذلك تمّ إقرار مبدأ هذا التحالف، ثم كان ردّ فعل آخر في إسرائيل، وهو استقالة موسى شاريت وتولي ابن جوريون الوزارة الإسرائيليّة[20].
ولقد عكست ردود الفعل هذه أنّ السياسة المصريّة بدأت تسير شوطًا بعيدًا عن الغرب مؤكّدةً حيادها الإيجابي وقدرتها على التحرّك الواعي السليم، ولم يكن ردّ الفعل عنيفًا في عواصم الغرب وإسرائيل، إلّا أنّ الحقيقة باتت واضحةً، وهي أنّ مصر خرجت عن دائرة وصاية الغرب، وأنّ تحرّرها لم يعد ملتزمًا حدودها، وإنّما بدأ يشّع خارج هذه الحدود.
ولقد أصبح العداء في هذه المرحلة سافرًا بين القاهرة وعواصم الغرب ومع ذلك عملت الدبلوماسيّة المصريّة على تأكيد حياد مصر، وبأنّها لن تقبل الشيوعيّة على الإطلاق، وأنّ أهدافها وجود جيشٍ قويّ قادرٍ على صدّ العدوان الإسرائيلي[21].

ومع ذلك نجحت مصر في إيصال شكري القوتلي إلى حكم سوريا، وإسقاط خالد العظم الموالي للبريطانيين في الانتخابات، ووقَّعت كلٌّ من مصر وسوريا والسعودية، اتفاقيةً دفاعيّةً في آذار 1955م، من بين بنودها الابتعاد عن الأحلاف الأجنبيّة كافة، وكالعادة لاقت نفورًا من بريطانيًا.وجاءت مشكلة واحة البُريمي الواقعة بين إمارات الساحل المهادن (الإمارات العربيّة المتّحدة) والسعوديّة لتجمع بين عبد الناصر والملك سعود، فقد رأت بريطانيا أن تستولي عليها لغناها بالبترول، في حين قدمت مصر العون الإعلامي للسعوديّة.
وفي 26 تشرين الأول 1955م، احتلّت القوات البريطانيّة الواحة، وفي اليوم التالي عُقد ميثاقٌ عسكريٌّ بين مصر والسعوديّة [22].
أضحت بريطانيا في حالة قلقٍ من امتداد روح القوميّة العربيّة خارج مصر والمحاولات المصريّة لتقويض مركز الإنجليز في دولٍ أخرى بالمنطقة، فبدأ الأردن يتخلّص من روابطه التقليديّة مع بريطانيا، وازداد النفوذ المصريّ في ليبيا، وقوبل سلوين لويد بمظاهراتٍ غاضبةٍ في البحرين، وأدّى انضمام اليمن لمصر والسعودية إلى إثارة الضجر البريطاني.
وفي آذار 1956م، عُقد اجتماعٌ في القاهرة جمع مصر وسوريا والسعودية، بحث مسألة دعم الأردن وتنسيق الدفاع المشترك[23]، وهكذا تغلغل التأثير المصريّ، وامتدّ من العالم العربيّ حتى وصل إلى قلب أفريقيا، وقبرص دافعًا شعوبها إلى التخلّص من الاستعمار.
بالمقابل مضت بريطانيا في تنفيذ مساعيها لفصل الدول العربيّة عن مصر، والتقليل من تأثير عبد الناصر، لكن دون نتيجةٍ مؤثّرة [24].

تسليح الجيش المصريّ وموقف الغرب منه
في 25 آيار 1950م، صدر التصريح الثلاثي الذي وقعت عليه الولايات المتّحدة وبريطانيا وفرنسا، ويقضي بالمحافظة على الأوضاع العربيّة الإسرائيليّة الراهنة سواء بالنسبة لهدنة 1949م، أو للتوازن في التسليح بين الطرفين.
طلبت مصر الأسلحة من الغرب عقب توقيع اتفاقيّة الجلاء، فسوّفت بريطانيا ردودها على طلبات التسليح من عبد الناصر، وأصرّت الولايات المتّحدة على أن ترتبط مصر بشبكة الدفاع الغربيّة عن الشرق الأوسط، في حين زودت العراق بالأسلحة، أمّا فرنسا فساومت مصر على التخلّي عن شمال أفريقيا خاصّةً الجزائر، وفي الوقت نفسه زوّدت إسرائيل بالسلاح. ومع قيام إسرائيل باختراق الحدود المصريّة ومهاجمة قطاع غزّة أصبحت فكرة التسليح مسألةً ملحّةً، وأعاد عبد الناصر طلباته مراتٍ أخرى من الغرب دون ردّ، وأصبح على يقين أنّه لن يحصل على الأسلحة من تلك الدول، فتوجّه نحو المعسكر الشرقيّ الذي يمثّله الاتّحاد السوفييتي، وهدّد دول الغرب بتلك الورقة إذ ربما يدفعهم إلى توريد الأسلحة المطلوبة، فهددته بريطانيا بأنّه إذا استلم أيّ أسلحةٍ من موسكو فلن يتلقّى أيّ سلاحٍ من بريطانيا، وممّا زاد الموقف صعوبةً موافقة اللجنة المشرفة على تنفيذ التصريح الثلاثي على إعطاء إسرائيل أسلحةً جديدةً بتوريد فرنسي، وكي تذُر بريطانيا الرماد في الأعين قامت بإرسال أربعين دبابة سنتوريون دون ذخيرةٍ إلى مصر، وعندما احتجّت مصر شحنت لها عشر قذائف لكلّ دبابةٍ لا تكفي حتى للتدريب[25]. على الجانب الآخر رحّبت موسكو بالطلب المصريّ، ورأت فيه فرصةً لمواجهة حلف بغداد المشكل أساسًا لإعاقة الاتّحاد السوفييتي من التقدّم جنوبًا، وكذلك ظهور بوادر حلفٍ تركيّ عراقيّ، وإمكانيّة ارتباطه بالولايات المتّحدة.
ذلل الاتحاد السوفييتي مسألة دفع قيمة الأسلحة بالعملة الصعبة، وأعدّ مشروع الاتفاقيّة بين القاهرة وموسكو، ونصّ على أن تشتري مصر أسلحةً سوفيتيةً من بينها مقاتلات الميج، وقاذفات القنابل طراز إليوشن، ودبابات ستالين، وغواصات ومدافع وزوارق طوربيد وعربات ميدان ونظام رادار، على أن يُسدد ثمن الأسلحة بالقطن والأرز، وحددت الفائدة 2%، وفترة السداد أربع سنواتٍ، وتقرر أن تُنسب الصفقة إلى تشيكوسلوفاكيا لعدّة أسباب، فعلى الجانب السوفييتي فضّلت موسكو ألّا تكون هناك مواجهةٌ مباشرةٌ مع الغرب، وعلى الجانب المصريّ أرادت القاهرة أن تكون في نظر العالم الخارجي أقلّ ميلًا لليسار؛ لأنّ إسرائيل نفسها كانت تحصل على السلاح من تشيكوسلوفاكيا أثناء حرب فلسطين آملةً بذلك أن يغيّر الغرب موقفه، ويستجيب لطلبات التسليح وهو مالم يحدث. وأعلن عن الصفقة رسميًّا في 27 أيلول 1955م[26].

حاولت الولايات المتّحدة أن تُثني مصر عن إتمام الصفقة فلم تنجح، وكذلك ثارت بريطانيا ورأت أنّ الصفقة تخالف اتفاقيّة الجلاء، وتهدّد القاعدة البريطانيّة، وتؤدّي إلى تسرّب الشيوعيّة إلى الشرق الأوسط، وهو ما نفته مصر.
اجتمع وزراء خارجيّة الولايات المتّحدة وبريطانيا وفرنسا، وأصدروا بيانًا تبلور حول تجنّب قيام سباق تسليحٍ بين دول الشرق الأوسط، في إشارةٍ إلى أنّ الصفقة التشيكيّة ستدفع إسرائيل إلى المطالبة بمزيدٍ من الأسلحة، في حين ردّت مصر بأنّها بلدٌ حرٌّ، ويحقّ لها أن تشتري الأسلحة ممّن تريد، خاصّة بعد أن أخلف الغرب وعده بتوفير الأسلحة، وتكرار الاعتداءات الإسرائيليّة على قطاع غزّة[27].

دفع ذلك مصر إلى إحكام الخناق على السفن الإسرائيليّة في قناة السويس وخليج العقبة - بما أنّها تعدّ نفسها في حالة حربٍ مع إسرائيل- ورفضت قرار مجلس الأمن الصادر في تشرين الثاني 1951م، بالسماح للسفن الإسرائيليّة بالعبور، ثم فرضت في عام 1953م، حظرًا شاملًا على الشحنات من وإلى إسرائيل.
حاولت إسرائيل عرقلة مفاوضات اتفاقيّة الجلاء بعملياتٍ تخريبيّةٍ ضد المصالح البريطانيّة في مصر، وذلك بهدف الإبقاء على الوجود البريطانيّ في قاعدة قناة السويس لحمايتها وتأمينها من أيّ هجومٍ مصريّ، كما أثارت إسرائيل مسألة السماح لسفنها بالمرور في قناة السويس؛ لإدراج نصٍّ في اتفاقيّة الجلاء يسمح لها بذلك - بما أنّ السلطات المصريّة هي المتحكّمة في مينائي الدخول إلى القناة شمالًا وجنوبًا - ولكنّها لم تنجح.
تكرّرت الاعتداءات الإسرائيليّة على قطاع غزّة الذي كان تحت إدارةٍ مصريّة، فأعلن عبد الناصر عن صفقة الأسلحة التشيكيّة في أيلول 1955م، وساد الاعتقاد في إسرائيل أنّ عبد الناصر يمهّد لمواجهةٍ يمحو بها إسرائيل، أو على الأقلّ يخضعها لسيطرته [28].

موقف الغرب من السدّ العالي في مصر
بدأت مصر تجري محادثاتٍ مع البنك الدوليّ بشأن تمويل مشروع السدّ العالي، وحينما أُعلن عن الصفقة التشيكيّة، وصرّحت موسكو أنّها ستقدّم المعونة الفنيّة والمعدّات لأيّ دولةٍ عربيّةٍ تطلبها على أن يتمّ سداد قيمتها بسلعٍ خلال خمسة وعشرين عامًا [29]، فزع الغرب وقرر أنّه إذا كان السوفييت نجحوا في صفقة الأسلحة فلا يجب أن ينجحوا في تمويل السدّ. وافق ذلك الاتّجاه الجانب المصريّ الذي كان لهوفًا لبناء السدّ، فاختار أن يموّل الغرب المشروع انطلاقًا من مبدأ التوازن، ومنع أيّ هيمنةٍ سوفييتيّة؛ لذا أُعلن في 16 كانون أول 1955م التوصّل إلى اتفاقٍ يقضي بأن يتولّى البنك الدولي والولايات المتّحدة وبريطانيا تمويل السدّ بتكلفةٍ تقديريّةٍ 1.3 مليار دولار، تنقسم على مرحلتين الأولى بمبلغ 70 مليونًا (الولايات المتّحدة 56 مليونًا، بريطانيا 14 مليونًا)، والثانية تغطى بقرض من البنك الدولي قدره 200 مليون، بالإضافة إلى 130 مليونًا قرضًا من الولايات المتّحدة، و80 مليونًا قرضًا من بريطانيا، وتُدفع تلك القروض في هيأة أقساطٍ سنويّةٍ بفائدة 5% على أربعين سنة، وباقي المبلغ تتحمله مصر بالعملة المحلية، بالإضافة إلى منحتين الأولى من الولايات المتحدة بمبلغ 20 مليون جنيه، والثانية من بريطانيا بمبلغ 5.5 مليون جنيه. اشترطت لندن وواشنطن أن تركّز مصر برنامجها التنمويّ على السدّ العالي بتحويل ثلث دخلها القوميّ لمدّة عشر سنواتٍ لهذا الغرض، ووضع ضوابط للحدّ من التضخّم ومنح عقود البناء على أساس المنافسة مع رفض قبول أيّ مساعدةٍ من الكتلة الشرقيّة، وألّا تقبل مصر قروضًا أخرى، أو تعقد اتفاقيات في هذا الصدد دون موافقة البنك الدولي. استاء عبد الناصر من تلك الشروط وبعد مفاوضاتٍ وافق أن يكون للبنك حقوقٌ معقولةٌ في تفقد إجراءات مقاومة التضخّم، وقدّم عبد الناصر التعديلات التي يراها وفي مقدّمتها التعهّد بالتنفيذ حتى نهاية المشروع [30].
كان لارتباط قرض البنك ببريطانيا والولايات المتّحدة آثارٌ سلبيّةٌ على التنفيذ؛ فقد أراد الطرفان إخضاع مصر لاستراتيجيّتهما في الشرق الأوسط مقابل تمويل السدّ، وانعكس سوء العلاقات المصريّة البريطانيّة على المشروع، وردّ عبد الناصر على الأصوات التي تعالت في بريطانيا تنادي بسحب عرض التمويل انتقامًا من مصر بأنّ العرض السوفييتي لتمويل المشروع لايزال قائمًا، وأنّ مصر ستنظر في أمر الموافقة عليه إذا انقطعت المفاوضات مع الغرب، في حين أقدمت بريطانيا على تحريض السودان ضدّ السدّ العالي، وأصبحت الدلائل تشير إلى أنّ التصدّع في العلاقات بين الغرب ومصر سوف يلقي بظلاله على تمويل السدّ، فأبلغ رئيس البنك الدولي مصر بأنّها إن لم تقبل الشروط فإنّ الحكومة الأمريكيّة ستكون في حلٍّ من العرض[31]، وتبعها إبلاغ واشنطن مصرَ بأنّها أعادت إلى الخزانة المبلغ المخصص للمشروع لإنفاقه على مشروعاتٍ أخرى، ورغبة من عبد الناصر في كشف الأمور على حقيقتها طلب من السفير المصريّ في واشنطن التبليغ بموافقة مصر، وقبل نقل الرسالة أعلن سحب العرض الأمريكيّ لتمويل المشروع، وفي اليوم التالي أعلنت بريطانيا أيضًا سحب عرضها، فسقط بالتالي قرض البنك الدوليّ لارتباطه بمساهمة الدولتين، وكان الغرض إضعاف عبد الناصر بعد وقوفه عقبةً في تحقيق الأهداف الأنجلو-أمريكيّة الثلاث الرئيسة في الشرق الأوسط بالإضافة إلى اعترافه بالصين الشعبيّة، وذلك في ظلّ الإشارات والدلائل على الساحة بأنّه من المستبعد أن يساعد السوفييت مصر في بناء السدّ بسبب التكلفة الضخمة التي ستنهك مواردهم الماليّة[32].

تأميم قناة السويس وموقف الغرب منه
في عام 1955م، وصل دخل قناة السويس إلى 35 مليون جنيه (100 مليون دولار وقتها) بلغ نصيب مصر منها مليون جنيه فقط، وذلك بعدما خسرت مصر حصتها في القناة بسبب مرورها بأزمةٍ ماليّةٍ في عام 1875م، اضطرّ معها الخديوي إسماعيل إلى بيع حصة مصر في أسهم القناة لبريطانيا. وكان ميعاد انتهاء عقد الشركة الفرنسيّة صاحبة امتياز التحكّم في القناة يحين في عام 1968م، لتعود بعد ذلك القناة إلى ملكية مصر[33].
عقب توقيع اتفاقيّة الجلاء تخوّفت الشركة الفرنسيّة من التأميم كما حدث بشأن النفط في إيران، فتكوَّن ما يعرف بجماعة السويس للدفاع عن الشركة، واستبعدت الشركة أن تعود القناة إلى مصر، وحاولت مدّ امتياز القناة عشرين سنةً أخرى، أو تأسيس شركةٍ جديدةٍ تحصل على امتيازٍ جديدٍ يكون لمصر فيها نصيب، فيما أهملت الشركة تحسينات القناة التي تحتاج بطبيعة الأمر إلى تمويلٍ كبيرٍ بهدف الضغط على مصر لتحقيق مطالبها. مثّلت القناة أهميّةً دوليّةً كبرى وخاصّةً بالنسبة لبريطانيا التي تعدّ أكثر الدول انتفاعًا بالقناة، حيث تنقل من خلالها النفط وتمرّ سفنها التجاريّة إلى الشرق الأوسط التي تمثل ربع تجارتها، بخلاف أهميّتها كطريقٍ لدول الكومنولث، وتسهيل مرور قوّاتها العسكريّة، وكونها صاحبة أكبر حصةٍ من الأسهم في القناة بإجمالي 44%، من أجل ذلك قلقت لندن بشأن وضع القناة بعد انتهاء امتيازها، وأعلنت أهميّة اتّخاذ الترتيبات لضمان مستقبلها بالنقاش مع الحكومة المصريّة[34]، في حين عدّ مجلس العموم البريطاني القناة ممرًّا دوليًّا، وطالب بإبعاد سيطرة عبد الناصر عنها. على جانبٍ آخرَ ركّزت مصر تصريحاتها على صعيدين، وأكثر من مستوى، الأول أنّها سوف تحصل على النقد اللازم لتمويل السدّ من تأميم القناة إذا ما عدلت واشنطن ولندن عن التمويل، والثاني بأنّ القناة جزءٌ لا يتجزّأ من مصر، وأنّ عودة القناة لمصر جزءٌ متممٌ لإسدال الستار على النفوذ الأجنبيّ خاصّةً بعد توقيع اتفاقيّة الجلاء، في حين لم يكشف عبد الناصر وقتًا محددًا للتأميم، وخطّط بالاتفاق مع محمود يونس على التنفيذ في سرّيةٍ تامّة [35].
توقّع عبد الناصر خطورة قراره، وأدرك إمكانيّة وقوع عدوان على مصر لكنّه وضع في حسبانه أنّ السوفييت سيكونون بجواره طالما يطيح بمصالح الغرب، ووضّحت له اتّصالاته في قبرص رؤيّةً نسبيّةً بأنّ الخطورة تمثل 90% عقب أسبوعين من إعلان التأميم، ثم يكون العدّ تنازليًّا لانخفاض درجة الخطورة، فتصل إلى 60% في أيلول، ثم 40% في النصف الأول من تشرين أول، و20% بعد ذلك.

كان تقدير عبد الناصر أنّ احتمال التدخّل العسكري سيكون محققًا بنسبة 80% خلال الأسبوع التالي للتأميم، ثم تتناقص احتمالات الخطورة إلى 40% في الأسبوع الثاني والثالث من آب، وخلال أيلول وحتى نهاية تشرين أول يكون بنسبة 20%، ثم يبدأ بالتلاشي بعد ذلك.
كذلك رأى عبد الناصر أنّ احتمال اشتراك الولايات المتّحدة في عملٍ عسكريّ مستبعدٍ لانشغالها بالانتخابات كما أنّها تفضل الضغط الاقتصاديّ، ولاتريد وضع نفسها في وضعٍ محرجٍ أمام أطرافٍ عربيّةٍ صديقةٍ في المنقطة أبرزها السعوديّة.
أمّا فرنسا فهي لاتستطيع التدخّل بمفردها لانشغالها بقمع ثورة الجزائر، وبالنسبة لإسرائيل فقد تفكّر في التدخّل العسكريّ، ولكن مسألة التأميم بعيدةٌ عمّا يمكن أن تتخذه ذريعةً لهجومها، وأنّ من مصلحتها انتظار ما سيقوم به الغرب ضدّ مصر أولًا، واحتمال استخدامها من قبل بريطانيا وفرنسا كذريعةٍ للاستيلاء على القناة بالقوة ضعيف؛ لأنّ مثل هذا التعاون سيلقي بظلالٍ سيئةٍ على علاقة بريطانيا بالدول العربيّة في الوقت الذي كانت تطمح فيه إلى بناء علاقاتٍ طيبةٍ مع تلك الدول.
وأخيرًا فإنّ بريطانيا هي الطرف الأكثر شراسةً الذي يُخشى من تدخّله فعلًا، ولكن في الوقت نفسه فإنّ القوات البريطانيّة متناثرة، والتعبئة لإعداد حملةٍ عسكريّةٍ يتطلّب على الأقل شهرين، وأمّا التعاون العسكريّ البريطانيّ الفرنسي فهو قائمٌ حتى مع اختلاف سياسة البلدين[36].

أعلن عبد الناصر قرار التأميم من ميدان المنشيّة بالإسكندريّة يوم 26 تموز 1956م، وهذا نصّ القرار:
«قرار من رئيس الجمهوريّة بتأميم الشركة العالميّة لقناة السويس البحريّة
باسم الأمّة مادة 1: تُؤمم الشركة العالميّة لقناة السويس البحريةّ شركة مساهمة مصريّة، وينتقل إلى الدولة جميع ما لها من أموالٍ وحقوقٍ، وما عليها من التزاماتٍ، وتُحلّ جميع الهيئات واللجان القائمة حاليًا على إدارتها»[37].
رأت بريطانيا في قرار التأميم أنّ عبد الناصر وضع إبهامه على قصبتها الهوائيّة، وأنّه بذلك يهدد الحياة الاقتصاديّة في أوروبا، ويجب معاقبته وإعادة القناة حتّى لو لزم الأمر استخدام القوّة، ووجدت الحكومة البريطانية تعاونًا وثيقًا من نظيرتها الفرنسيّة التي لم ترد الانتقام من تأميم الشركة الفرنسيّة فحسب، بل أرادت التخلّص من عبد الناصر - الذي يقدم دعمًا ماديًّا ومعنويًّا لثوّار الجزائر- من الوجود.
أمّا الولايات المتّحدة فرغم امتعاضها من قرار التأميم إلّا أنّها لم تؤيّد التوجّه الأنجلوفرنسي لأسبابٍ كثيرةٍ، أبرزها أنّ القناة لا تؤثّر بشكلٍ مباشرٍ على الاقتصاد الأمريكيّ كما هو الحال لأوروبا، كما أنّه لم يكن لها حصصٌ في أسهم الشركة الفرنسيّة، بالإضافة إلى انشغالها بالانتخابات الرئاسيّة[38].
شُكلَّت في بريطانيا لجنةٌ من الوزراء برئاسة رئيس الوزراء تتولّى توجيه دفة سياسة القوّة، عُرفت باسم (لجنة مصر)، والتي ارتأت أنّ أيّ عملٍ عسكريّ ضدّ مصر كفيلٌ بإسقاط عبد الناصر، وتطرّقت لاقتراح رئيس الوزراء العراقيّ نوري السعيد بتمكين الأمير عبد المنعم ابن الخديوي عبّاس حلمي الثاني من الحكم بديلًا لعبد الناصر، وأن يكون رئيس وزرائه أحمد مرتضى المرغني (وهو زير الداخليّة في أواخر العهد الملكي)[39].

في صخب تلك التحرّكات فرضت بريطانيا عقوباتٍ اقتصاديةً على مصر، فجمّدت أرصدتها الإسترلينيّة في لندن، فقُيّدت مصر بذلك؛ لأنّ معظم تجارتها تجري بالصرف بالإسترلينيّ باستثناء جانبٍ صغيرٍ يستخدم فيه الدولار، وجزءٍ آخر بالمقايضة مع الكتلة الشيوعيّة[40]، كذلك منعت بريطانيا شحن البضائع إلى مصر، وفرضت الرقابة على جميع حسابات البنوك المصريّة لديها، ومنعت تسليم ذهب شركة قناة السويس وودائعها إلى مصر إلّا بترخيص من وزارة الماليّة البريطانيّة، وامتنعت بريطانيا وفرنسا عن دفع رسوم عبور القناة وأودعتاها لدى مصارفهما، وحذت الولايات المتّحدة حذو بريطانيا وجمّدت أرصدة مصر الدولاريّة لديها، وحظرت بريطانيا تصدير الأسلحة والمعدّات إلى مصر رسميًّا[41].
قررت الدول الثلاث (الولايات المتحّدة، وبريطانيا، وفرنسا) تعبئة الرأي العام الدوليّ ضدّ مصر، وفي 2 آب 1956م اجتمع وزراء خارجيّة الدول الثلاث، وأصدروا بيانًا استعرض الطابع الدوليّ لشركة قناة السويس وأحكام اتفاقيّة القسطنطينيّة التي ضمنت حريّة الملاحة في القناة دون تمييز، وأنّ مصلحة العالم في بقاء الصفة الدوليّة لها بصرف النظر عن انقضاء مدّة الامتياز، وأنّ الخطوات التي اتّخذتها الحكومة المصريّة تهدّد حريّة الملاحة، وأمن القناة ممّا يجعل من الضروريّ إنشاء نظامٍ دوليّ لإدارة القناة وضرورة إقامة مؤتمر في 15 آب 1956م تُدعى إليه الدول المنتفعة من القناة، وهي الدول التي وقعت على معاهدة القسطنطينيّة، أو التي حلّت محلّها في الحقوق والالتزامات[42].

تولّت بريطانيا تنظيم المؤتمر في لندن، فدعت الدول التسع الموقّعة على اتفاقيّة القسطنطينيّة، وهي: المملكة المتّحدة، وألمانيا، والنمسا، والمجر، وإسبانيا، وفرنسا، وإيطاليا، وهولندا، الاتّحاد السوفييتي، تركيا، كما وجهت الدعوة لستَّ عشرةَ دولةً أخرى معنية باستخدام الملاحة في القناة، وهي: أستراليا، ونيوزلندا، وإندونيسيا، واليابان، وسيلان، والهند، وباكستان، وإيران، واليونان، والسويد، والنرويج، والدانمارك، والبرتغال، وأثيوبيا، والولايات المتّحدة الأمريكية، بالإضافة إلى مصر[43]. وكان جليًا أنّ اختيار تلك الدول جاء لأنّها محابيّةٌ للغرب، ولم تُدعَ الدول العربيّة رغم أنّها المورّد الرئيس للنفط، وكذلك دول الكتلة الشرقيةّ لموقفها المتعاطف مع مصر. ورفضت الحكومة اليونانيّة الاشتراك في المؤتمر، ووافقت الهند على الاشتراك بشرط ألّا يمسّ اشتراكها الحقوق والسيادة المصريّة، ولايتّخذ المؤتمر أيّ قرارٍ نهائيّ إلّا بموافقة مصر، ووافقت الحكومة السوفييتيّة مع المطالبة بتوجيه الدعوة إلى مجموعةٍ أخرى من الدول منها الدول العربيّة والدول الاشتراكيّة. أمّا الحكومة المصريّة فرفضتِ الاشتراك في مؤتمر يبحث السيطرة على جزءٍ من أراضيها[44].
عُقِد المؤتمر في المدّة من 15 إلى 24 آب 1956م، وانتهى إلى تأييد المشروع الأمريكي المقدّم بأغلبيّة الأصوات، والذي تضمّن اقتراحًا بإقامة مجلسٍ دوليّ يقوم على إدارة القناة، وعارضت هذا المشروع كلٌّ من الهند والاتّحاد السوفييتي وإندونيسيا وسيلان[45]، وجرى عرض المشروع على مصر عبر لجنةٍ خماسيّةٍ برئاسة روبرت منزيس، فرفضه عبد الناصر[46].

حاولت فرنسا وبريطانيا الردّ على عبد الناصر بالشروع في تنفيذ عمليةٍ تهدف إلى إعاقة حركة الملاحة بالقناة، عن طريق إرسال سفنٍ للمرور بالقناة فوق طاقتها المروريّة، وسحب المرشدين الأجانب لإثبات فشل مصر في إدارة القناة، والحصول على فرصةٍ للتدخّل المسلّح، ولكن تمكّن محمود يونس - مهندس عمليّة التأميم - من إدارة حركة الملاحة بكفاءةٍ واقتدارٍ، بمساعدة المرشدين المصريين واليونانيين وضبّاط البحريّة المصريّة[47].
كذلك شرعت بريطانيا وفرنسا في تنفيذ عمليةٍ ثانيةٍ تهدف إلى وضع سفنٍ حربيّةٍ عند طرفي القناة، وتنظيم قوافل للمرور دون دفع رسوم، فإذا أعاقت مصر مرورها تقوم السفن الحربيّة بقيادة القافلة والمرور بالقوّة، لكن السلطات المصريّة رفضت تعطيل الملاحة وسمحت للقوافل بالمرور دون دفع رسوم، على أن تحصل الرسوم لاحقًا عبر إرسال الإيصالات إلى الشركات المالكة للسفن[48].
لمنع وصول رسوم القناة إلى مصر وجّهت بريطانيا الدعوة إلى الدول الثماني عشر - دول مؤتمر لندن - لإنشاء هيأةٍ جديدةٍ باسم هيأة المنتفعين تكون بمنزلة شركةٍ جديدةٍ للقناة، تعمل بالوكالة عن المنتفعين، وتمارس عنهم الحقوق التي كفلتها لهم معاهدة القسطنطينيّة.

وفي حالة إصرار مصر على الرفض، تُقيم الهيأة على ظهر سفينتين بمدخل ومخرج القناة (بورسعيد والسويس)، وتحصل رسوم المرور وتدفع إلى مصر حصّتها، وفي حالة رفض مصر مرور السفن تكون في حِلٍّ من استعمال القوّة ضدّها.
وانعقد مؤتمران في لندن في 19 و22 أيلول لوضع اللمسات الأخيرة لتلك الهيأة، واتّخذت من لندن مقرًّا لها، وعيّن قنصل الدانمارك في نيويورك مديرًا لها، وأنيط بالهيأة الوصول إلى حلٍّ نهائيّ للمشكلة القائمة، ومساعدة الأعضاء على ممارسة حقوقهم، وضمان الملاحة الآمنة، وأن تتسلم وتحتفظ وتنفق الإيرادات المتحصلة من رسوم القناة مع عدم المساس بالحقوق القائمة انتظارًا للتسوية النهائيّة، ولكن لم تمارس الهيأة مهامها في ظلّ المعارضة السوفيتيّة، واعتراض الولايات المتّحدة على دفع الرسوم لها، واستمرار الخلاف بين أعضائها[49].

في 23 أيلول سلّمت كلٌّ من بريطانيا وفرنسا خطابًا رسميًّا إلى رئيس مجلس الأمن يتضمّن الموقف الناشئ عن العمل الذي قامت به الحكومة المصريةّ، وفي 24 أيلول طلبت مصر بحث شكواها تجاه ما تقوم به بريطانيا وفرنسا ضدّها من أعمال.
وأصدر مجلس الأمن قراره في 13 تشرين الأول 1956م الذي كان حول مشروعٍ بريطانيّ فرنسيّ متكوّنٍ من قسمين، تضمّن القسم الأول مبادئ ستةً تكون أساسًا للمفاوضات التي تجرى مستقبلًا لتسوية الأزمة، وهي :

تكون حريّة العبور مكفولةً، والقناة مفتوحة للجميع دون أيّ تمييز.
أن تُحترم سيادة مصر.
تُعزل القناة عن السياسة.
تُحدد الرسوم بين مصر ومستخدمي القناة بطريقةٍ يُتّفق عليها.
تُخصص نسبةٌ عادلةٌ من الرسوم لإنماء القناة والنهوض بها وتشغيلها.
عند حدوث أيّ نزاعٍ بين شركة قناة السويس والحكومة المصريّة فيما يختصّ بالشؤون المعلّقة، يُحلّ هذا النزاع بطريقة التحكيم.
وحاز هذا القسم على الموافقة بإجماع الأصوات الأحد عشر. أما القسم الثاني فتضمّن الاعتراف بهيأة المنتفعين، وأن تبقى القناة مفتوحةً أمام جميع السفن مهما كانت جنسيّتها في إشارةٍ إلى السفن الإسرائيليّة، إلّا أنّه لم يحظَ حين الاقتراع عليه إلّا بتسعة أصوات، واعتراض صوتين هما الاتّحاد السوفييتي ويوغوسلافيا والأولى لها حقّ الفيتو، وعليه أسقط القسم الثاني من مشروع القرار. وأمام فشل السياسة الأنجلوفرنسيّة في تحقيق مآربها عن طريق الضغط الدبلوماسي، قرّرت سلوك طريق القوّة العسكريّة المدبّر له مسبقًا[50].

التخطيط لعدوانٍ مسلّحٍ على مصر
بروتوكول سيفر
اجتمعت القيادات البريطانيّة والفرنسيّة والإسرائيليّة سرًّا في قرية (سيفر) بإحدى ضواحي باريس لمدّة يومين، من 22 إلى 24 تشرين الأول 1956م؛ لتنظيم ردٍّ عسكريٍّ على مصر. مثَّلَ الجانبَ الفرنسيّ جي موليه، وكريستيان بينو، وبورجيس مونوري، ومثّلَ الجانبَ الإسرائيليّ دافيد بن غوريون، وشيمون بيريز، وموشيه دايان.
أمّا الجانب البريطاني فمثّله سلوين لويد، وممثّلون عن وزارة الخارجيّة في مرحلةٍ أخرى من المفاوضات وهما باتريك دين، ودونالد لوجان، وأقرّت خطّة الحملة العسكريّة على مصر أو ما سُمّي (بروتوكول سيفر).
وتكوّنت القوّات المشتركة للدول الثلاث، من القوات البريّة: 38 لواء، و750 دبابة، و2510 مدفع. والقوات البحرية: بارجة واحدة، و7 حاملات طائرات، و8 طرّادات، و20 مدمّرة، و20 فرقاطة، و9 غوّاصات، و 22 زورق طوربيد، و134 سفينة أخرى. والقوات الجويّة: 28 سرب مقاتلات، و25 سرب قاذفاتٍ مقاتلةٍ، و23 سرب قاذفات، و19 سرب طائرات نقل جويّ، و10 أسراب طائرات استطلاع، وسرية هليكوبتر اقتحام، و5 أسراب إمدادٍ جويّ واتّصال[51].

التمهيد للهجوم
في 25 تشرين الأول 1956م صدر القرار النهائي بتنفيذ (الخطة موسكتير المعدّلة النهائيّة لسيفر)، فبدأت قوّات العدوان التحرّك من قواعدها بالجزائر وجنوب فرنسا، واستأنفت طائرات المستير الفرنسيّة رحلاتها المتّجهة إلى إسرائيل، وأُعلن أن تحرّكات الأسطول البريطاني الفرنسيّ ليست إلّا مناورة تدريبيّة. قامت إسرائيل كذلك بتعبئة قوّاتها سرًّا على مراحل متتالية، وأعدّت ترتيباتها النهائيّة للحرب، وأخطرت شركاءَها أنّ (العملية قادش) سوف تبدأ يوم 29 تشرين الأول كما هو محدّد. وقطعت الدول الثلاث اتّصالاتها مع واشنطن - التي كانت ترفض مبدأ استعمال القوّة ضدّ مصر- وأصبح موعد بدء التنفيذ يوم 7 أو 8 تشرين الثاني، لأنّ ذلك يعقب الانتخابات الأمريكيّة المنعقدة في 6 تشرين الثاني بيومٍ واحد؛ إذ كان هناك اعتقادٌ أنّ الولايات المتّحدة ستغضّ الطرف عن الهجوم بعد انتهاء الانتخابات. وإمعانًا في تضليل الأجهزة المراقبة للتحرّكات الإسرائيليّة أثيرت بلابل سياسيّة في الأردن، وحشدت القوات الإسرائيليّة بعض قواتها على الجبهة الأردنيّة لجذب الانتباه، كما كان يوم الهجوم مقرّرًا كموعدٍ لاجتماعٍ مقررٍ عقده في جنيف بين محمود فوزي وسلوين لويد وكريستيان بينو، بحضور همرشولد لإعطاء مصر الأمل في حلٍّ سياسيّ لن يحدث كما ظهر لاحقًا[52].

بدء العدوان الإسرائيليّ
بدأ الهجوم الإسرائيليّ في الساعة الخامسة ظهرًا يوم 29 تشرين الأول 1956م، بعد أربعة أيامٍ من توقيع بروتوكول سيفر. وأعلنت إسرائيل أنّ هذا التحرّك العسكريّ جاء ردًّا على اعتداء الجيش المصريّ على خطوط المواصلات الإسرائيليّة في البرّ والبحر بهدف تدميرها وحرمان المواطنين الإسرائيليين من الحياة الآمنة، وفوجئت القيادة المصريّة بالهجوم حيث كانت تحت تصوّر أنّ مشكلة القناة في طريقها إلى حلٍّ سياسيّ[53].

الإنذار الأنجلوفرنسيّ
حتى صباح يوم 30 تشرين الأول 1956م، كانت القيادة المصريّة تستبعد نظريّة التواطؤ الثلاثي، وذلك حتى ظهرت طائراتٌ بريطانيّةٌ في الأجواء المصريّة، وتأكّدت الشكوك حينما دُعي السفيران المصريان في لندن وباريس في اليوم ذاته إلى وزارتي الخارجيّة في العاصمتين ليتسلّم كلٍّ منهما إنذارًا بريطانيًّا فرنسيًّا يطالب كلًّا من مصر وإسرائيل بالابتعاد بقوّاتها عشرة أميال عن قناة السويس حتى لايتعرّض المرفق الدوليّ للخطر، وبناءً على ذلك فإنّهما يطلبان من حكومة مصر أن توقف فورًا كلّ الأعمال الحربيّة في البرّ والبحر والجو. وتسحب كلّ القوات المصريّة إلى مسافة عشرة أميال غرب القناة. والسماح لاحتلال قواتٍ بريطانيّةٍ وفرنسيّةٍ مواقع رئيسة في بورسعيد والإسماعيليّة والسويس؛ لضمان حريّة الملاحة في القناة، وحتى يمكن فصل القوّات المتحاربة[54]. وإذا لم يتمّ الردّ على هذه المكاتبة خلال اثنتي عشرة ساعةً بالتعهّد بتنفيذ الإنذار من قبل إحدى الحكومتين (المصريّة أو الإسرائيليّة) أو كلتيهما، فإنّ بريطانيا وفرنسا ستتدخل بأيّ قواتٍ تراها ضروريّةً لضمان التنفيذ.
ردّت إسرائيل بالإيجاب على الإنذار الثنائي شريطة أن يصل ردٌّ إيجابيّ من مصر، وهو ما لم يحدث حيث ردّت مصر برفضها قبول الإنذار. في الوقت نفسه أرسلت الولايات المتّحدة برقيّةً إلى إسرائيل تطلب فيها سحب القوات الإسرائيليّة، وعندما لم تتلقَ ردًّا من إسرائيل طلبت عقد اجتماعٍ طارئٍ لمجلس الأمن قُدّم فيه مشروع قرارٍ بأن تسحب إسرائيل قوّاتها، وأن تمتنع الدول الأخرى عن استخدام القوّة أو التهديد بها، واستعملت بريطانيا وفرنسا حقّ الفيتو ضدّ هذا القرار[55].

تواصل المعارك
خاضت القوات الإسرائيليّة معارك عنيفةً أمام القوات المصريّة انتهت باستيلائها على أبو عجيلة، وبير الحسنة، وجبل لبني، وبئر الحمة، واستغلّت الفرصة كذلك لإحكام الخناق حول القوات المصريّة في أم قطف، وأم شيحان، بالاستيلاء على منطقة سدّ الروافعة ولكن بعد معارك خسرت فيها كثيرًا، وانتهت بتراجع القوّات المصريّة إلى العريش لتسيطر القوات الإسرائيليّة بذلك على الطرق الثلاثة التي تتحكم في جنوب سيناء. وفي ممرّ متلا ظلّت قوات المظلّات الإسرائيليّة تقاتل لمدة سبع ساعاتٍ، وحاولت احتلال الممرّ بإرسال كتيبةٍ مدرّعةٍ، ولكن القوّات المصريّة حاصرتها وكبّدتها خسائر فادحة، وبعد قتالٍ عنيفٍ استولت القوات الإسرائيليّة على الممرّ في معركة وصفها موشيه ديان بأنّها لم تخضْ وحدةٌ مقاتلةٌ مثلها من قبل.
أصدرت رئاسة الأركان الإسرائيليّة تعليماتها بتأجيل الهجوم على (أم قطف) انتظارًا للضربة الجويّة الأنجلوفرنسيّة المخطّط لها؛ حتى لا تتعرّض القوات الإسرائيليّة لخسائر يمكن تفاديها بعد الضربة، فضلًا عن إضفاء صورة العمليّة الانتقاميّة على تحرّكاتها قبل تلك الضربة وإبعاد شبهة الحرب، ولكن خلافًا لتلك التعليمات قامت القيادة الجنوبيّة الإسرائيليّة منتصف ليلة 29/30 تشرين الأول بإصدار أوامرها إلى اللواء 10 مشاة بالاستيلاء على موقع (أم قطف) - الذي كان يشكّل بجانب موقع (أم شيحان) عائقًا أمام تقدّم القوات الإسرائيليّة نحو القطاع الأوسط من سيناء - استغلالًا لعنصر المفاجأة.

ولكن فشل الهجوم الإسرائيليّ على أم قطف، ونجح قائد اللواء 6 مشاة المصريّ الذي كُلِّف بالدفاع عن تلك المنطقة بكتائبه غير المكتملة العدد والعتاد في صدّ الهجمات المتتالية للقوات الإسرائيليّة، بل نجحت قوّاته في تنفيذ هجومٍ مضادٍّ، وبالرغم من التفاف القوات الإسرائيليّة حولها (من الشرق باللواء 10 مشاة، ومن الغرب باللواء 7 مدرع، ومن الجنوب الشرقي باللواء 37 ميكانيكي، ومن الجنوب الغربي باللواء 4 مشاة)، لكنّها لم تنجح في اختراق الدفاعات المصريّة، وقُتل خلال المعارك قائد اللواء 37 ميكانيكي، وعلى إثر ذلك الفشل قام قائد القيادة الجنوبيّة بتغيير قائد اللواء 10 مشاة، وظلّت القوات المصريّة صامدةً في أم قطف دون إمداداتٍ تُمني القوات الإسرائيليّة بخسائر فادحةٍ حتى وصلت إليها أوامر القائد العام بالانسحاب شأنها شأن جميع القوات المصريّة في سيناء، ونجحت قوات اللواء 6 مشاة المصري في إخلاء أغلب أفرادها وتعطيل معدّاتها الثقيلة دون أن تشعر بها القوات الإسرائيليّة، وعندما عاودت القوات الإسرائيليّة ظهر يوم 2 تشرين الثاني الهجوم من الشرق والغرب بسريتي دباباتٍ بعد تمهيدٍ مدفعيّ وجويّ، اشتبكت القوات الإسرائيليّة مع بعضها في المواقع الخالية ودمرت 8 دباباتٍ إسرائيليّة.
ذكر موشى ديان تعليقًا قي مذكراته عن (معركة أم قطف) بقوله «إنّها المكان الذي قاتل فيه المصريّون على أفضل وجه، بينما قاتل الإسرائيليّون على أسوأ صورة». خلال ليلة 31 تشرين الأول، ويوم 1 تشرين الثاني كان القتال في القطاع الشمالي عند رفح والعريش جاريًا، وانقسمت القوات الإسرائيليّة إلى مجموعاتٍ صغيرةٍ تحارب في معارك مستقلّةٍ لتفادي الأسلاك الشائكة وحقول الألغام. وصباح يوم 2 تشرين الثاني بدأ اللواء 9 مشاة الإسرائيليّ مسيره نحو شرم الشيخ، وبدأ اللواء 11 مشاة الإسرائيليّ عملياته في قطاع غزّة واستولى عليه، ودخلت القوات الإسرائيليّة العريش دون مقاومةٍ بعد انسحاب القوات المصريّة طبقًا لأوامر القيادة العامّة، واتّجهت وحداتٌ إسرائيليّةٌ غربًا نحو القنطرة، فيما اتّجهت وحداتٌ أخرى نحو مطار العريش لتأمينه وضمان طريق أبو عجيلة، لتنهي القوات الإسرائيليّة بذلك تقريبًا معاركها على المحور الشمالي في سيناء. أتمّ كذلك اللواء 27 مدرع الاستيلاء على محور القسيمة - جبل لبنى - الإسماعيليّة. وفي 5 تشرين الثاني سقطت شرم الشيخ آخر المواقع المصريّة في سيناء التي كان يعني احتلالها التحكّم في مضيق تيران، وفكّ الحصار عن الملاحة الإسرائيليّة إلى إيلات[56].

العدوان الأنجلوفرنسي
بدء العمليات: مع فجر يوم 4 تشرين الثاني وزّعت خطط العمليّات على المسؤولين، وبدأ تحميل السفن بصفةٍ نهائيّةٍ في ميناء ليماسول، ومساءً صدر الأمر بالإبحار في اليوم التالي 5 تشرين الثاني التقت السفن الفرنسيّة مع السفن البريطانيّة التي أبحرت من مالطة، وسارت العمارتان البحريتان في خمسة أرتال -ثلاث أرتال بريطانيّة، ورتيلين فرنسيين- خلف ستار من سفن الكراكات. وفي صباح اليوم نفسه هبط المظلّيون البريطانيّون فوق منطقة الجميل، ولحقهم المظلّيون الفرنسيّون فوق منطقة جنوب قناة الوصل التي تربط قناة السويس ببحيرة المنزلة، ثم أعقبتها عمليّة إبرار فوق منطقتي الرسوة وبور فؤاد، وأعقب ذلك عملية اقتحامٍ جويّ رأسيّ بالحوامات من حاملات الطائرات على منطقة رأس الشاطئ[57].
الإجراءات المصريّة: خلال ليلة 30 تشرين الأول ويوم 31 تشرين الأول سارعت القيادة المصريّة بإرسال تعزيزاتها إلى سيناء وشرم الشيخ، وشرع سلاحها البحريّ في مهاجمة الشواطئ الإسرائيليّة، ولكن عندما تأكّدت من التواطؤ بين الدول الثلاث بعد القصف الجويّ الأنجلوفرنسي مساء يوم 31 تشرين الأول، صدرت الأوامر خلال ليلة 31 تشرين الأول ويوم 1 تشرين الثاني بانسحاب القوّات من سيناء، وعودة الفرقة الرابعة المدرّعة التي عبرت في الليلة السابقة إلى سيناء، ووقف تقدّم أيّ تشكيلاتٍ أخرى مع استمرار تمسّك كتائب المشاة الست بمواقعها في سيناء لمدة 48 ساعة لحين إتمام الفرقة الرابعة المدرّعة انسحابها إلى غرب القناة[58].
كما صدرت الأوامر بإرسال قاذفات القنابل من طراز إليوشن إلى الصعيد والسعوديّة. ووضعت خطة حرب العصابات موضع التنفيذ، وأسند إلى زكريا محيي الدين مسؤوليّة قيادة المقاومة الشعبيّة، وأسند إلى كمال الدين حسين قيادة الفدائيين بمنطقة القناة.

وأخفيت الأسلحة والمعدّات في أماكن اختيرت في كلّ مدن الوجه البحريّ، ووزعت الأسلحة على المتطوعين في المقاومة الشعبيّة، وجابت عربات الجيش الشوارع حاملةً مكبّرات الصوت تدعو الناس إلى الجهاد ومقاومة الغزاة.
قطعت مصر أيضًا علاقاتها الدبلوماسيّة مع بريطانيا وفرنسا، واستولت على ممتلكاتهما في مصر، وعطّلت الملاحة في قناة السويس بتنفيذ خطةٍ كانت معدّة مسبقًا بإغراق باخرة محملةٍ بالإسمنت في عرض المجرى الملاحي[59].
صمدت الجبهة الداخليّة المصريّة وتكاتفت خلف زعيمها جمال عبد الناصر، ولم تصدق توقّعات قوى العدوان التي كانت واثقةً من سقوط النظام بمجرد قصف الأهداف العسكريّة، وقطع وسيلة اتصال عبد الناصر بشعبه من خلال تدمير محطّات الإرسال المصريّة.
ولكن بادرت إذاعة دمشق مواصلة رسالة الإذاعة المصريّة مستهلةً إذاعتها بعبارة هنا القاهرة. ونادى جمال عبد الناصر من فوق منبر الجامع الأزهر (سنقاتل .. سنقاتل).

توقّف القتال بين مصر وإسرائيل يوم 6 تشرين الثاني، والتحمت قوّات الجيش المصريّ والمقاومة الشعبيّة في بورسعيد لتحقيق هدفٍ واحدٍ وهو دحر العدوان، ونال صمود شعب بورسعيد وكفاحه في مقاومة العدوان إعجاب العالم، فبرغم استمرار قصف المدينة جوًّا وبحرًا طوال يوم 5 تشرين الثاني، لكنّها نجحت في تثبيت قوّات الإبرار الجويّ الأنجلوفرنسي طوال يوم 5 تشرين الثاني، وأنزلت بها كذلك خلال يوم 6 تشرين الثاني خسائر كبيرة، وتمكّنت من تثبيت العدو داخل منطقة رأس الشاطئ ومنعته من تأمينها وعرقلة انطلاقه صوب الإسماعيليّة. ودارت معارك عنيفةٌ بين قوّات الاحتلال وقوات المقاومة ظهرت خلالها أمثلةٌ عديدةٌ للفداء سواء من المدنيين من أبناء بورسعيد أمثال السيّد عسران، ومحمد مهران، أو من العسكريين أمثال المُقدَّم البحريّ جلال الدسوقي، والملازم البحريّ جول جمال اللذين استشهدا في معركة البرلس البحريّة.
ومن أشهر العمليّات التي أسفرت عنها عمليّات المقاومة أسر الضابط أنتوني مورهاوس، والادّعاء باغتيال شخصيّةٍ عسكريّةٍ باسم الميجور جون وليامز[60].
الموقف الدوليّ من الحرب
موقف الأمم المتّحدة قرار 2 تشرين الثاني

قدّمت الولايات المتّحدة مشروع قرار إلى الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة المنعقدة في 1 تشرين الثاني 1956م نصّت فقراته التنفيذيّة على:
على جميع الأطراف المتشابكة قبول وقف إطلاق النار، والكفّ عن نقل القوات العسكريّة والأسلحة إلى هذه المنطقة.
سحب القوّات إلى ما وراء خطوط الهدنة، والكفّ عن القيام بغاراتٍ عبر خطوط الهدنة على الأراضي المجاورة، ومراعاة نصوص اتفاقيّات الهدنة بدون تردّد.
توصى جميع الدول بالامتناع عن إدخال المواد الحربيّة إلى منطقة الأعمال العدوانية، وأن تمتنع بصفةٍ عامّةٍ عن القيام بأيّ أعمالٍ قد تؤخّر أو تمنع تنفيذ هذا القرار.
يُحثّ على اتّخاذ الخطوات اللازمة لإعادة فتح القناة، وإعادة تأمين حرية الملاحة بها بعد تنفيذ وقف إطلاق النار.
يُطلب من الأمين العام أن يُراعي وأن يُبلغ مجلس الأمن والجمعيّة العامّة على الفور بمدى الامتثال لهذا الاقتراح؛ لاتّخاذ أيّ إجراءٍ آخر يريانه مناسبًا طبقًا لميثاق الأمم المتّحدة.

تظلّ الجمعيّة العامّة منعقدةً في جلسةٍ طارئةٍ امتثالًا لهذا القرار[61].
وافقت الجمعيّة العامّة على المشروع الأمريكي في 2 تشرين الثاني بأغلبيّة 64 صوتًا ضدّ خمسة أصواتٍ هي (بريطانيا، فرنسا، إسرائيل، أستراليا، نيوزيلندا)، وامتناع ستّ دولٍ عن التصويت. أبلغت مصر الأمين العام في اليوم نفسه قبولها القرار، وأعلن الأمين العام ذلك في 3 تشرين الثاني مع احتفاظ مصر لنفسها بحقّ عدم تنفيذ أحكامه إذا ظلّت القوات المهاجمة توصل عدوانها.
وشُكلّت لجنة ثلاثيّة لمراقبة التنفيذ، ضمّت كلًّا من رالف بانش، وإيليا تشيرليشيف، وقسطنطين ستافروبولوس[62].

اقتراح قوّة طوارئ دوليّة
سعت الدبلوماسيّة الكنديّة بقيادة ليستر بيرسون لإيجاد مخرجٍ للأزمة يخفّف من حدّة الصِدام بين الحلفاء الغربيين، فاقترح تشكيل قوّةٍ دوليّةٍ تكون أداةً فعّالةً لفرض قرارات الأمم المتّحدة، ووافقت الجمعيّة العامّة على المشروع الكندي في 4 تشرين الثاني بأغلبية 57 صوتًا، وامتناع باقي الدول ودون اعتراضات.
وتمت الموافقة كذلك على تعيين الجنرال تومي بيرنز قائدًا للقوة الدوليّة الجديدة، وشُكلّت لجنةٌ لبحث تنفيذ القرار كانت فيه الهند لسان مصر، والتي أصرّت على عدم انضمام أيّ قواتٍ بريطانيّةٍ أو فرنسيّةٍ إلى القوّات الدوليّة[63].

وقف إطلاق النار
تحت ضغوطٍ سوفييتيّةٍ، وأمريكيّةٍ، وكنديّةٍ وحتى في الداخل البريطاني، ومع تماسك الجبهة الداخليّة المصريّة وصمودها أمام العدوان، وتضامن الشعوب العربيّة معها، ونجاح مصر في اكتساب تعاطف الرأي العالمي وإدانة العدوان، بالإضافة إلى الأزمة الاقتصاديّة التي ألمت ببريطانيا نتيجة الحرب، وتلميح الولايات المتّحدة برفض مساعدتها اقتصاديًّا مع إصرارها على موقفها، وتأكّد الحكومتين البريطانيّة والفرنسيّة من الخسائر التي ستتعرضان لها في حال استمرتا في تنفيذ خطتهما، تحت هذه الضغوط كلّها رضختا لقرار وقف إطلاق النار بدءًا من ليلة 6 تشرين الثاني، ويوم 7 تشرين الثاني، إلا أنّ القتال استمرّ في بورسعيد، ولم يتوقف فعليًّا إلّا مساء يوم 8 تشرين الثاني بعد تدخّل الأمين العام للأمم المتّحدة[64].

نتائج العدوان
مع فداحة الخسائر المصريّة في الأرواح والممتلكات نتيجة العدوان، فإنّ مصر خرجت من المحنة أكثر تماسكًا خاصةً في ظلّ التضامن العربيّ والدوليّ مع موقفها، فضلًا عن تألّق نجم عبد الناصر على مستوى السياسة الدوليّة بوقوفه في وجه الدول المعتدية.
وتمثّلت المكاسب في انفراد مصر بملكيّة قناة السويس وحقّ إدارتها بلا منازع، وإلغاء معاهدة الصداقة والتحالف بينها وبين بريطانيا وما تبع ذلك من استيلاء مصر على القاعدة البريطانيّة العسكريّة في منطقة قناة السويس بكلّ ما تحويه من أسلحةٍ وذخائر وعتاد، كذلك تقرّر فرض الحراسة على أموال ومؤسسات وشركات وممتلكات الإنجليز والفرنسيين المقيمين في مصر، التي قُدّرت قيمتها وقتها بـ30 مليون جنيه مصري.
أمّا نتائجها على الدول المعتدية، فكانت أن فقدت بريطانيا مكانتها في المنطقة وممتلكاتها وقاعدتها في مصر، وانتهى الأمر بأنتوني إيدن إلى الاعتكاف ثم الاستقالة من منصب رئيس الوزراء.
خسرت كذلك فرنسا أموالها وممتلكاتها في مصر وفقدت نفوذها السياسيّ والثقافيّ في المنطقة، أما إسرائيل فظهرت كدولةٍ إمّعةٍ بيد الغرب لكنّها حافظت على تأمين مرور سفنها بخليج العقبة وقناة السويس[65].

الخاتمة
من خلال العرض السابق يمكننا استخلاص عددٍ من النتائج أهمّها:
أبرز العدوان الثلاثي مدى هشاشة قوى الاستعمار القديم أمام الدول الوطنيّة، والنزعات التحرريّة الحديثة، فبدت في الانسحاب ومنح تلك الشعوب حريّتها واستقلالها.
ظهور الولايات المتّحدة كقوةٍ عظمى لتغطية الفراغ الذي تركه انسحاب بريطانيا وفرنسا من المنطقة، ودعمها لإسرائيل بوصفها ذراعًا عسكريًّا لدعم الأهداف الغربيّة في المنطقة.
عدم استجابة مصر للضغوط الغربيّة، ونجاحها في جلب السلاح من الاتّحاد السوفيتي، وتأميم قناة السويس وإدارتها لاستغلال مواردها للإنفاق على إنشاء السدّ العالي بأسوان.
فشل التحالف البريطاني الفرنسيّ الإسرائيليّ في تحقيق أهدافه من العدوان على مصر، فسياسيًّا خرجت مصر من هذا العدوان بمكاسب كثيرةٍ رغم الخسائر العسكريّة والاقتصاديّة.
نجحت إسرائيل بعد العدوان في امتلاك حريّة الملاحة في خليج العقبة وقناة السويس.

المصادر والمراجع
وثائق إنجليزيّة:
FO/407/235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, NO 17, Report on Sir Brian Robertson’s visit to Egypt, Sir Humphrey Trevelyan to Mr. Selwyn Lloyd.Cairo. June 23. 1956..
FO/407/235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, NO 1, Message from the Minister of Foreign Affairs to the Egyptian Prime Minister. Mr. Selw yn Lloyd to Sir Humphrey Trevelyan. Foreign Office. Jane 16.1956.
FO/407/235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, NO 1, Egypt: Annual Review 1955 from Sir Humphry Trevelyan to Sir Selwyn Lloyd. Cairo, January 31. 1956.
FO/407/235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, NO 18(1), EVACUATION CE LEBRATIONS IN EGYPT Visit of M . Shepilov for the Occasion. Cairo. June 28. 1956.
FO/407/235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, NO 9 (1), Anglo-Egyptian relations. Mr. Selwyn Lloyd to Sir Humphrey Trevelyan , Foreign Office. April 3. 1956.
FO/407/235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No 5, Record of conversation between the Foreign Minister and Colonel Nasser on March 1, 1956.
FO/407/235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No 13(1), ANGLO -EGYPTIAN RELATIONS Conversation between Her Majesty’s Ambassador and the Egyptian Prime Minister
FO/407/235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No. 11, Activities of the Soviet Bloc in Egypt Sir Humphry Trevelyan to Mount Selwyn Lloyd. Cairo. April 19 , 1956.
FO/407/235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No. 15, Trade between Egypt and the Soviet Bloc Sir Humphry Trevelyan Mr. Selwyn Lloyd. Cairo, June 2. 1956,
FO/407/235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No. 4, Organization and efficiency of Egyptian combat services, Sir. Humphrey Trevelyan to Mr. Selwyn Lloyd. Cairo. February 13. 1956. FO/407/235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No.28 (4) Sir Humphrey Trevelyan to Mr. Sehvyn Lloyd. (Received July 27)(no . 1283) Cairo. (Telegraphic) July 27, 1956.
FO/407/235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No. 21, WITHDRAWAL OF BRITISH TROOPS FROM EGYPT UNDER THE TERMS OF THE ANGLO -EGYPTIAN A GREEMENT OF OCTOBER 19 1954 (COMMAND PAPER No . 9586)Sir Humphrey Trevelyan to Mr. Selw yn Lloyd. Cairo, July 5. 1956.
FO/407/235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No.13(3) Sir Humphrey Trevelyan to Mr. Selwyn Lloyd. Cairo. May 27. 1956.
FO/407/235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No. 7: Arab alliances in EgyptوSir Humphrey Trevelyan to Mr. Selwyn Lloyd. Cairo,July 3. 1956..
FO/407/235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No. 7: British-Egyptian relations Record of the conversation that took place on the evening of March 12, 1956 between the Foreign Minister and the Turkish Prime Minister, Cairo. February 10, 1956.
FO/407/235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No. 8, Egyptian Military and National Service Chancery. British Embassy, to African Department, Cairo., March 29,1956.Pp35-36.
FO/407/235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No 3 The Aswan High Dam, Sir Humphry Trevelyan to Mr. Selwyn Lloyd, Cairo. February 10, 1956
FO/407/235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No. 23(1), ASWAN HIGH DAM Mr. Selwyn Lloyd to Sir Humphrey Trevelyan(Cairo) (Telegraphic) (No . 1890) London. July 20. 1956,
FO/407/235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No. 28(12), Sir Humphrey Trevelyan to Mr. Selwyn Lloyd. (Received July 30) (No. 1330. Confidential) Cairo. (Telegraphic) July 30.1056.,
FO/407/235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No. 22, ECONOMIC CONDITIONSIN EGYPT , Sir Humphrey Trevelyan to Mr. Selwyn Lloyd. Cairo, July 17, 1956
FO/407/235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No. 30 (22) FIRST SUEZ CANAL CONFERENCE HELD IN LONDON . AUGUST 15-24, 1956 ,
FO/407/235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No. 28(11), SUMMARY RECORD OF THE TRIPARTITE CONFERENCE (FRANCE. UNITED KINGDOM, UNITED STATES) HELDIN LONDON FROM JULY 29, 1956. TO AUGUST 2. 1956,
FO/407/235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No. 32(1) PROPOSALS FOR THE SETTING UP OF A SUEZ CANAL USERS ASSOCIATION, Mr. Selwyn Lloyd to Her Majesty’s Embassy. Addis Ababa Foreign Office August 4. 1956,
FO/407/235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No. 31 (1) SUEZ CANAL CRISIS- MENZIES MISSION TO EGYPt (telegraphic) Foreign Office August 22. 1956.
FO/407/235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No. 42 (1) QUESTION OF PAYMENT OF DUES TO THE SUEZ CANAL USERS ASSOCIATION, Sir Pierson Dixon to Foreign Office, New York, October 7. 1956,
FO/407/235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No. 38 (1) SECOND SUEZ CANAL CONFERENCE, HELD IN LONDON SEPTEMBER 19-21, 1956 Mr. Selwyn Lloyd lo Copenhagen and Certain Other Posts No- 366 (Confidential) Foreign Office September 14, 1956,
FO/407/235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No. 41 (1) SUEZ CRISIS : MEETING OF SECURITY COUNCIL, SEPTEM BER 27 OCTOBER 14, 1956 RECORD OF MEETING AT THE HOTEL MATIGNON IN PARIS ON SEPTEMBER 27, 1956,
FO/407/235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No. 43(1) SUEZ CRISIS: ISRAELI INVASION OF SINAI, Sir John Nicholls to Mr. Selwyn Lloyd. (Received October 29) (No. 583) (Telegraphic) Tel Aviv, October 29. 1956,
FO/407/235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No. 45 (12( Foreign Office to Certain o f Her Majesty’s Representatives (No. 120 Guidance) (Telegraphic) Foreign Office, November 5. 1956,
FO/407/235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No. 47 (1) SUEZ CRISIS: WITH DRAWAL OF BRITISH AND FRENCH TROOPS CONVERSATION BETWEEN THE SECRETARY OF STATE AND THE UNITED STATES AMBASSADOR ON NOVEMBER 9, 1956 Mr. Selwyn Lloyd to Sir Harold Caccia ( Washington) (No. 765. Secret) Foreign Office. November 9. 1956.
FO/407/235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No. 45 (2) (Telegraphic) Sir Pierson Dixon to Mr. Selwyn Lloyd. (Received October 31)(No. 983) New York. October 30. 1956.
FO/407/235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No. 45 (7)Sir Pierson Dixon lo Mr. Selwyn Lloyd. (Received November 2) (No. 1010) (Telegraphic)New York, November 2, 1956.. Pp505-515.
FO/407/235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No. 48 (1) UNITED NATIONS EMERGENCY FORCE Sir Pierson Dixon to Mr. Selwyn Lloyd. (Received November 19) (No. 1281. Confidential) New York. (Telegraphic) November 18. 1956.
FO/407/235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No. 56, POSITION OF THE SECRETARY -GENERAL OF THE UNITED NATIONS IN MIDDLE EAST QUESTIONS, Sir Pierson Dixon to Sir Ivone Kirkjni trick. (Received December 31) (No.10723/249/56. Secret) New York, December 22. 1956.
FO/407/235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No. 55 (1) BRITISH COMMUNITY IN EGYPT (Egyptian Government’s Action Against-Financial Losses-Maltreatment of-General Assembly Resolntion) Sir Humphrey Trevelyan to Mr. Selwyn Lloyd. (Received December 8), Cairo.December 4. 1956. Pp593-600.
FO/407/235: No. 26, ASWAN HIGH DAM Mr. (entel No. 151. Confidential) by Bag Foreign Office, August 22.1956,
FO/407/235: No. 28(1), NATIONALISATION OF THE SUEZ CANAL BY THE EGYPTIANGOVERNMENT,Sir Humphrey Trevelyan to Mr. Seiwyn Lloyd. (Received July 26) (telegraphic)Cairo.July 26. 1956.
FO/407/235: No. 28(2), Sir Humphrey Trevelyan to Mr. Solwyn lioyd. (Received July 27) (No. 1278)(Telegraphic) Cairo, July 26. 1956,
FO/407/235: No. 28(3), Nasser’s speech. Sir Humphrey Trevelyan to Mr. Selwyn Lloyd. (Received July 27) (No. 1282) (Telegraphic) Cairo, July 27. 1956.
FO/407/235: No. 29, NATIONALISATION OF THE SUEZ CANAL BY THE EGYPTIAN GOVERNMENT,Sir Humphrey Trevelyan to Mr. Seiwyn Lloyd. (Received July 26) (telegraphic)Cairo. July 26. 1956.
FO/407/236 further correspondence relating to Egypt, Part 11 from January to December 1957, No. 20, NEGOTIATIONS FOR A SUEZ CANAL SETTLEMENT, (Telegraphic) Permanent Under-Secretary to Sir Pierson Dixon (New York) (No. 1507. Secret) Foreign Office. May 2. 1957,
FO/492/10: further correspondence recpecting Esrael, Part 8, from January to December 1956, No. 22, Israel Attack on Egeptyab Torritory Official Report, (Telegraphic) sir John Nicholls to Mr. Selwyn Lloyd, Tel aviv, October 29,1956,
FO/492/10: further correspondence recpecting Esrael, Part 8, from January to December 1956, No. 22, Israel Attack on Egeptyab Torritory Official Report, (Telegraphic) sir John Nicholls to Mr. Selwyn Lloyd, Tel aviv, October 29,1956,

مراجع عربيّة ودوريات علميّة
جمال شقرة: خمسون عامًا على العدوان الثلاثي 1956م ، بحث ضمن أعمال ندوة الجمعية المصرية للدراسات التاريخية (خمسون عامًا على العدوان الإسرائيلي الفرنسي الإنجليزي 4-6 تشرين ثان2006م) تحرير عاصم الدسوقي.
حسن أحمد البدري، فطين أحمد فريد: حرب التواطؤ الثلاثي العدوان الصهيوني الأنجلو فرنسي على مصر خريف 1956م، ط 1، المكتبة الأكاديمية، القاهرة 1997م.
رفعت يونان: العدوان الثلاثي نقطة فارقة بين عهدين، بحث ضمن أعمال ندوة الجمعية المصرية للدراسات التاريخية (خمسون عامًا على العدوان الإسرائيلي الفرنسي الإنجليزي 4-6 تشرين ثان2006م) تحرير عاصم الدسوقي.
زاهي الأقرع: العلاقات الإسرائيلية - الفرنسية 1956 – 1967م، منظمة التحرير الفلسطينية - مركز الأبحاث،عدد78، 1978م.
شريف حسن قاسم: أثر تأميم قناة السويس وحرب 1956م على الأوضاع والاتجاهات الاقتصادية في مصر، بحث ضمن أعمال ندوة الجمعية المصرية للدراسات التاريخية (خمسون عامًا على العدوان الإسرائيلي الفرنسي الإنجليزي 4-6 تشرين ثان2006م) تحرير عاصم الدسوقي.
شوقي الجمل، عبد الله عبد الرازق: تاريخ مصر المعاصر، دار الثقافة للنشر والتوزيع، القاهرة 1997م.
صالح حسن عيسى: لجنة مؤتمر لندن الخماسية وأزمة السويس عام 1956 على ضوء الوثائق العراقية، الجامعة المستنصرية، مجلة دراسات وبحوث الوطن العربي، عدد 18/19، العراق 2006م.
صلاح بسيوني: مصر وأزمة السويس، سلسلة مكتبة الدراسات التاريخية، ط 1، دار المعارف، القاهرة 1970م.
طارق السيد سليم: موقف يوغسلافيا من أزمة السويس 1956 م، مجلة بحوث الشرق الأوسط بجامعة عين شمس القاهرة، عدد 44، القاهرة 2018م.
فطين أحمد فريد علي : الآثار والنتائج والدروس المستفادة من العدوان الثلاثي على مصر 1956م، بحث ضمن أعمال ندوة الجمعية المصرية للدراسات التاريخية (خمسون عامًا على العدوان الإسرائيلي الفرنسي الإنجليزي 4-6 تشرين ثان2006م) تحرير عاصم الدسوقي.
فوزي أسعد نقيطي: الموقف السعودي تجاه العدوان الثلاثي على مصر 1956م، بحث ضمن أعمال ندوة الجمعية المصرية للدراسات التاريخية (خمسون عامًا على العدوان الإسرائيلي الفرنسي الإنجليزي 4-6 تشرين ثان2006م) تحرير عاصم الدسوقي.
محمد السعيد إدريس: أزمة السويس وتطورات النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، بحث ضمن أعمال ندوة الجمعية المصرية للدراسات التاريخية (خمسون عامًا على العدوان الإسرائيلي الفرنسي الإنجليزي 4-6 تشرين ثان2006م) تحرير عاصم الدسوقي.
محمد السيد سليم: القضايا الخلافية حول قرار تأميم شركة قناة السويس وعلاقته بالعدوان الثلاثي، بحث ضمن أعمال ندوة الجمعية المصرية للدراسات التاريخية (خمسون عامًا على العدوان الإسرائيلي الفرنسي الإنجليزي 4-6 تشرين ثان2006م) تحرير عاصم الدسوقي.
محمد عبد الوهاب: موقف الولايات المتحدة الأمريكية تجاه أزمة السويس 1956م في ضوء سياسة الارتباط، بحث ضمن أعمال ندوة الجمعية المصرية للدراسات التاريخية (خمسون عامًا على العدوان الإسرائيلي الفرنسي الإنجليزي 4-6 تشرين ثان2006م) تحرير عاصم الدسوقي.
مئير عميت: 39 عامًا على حرب الأيام الستة : الأميركيون هددوا سبعة أيام تقريبًا : من يوميات رئيس الموساد آنذاك ، مئير عميت، مجلة الدراسات الفلسطينية، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، عدد 67، 2006م.
جريدة الأهرام المصرية أعداد متفرقة عام 1956م.

----------------------------------
[1]. أستاذ التاريخ الحديث - جامعة الأزهر – مصر.
[2].حسن أحمد البدري، فطين أحمد فريد، حرب التواطؤ الثلاثي العدوان الصهيوني الأنجلو فرنسي على مصر خريف 1956م، ص20.
[3]. رفعت يونان، العدوان الثلاثي نقطة فارقة بين عهدين، ص277-280.
[4].صلاح بسيوني، مصر وأزمة السويس، سلسلة مكتبة الدراسات التاريخية، ص11-12. وينظر، شوقي الجمل، عبد الله عبد الرازق، تاريخ مصر المعاصر، ص80-83.
[5]. FO/407/235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, NO 17, Report on Sir Brian Robertson’s visit to Egypt, Sir Humphrey Trevelyan to Mr. Selwyn Lloyd.Cairo. June 23. 1956.P73-74.
[6]. FO/407/235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, NO 1, Message from the Minister of Foreign Affairs to the Egyptian Prime Minister. Mr. Selw yn Lloyd to Sir Humphrey Trevelyan. Foreign Office. Jane 16.1956.P1-5.
[7].صلاح بسيوني: مرجع سابق، ص 13. وينظر، شوقي الجمل، عبد الله عبد الرازق: مرجع سابق، ص 85.
[8]. FO/407/235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, NO 1, Egypt: Annual Review 1955 from Sir Humphry Trevelyan to Sir Selwyn Lloyd. Cairo, January 31. 1956.P1-5.
[9]. FO/407/235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, NO 181, EVACUATION CE LEBRATIONS IN EGYPT Visit of M . Shepilov for the Occasion. Cairo. June 28. 1956.P75-77.
[10]. FO/407/235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, NO 9 1, Anglo-Egyptian relations. Mr. Selwyn Lloyd to Sir Humphrey Trevelyan, Foreign Office. April 3. 1956. P37-39.
[11]. مئير عميت: 39 عامًا على حرب الأيام الستة، الأميركيون هددوا سبعة أيام تقريبًا، من يوميات رئيس الموساد آنذاك، مئير عميت، مجلة الدراسات الفلسطينية، عدد 67، ص128-130.
[12].صلاح بسيوني: مرجع سابق، ص 13. وينظر، شوقي الجمل، عبد الله عبد الرازق: مرجع سابق، ص 85.
[13]. FO/407/235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No 5, Record of conversation between the Foreign Minister and Colonel Nasser on March 1, 1956. P23-28.
[14]. FO/407/235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No 131, ANGLO -EGYPTIAN RELATIONS Conversation between H er M ajesty’s Ambassador and the Egyptian Prime Minister
on May 26, 1956. P55-56.
[15]. FO/407/235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No. 11, Activities of the Soviet Bloc in Egypt Sir Humphry Trevelyan to Mount Selwyn Lloyd. Cairo. April 19, 1956. P45-48.
[16]. FO/407/235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No. 15, Trade between Egypt and the Soviet Bloc Sir Humphry Trevelyan Mr. Selwyn Lloyd. Cairo, June 2. 1956, P65-70.
[17]. FO/407/235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No. 4, Organization and efficiency of Egyptian combat services, Sir. Humphrey Trevelyan to Mr. Selwyn Lloyd. Cairo. February 13. 1956, P17-21. and see No.28 4 Sir Humphrey Trevelyan to Mr. Sehvyn Lloyd. Received July 27 no . 1283 Cairo. Telegraphic July 27, 1956.p107-109.
[18]. زاهي الأقرع، العلاقات الإسرائيلية - الفرنسية 1956 – 1967م، منظمة التحرير الفلسطينية - مركز الأبحاث، عدد78، 1978م، ص98-105.
[19]. زاهي الأقرع، المرجع، نفسه، ص98-105.
[20]. زاهي الأقرع، المرجع نفسه، ص98-105.
[21]. FO/407/235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No. 21, Withdrawal of British Troops Fromegypt Under the Terms of the Anglo -Egyptian a Greement of October 19 1954 Command PAPER No. 9586Sir Humphrey Trevelyan to Mr. Selw yn Lloyd. Cairo, July 5. 1956. P85-86.
[22]. FO/407/235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No.133 Sir Humphrey Trevelyan to Mr. Selwyn Lloyd. Cairo. May 27. 1956. P59-60.
وينظر: فوزي أسعد نقيطي، الموقف السعودي تجاه العدوان الثلاثي على مصر 1956م، ص150-155.
[23]. FO/407/235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No. 7: Arab alliances in EgyptوSir Humphrey Trevelyan to Mr. Selwyn Lloyd. Cairo, July 3. 1956. P83-84.
[24]. FO/407/235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No. 7: British-Egyptian relations Record of the conversation that took place on the evening of March 12, 1956 between the Foreign Minister and the Turkish Prime Minister, Cairo. February 10, 1956. P33-34.
[25]. FO/407/235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No. 8, Egyptian Military and National Service Chancery. British Embassy, to African Department, Cairo., March 29, 1956.P35-36.
[26]. طارق السيد سليم، موقف يوغسلافيا من أزمة السويس 1956 م، ص144-170. ويُنظر: جريدة الأهرام، في 28 سبتمبر 1955 تبرز قصة تسليح الجيش المصري، ص1.
[27]. طارق السيد سليم: مرجع سابق، ص144-170. جريدة الأهرام في 1 أكتوبر 1955م، ص1.
[28]. طارق السيد سليم: مرجع سابق، ص144-170.
[29]. FO/407/235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No 3 The Aswan High Dam, Sir Humphry Trevelyan to Mr. Selwyn Lloyd, Cairo. February 10, 1956.P15.
الصفحة الرئيسية لجريدة الأهرام في 22 يوليو 1956م، ص1.
[30]. FO/407/235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No. 231, ASWAN HIGH DAM Mr. Selwyn Lloyd to Sir Humphrey TrevelyanCairo Telegraphic No. 1890 London. July 20. 1956, P89.
[31]. Ibid: No. 232, ASWAN HIGH DAM Mr. Selwyn Lloyd to Sir Humphrey TrevelyanCairo Telegraphic No. 1890 London. July 20. 1956, P89.
[32]. Ibid: No. 26, ASWAN HIGH DAM Mr. entel No. 151. Confidential by Bag Foreign Office, August 22.1956, P97-98.
ويُنظر: محمد عبد الوهاب: موقف الولايات المتحدة الأمريكية تجاه أزمة السويس 1956م في ضوء سياسة الارتباط، ص200-210.
[33]. Ibid: No. 283, Nasser’s speech. Sir Humphrey Trevelyan to Mr. Selwyn Lloyd. Received July 27 No. 1282 Telegraphic Cairo, July 27. 1956., P105-106.
[34]. Ibid: No. 282, Sir Humphrey Trevelyan to Mr. Solwyn lioyd. Received July 27 No. 1278Telegraphic Cairo, July 26. 1956, P103.
[35]. Ibid: No. 2819, EGYPTIAN MOTIVES, Sir Humphrey Trevelyan to Mr. Selwyn Lloyd. Received September 5 No. 136. Confidential Cairo.
September 1. 1956, P141-144.
[36]. محمد السيد سليم، القضايا الخلافية حول قرار تأميم شركة قناة السويس وعلاقته بالعدوان الثلاثي، ص20-30.
[37]. Ibid: No. 281, NATIONALISATION OF THE SUEZ CANAL BY THE EGYPTIANGOVERNMENT,Sir Humphrey Trevelyan to Mr. Seiwyn Lloyd. Received July 26 telegraphicCairo.July 26. 1956., P97-98.
[38]. Ibid: No. 29, NATIONALISATION OF THE SUEZ CANAL BY THE EGYPTIAN GOVERNMENT,Sir Humphrey Trevelyan to Mr. Seiwyn Lloyd. Received July 26 telegraphicCairo. July 26. 1956., P97-98.
[39]. صالح حسن عيسى، لجنة مؤتمر لندن الخماسية وأزمة السويس عام 1956 على ضوء الوثائق العراقية، مجلة دراسات وبحوث الوطن العربي، عدد 18/19، ص172-183.
[40]. FO/407/235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No. 2812, Sir Humphrey Trevelyan to Mr. Selwyn Lloyd. Received July 30 No. 1330. Confidential Cairo. Telegraphic July 30.1056, p127.
وينظر: شريف حسن قاسم: أثر تأميم قناة السويس وحرب 1956م على الأوضاع والاتجاهات الاقتصادية في مصر، ص60-65.
[41]. FO/407/235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No. 22, ECONOMIC CONDITIONSIN EGYPT , Sir Humphrey Trevelyan to Mr. Selwyn Lloyd. Cairo, July 17, 1956, P87-88.
[42]. محمد السعيد إدريس، أزمة السويس وتطورات النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، بحث ضمن أعمال ندوة الجمعية المصرية للدراسات التاريخية خمسون عامًا على العدوان الإسرائيلي الفرنسي الإنجليزي 4-6نوفمبر2006م تحرير عاصم الدسوقي، ص 240.
[43]. FO/407/235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No. 30 22 FIRST SUEZ CANAL CONFERENCE HELD IN LONDON. AUGUST 15-24, 1956 , P193-210.
ويُنظر: صالح حسن عيسى: مرجع سابق، ص172-183.
[44]. FO/407/235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No. 2811, SUMMARY RECORD OF THE TRIPARTITE CONFERENCE FRANCE. UNITED KINGDOM, UNITED STATES HELDIN LONDON FROM JULY 29, 1956. TO AUGUST 2. 1956, P121-125.
[45]. FO/407/235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No. 321 PROPOSALS FOR THE SETTING UP OF A SUEZ CANAL USERS ASSOCIATION, Mr. Selwyn Lloyd to Her Majesty’s Embassy. Addis Ababa Foreign Office August 4. 1956, p229.
[46]. FO/407/235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No. 31 1 SUEZ CANAL CRISIS- MENZIES MISSION TO EGYPt telegraphic Foreign Office August 22. 1956, p219.
[47]. صالح حسن عيسى، مرجع سابق، ص172-183.
[48]. FO/407/235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No. 42 1 QUESTION OF PAYMENT OF DUES TO THE SUEZ CANAL USERS ASSOCIATION, Sir Pierson Dixon to Foreign Office, New York, October 7. 1956, p461-462.
[49]. FO/407/235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No. 38 1 SECOND SUEZ CANAL CONFERENCE, HELD IN LONDON SEPTEMBER 19-21, 1956 Mr. Selwyn Lloyd lo Copenhagen and Certain Other Posts No- 366 Confidential Foreign Office September 14, 1956, P355-375.
[50]. FO/407/235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No. 41 1 SUEZ CRISIS : MEETING OF SECURITY COUNCIL, SEPTEM BER 27 OCTOBER 14, 1956 RECORD OF MEETING AT THE HOTEL MATIGNON IN PARIS ON SEPTEMBER 27, 1956, P395-430.
[51]. FO/492/10: further correspondence recpecting Esrael, Part 8, from January to December 1956, No. 22, Israel Attack on Egeptyab Torritory Official Report, Telegraphic sir John Nicholls to Mr. Selwyn Lloyd, Tel aviv, October 29,1956, P395-430.
[52]. FO/492/10: further correspondence recpecting Esrael, Part 8, from January to December 1956, No. 22, Israel Attack on Egeptyab Torritory Official Report, Telegraphic sir John Nicholls to Mr. Selwyn Lloyd, Tel aviv, October 29,1956, P395-430.
[53]. FO/407/235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No. 431 SUEZ CRISIS: ISRAELI INVASION OF SINAI, Sir John Nicholls to Mr. Selwyn Lloyd. Received October 29 No. 583 Telegraphic Tel Aviv, October 29. 1956, P477-430.AND SEE No. 441 SUEZ CRISIS: EGYPT BREAKS OFF DIPLOMATIC RELATIONS WITH HER MAJESTY’S GOVERNMENT AND SWISS GOVERNMENT TAKE OVER PROTECTION OF BRITISH IN TERESTS IN EGYPT Sir Humphrey Trevelyan to Mr. Selwyn Lloyd. Received November I Cairo November I. 1956,P489
[54]. FO/407/235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No. 45 12 Foreign Office to Certain o f Her Majesty’s Representatives No. 120 Guidance Telegraphic Foreign Office, November 5. 1956,P515.
[55]. جمال شقرة: خمسون عامًا على العدوان الثلاثي 1956م ، ص100-110.
[56]. طارق السيد سليم: موقف يوغسلافيا من أزمة السويس 1956 م، ص144-170.
[57]. FO/407/235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No. 47 1 SUEZ CRISIS: WITH DRAWAL OF BRITISH AND FRENCH TROOPS CONVERSATION BETWEEN THE SECRETARY OF STATE AND THE UNITED STATES AMBASSADOR ON NOVEMBER 9, 1956 Mr. Selwyn Lloyd to Sir Harold Caccia Washington No. 765. Secret Foreign Office. November 9. 1956., P535-536.
[58]. FO/407/236 further correspondence relating to Egypt, Part 11 from January to December 1957, No. 20, NEGOTIATIONS FOR A SUEZ CANAL SETTLEMENT, Telegraphic Permanent Under-Secretary to Sir Pierson Dixon New York No. 1507. Secret Foreign Office. May 2. 1957, P125-132.
[59]. Ibid: P125-132.
[60]. Ibid: P125-132.
[61]. FO/407/235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No. 45 2 Telegraphic Sir Pierson Dixon to Mr. Selwyn Lloyd. Received October 31No. 983 New York. October 30. 1956. P495-501.
[62]. FO/407/235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No. 45 7Sir Pierson Dixon lo Mr. Selwyn Lloyd. Received November 2 No. 1010 TelegraphicNew York, November 2, 1956.. P505-515.
[63]. FO/407/235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No. 48 1 UNITED NATIONS EMERGENCY FORCE Sir Pierson Dixon to Mr. Selwyn Lloyd. Received Novem ber 19 N o. 1281. Confidential New York. Telegraphic Novem ber 18. 1956. P555-565.
[64]. FO/407/235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No. 56, POSITION OF THE SECRETARY -GENERAL OF THE UNITED NATIONS IN MIDDLE EAST QUESTIONS, Sir Pierson Dixon to Sir Ivone Kirkjni trick. Received December 31 No.10723/249/56. Secret New York, December 22. 1956. P611-612.
[65]. FO/407/235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No. 55 1 BRITISH COMMUNITY IN EGYPT Egyptian Government’s Action Against-Financial Losses-Maltreatm ent of-General Assembly Resolntion Sir Humphrey Trevelyan to Mr. Selwyn Lloyd. Received December 8, Cairo.December 4. 1956. P593-600.
وينظر ، فطين أحمد فريد علي ، الآثار والنتائج والدروس المستفادة من العدوان الثلاثي على مصر 1956م، ص350-360.