الباحث : السيّد أحمد الحسيني
اسم المجلة : الاستعمار
العدد : 8
السنة : صيف _ 2026 م
تاريخ إضافة البحث : July / 21 / 2026
عدد زيارات البحث : 96
اندلعت شرارة الجهاد عندما احتلّت القوات البريطانيّة البصرة عام 1332هـ، فاستنجد المسلمون بالمرجعيّة الدينيّة التي كان في مقدّمتها السيّد مهدي الحيدريّ. ورغم تجاوزه الثمانين عامًا، أعلن النفير العام وأصدر فتواه بوجوب الدفاع، وخرج مع أبنائه إلى ميادين القتال داعيًا الناس للجهاد. تميّزت قيادته بثباتٍ كبيرٍ؛ فعندما سقطت القرنة وانسحب الجيش العثمانيّ رفض التراجع من العمارة، مؤكّدًا عزمه على القتال حتّى النصر أو الشهادة؛ ممّا رفع معنويّات المقاتلين. وفي واقعة الروطة أصرّ على بقاء خيامه تحت القصف لتكون رمزًا للصمود، فكان لذلك أثرٌ كبيرٌ في تحقيق النصر. وخلال عامٍ من الجهاد عاش حياة المجاهدين نفسها، رافضًا أيّ طعامٍ خاصّ، ومكتفيًا بما يأكله المقاتلون. وبعد تراجع الجبهات واجه أخطارًا كثيرةً أثناء الانسحاب، وكاد يغرق في النهر لولا إنقاذ أبنائه له. وبقي مرابطًا في الكوت أربعة أشهرٍ رغم مرضه. وبعد سقوط بغداد رفض إغراءات الاحتلال البريطانيّ، وظلّ ثابتًا حتى وفاته، تاركًا سيرةً مضيئةً في التضحية والإباء.
الكلمات المفتاحيّة: السيّد مهدي الحيدريّ، الجهاد، الاحتلال البريطانيّ، ثورة العشرين، واقعة الروطة.
سيرة آية الله العظمى السيّد مهدي الحيدريّ
في قلب مدينة الكاظميّة المقدّسة، وفي عام 1250 هـ، بزغ فجر حياة السيّد مهدي بن أحمد الحيدريّ، سليل الدوحة العلويّة الطاهرة. نشأ السيّد مهدي في بيئةٍ تعبق بالعلم والسيادة، فبدأ رحلته المعرفيّة في مسقط رأسه، لكن طموحه العلميّ لم يقف عند حدود؛ فشدّ الرحال نحو النجف الأشرف، مأرز العلم والعلماء.
هناك، في أروقة النجف، نهل من معينٍ كبار الفقهاء، فجالس الشيخ مرتضى الأنصاريّ، ولازم المجدّد الشيرازيّ الكبير، فصقل ذلك ملكته الفقهيّة وأهلّه ليكون واحدًا من أبرز تلامذة عصره. لم يكن السيّد مجرّد طالب علم، بل كان باحثًا دقيقًا، تجلّى ذلك في مؤلّفاته الرصينة التي شملت أبواب الطهارة والصلاة والصوم، وصولًا إلى تعليقاته العلميّة على (رسالة الاستصحاب) و(كتاب القوانين)، وحتّى خوضه في علوم الهيأة.
وعندما انتقل أستاذه الشيرازيّ إلى سامراء، كان السيّد الحيدريّ في طليعة المهاجرين معه، حيث نال هناك درجة الاجتهاد المطلق. ومع عودته إلى الكاظميّة، التفت حوله القلوب والعقول، فصار مرجعًا مهابًا وزعيمًا دينيًّا نافذ الكلمة، شهد بفضله القريب والبعيد؛ فوصفه السيّد محسن الأمين بجمال المحاورة وعمق الفقاهة، وأثنى الشيخ حرز الدين على أمانته ورسوخ إيمانه.
أمّا حياته الشخصيّة، فكانت مدرسةً في الزهد والتقوى؛ فقد عاش مترفعًا عن لذائذ الدنيا، يواسي الفقراء في مأكلهم، ويقسم الحقوق الشرعيّة بالعدل والمساواة حتى مع خاصّته. عُرف بقلبه الطاهر وفراسته المؤمنة التي تكشف له غوامض الأمور، وبقي عطوفًا على الصغير والكبير، ملجأً للمهمومين في الملمّات.
وفي العاشر من محرم الحرام عام 1336 هـ، وبينما كانت القلوب تعتصر حزنًا على ذكرى استشهاد جده الحسين؟ع؟، ترجّل هذا العالم العظيم عن صهوة الحياة، ليُوارى الثرى في مقبرة أسرته بالكاظميّة، تاركًا خلفه إرثًا من العلم والعمل الصالح يضيء دروب الأجيال.
نهضته الكبرى في حرب الإنكليز
في الحرب العالميّة الأولى، وفي سنة ١٣٣٢ هجرية، داهمت الجيوش الإنكليزيّة العراق من جهة البصرة، تريد احتلال هذه البلاد الإسلاميّة، والسيطرة على جميع ثرواتها وخيراتها، والاستيلاء على كلّ شؤونها ومقدّراتها، فأحسّ المسلمون بالخطر المحدق، وشعروا بما سيحيق بهم من الكوارث إذا تمكّن العدو الكافر من السيطرة والاستيلاء، وبما سيجرّ ذلك عليهم من المحن والفتن، والتحلل في العقيدة، والتفسّخ في الأخلاق، فاستغاثوا بالزعيم الدينيّ الكبير والقائد الروحيّ العظيم، سيّدنا الإمام المهدي ـ عطّر الله تربته ـ كما استغاثوا بغيره من العلماء الأعلام، وأبرقوا لهم من مختلف الأطراف يطلبون منهم أن ينهضوا بالأمر، ويعلنوا الجهاد المقدّس، والنفير العام.
وهذا نصّ إحدى البرقيات التي أرسلها إلى الكاظميّة رؤساء البصرة وزعماؤها:
«ثغر البصرة، الكفّار محيطون به، الجميع تحت السلاح، نخشى على باقي بلاد الإسلام، ساعدونا بأمر العشائر بالدفاع»[2]؛ فاستجاب العلماء ـ وفي طليعتهم سيّدنا المهدي ـ لهذه الاستغاثات المنبعثة من أعماق المؤمنين، وأعلنها صرخةً مدويّةً في الآفاق: «الجهاد، الجهاد، النفير، النفير»، وأصدر فتواه المباركة في وجوب الدفاع عن بلاد الإسلام، والذبّ عن حياض المسلمين، ومحاربة الغزاة المعتدين، وأصدر أوامره المطاعة بالاجتماع العام في الصحن الكاظميّ الشريف عدّة مرات. فكان يزدحم ـ على رحبه ـ بالناس، ويرقى السيّد المنبر بنفسه الشريفة، ويدعوهم إلى الجهاد، ويحثّهم على الكفاح، ويحضّهم على التضحية، ويحرّضهم على الإقدام، ويحذّرهم مغبة التخاذل والاختلاف، ويبلغهم حكمه وفتواه، ويخبرهم أنّه خارجٌ بنفسه وأولاده وجماعة من أسرته [3]، وأصحابه الى ساحة الحرب وميدان القتال، فمن لحق به غنم، ومن تخلّف عنه أثم: ﴿وفضّلُ اللهُ المجاهدينَ على القاعدينَ أجْرًا عظيمًا﴾. فلبّى الناس دعوته، وأطاعوا أمره. فعند ذلك أبرق الى علماء النجف الأشرف وكربلاء وسامراء وأخبرهم بعزمه على محاربة العدو الكافر مهما كلّف الأمر رغم أنّه قد تجاوز عمره الثمانين، ولكن الإيمان الراسخ، والعقيدة الصلبة يصنعان المعجزات. فأجابه بعضهم بأنّهم لاحقون به وشيكًا إن شاء الله تعالى.
وجاء على الأثر من علماء النجف إلى الكاظمية ـ قبل سفره بيومٍ واحدٍ ـ حجج الإسلام: شيخ الشريعة الأصفهاني، والسيّد مصطفى الكاشاني، والسيّد علي الداماد ـ قدّس الله أرواحهم ـ وغيرهم من العلماء والمجاهدين، فأمر السيّد باستقبالهم، فاستقبلوا بغاية الحفاوة والتعظيم، وجرت بينهم وبينه مفاوضاتُ كثيرةُ حول الخطط والتصاميم المقررة. «ثم تواردت على الكاظميّة وفود العلماء الزاحفين نحو المعركة من النجف الأشرف وكربلاء، وكانت البلدة تستقبل كلّ واحدٍ منهم بمنتهى الرحاب والتكريم، وتودّعه بمثل ذلك».
أمّا آية الله المرحوم الميرزا محمد تقي الشيرازي فإنّه لما بلغه وهو في سامراء فتوى السيّد وعزمه على الجهاد بنفسه أرسل معه ولده الأكبر المجاهد الشيخ محمد رضا، وأمره أن ينضوي تحت لوائه، وأبرق الى جميع أنحاء العراق يبلغهم وجوب التضامن مع العلماء الأعلام، ولزوم الدفاع عن حرمات الإسلام. وأمّا آية الله المرحوم السيّد محمد كاظم اليزدي فإنّه أفتى أيضًا بوجوب الجهاد، وأرسل الى جبهة القتال ولده الأكبر العلّامة السيّد محمد . وتوجّه حجة الإسلام المجاهد العظيم السيّد محمد سعيد الحبوبي ـ طاب ثراه ـ وجماعةٌ من علماء النجف الأشرف من بلدهم المقدّس إلى ساحات الشرف وميادين الكفاح، ومعهم عددٌ غفيرٌ من المجاهدين الأبرار.
ولما عزم سيّدنا المهدي(عليه السلام)على المسير إلى (القرنة)، وهي القلب أبرق إلى جميع زعماء القبائل ورؤساء العشائر الواقعة على ضفتي نهر دجلة يخبرهم بتوجهه إلى ساحة الحرب، وعزمه على ملاقاة العدو بنفسه وأولاده وأقربائه وجموع غفيرة من المجاهدين، وبلغهم فتواه المباركة وعرّفهم تكاليفهم الشرعي، وأمرهم بالتعبئة والاستعداد ليكونوا في صفوف المجاهدين.
وفي عصر يوم الثلاثاء، الثاني عشر من محرّم الحرام سنة ١٣٣٣ هجريّة، تحرّك موكب البطولة والجهاد من الكاظميّة المقدّسة يتقدّمه القائد البطل العظيم، سيّدنا المهدي ـ قدّس اللهُ روحَه ـ ومعه الإمام المجاهد آية الله الشيخ مهدي الخالصيّ، وثلةٌ طيّبةٌ من العلماء الأبرار، وثلاثة من أشباله الكرام، وهم الحجّج الأعلام السيّد أسد الله، والسيّد أحمد، والسيّد راضي، وبعض أعلام أسرته الكريمة كالمجاهد البطل الشهيد السيّد عبد الحسين الحيدريّ، وجموعٌ غفيرةٌ من المؤمنين الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، ووطّنوا أنفسهم على مجابهة الأخطار، وخوض الغمرات، وملاقاة الأعداء، والتضحية بالنفس والنفيس، وفي طليعتهم بطل الكاظميّة المجاهد الكبير الشيخ عبد الحميد الكليدار .
خرج الموكب الإسلاميّ العظيم تودّعه القلوب، وتشيّعه الكاظميّة وضواحيها بأسرها، حتى كانت جماهير المودّعين تمتدّ على مدّ البصر [4] كما نقل ذلك شاهد عيان.
وقد أمر العلماء أن يسير الناس جميعًا إلى بغداد في ركاب السيّد وتحت لوائه، تعزيزًا لمقام القيادة الدينيّة والزعامة الروحيّة. وكانت الهتافات الشعبيّة تتعالى من الجماهير المؤمنة التي احتشدت في كلّ مكانٍ لتودّع القائد العظيم، فتارةً تردد: «سيّد مهدي ركن الدين.. نمشي للجهاد وياه.. واندوس العِدى بحذاه». وأخرى تهتف: «حجة الإسلام طالع للجهاد.. محصّن بموسى بن جعفر، والجواد». وهكذا كانت تعبر هذه القلوب الطاهرة عن شعورها الطيب، وولائها الصادق، وإيمانها العميق.
بهذا النحو من الإجلال والتكريم وصل الموكب الكبير إلى ساحل النهر في بغداد، حيث أُعدّت لهم هناك السفن والمراكب، ثم سارت بهم متجهةً ـ باسم الله وعلى بركته ـ نحو (العمارة). وكان ـ رحمه الله ـ كلّما وصل الموكب إحدى المدن أو القبائل العربيّة التي تنزل على ضفاف النهر يأمر بالوقوف، وينزل هو وأصحابه، ويجمع الناس، ويحثّهم على الجهاد، ويأمرهم بالنفير العام. وكان خطيبهم في هذه المواقف ولده الحجّة الكبرى السيّد أحمد. وهكذا كانت سيرته وطريقته في رحلته هذه حتى وصلوا العمارة. وهناك أمرَ بالاجتماع العام في مسجدها الجامع الكبير، وأُلقيت الخطب الحماسيّة من قبل بعض المجاهدين. ثم قام السيّد بنفسه القدسيّة ورقى المنبر الشريف وحثّ الناس على الجهاد، وحرّضهم على التضحية والثبات، وأمرهم برصّ الصفوف، وتوحيد الجهود أمام العدو المتربّص ورغبهم في الشهادة والسعادة، وحذّرهم مغبّة الفرقة والتخاذل، وشوّقهم إلى ثواب الله ورضاه، فضجّ الناس بالبكاء، واستجابوا للنداء، والتحق به خلقٌ كثير.
ثم سار السيّد مع جموع المجاهدين الى منطقة (العزير)، واجتمع بالقائد العسكريّ (جاويد باشا)، وتفاوض معه حول القضايا المهمّة التي تتعلّق بخطط الحرب وشؤون القتال. وكانت الحرب في ذلك الوقت قائمةً في (القرنة)، وهي القلب، فقصد السيّد بمن معه ساحة الحرب، وفي أثناء الطريق صادف اندحار الجيش العثمانيّ وانسحابه من منطقة القتال، ورجوع بعض القبائل التي كانت تحارب معه، وسقوط القرنة بيد العدو. فأشار بعضهم على السيّد بالرجوع إلى العمارة؛ لأنّها مركز القوّة وموطن العشائر، فوافق على ذلك وعاد إلى العمارة، فلمّا وصل إليها بلغه أنّ القائد العسكري يريد إخلاء العمارة والانسحاب منها أيضًا، فأبى السيّد ذلك، وأصرّ على البقاء، وقال كلمته الخالدة التي تعبّر عن الشجاعة الخارقة، والبطولة النادرة، والعزم القوي، والإيمان الراسخ: «أمّا أنا فلا أتحرّك من هذا المكان، وأحاربهم هنا حتّى أُقتل أو أنتصر». فلمّا بلغت هذه الكلمة مسامع القائد بعثت فيه روح القوّة والعزم، وألهبت فيه النخوة والحماس، وعدل عن رأيه في الانسحاب، وصمّم على الثبات مهما كلّف الأمر.
وبقي سيّدنا المهدي ـ قدّس الله روحه ـ في العمارة يكاتب القبائل، ويحرّض العشائر، ويجند الكتائب، ويبعث الرسل والدعاة الى سائر الأطراف يأمرون الناس بالخروج، ويحضّونهم على النفير. فكان الناس يفدون على العمارة زرافات ووحدانًا ملبّين نداء الواجب، وعازمين على لقاء العدو، ثم يتوجّهون الى الميدان.
وبعد أن أعدّ العدّة، وهيّأ الجو، أبرق إلى العلماء الأعلام: شيخ الشريعة، والكاشاني، والداماد، وغيرهم وكانوا حتى هذا الوقت مقيمين في الكاظميّة ـ وطلب منهم التوجّه إلى العمارة مع أصحابهم المجاهدين. كما أبرق الى أهالي بغداد وعلمائها ــ الذين قد تأخّروا عنه بسبب انشغالهم بفيضان دجلة وانكسار بعض سدودها ــ يحثّهم على التوجّه إلى سوح الشرف والجهاد.
وبعد اثني عشر يومًا من قدومه العمارة ورد العلماء ومن معهم إليها، فأمر السيّد باستقبالهم وتعظيمهم وتكريمهم، فكان كما أراد(رضوان الله عليه). وفي تلك الآونة عُزل القائد الأول (جاويد باشا)، وعُيّن مكانه القائد (سليمان عسكري بك)، فلما وصل إلى العمارة جاء لزيارة السيّد والعلماء، ثم توجّه إلى مقرّ القيادة ليواصل الحرب الدفاعيّة ضدّ الإنكليز الغزاة.
ولما تكاملت جموع المجاهدين في العمارة، وعُبّئت القبائل تعبئةً كاملةً تحرّك السيّد مرةً ثانيةً إلى ساحة الحرب ـ وكانت قريبةً من القرنة ـ قبل بقيّة العلماء، ونزل في مقرّ القيادة العسكريّة. وبعد نزول السيّد جاء القائد نفسه لزيارته والسلام عليه، ثم عرض عليه أنّه يريد أن يقدّم للمجاهدين ما يحتاجون إليه من المُؤن والأموال، فرفض السيّد ذلك رفضًا باتًا، وقال: «إنّنا مستغنون عن مساعدتكم، ولو تمكّنا نحن على مدّكم بالمال والطعام لفعلنا». فشكر القائد له هذا الشمم العلوي والإباء الهاشميّ، ثم استأذنه، وقبّل يديه، وخرج.
ولما استقرّ بالسيّد المقام، ومهّد المكان، وهيّأ الأمور، وعبّأ الصفوف، أبرق الى العلماء العظام الذين تركهم في العمارة، وطلب منهم اللحوق به في المقرّ الذي هو فيه، وبيّن لهم أنّ الجو ملائمٌ وأمين. فلمّا بلغهم ذلك عزموا على الرحيل، وكتبوا إلى السيّد بعزمهم هذا، فطلب من القائد أن يهيّئ لهم باخرةً تقلّهم، فهيّأ لهم ذلك، وركبوا فيها حتى نزلوا بالقرب من مقرّ السيّد. ولم تزل جموع المجاهدين، وكتائب القبائل، تتوارد وتتوافد على ذلك المكان، وتنزل على حافتي النهر، حتى ملأوا من الأرض ما يقارب الفرسخ والنصف لكثرتهم.
وقد توزع المجاهدون بقيادة العلماء الأعلام على الجبهات المتعدّدة: أمّا القلب وهو (القرنة)، فقد رابط فيه سيّدنا المجاهد الأعظم المهدي الكبير، ومعه أولاده الأعلام: السيّد أسد الله، والسيّد أحمد، والسيّد راضي، وبعض ذوي قرباه كالعلّامة السيّد عبد الكريم، والبطل الشهيد السيّد عبد الحسين، وحجّج الإسلام: شيخ الشريعة الأصفهاني، والسيّد مصطفى الكاشاني، والسيّد علي الداماد، والسيّد عبد الرزاق الحلو وغيرهم[5]، ومعهم جموعٌ غفيرةٌ من المجاهدين والقبائل المرابطة، وقد قدّر بعضٌ عددهم بأربعين ألفًا.
وقد كان لسيّدنا آية الله الحيدريّ، ولشيخنا الإمام شيخ الشريعة الأصفهاني، والعلماء المرابطين معهما من البطولات الخالدة، والتضحيات الفذّة، والمواقف العظيمة، ما سجّلها لهم التاريخ بحروفٍ من نور.
وأمّا الجناح الأيمن وهو (الشّعيبة)، فقد رابط فيه حجّج الإسلام: السيّد محمّد سعيد الحبوبيّ، والشيخ باقر حيدر، والسيّد محسن الحكيم. وحفظ بوجوده بيضة الدين. ومعهم خلقٌ كثيرٌ من المجاهدين والقبائل المقاتلة .وقد كان لسيّدنا المجاهد الخالد الذكر الحجّة الحبوبيّ الأثر الأكبر في إثارة النجف الأشرف، وتهيئة الجماهير، وتعبئة الصفوف، وجمع الكلمة وحشد القوى، وهو الذي جاهد في جبهته جهاد الأبطال حتى لقي ربّه فوفّاه أجره.
وأمّا الجناح الأيسر وهو (الحويزة) فقد رابط فيه الحجّج الأعلام الشيخ مهدي الخالصيّ، ومعه ولده الكبير الشيخ محمّد، والشيخ جعفر الشيخ راضي، والسيّد محمد نجل آية الله العظمى الإمام اليزدي، والسيّد عيسى كمال الدين الحِليّ وغيرهم، ومعهم عددٌ غفيرٌ من المجاهدين والعشائر الثائرة. وقد كان لشيخنا المجاهد الهمام الخالصيّ، وشيخنا المجاهد الكبير الشيخ جعفر، وسيّدنا المجاهد البطل السيّد اليزدي والمرابطين معهم من المواقف الصلبة، والجهود الجبّارة، والتضحيات الخالدة ما تُذكر لهم بالشكر والتقدير على مدى الأجيال[6].
وكان القتال بين المعسكرين في منطقة القرنة يقع على مسافة ليست بالقريبة، من مقرّ العلماء، فإذا سمع المجاهدون دوي المدافع وأزيز الرصاص سارعوا إلى نجدة الجيش وإسناده، وربما وصلوا بعد فوات الأوان. فرأى سيّدنا المهدي العظيم أنّ بقاء المجاهدين في هذا المكان مخالف للمصلحة الإسلاميّة العليا، ولم يكن له من النفع والجدوى كما لو تقدّموا إلى الميدان. فعزم(رضوان الله عليه) أن يتقدّم بنفسه وأصحابه إلى ساحة الحرب ليكون أبلغ في نصرة الجيش الإسلامي، وتعزيز مركزه، وتدعيم قواه. فحضر عنده تلك الليلة وجوه العلماء، وأقطاب المجاهدين، وزعماء القبائل، وألحّوا على السيّد بالعدول عن رأيه، ورجّحوا له البقاء في مكانه؛ لأنّه القائد الروحيّ العامّ الذي يجب أن يبتعد عن الميدان ليشرف على التعبئة والتهيئة والتنظيم، ولكن سيّدنا المهدي أصرّ على رأيه، وقال لهم: «إنّ هذه الجموع الغفيرة إنّما جاءت للحرب والدفاع، ولا تتقدّم بنفسها إلى القتال ما لم نتقدّم بأنفسنا أمامهم، ونكون معهم في السرّاء والضرّاء». فلمّا رأى إصرار بعضهم عليه بعدم التقدّم حسم الأمر باستخارة الله سبحانه وتعالى فإنّها القول الفصل في مثل هذه المواقف الحرجة، فخرجت هذه الآية الكريمة: ﴿ومَنْ جاهدَ فإنّما يجاهدُ لنفسِهِ إنَّ اللهَ لغنيٌّ عن العالمينَ﴾[7]. فكبّر الناس فرحًا وتعجبًا، وعدّوا هذه الاستخارة كأنّها الوحي المنزل، أو كأنّها الأمر الصريح. عندئذٍ سلّم الجميع لرأيه، وقرّروا الزحف معه إلى الميدان.
وفي الصباح ركب هو وأصحابه السفينة الكبيرة المعدّة لهم، وسارت معهم بعض القبائل العربيّة كربيعة وبني لام بسفنهم، وتخلّفت عنه بعض القبائل الأخرى ربما تهيّؤًا للسفر، وتعبئةً للحرب، ثم تلتحق به في اليوم الثاني.
ولما أدرك المجاهدين الليلُ، أمر السيّد رباّن السفينة بأن يرسو على الساحل، وأمر أصحابه بالنزول، وكانت تلك الأرض تسمّى (حريبة)، وهي من الأراضي الوعرة. فنزلوا فيها، وضربوا خيامهم على حافة النهر من جانب القرنة، وباتوا تلك الليلة وهم لا يعلمون موقعهم من الجيش العثمانيّ، هل أنّهم متأخّرون عنه أم متقدّمون عليه، وأمّا قبيلتا (ربيعة وبني لام، فإنّهم قد حطّوا رحالهم قبل أرض (حريبة) حيث أدركهم الليل هناك.
ولما أسفر الصبح صلّى السيّد بأصحابه صلاة الفجر، ثم خرج ولداه الكريمان السيّد أسد الله والسيّد أحمد ليستكشفا حقيقة المكان. فبينا هما كذلك إذ لاحت لهما طلائع العدو، وظهرت لهما بواخره النهريّة ومدافعه ومعدّاته الحربيّة، وقد بدأ ـ بقوةٍ هائلةٍ ـ بهجومٍ عنيفٍ مفاجىءٍ على المعسكر الإسلاميّ في ذلك الصباح الباكر، بشكلٍ رهيبٍ لا قبل للجيش العثمانيّ بصدّه أوردّه؛ لأنّهم أقلّ عدّةً من العدو، فلم يكن عندهم من المدافع سوى ثمانية، اثنان منها ضخمان كانا في الجانب الذي حطّ فيه السيّد وأصحابه، وستة في الجانب الآخر من النهر الذي يرابط فيه الجيش.
وأمّا بقية القبائل والمجاهدين الذين قد تأخّروا عن اللحوق بالسيّد وأصحابه فإنّهم لمّا علموا بهجوم العدو نشروا أعلامهم وانتشروا في البيداء وتأهّبوا للحوق بالركب المتقدّم، فحالت قذائف العدو بينهم وبين الوصول إلى إخوانهم المتقدّمين، ولكنّهم كانوا كالسدّ المنيع والجُنة الواقية لهم ثم اشتبك الجيشان، وتلاقى الجمعان، واحتدم القتال في ذلك اليوم من قبل طلوع الشمس إلى ما بعد زوالها. وقد رست بواخر العدو بإزاء سدٍّ كان قد صنعه القائد السابق (جاويد باشا)، وقطع به نهر دجلة.
وكانت خيام السيّد وأصحابه متقدمةً على الجيش العثماني بنصف فرسخٍ بحيث كانت قريبةً من العدو، وبمرأى منه ومشهد. فوجّه إليها مدافعه، وجعلها هدفًا لقنابله وقذائفه. فعرض بعض أصحابه عليه(عليه السلام) أن يأذن بتقويض الخيام لأنّها صارت غرضًا للرمي، فلم يأذن لهم بذلك وقال: (إنّ معنويات الجيش كلّه ستنكسر إذا قوّضتم خيامنا، وربما ظنّوا بأنّنا انسحبنا عن مراكزنا، فتضعف عزيمتهم، وتنهار قوتهم. بل يجب أن تبقى هذه الخيام قوةً للجيش، ورايةً للإسلام، وهيبةً للمسلمين ورهبةً للكافرين).
ثم قام (رضوان الله عليه) بنفسه الشريفة، كأنّه الليث الهصور وهو شيخٌ كبيرٌ قد تجاوز عمره الثمانين، وتقلّد سيفه، وحمل قرآنه، وندب أصحابه، وحثّهم على الثبات، وحرّضهم على القتال، وأمرهم بالصمود، ودعا لهم بالنصر على الأعداء، وقال لهم: (لا تخافوا ولا تحزنوا؛ فالله معكم، وهو ينصركم على القوم الكافرين. فذودوا عن حرمات الدين، وذبّوا عن مقدّسات الإسلام، فإنّي أرجو أن تكون هذه القذائف والنيران التي يوجهها العدو اليكم بردًا وسلامًا عليكم إن شاء الله). فكان الأمر كما بَشّر به؟رح؟.
وثبت ـ أعلى الله مقامه ـ كالطود الأشم، وصار يشجّع الرجال، ويثبّت الأقدام من جهة، ويصلّي لله، ويتضرّع إليه، ويطلب منه العون والنصر من جهةٍ أخرى. ونهض أولاد السيّد الثلاثة كأنّهم الأسود الضواري والبطل الشهيد السيّد عبد الحسين الحيدريّ، ومعهم رجل الكاظميّة الفذّ وبطلها الكبير الشيخ عبد الحميد الكليدار ـ الذي كان ملازمًا للسيّد في جميع مواقفه، ولا يكاد يفارقه في سائر شؤونه، والذي أظهر من البطولة والرجولة والثبات ما كان موضع التقدير والإعجاب ـ فندبوا المجاهدين للقتال، وحرضّوهم على النزال، وتقدّموا بهم إلى نهرٍ كان يشبه الأخاديد العسكريّة، ليكون لهم جُنةً من قذائف العدو. فلم تمضِ على القتال إلّا ساعاتٌ حتّى اندحر الكافرون اندحارًا فظيعًا بعد أن تكبّدوا خسائر جسيمةً في الأرواح والسلاح والمعدّات، وتحّطمت لهم باخرةٌ حربيّةٌ، وقيل غرق لهم مركبٌ آخر، وقتل من جنودهم ما يناهز الألف والألفين على اختلاف الروايتين، وجُرح منهم أكثر من ذلك. وأمّا من قُتل من جيش المسلمين فلم يتجاوز عدّدهم الأربعة عشر قتيلًا، وأمّا الجرحى فلم يبلغوا الخمسين!
والعجيب في هذه المعركة أنّ الله سبحانه سلّم السيّد وأصحابه جميعًا، فلم يُقتل منهم رجلٌ واحدٌ، ولم يُجرح منهم رجلٌ واحدٌ، ولم يُخرق لهم خباءٌ واحد، رغم أنّهم في قلب المعركة وفي وسط الميدان! نعم، أصابت إحدى قذائف العدو سفينتهم التي تحمل أمتعتهم وأسلحتهم فثقبتها، ودخل الماء إليها وأطفأ النار التي شبّت فيها من تلك القذيفة، وسلمت وما فيها من الحريق والغريق!
وعدّ الناس هذا الانتصار كرامةً عظيمةً للسيّد العظيم، ومن بركات وجوده وصموده في قلب المعركة، وبفضل حكمته العالية، وتدبيره السديد، ودعائه الصادق، وبطولته النادرة، وثباته العجيب، وانكشف للناس سرّ استخارته الصائبة، وظهر لهم أنّه مؤيّدٌ ومسدّدٌ بعنايةٍ إلهيةٍ خاصة. وكان بعض العسكريين يقولون بعد هذه المعركة: «إناّ لمّا اشتدّ الضغط علينا من العدو هممنا بالانسحاب، ولكنّا كنّا كلّما نظرنا إلى خيام السيّد قائمةً بمكانها تقوى عزيمتنا، ويشتد بأسنا، ونستحي من الانسحاب ونقول في أنفسنا: كيف ينسحب الجيش والسيّد وأصحابه المجاهدون في الميدان؟!».
وتُعرف هذه الواقعة بواقعة يوم الأربعاء؛ لأنّها صادفت يوم الأربعاء ٥ ربيع الأول سنة ١٣٣٣ هـ. وتُعرف أيضًا بمحاربة الروطة؛ لأنّها كانت قريبةً من نهر هناك يسمى (نهر الروطة)[8]. ولما ذاع نبأ هذه الواقعة الكبرى بين صفوف المجاهدين في المناطق المتأخّرة عن منطقة القتال عمّهم الخوف والقلق على السيّد القائد العظيم، وظنّوا أنّه قد استشهد في المعركة، وبلغ ذلك النبأ الخاطئ إيران والعراق فضجّ الناس حزنًا على الإمام الأكبر والبطل الثائر، حتى أنّ بعض المدن الإيرانيّة أقامت له مجالس الفاتحة ومحافل التأبين. ثم تبيّن لهم جميعًا سلامة السيّد ونجاته، فشكروا الله سبحانه على ذلك، وعمّهم الفرح والابتهاج.
أمّا العلماء الذين رابطوا في المقرّ الأول ولم يتقدّموا مع السيّد إلى الميدان بسبب اشتداد المعركة، فقد كتبوا إليه بعد انتهاء الواقعة وفرار العدو: «إنّنا لم نزل في قلقٍ وتشويشٍ عليكم، فلم يهدأ لنا بال، ولم يقرّ لنا قرار. وإنّنا منذ أن شبّت نار الحرب بينكم وبين عدوّكم مشغولون بالدعاء والبكاء والتضرّع إلى الله تعالى أن يكتب لكم النصر والسلامة. والآن نرجو ونأمل من سماحتكم الرجوع إلينا لكي تطمئنّ نفوسنا بلقياكم، وتقرّ عيوننا برؤياكم». فكتب السيّد إليهم: «إنّنا تقدّمنا إلى هذه الأرض في وقتٍ لم تكن آمنةً ولا مطمئنةً، والآن قد اندحر العدو وتقهقر، فنرجو منكم الالتحاق بنا، ونتضرّع إلى الله تعالى أن يكتب لنا النصر، ويوفقنا للتقدّم إلى الامام».
وقد أصيب في هذه الواقعة قائد الجيش العثماني (سليمان عسكري بك) وحمل إلى بغداد للمعالجة. وبينما هو راقدٌ في المستشفى إذ دخل عليه أحد الزعماء الروحانيّين ــ من موظّفي الدولة ــ عائدًا له، فلما وقع نظر القائد عليه قال له وهو يهزّ يديه مستنكرًا من قعوده عن الجهاد: «أنت هاهنا ترفل بالراحة والطمأنينة والنعيم مع أنّك تتقاضى راتبًا ضخمًا من الدولة طيلة عمرك، وإنّ الإمام السيّد مهدي السيّد حيدر يحارب بنفسه الإنكليز على شيخوخته وعظمته، وهو الآن في الصفوف الأولى، مع أنّه لم يقبل من أموال الدولة قليلًا ولا كثيرًا طيلة عمره».
ثم بقي السيّد وباقي العلماء وجموع المجاهدين والقبائل مرابطين في تلك الجبهات بعد اندحار الإنكليز، صامدين في مراكزهم الحربيّة مدة أشهر، وكان الإنكليز في هذه المدّة يعدّون العدّة للهجوم ثانيًا على تلك المراكز في جميع الجبهات، بقوةٍ هائلةٍ لا قبل لهم بها. فركّزوا هجومهم أولًا على الجناح الأيمن في الشعيبة، فقاتل المسلمون قتال الأبطال، ولكن العدو كان أكثر عدّةً وعددًا، فكان من قضاء الله وقدره أن ينسحب الجيش الإسلامي بعد معركةٍ حاميةٍ دامت ثلاثة أيام. ولمّا رأى القائد العام (سليمان بك) ذلك الانكسار بعد ما كان يأمل فتح البصرة انتحر في الحال، وعيّن مكانه (نور الدين بك).
ثم وجّه العدو قوّته الكبيرة إلى الجناح الأيسر في الحويزة، فقاتل المسلمون أيضًا قتالًا شديدًا، وأبلوا بلاءً حسنًا، ثم انسحبوا إلى قريب العمارة، بعد معركةٍ ضاريةٍ دامت عدّة أيام. ففتَّ ذلك في عضد المسلمين وانهارت معنويّات الجيش.
ولما فرغ العدو من الجناحين جمع جيوشه ورصّ صفوفه، وعبّأ قواه البريّة والبحريّة، وتوجّه بكلّ عدده وكامل عدّته إلى القلب، حيث يرابط القائد الروحيّ العظيم السيّد المهدي، وجماعةٌ من العلماء الأعلام، وجموعٌ من المجاهدين الكرام، ومعهم القوات العسكريّة العثمانيّة، فهاجمهم على حين غرّة، بقوّته الهائلة فزلزلت جيوش المسلمين عن مراكزها بعد قتالٍ عنيفٍ أبلى فيه المجاهدون حسن البلاء، ولاقوا في سبيل ذلك أشدّ العناء. حتى سقطت جميع نقاط الجيش بيد العدو، ولم تبقَ إلّا نقطةٌ واحدةٌ تسمّى (عرار)، ثم سقطت هذه أيضًا بعد مقاومةٍ شديدة. فاتّصل السيّد والعلماء بقائد الجبهة (عبد الحليم بك) ليفاوضوه حول الأمر، ويطلبوا منه الصبر والثبات، ويشيروا عليه بوقوف الجند والمجاهدين صفًّا واحدًا، لعلّ الله يثبّت أقدامهم وينصرهم على القوم الكافرين. ولكنّهم علموا أنّ الأمر قد انتهى، وأنّ الأوامر قد صدرت منه إلى الجيش بالانسحاب، تنفيذًا للقرار الذي أصدره القائد العام (نور الدين بك) الذي عيّن في مركز القيادة العامّة خلفًا للقائد المنتحر (سليمان عسكري بك). فأسف السيّد والعلماء غاية الأسف، وتألّموا غاية التألّم، وأشاروا على قائد الجبهة ــ وكان متّهمًا بالضعف والخيانة وسوء التدبير ــ بأن يجعل الانسحاب في أوّل الليل، ليستتروا عن العدو، وأن يحفر الأكنة والخنادق في الأرض ليلًا، ويتأهّب للقتال إذا أسفر وجه الصباح من اليوم القابل وأن يجعل بعض القوّة في النهر وبعضها الآخر في الأرض ليسند بعضها بعضًا. فاستصوب القائد رأيهم، ووعدهم بتنفيذ الخطّة، ولكنّه لم يفِ بالوعد، ونَكُل عن التنفيذ وعرض جيشه وجميع المجاهدين للكوارث والأخطار. حيث أمر بوضع جميع العتاد والأثقال في البواخر، وأمر بالانسحاب في وضح النهار، خلافًا لما أشاروا عليه، وكان النهر في غاية الفيضان والطغيان، وكانت المراكب تمخر عباب الماء بمشقّةٍ بالغةٍ، لأنّ اتّجاهها معاكس لاتجاه الماء، ممّا جعلها عرضةً لهجمات العدو، وغرضًا لقذائفه المتوالية، فأَحرَق بعضًا منها، وأَغرَق بعضًا آخر.
أمّا السيّد والعلماء الذين معه فقد عيّن لهم ولأصحابهم باخرة خاصّة من بواخره، وقد ضمّ إليها مركبين، أحدهما في اليمين والآخر في اليسار. ولم يكن فيها من الوقود ما يكفي لمثل هذه الرحلة الشاقّة، وما يوصلهم إلى مأمنهم؛ لذلك كانت تقف كثيرًا وتسير قليلًا. وربّانها مسيحيٌّ خائنٌ لا يهمّه أمر العلماء والمجاهدين. فكان ذلك كلّه سببًا في إدراك العدو لهم وهم في النهر، وقد صوّب نحوهم قذائفه المدمّرة، وحلقت فوقهم طائراته المسلّحة. فرأوا أن يتفرّقوا في الباخرة والمركبين ولا يجتمعوا في مكانٍ واحدٍ؛ لئلّا يرموا رميةً واحدةً فيستشهدوا جميعًا في وقتٍ واحد. فنزل السيّد وأنجاله الثلاثة، وابن أخيه السيّد عبد الكريم، وابن عمه السيّد عبد الحسين في مركب اليمين، ونزل السيّد مصطفى الكاشاني ومن معه في مركب اليسار، وبقي شيخ الشريعة ومن معه في الباخرة نفسها.
ولما علم زعماء القبائل الواقعة على ضفاف النهر بوجود السيّد في المركب ورأوا العدو قد قارب منه، أرسلوا زورقًا صغيرًا لينقله إلى الساحل، فاستخار الله سبحانه على النزول فيه فلم توافق الاستخارة. وبعد قليلٍ من الوقت أُرسل له زورقٌ آخر من قبل آخرين، فاستخار الله على ركوبه فلم توافق أيضًا. وبعد برهةٍ من الزمن جاء زورقٌ ثالثٌ قد أرسله بعض زعماء القبائل، وكان قد اشتدّ الحال، وعسر الأمر، وعظم الخطب، فلما أراد الاستخارة أيضًا منعه المرحوم السيّد عبد الحسين الحيدريّ من ذلك وقال: إنّي لا أرى الآن محلًّا للاستخارة بعد أن بلغ السيل الزبى، ووصل الأمر إلى هذا الحال، وجذب السيّد من منكبه ليساعده على النهوض والركوب، ووافقه أولاد السيّد أيضًا بعدما شاهدوا هول المقام وحراجة الموقف. فالتجأ السيّد إلى الموافقة والتسليم دون رغبةٍ نفسيةٍ تامّةٍ، ونزل في الزورق مع أولاده وابن عمه المذكور. وقد طرحوا في المركب جلّ أسلحتهم إلّا السيّد عبد الحسين فبقي على أهبته واستعداده.
وقد لبس لأمة حربٍ كاملة، فلما استقرّ بهم الزورق، وهم بالسير، رمى اثنان من الجنود وواحدٌ من المجاهدين بأنفسهم إلى ذلك الزورق من شدّة خوفهم وفزعهم، لينجوا من الموت، فانقلب الزورق بمن فيه وغاص الجميع في الماء حتى السيّد نفسه وهو بتلك الحالة من الضعف والشيخوخة. ولكن الله سبحانه أراد أن يحفظ تلك النفس القدسيّة، وتلك الذات الروحانيّة فأخرجه من جوف الماء بين أنجاله الثلاثة، وكانوا ماهرين في السباحة. فقبض نجله السيّد أسد الله على يده اليمنى، ونجله السيّد راضي على يده اليسرى، ونجله السيّد أحمد يحافظ عليه من خلفه، وكلّ همهم أن يوصلوا أباهم العظيم إلى الساحل، وأمواج الماء تتقاذف بهم ذات اليمين وذات الشمال، والماء ينحدر بهم إلى جهة العدو، وكانوا تارةً يغطسون في الماء، وتارةً يعومون على وجهه، حتى كاد التعب والنصب أن ينهكهم ويهدّ قواهم.
فبينما هم على هذه الحالة إذ أرسل الله لهم خشبةً عائمةً على سطح الماء، فقبض السيّد على وسطها، وأمسك السيّد أسد الله والسيّد راضي طرفيها، والسيّد أحمد من خلفه يدافع ويحافظ، حتى اشتدّ التعب بالسيّد أسد الله والسيّد أحمد لمرض كان قد ألمّ بهما، وأشرفا على الموت وأيسا من الحياة، فتركا أباهما لئلّا يغرقا أمامه. ولكن العناية الإلهيّة تولتهما في تلك اللحظة الرهيبة، وأنجتهما من الغرق، ووصلوا إلى الساحل بسلام. وأما السيّد راضي فإنّه لما رأى أخويه وعضديه بتلك الحالة اشتدّ عزمه في مراقبة والده والمحافظة عليه؛ وصار يجدّ في السباحة حتى أوصله إلى قرب الساحل. وكان ثمّة بعض الأعراب فلما رأوا زعيم المجاهدين بهذه الحالة ألقوا بأنفسهم عليه، واستنقذوه إلى الأرض، وكان خروجهم من الماء قبيل المغرب بقليل.
وأمّا السيّد عبد الحسين فهو وإنْ كان من الأبطال الأشدّاء، ومن المعروفين بالقوة والبأس، ومن الماهرين بالسباحة، ولكنّه كان مدجّجًا بالسلاح، وكان قد دنا أجله المحتوم، وأراد الله له الشهادة والسعادة، فإنّه لما انقلب الزورق بمن فيه لم يجدوا له أثرًا رغم جميع المحاولات التي بذلها السادة الأعلام في البحث عنه والعثور عليه، فرضي الله عنه وأرضاه وجعل الجنة منزله ومأواه، وحشره مع النبيّين والصدّيقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.
وأمّا السيّد وأنجاله فإنّهم بعد أن استراحوا قليلًا من عناء هذه المشقّات والأهوال، دخلوا في قلعةٍ هناك وأقاموا فيها صلاة المغرب والعشاء، ثم رأوا أنّ المصلحة في مواصلة السير؛ لأنّ العدو يجدّ السري في طلبهم، ويأسر كلّ من يصادفه منهم، ويأخذ كلّ سفينةٍ غصبًا. عزم أنجال السيّد على المسير، ولكن كيف يتسنّى لهم ذلك والطريق وعرٌ وموحلٌ، وكلّه مياه وجداول، وأبوهم شيخٌ كبيرٌ، وقد هدّت الحرب قواه، وأنهكت الأحداث جسمه؟ ولكنّهم أوكلوا الأمر إلى الله سبحانه وقالوا: إنّ الذي أنجاه من الغرق، وأنقذه من الهلكة، لا بدّ أن يهيّئ له وسائل السير، ويمدّه بالعناية واللطف.
وكان معهم في ساحة الحرب رجلٌ من الصلحاء الأبرار اسمه (السيّد هاشم الشوشتري النجفي)، وعنده زورقٌ جاء به مع أصحابه حين الانسحاب فمرّ بزورقه بتلك القلعة في ذلك الوقت، فأخبره رجلٌ من الأعراب بما جرى على السيّد ومن معه في النهر، ونزوله في هذا الساحل، ودخوله في القلعة، وأنّه الآن فيها مع أنجاله يريدون السير، ويمنعهم من ذلك شدّة الوحل وكثرة المياه، فما صدق بكلامه، وظنَّ أنّه يريد تسليبه، وسار في طريقه، فلقيه أعرابيٌّ آخر، فأخبره بالخبر نفسه، فارتاب منه أيضًا، وظنَّ به سوءًا وواصل السير، إلّا أنّه صادف رجلًا ثالثًا وأخبره بما أخبره به الأولان، ثم تواترت الأنباء، فأيقن بصحة الخبر، فقال لأصحابه: «امكثوا هاهنا ريثما أرجع إلى السيّد وآتي به الآن». فرجع ومعه رجلان من أصحابه، ووصل إلى السيّد وأنجاله في زورقه، ثم أخبرهم بأنّ السيّد مصطفى الكاشاني قد انفصل مركبه من الباخرة وانحدر به مع الماء إلى جهة العدو، والتقى بزورقي به عن طريق الصدفة، فنقلته إلى إحدى السفن التي تقل عددًا كبيرًا من المجاهدين. فقال له السيّد راضي «إنّ هذه البواخر معرضةً للأسر؛ لأنّها بطيئة السير، والعدو جادّ في طلبها، ولكن الرأي أن تأتي به معنا في هذا الزورق، فإنّه أقرب إلى النجاة لخفته وسرعته». فاستصوبوا هذا الرأي وذهبوا إلى السفينة ونقلوا السيّد الكاشاني(عليه السلام) معهم، ووجدوا في السير حتى وصلوا إلى منطقة اسمها (أبو روبة) قبيل الفجر، وهي تبعد عن (قلعة صالح) بثلاثة فراسخ.
أمّا آية الله شيخ الشريعة الأصفهاني ــ أعلى الله مقامه ــ فإنّه بقي في الباخرة مع أصحابه إلى الساعة الرابعة عصرًا، وهي بطيئة السير، كثيرة الوقوف، فخافوا أن يدركهم العدو، فانتقلوا منها إلى الساحل، وساروا على حافة النهر إلى قريب الفجر، فمروا بأحد الأهوار فأرادوا عبور النهر إلى الجانب الآخر حيث يوجد السيّد وأصحابه، فصادفوا زورقًا صغيرًا لا يسعهم مرة واحدة، فقرروا التناوب في العبور، فأركبوا ـ في النوبة الأولى ـ شيخ الشريعة، والميرزا محمد رضا نجل آية الله الشيرازي ورجلين آخرين من أهل العلم. وبينما يسير بهم ـ وقد قاربوا الجانب الآخر إذ نفذ فيه الماء وغرق بمن فيه. ومن المصادفات العجيبة أن يكون السيّد راضي نجل السيّد واقفًا هناك في تلك اللحظة وقد سبق أصحابه إلى هذا المكان ليستريح فيه هنيئة بعد أن أعياه التعب والنصب، فلما رأى الحادث بعينه، وعلم أنّ فيه شيخ الشريعة، ألقى بنفسه في الماء واستنقذ الشيخ وأصحابه وجاء بهم إلى الساحل. فشكروا الله تعالى على نعمته، وشكروا السيّد على همّته، وكان الشيخ يلقبه بعد هذه الحادثة بمحيي الشريعة.
وبينما هو كذلك اذ وصل إليه والده المجاهد الأعظم وإخوته الأبطال، فلمّا رأوه بهذا الحال تعجّبوا منه، وظنّوا أنّه سقط في الماء مرةً ثانية، فأخبرهم بالخبر فزاد تعجّبهم وشكروا الله على السلامة. وهناك اجتمع الأقطاب الثلاثة (السيّد مهدي، وشيخ الشريعة، والسيّد الكاشاني)، وجلسوا جميعًا للاستراحة برهةً من الزمن، ثم ركبوا زورقهم وساروا حتى طلعت الشمس وأسفر الصباح، فرأوا العدو قريبًا منهم، وأنّه سيدخل (قلعة صالح) وشيكًا، فعدلوا عن مواصلة السير الى القلعة. وكانوا على مقربةٍ منها، وجعلوا سيرهم على منازل القبائل في الأهوار يتنقلون بين شيوخها ورؤسائها، من (خريببط بن فالح الصيهود) إلى (عبد الكريم ابن صيهود)، ومنه إلى (مطلق الخليفة)، ثم إلى (مجيد الخليفة)، ثم إلى أخيه (حمود الخليفة)، ومنه إلى (محمد وشواي)، وهما من شيوخ (آل ازيرج).
وما زالوا يتنقلون بين تلك المنازل والقبائل حتى وصلوا إلى (آل درّاج)، ثم دخلوا في (الجزيرة) التي تفصل بينهم وبين (ميّاح)، وهي قبيلة (محمّد الياسين)، وقد اجتازوها ليلًا بتمام المشقّة، وطولها يقارب الاثني عشر فرسخًا. وقد التحق بالسيّد عند اجتيازه هذا الطريق كثيرٌ من المجاهدين، وبعض الضبّاط والجنود العثمانيين الذين لاذوا بالسيّد خوفًا من القتل والأسر والسلب، وبينهم قائم مقام (قلعة صالح) مع عائلته. وكانت سيرة السيّد العظيم ــ أعلى الله مقامه ــ في هذه المسيرة ولا سيّما في تلك الجزيرة أن يركب ساعةً وينزل أخرى حتى يلحق به المجاهدون؛ لأنّه أبوهم الروحي العطوف، الذي يحدب عليهم، ويرأف بهم، ويتفقد شؤونهم الكبيرة والصغيرة، ويشاركهم في السرّاء والضراء.
وهكذا قطع القائد العظيم وصحبه الكرام ذلك الطريق الوعر حتى وصلوا إلى أول قبيلةٍ (ميّاح) بعد طلوع الشمس بساعتين، ونزلوا وقت العصر عند (كريم) أحد رجال هذه القبيلة، وباتوا عنده تلك الليلة. وفي الصباح الباكر ساروا من عنده حتى وصلوا إلى (محمد الياسين) شيخ ميّاح، وتأخّر عنده السيّد وأصحابه المجاهدون ذلك النهار وتلك الليلة، ليستريحوا من عناء السفر ومشقّة الطريق.
أمّا باقي العلماء الذين كانوا مع السيّد فقد توجّهوا إلى (قضاء الحي)، ويبعد عن منطقة ميّاح بنصف فرسخ تقريبًا، وقد كان ــ حتى ذلك الوقت ــ تحت تصرّف الحكومة العثمانيّة. ولمّا علم (محمد صالح شكارة) أحد وجهاء الحي بنزول السيّد وأصحابه عند (محمد الياسين) جاء من الحي وزار السيّد، وطلب منه بكلّ رغبةٍ وإصرارٍ أن يرحل معه إلى الحي، وبنزل عنده ليحظى بشرف ضيافته وخدمته، فأجابه إلى ذلك بشرط أن يمهله ذلك اليوم ليستقرّ ويستريح ثم يأتيه في اليوم الثاني إنْ شاء الله، فوافق على ذلك وعاد إلى بلده مسرورًا.
وفي اليوم الثاني تحرّك موكب التضحية والجهاد، يتقدّمه الإمام القائد العظيم، وأشباله الكرام، ومعهم العلّامة المجاهد الميرزا محمد رضا الشيرازي فاستقبله صاحب الدعوة وأهالي الحي استقبالًا عظيمًا، ورحبوا به غاية الترحيب، ونزل عنده سبعة أيامٍ كان فيها موضع الحفاوة والتكريم من مختلف الطبقات. وكان من نية السيّد وعزمه أن يذهب بعد ذلك إلى (الكوت) ليرابط فيها مع الجيش الإسلامي للدفاع عن حوزة الدين وبلاد المسلمين، وأن لا يعود إلى وطنه ما دام هناك موضع للجهاد، أو حاجة إلى الإسناد.
وعند ورود السيّد إلى (الحي) أبرق القائد العسكريّ العامّ (نور الدين بك) من الكوت ــ وكان مقيمًا فيها يوم ذاك ــ إلى قائم مقام الحي، يسأله عن سلامة الزعيم الديني الكبير، ويطلب منه أن يرفع إلى مقام سماحته سلامه واحترامه وتقديره، وأن يخبره بيوم حركته إلى الكوت ليهيّئ له ولأصحابه مركبًا خاصًّا، فأبى السيّد ذلك، وأمر هو بإحضار سفينةٍ تنقلهم إلى حيث يريدون.
وفي عصر اليوم الثالث من شعبان سنة ١٣٣٣هـ تحرّك سيّدنا المجاهد الأعظم وأنجاله الأعلام، وأصحابه الكرام ومعهم حجة الإسلام السيّد مصطفى الكاشاني ــ طاب ثراه ــ وساروا إلى (الكوت)، فوصلوا ليلة الخامس منه إلى منطقة (وادي الحبيب) أحد أمراء ربيعة، وباتوا ليلتهم عنده. وفي صبيحة اليوم الخامس منه دخلوا الكوت واستقبلوا بالحفاوة والتعظيم. ثم نزل السيّد وأولاده وأصحابه عند (الحاج حسن الحاج جودي السعيديّ) بطلبٍ منه. ونزل السيّد الكاشاني ومن معه في مكانٍ آخر، وبقي الكاشاني هناك أيامًا ثم عاد إلى وطنه مأجورًا مشكورًا. أما آية الله العظمى شيخ الشريعة ــ طيب الله ثراه ــ فقد عاد إلى وطنه من قضاء الحي، ولم يصل إلى الكوت. فشكر الله سعيه، وأجزل له المثوبة والأجر، ورفعه إلى عليين.
وأما السيّد مهدي زعيم النهضة ورئيس المجاهدين ــ قدّس الله سرّه ــ فقد لبث في الكوت مدة أربعة أشهرٍ كاملة، مع أولاده وجمع من العلماء والمجاهدين. وقد أصابه هناك مرضٌ شديدٌ اضطره إلى المعالجة واستدعاء الأطباء، ولكن لم يثنه ذلك عن مرابطته، وجاهد في الله حق الجهاد، وواصل جهوده ومساعيه في سبيل المحافظة على بلاد المسلمين ومقدّساتهم. ورابط في الكوت معه أيضًا من العلماء الأعلام الإمام المجاهد العظيم الشيخ مهدي الخالصي(عليه السلام) والعلّامة المجاهد الكبير السيّد عبد الرزاق الحلو ــ نور الله ضريحه ــ وأبليا في سبيل الله بلاءً حسنًا ونصحا لله سبحانه غاية النصح، وكانا من المجاهدين الأبرار، ومن المصطفين الأخيار.
وكان مركز الجيش الإسلامي الذي جمعه القائد العام (نور الدين بك) في شرق الكوت في منطقتين (الفلاحيّة) و(السنّ،) وهما استحكامات طبيعيّة في طرفي دجلة. وكان العدو قد أعدّ العدة للهجوم على هذه القوة العسكريّة الكبيرة. وفي أوائل ذي الحجّة هجم بقوةٍ هائلةٍ على مراكز الجيش الإسلامي، فاضطرته إلى الانسحاب ليلًا من الكوت بعد مقاومةٍ عنيفةٍ. فأرسل السيّد الى الشيخ الخالصي والسيّد الحلو وأشار عليهما بلزوم الانسحاب قبل مداهمة العدو، وأن يكون الخروج عن طريق البر في الليلة نفسها التي يخرج فيها الجيش. وبدأوا فعلًا بالانسحاب في الساعة السابعة ليلًا، وعبروا الى الجانب الآخر حتى لا يدركهم العدو. وفي تلك الليلة أصاب السيّد رمدٌ شديدٌ في عينه، فاضطر إلى البقاء ليلتين عند قبيلة ربيعة، وفي اليوم الثاني مرّت عليهم بواخر العدو قاصدةً مدينة (النعمانيّة)، التي تبعد عن الكوت بمقدار ستة فراسخ تقريبًا، فالتجأ السيّد وأصحابه إلى السفر عن طريق (عفك والدغارة)، وقد أحضرت له ولأصحابه الخيول، وهناك اضطرّ إلى أن يقطع ــ على شيخوخته وضعفه ومرضه ــ جزيرة عفك الطويلة راكبًا على فرسٍ وهو مشدود العينين، وبخدمته رجلٌ من ربيعة يقود الفرس.
وفي الليلة الثانية من ركوبه(رضوان الله عليه) بلغ أول عفك، فنزل عند (مناحي آل الحاج طرفة)، ثم واصل السير إلى محلّ (الحاج مهدي الفاضل) وأخيه (الحاج صلال)، ثم واصل السير إلى محلّ (الحاج مخيف) وأقام عنده تلك الليلة، وأمر بإحضار سفينةٍ له ولأصحابه عند الصباح للتوجّه إلى وطنه، وكلّما حاول الحاج مخيف أن يقنع السيّد بالبقاء عنده عدّة أيامٍ ليتشرف بخدمته وضيافته أبى السيّد ذلك واعتذر منه بأنّ الأمد قد طال عليه، والناس في الكاظميّة وبغداد ينتظرونه بفارغ الصبر وفي غاية القلق.
وفي الصباح تحرّك موكب التضحية والجهاد، وقطعت السفينة ليلتين حتى وصلت إلى محلّ السيّد الجليل (السيّد حسين) نجل الشاعر الكبير والأديب المعروف (السيّد حيدر الحِليّ)(عليه السلام) فأقام السيّد عنده ليلةً واحدة، ثم توجّه في صبيحتها إلى (الحِلّة) ووصلها عصرًا، وحلَّ ضيفًا مكرّمًا عند الوجيه المعروف (الحاج حمزة الشهربانلي) وبقي عنده ليلةً واحدةً أيضًا زاره خلالها علماء الحِلّة وقد ألحّوا عليه أن يمكث عندهم عدّة ليالٍ، كما ألحّ الحاج حمزة نفسه، فأبى السيّد قبول الدعوة. وشكرهم على عواطفهم الكريمة ومشاعرهم الطيّبة.
وفي الصباح توجّه السيّد بأصحابه إلى مدينته، وما أن وطأ أرض (الكاظمية) حتى أغلقت الأسواق، وعطّلت الأعمال، وجعل الناس يبشر بعضهم بعضًا بوصول الأسد إلى عرينه. وكان ذلك في اليوم الثامن والعشرين من شهر ذي الحجة سنة ١٣٣٣ هـ، وجاء الناس إليه، وازدحموا عليه، يتبرّكون به ويسلّمون عليه، فتوجّه(رضوان الله عليه) أولًا الى (الحرم المطهَّر) لزيارة الإمامين؟عهم؟ قبل الدخول على أهله وذويه ــ كما هي عادته في كلّ سفر ــ فانتظره الناس حتى خرج من الحرم الشريف، وساروا معه الى (الحسينيّة الحيدريّة) وهناك جلس للناس أيامًا عديدة، يستقبل الوفود المتوالية، والحشود المتتالية التي تقاطرت على الكاظميّة من كلّ جهةٍ ومكان.
سيرته في الجهاد
دامت رحلته العظيمة ونهضته الجبارة سنةً كاملةً إلّا أيامًا قليلة، كان فيها المثل الأعلى للزعيم الروحيّ العظيم، والقائد الدينيّ المحنّك، والبطل الإسلامي الفذّ، الذي لا ترهبه قوة الأعداء، ولا تثني عزيمته الخطوب، ولا تأخذه في الله لومة لائم.
وكانت سيرته مع أصحابه في تلك المدة الطويلة أنّه كان كأحدهم؛ لا يتميّز عنهم بشيء، ولا يختصّ دونهم بأمر، بل يواسيهم ويشاركهم في جميع أحوالهم وشؤونهم، حتى في مآكلهم ومنازلهم، على كبر سنّه وضعف بدنه وعلو مقامه. حتى إنّ المجاهدين في الليلة الأولى من سفرهم بالباخرة لم يتمكنوا من إعداد عشاءٍ مطبوخٍ لهم سوى (الصمون والتمر)، فصنع نجله الأصغر السيّد راضي طعامًا خاصًّا له ولأخيه السيّد أحمد ــ حيث كان مريضًا ــ ولمّا قدّمه بين يديه سأل عن طعام المجاهدين، فقيل له: هو الصمون والتمر، إذ لم يتيسر في هذه الليلة طبخ الطعام لانشغالهم بتحميل الأثقال إلى الباخرة، فأبى السيّد أن يتناول من طعامه الخاصّ، وقال: «لا آكل إلّا ما يأكله سائر المجاهدين». ولمّا رأى ولده السيّد أحمد من أبيه ذلك أبى أن يأكل منه أيضًا ــ رغم مرضه ــ وأكل السيّد الصمون والتمر أسوةً بالمجاهدين، مع أنّ عمره الشريف قد تجاوز الثمانين. وكان لا يلبّي أيّ دعوة طعامٍ خاصّةٍ إلّا إذا كانت له ولعموم أصحابه، وكان يقول كلمته المأثورة: «إنّي لا أفارق المجاهدين، بل أكون معهم حيثما كانوا».
وكان من سيرته(رضوان الله عليه) أن يتقدّم بنفسه قبل غيره إلى ساحة الحرب بكلّ ثقةٍ واطمئنانٍ ورباطة جأشٍ، وهو يشجّعهم على النزال، ويشوّقهم إلى القتال، ويبشّرهم بأجر الصابرين وثواب المجاهدين. وكان من ثبات نفسه وشدة بأسه أن لا يرضى بمغادرة خبائه مهما استهدفه العدو بالقنابل والقذائف، وكلّما يطلبون منه مغادرة المكان يقول لهم بكلّ قوةٍ وعزيمةٍ وثبات: «هذا كهفي وحصني»، وهو يشير إلى الخباء.
وكان من عظيم عطفه وحنانه، وحسن تدبيره وسياسته ما حدث به حجة الإسلام الشيخ حسين الشيخ مشكور ــ دام ظلّه ــ من أنّ الحكومة العثمانية اتّهمت بعض رؤساء القبائل العربيّة بالاتصال بالإنكليز، وحكمت عليهم بالإعدام، وحاولت تنفيذ الحكم، فأرسل السيّد ــ طاب ثراه ــ ولده المرحوم السيّد راضي إلى القائد العام، وأبلغه أمره بضرورة العفو عن هؤلاء المحكومين في هذه الظروف العصيبة؛ لأنّ إعدامهم يحدث بلبلةً بين صفوف العشائر، وربما يؤثّر على معنويّات المحاربين، بالإضافة إلى أنّ التهمة لم تكن ثابتةً بصورةٍ قطعيّة، فخضع القائد العسكريّ العامّ لأمر القائد الدينيّ العامّ وأصدر عفوه عنهم.
حاله بعد سقوط بغداد
لم يطأ الإنكليز أرض بغداد حتى توالت على السيّد الهموم، وتكاثرت عليه الأحزان؛ لأنّه كان يقدّر ــ بثاقب رأيه وعميق نظره ــ ما سيجرّ دخول الكافرين إلى بلاد المسلمين من المحن والويلات، وما سيعقبه من تزلزلٍ في العقائد، وتبلبلٍ في الأفكار، وتبدّلٍ في المقاييس، وتفسّخٍ في الأخلاق، وتحلّلٍ من الضوابط والقيود. كان سيّدنا الملهم ينظر إلى ذلك بنور الله، فيعظم عليه الخطب، ويشتدّ عليه الكرب، ويثقل عليه الأمر. وكان كلّ أمله يوم خرج ويوم نهض أن يتمكّن من صدّ المعتدين الغزاة، وينقذ بلاد المسلمين من الشر والبلاء. ولكن ضعف الجيش العثمانيّ، وخيانة بعض قوّاده، وتخاذل بعض العشائر، مكّنت العدو من الاحتلال، وعرّضت المجاهدين للأهوال.
كان السيّد رحمه الله يبكي ويتأثّر كلّما تمرّ على فكره هذه الخواطر الأليمة، وكان يردّد كلمته المعروفة التي وعتها القلوب، وتناقلتها الأفواه: «كأنّي بالإسلام قد سقط من السماء إلى الأرض». وكم حاول الإنكليز بعد الاحتلال أن يستميلوه بشتّى الوسائل، وأن يغروه بالأموال الطائلة، فيرفضها أشدّ الرفض، ويأباها أشدّ الإباء، ولا يزداد إلّا بعدًا عنهم ونفورًا منهم. وكان بعض قوّادهم ورؤسائهم يزورونه في داره فيرون منه الإعراض والانقباض، فيتعجّبون من صلابته في عقيدته، وإخلاصه لأمّته، وحبّه لوطنه.
وقد مرّ أحدهم في الشارع على مقبرته بعد وفاته، وكان العمّال يرصفون على جدران المقبرة الخارجيّة كتيبة من (القاشاني) الملوّن فقال: «ينبغي للشعب العراقي أن يشيّد مرقد هذا الرجل العظيم - الذي كرّس حياته في خدمة مبدئه وأمّته، وجاهد في سبيلهما - بالذهب الخالص».
المصادر والمراجع
القرآن الكريم
آل ياسين، محمّد حسن، «تاريخ الكاظمية»، مجلة الأقلام، العراق، بغداد، السنة الأولى، العدد 3، 1964م.
الأمين، محسن، «أعيان الشيعة»، تحقيق حسن الأمين، دار التعارف للمطبوعات، لبنان، بيروت، 1983م.
حرز الدين، محمّد، «معارف الرجال»، تعليق محمد حسين حرز الدين، مكتبة المرعشيّ النجفيّ، إيران، قم، 1405هـ.
الحسينيّ، أحمد، «الإمام الثائر السيّد مهدي الحيدريّ»، مطبعة الآداب، العراق، النجف الأشرف، ط1، 1386هـ.
فيّاض، عبد الله، «الثورة العراقيّة الكبرى سنة 1920»، مطبعة الإرشاد، العراق، بغداد، ط1، 1963م.
الكربلائيّ، أبو المحاسن، «ديوان أبي المحاسن»، تحقيق محمّد علي اليعقوبيّ، مطبعة النعمان، العراق، النجف، 1963م.
-----------------------------------------
[1]. هذا البحث مقتبس من كتاب الإمام الثائر السيد مهدي الحيدري، للسيد أحمد الحسيني، من الصفحات (32–60)، الصادر عن مطبعة الآداب في النجف الأشرف، الطبعة الأولى، سنة 1386هـ.
[2]. ذكرها البحّاثة الجليل الشيخ محمد حسن آل ياسين في مقالٍ عن الكاظمية نشره في مجلة (الأقلام) الجزء الثالث السنة الأولى الصادر سنة ١٩٦٤ م. وعلّق الشيخ على هذه البرقيّة بقوله: «وقُرِئت هذه البرقيّة علنًا فهاج الناس وماجوا، وأغلقوا أسواقهم وعطّلوا أعمالهم، واجتمعوا في الصحن الكاظميّ ينتظرون أوامر علمائهم، فأصدر العلماء أمرًا بوجوب الدفاع على كلّ مسلم، وأبرقوا بهذا المضمون إلى العشائر المحيطة بالبصرة، ثم توالت الاجتماعات في الصحن الشريف منذ العشرين من ذي الحجّة إلى ١٢ محرم الحرام سنة ١٣٣٣ هج. وألقيت الخطب المثيرة، ورقى المنبر في بعض هذه الاجتماعات السيّد مهدي آل السيّد حيدر ـ وكان رحمه الله من أقطاب العلماء الثائرين في الكاظميّة ـ فوعظ وحرّض، وأعلن خروجه بنفسه إلى ميدان الحرب».
[3]. الذين خرجوا للجهاد من آل الحيدريّ عشرة كاملة وهم: ١. السيّد المهدي ـ قائد المجاهدين وإمامهم. ٢. ابنه السيّد أسد الله. ٣. ابنه السيّد أحمد. ٤ ابنه السيّد راضي. ٥. ابن أخيه السيّد عبد الكريم. ٦. ابن أخيه السيّد محسن. ٧. ابن أخيه السيّد صادق. ٨. ابن ابن أخيه السيّد عبد الأمير. ٩. ابن عمه السيّد عبد الحسين وهو الذي استشهد في الجهاد. ١٠. ابن عمه السيّد جعفر.
[4]. جاء في المقال المذكور آنفًا في مجلة الأقلام ما نصّه: «وفي يوم الثلاثاء ١٢ محرّم الحرام سنة ١٣٣٣ هـ، خرج السيّد مهدي المذكور قاصدًا ساحة الحرب، وبصحبته الشيخ مهدي الخالصيّ والشيخ عبد الحميد الكليدار وجماعة من المجاهدين وخرجت البلدة بأسرها لتشييع ركب الجهاد الزاحف».
[5]. كان المرحوم السيّد عبد الرزاق الحلو في المنطقة نفسها، ولكنّه في الجانب الآخر من النهر.
[6]. صرح بمضمون هذا التوزيع على الجبهات الثلاث كثيرٌ ممّن تطرّقوا لذكر الجهاد، أو ترجموا لهؤلاء المجاهدين كالحجّة الشيخ محمد حرز الدين في كتابه (معارف الرجال)، والحجّة السيّد محسن الأمين في كتابه (إعيان الشيعة)، والمحقّق الشيخ محمد علي اليعقوبي في تعليقه على ديوان الشيخ أبي المحاسن الكربلائي وغيرهم من المؤلّفين والمؤرّخين.
[7]. سورة العنكبوت: 6.
[8]. قد أشار إلى هذا الانتصار العظيم في هذه الواقعة الرهيبة كثير من المؤرخين والباحثين، ومنهم الدكتور عبد الله فياض في كتابه «الثورة العراقية الكبرى» صحيفة ١١٢ حيث قال: «وقد نجح المجاهدون الذين كان يقودهم - يعني آية الله العظمى السيّد مهدي الحيدريّ - في دحر الجيش البريطاني في معركة نهر الروطة في ٥ ربيع الأول سنة ١٣٣٣ هـ».