الباحث : ستيف كارلتون فورد
اسم المجلة : الاستعمار
العدد : 8
السنة : صيف _ 2026 م
تاريخ إضافة البحث : July / 21 / 2026
عدد زيارات البحث : 285
إنَّ الإرث الاستعماريّ في قارة أفريقيا يُشكّل أحد أهمّ المفاتيح التفسيريّة لفهم واقع حقوق الإنسان في الوقت الراهن. فالتجربة الاستعماريّة لم تقتصر على السيطرة السياسيّة أو الاستغلال الاقتصاديّ فحسب، بل امتدّ أثرها ليطال البُنى الاجتماعيّة والثقافيّة، حيث أعادت القوى الاستعماريّة رسم الحدود السياسيّة، وفرضت نماذج حكمٍ وقوانين لا تنبع من السياقات المحليّة، بل خُصّصت لخدمة المصالح الإمبرياليّة. وأسهم هذا التدخّل في إضعاف البُنى التقليديّة، وترسيخ ممارساتٍ عنصريّةٍ أفضت إلى انتهاكاتٍ منهجيّةٍ للحقوق الأساسيّة. وخلِّفت أنماطًا من الحكم والعلاقات الاجتماعيّة ما تزال تُلقي بظلالها على مسارات التنمية والعدالة وحقوق الإنسان في الدول الأفريقيّة. غير أنّ هذا التطوّر يثير تساؤلاتٍ جوهريّةً حول مدى عالميّة حقوق الإنسان، وحدود تطبيقها، وقدرتها على معالجة مظالم تاريخيّة لم تُنصف بعد، لا سيّما في السياق الأفريقيّ. إنّ دراسة هذا الإرث ليست استدعاءً للماضي من أجل الإدانة فحسب، بل محاولة لفهم الحاضر وبناء مستقبلٍ أكثر إنصافًا، يقوم على إدراك عميقٍ للعلاقة بين التاريخ، والسلطة، وحقوق الإنسان.
الكلمات المفتاحيّة: الإرث الاستعماريّ، القوى الاستعماريّة، حقوق الإنسان، العنصريّة، المصالح الإمبرياليّة.
مقدّمة
«سيقول التاريخ كلمته يومًا ما، ليس التاريخ الذي يُدرّس في بروكسل أو باريس أو واشنطن أو الأمم المتحدة، بل التاريخ الذي تدرّسه البلدان المتحرّرة من الاستعمار وأذياله».
باتريس لومومبا[2]
إنَّ الظلم الذي تعرّضت له الشعوب الأفريقيّة لم يكن مجرد أحداثٍ عابرة، بل كان نظامًا متكاملًا بدأ بتجارة العبيد وسلب الإنسان الأفريقيّ أبسط حقوقه: الحقّ في الحريّة والحياة. وانتهى بمصادرة وطنه عن طريق الاستعمار. لقد عمل الاستعمار على نزع الإنسانيّة عن ملايين البشر، وتعامل معهم كسلعٍ تجاريّةٍ، وربط مصائرهم بمنظومات استغلالٍ عالميّةٍ قامت على التمييز العرقي وتفوّق القوة. ومع تعمّق المشروع الاستعماريّ، أُعيد تشكيل المجتمعات الأفريقيّة سياسيًّا واقتصاديًّا بما يخدم مصالح القوى الاستعماريّة، وهو الأمر الذي خلّف إرثًا معقّدًا من الضعف داخل المؤسّسات، والصراعات الداخليّة، وانتهاكات الحقوق الأساسيّة. وشكّل بنىً اقتصاديّةً واجتماعيّةً وثقافيّةً ما تزال آثارها ممتدةً إلى الحاضر.
نتيجةً لذلك، تأسّست منظمة حقوق الإنسان الحديثة التي جاءت كردّ فعلٍ تاريخيّ وأخلاقيّ على تلك الانتهاكات الجسيمة التي تواجهها الشعوب الخاضعة للهيمنة الاستعماريّة. وينطلق المؤلّف من فرضيّةٍ أساسيّةٍ مؤدّاها أنّ حقوق الإنسان اليوم لا يمكن فهمها بمعزلٍ عن مسارها التاريخيّ الطويل من تجارة العبيد، وما أعقبها من ممارسات وانتهاكات القوى الاستعماريّة.
يفرق المؤلّف بين نوعين رئيسين من المستعمرات هما: مستعمرات الاستغلال: وهي الأقاليم التي تُدار بوساطة إداراتٍ استعماريّةٍ محدودة العدد تهدف لاستنزاف الموارد والموادّ الخام. بينما المستعمرات الاستيطانيّة: هي التي تشهد هجراتٍ جماعيّةً للمستوطنين بغرض بناء مجتمعٍ جديد، أي تهدف المستعمرات الاستيطانيّة لتوطينٍ دائمٍ للأوروبيّين كما هو الحال في أستراليا.
وإضافةً إلى هذين النوعين ثمّة نوعٌ آخر فرعيًّا من المستعمرات ويعرف بـ دبلوماسيّة البوارج: يشير إلى السعي لتحقيق أهداف السياسة الخارجيّة من خلال استعراض القوّة البحريّة. كما ميّز المؤلّف بين نوعين رئيسين من الاستعمار وهما؛ الاستعمار الرسميّ مثل حالة الجزائر. والاستعمار الفعلي أو الشامل الذي تلا مؤتمر برلين، حيث تحوّل الاهتمام من التجارة البشريّة (العبيد) إلى الموارد الطبيعيّة (المواد الخام).
تتناول هذه الدراسة المسار التاريخيّ للحقبة الاستعماريّة في أفريقيا وما شهدته من ممارساتٍ وانتهاكاتٍ من قبل القوى الاستعماريّة الغربيّة للشعوب الأفريقيّة وانعكاسه على حقوق الإنسان. وقد تضمّن هذا المسار التاريخيّ ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: مرحلة العنف الاستعماريّ (الإبادة الثقافيّة والجسديّة) التي تمثّل الحقبة الاستعماريّة، التي كانت بداية التواجد الأوروبيّ في أفريقيا قبل القرن الـ19، والذي لم يتعدَّ السواحل في أغلب الأحيان، إذ كانت العلاقة قائمةً على التبادل التجاريّ وتجارة العبيد التي استنزفت القارة بشريًّا. ومع بداية القرن التاسع عشر وبوجهٍ خاصٍّ عام 1807: شكل إلغاء بريطانيا لتجارة الرقيق نقطة تحوّلٍ؛ إذ بدأ البحث عن بدائل اقتصاديّةٍ مثل الموادّ الخام (المطاط، الذهب، والعاج). وفي منتصف القرن التاسع عشر بداية الحقبة الاستعماريّة لأفريقيا عن طريق الاستعمار الفرنسيّ للجزائر عام 1830، والذي يعدّ بوابة التوسّع الاستعماريّ في القارة. ثم عُقد مؤتمر برلين (1884–1885) الذي وضع القواعد القانونيّة لتقسيم أفريقيا بين القوى الاستعماريّة الكبرى؛ إذ يُعدّ هذا المؤتمر النقطة المحوريّة التي رسمت حدود القارة الأفريقيّة الحديثة، دون مراعاة للتنوّع العرقيّ أو الثقافيّ؛ ممّا زرع بذور النزاعات الأهليّة التي نراها اليوم. ومنذ عام 1888 بعد تقسيم القارة بدأت مرحلة ذروة التوسّع الاستعماريّ، وفرض الإدارة الاستعماريّة الشاملة واستغلال كافة الموارد بشكلٍ مكثّف. وفي القرن العشرين صُنفت إبادة الهيريرو والناما في ناميبيا اليوم كأول إبادةٍ جماعيّةٍ في القرن العشرين.
المرحلة الثانية: مرحلة النضال (حقوق الإنسان كأداة تحرّر) استخدم الآباء المؤسّسون للدول الأفريقيّة لغة المستعمر التي قام بسنّها ووضعها ألا وهي (القانون الدوليّ وحقوق الإنسان)؛ لإحراجه أخلاقيًّا والمطالبة بحق تقرير المصير، كان الهدف هو المساواة العرقيّة والسيادة. وذكر الكاتب أبرز قادة التحرّر في أفريقيا، كما سيأتي لاحقًا.
أما المرحلة الثالثة: مرحلة ما بعد الاستقلال. الانتقال إلى نموذج (الدولة القوميّة)، الذي تطوّر عبر ثلاث حركاتٍ تاريخيّةٍ كبرى: الأولى: الموجة الثوريّة والتوحيد في القرن 19: بدأت باستقلال دول أمريكا اللاتينيّة عن إسبانيا، متبوعة بتوحيد دولٍ أوروبيّةٍ مثل إيطاليا وألمانيا. هنا، تطابقت «القوميّة» (اللغة والثقافة) مع «الدولة» (الحدود السياسيّة). الحركة الثانية: انهيار الإمبراطوريّات الكبرى (1914–1922): أدّى سقوط الإمبراطوريات العثمانيّة، والروسيّة، والنمساويّة المجرية بعد الحرب العالميّة الأولى إلى ظهور مبدأ «حق تقرير المصير. الحركة الثالثة: تصفية الاستعمار أو حركة الاستقلال (1945–1975): بعد الحرب العالميّة الثانية، استقلت عشرات الدول في أفريقيا وآسيا بسبب الضغوط الدوليّة وشرعيّة الأمم المتّحدة، ومن ثم، قيام الدولة القوميّة.
تسعى هذه الدراسة إلى تحليل العلاقة الجدليّة بين الإرث الاستعماريّ وواقع حقوق الإنسان في أفريقيا، من خلال مقاربةٍ تاريخيّةٍ تحليليّةٍ تُبرز أثر السياسات الاستعماريّة في تشكيل الدولة الوطنيّة، وأنماط الحكم، وانعكاس ذلك على حماية الحقوق والحريّات الأساسيّة للشعوب الأفريقيّة. وتكشف عن مدى ازدواجيّة المعايير التي ينادي بها الغرب؛ فمنظومة حقوق الإنسان كما نراها اليوم ولدت في الغرب، بينما كان الغرب نفسه يمارس أبشع الانتهاكات في أفريقيا. وبينما كانت الثورات الأوروبيّة تنادي بالحريّة والمساواة، كانت القوانين الاستعماريّة في أفريقيا تكرّس التمييز والعنصريّة. ومن ثم، فهل تعدّ حقوق الإنسان حقوقًا عالميّة تتمتع بها الشعوب كافة؟
الإرث الاستعماريّ وحقوق الإنسان
على الرغم من أنّ استعمار بلجيكا للكونغو يُعَدّ مثالًا صارخًا كأحد أكثر النماذج دمويّةً ووحشيّةً لهيمنة الحكم الاستعماريّ الأوروبيّ، إلّا أنّ حركة الاستعمار وما انبثق عنها من أنماط الهيمنة الاستعماريّة تعود في جذورها إلى الغزو الإسبانيّ والبرتغاليّ لأمريكا الجنوبيّة والوسطى وأجزاءٍ من أمريكا الشماليّة. وقد تزامنت الحروب بين الدول الأوروبيّة مع موجات التوسّع الاستعماريّ، التي أسفرت عن إقامة إمبراطورياتٍ استعماريّةٍ في أنحاء العالم قادتها قوى مثل: فرنسا وبريطانيا العظمى وهولندا. وأسهم استخراج المنتجات الزراعيّة والمعدنيّة الأوليّة ذات الحدّ الأدنى من المعالجة في إثراء القوى الاستعماريّة الأوروبيّة، في حين أدّى إلى إفقار المناطق الخاضعة للاستعمار. كما أدّى الاستعمار إلى تقويض البُنى والمؤسّسات السياسيّة المحليّة، الأمر الذي هيّأ الأرضيّة لترسيخ أنماط حكمٍ سلطويّةٍ في مرحلة ما بعد الاستعمار. وتُضعف هذه التحوّلات اللاحقة من احتمالات دعم الدول ما بعد الاستعمار لحقوق الإنسان، ويتم تدعيم صحة هذا الطرح بوساطة بياناتٍ مقارنةٍ تُظهِر مستويات الدعم لثمانية حقوقٍ أساسيّةٍ من حقوق الإنسان في الدول التي لم تخضع للاستعمار، بمجموعات دول ما بعد الاستعمار التابعة للقوى الاستعماريّة الأوروبيّة السبع.
إنّ تأسيس ما عُرف بالكونغو البلجيكيّة- التي تشكّل اليوم الجزء الأكبر من جمهوريّة الكونغو الديمقراطيّة -ارتبط بسقوط أعدادٍ هائلةٍ من الضحايا بلغت معدلات إبادةٍ جماعيّةٍ، وأسفر عن ترسيخ نمط من الحكم السلطويّ ونهب الموارد بشكلٍ منهجيّ. وقد ارتكز الاستعمار الاقتصاديّ في مراحله الأولى على استخراج العاج، ثم تحوّل لاحقًا إلى استغلال المطاط كموردٍ رئيسٍ. وبحلول عام 1960 كان الحكم الاستعماريّ الاستغلاليّ قد خلّف واقعًا تعليميًّا ومهنيًّا كارثيًّا، إذ لم يكن هناك أكثر من ثلاثين خريجًا جامعيًّا إفريقيًّا، مع انعدامٍ تامٍ لوجود ضباط جيش، أو مهندسين، أو زراعيين، أو أطباء من أبناء الكونغو. ولم يشغل الأفارقة سوى ثلاثة مناصب فقط من أصل خمسة آلاف منصبٍ إداريّ رفيع المستوى في جهاز الخدمة المدنيّة[3].
كان ليوبولد - ليوبولد الثاني ملك بلجيكا - قد اطّلع على سرديات الاستعمار الإسبانيّ للأمريكيتين، كما زار المستعمرات البريطانيّة في جنوب آسيا لدراسة أساليب إدارتها. غير أنّ النموذج الذي استُلهم في تأسيس الكونغو البلجيكيّة كان استخدام هولندا للعمل القسريّ في مستعمراتها في جزر الهند الشرقيّة الهولنديّة. ومع ذلك، لم تكن بلجيكا القوة الاستعماريّة الوحيدة المتورّطة في استغلال الشعوب الأصليّة ونهب موارد أراضيها؛ فعلى سبيل المثال ارتكبت شركة (أمازون بيرو للمطاط) - وهي شركة بريطانية- فظائع ضدّ السكّان الأصليّين في منطقة ‹بوتومايو› Putumayo ببيرو. كما أسّست بريطانيا هيأةً تشريعيّةً تقتصر عضويتها على البيض فقط في (اتحاد جنوب أفريقيا) حديث الاستقلال آنذاك. وسارت المستعمرات الفرنسيّة والبرتغاليّة والألمانيّة في أفريقيا جنوب الصحراء على نهج نموذج ليوبولد الاستعماريّ.
ربما تمثّل الكونغو البلجيكيّة النموذج الأكثر تطرّفًا لآثار الاستعمار. غير أنّ القضايا الرئيسة - المتمثّلة في إساءة معاملة الشعوب الأصليّة، وتطوير اقتصاداتٍ استخراجيّة، وعدم القدرة على تأسيس حكومةٍ فعّالةٍ ذات كفاءة، والانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان، - توضّح الآثار العامّة للسياسات الاستعماريّة بغض النظر عن هويّة القوة المستعمرة. ومع ذلك، لا يزال معظم التنظير السوسيولوجيّ المعاصر يتجاهل تبعات الاستعمار والحركات الاستعماريّة [4]، مع التركيز بدلًا من ذلك على مسار التنمية الأوروبي بافتراض أنّ أنماطًا مماثلةً ستتطوّر في البلدان التي خضعت للاستعمار سابقًا. وهذا القصور يترك العديد من التساؤلات دون إجابةٍ من بينها: هل ساعد إرث الحكم الاستعماريّ في تحسين وضع حقوق الإنسان أم أنّه قوّض دعمها؟ وهل تؤدّي القوى الاستعماريّة المختلفة إلى نتائج متباينة ٍفيما يتعلّق بحقوق الإنسان؟ وهل تؤدّي الأنواع المختلفة من الاستعمار إلى نتائج متباينةٍ في هذا الصدد؟
يستعرض هذا الفصل الأطر النظريّة والعلاقات التجريبيّة الأساسيّة التي تربط الإرث الاستعماريّ بأوضاع حقوق الإنسان الراهنة. وكما نوقش في الفصل الثاني، يمكن التمييز بين مجموعتين رئيستين من حقوق الإنسان. تتعلّق المجموعة الأولى بالحقوق التي يُنظر إليها عادةً بوصفها حقوقًا سياسيّةً ومدنيّةً، مثل الحماية من الاعتقال التعسّفي أو حريّة التجمّع. أمّا المجموعة الثانية: فتشمل الحقوق التي تُصنّف عادة ضمن الحقوق الاجتماعيّة والاقتصاديّة، مثل الحقّ في مستوى معيشيّ لائق، يضمن التغذية الكافية، والمياه الآمنة، والتعليم، والرعاية الصحيّة. وكما سيتضح لاحقًا، فقد أثّرت السياسات الاستعماريّة في مسارات التنمية الاقتصاديّة والسياسيّة وغيرها من أشكال التنمية في المناطق الخاضعة للاستعمار، على نحو يُتوقع منها أن تؤثّر سلبًا على واقع حقوق الإنسان في الوقت الحاضر.
الإمبراطوريّة، استعمار الاستغلال والاستعمار الاستيطانيّ[5]
كيف جرى تنظيم المستعمرات الأوروبيّة وراء البحار[6]، وإلى أيّ مدى أثّرت النظم الاستعماريّة المختلفة على حقوق الإنسان في حقبة ما بعد الحرب العالميّة الثانية؟ كما نوقش في الفصل السابق، شرعت الدول الأوروبيّة في بدايات توسّعها - في سعيها لإيجاد طريقٍ تجاريّ إلى الصين، ولاحقًا لتعزيز انخراطها الأوسع في التجارة والتبادل التجاري الدوليين - في إنشاء اقتصاداتٍ قائمةٍ على العبوديّة في النصف الغربيّ من الكرة الأرضيّة. وقد استندت هذه الاقتصادات أساسًا إلى استعباد الأفارقة، وبدرجةٍ أقل إلى استغلال الشعوب الأصليّة. وفي مرحلةٍ مبكّرةٍ من هذه العمليّة، كما فعلت إسبانيا بعد وصول كولومبوس إلى (هسبانيولا) Hispaniola، بدأت الدول الأوروبيّة في تأسيس مستعمراتٍ في أراضٍ خارج أوروبا، وهي عمليّة استمرّت حتى أوائل القرن العشرين[7]. واعتمادًا على عددٍ من العوامل، برزت تلك المستعمرات تدريجيًّا كدولٍ مستقلّةٍ خلال حقبةٍ زمنيةٍ تجاوزت مئتي عام، امتدت من عام 1776م إلى عام 1984م. وبدرجةٍ كبيرةٍ، فقد انبثق الاستعمار عن محاولات الدول الأوروبيّة لتوسيع تجارتها الخاصّة مع تقييد تجارة الدول الأوروبيّة الأخرى، وغالبًا ما انطوت هذه العمليّة على ادّعاءاتٍ بالسيادة وحقوقٍ حصريّةٍ للتجارة مع المناطق التي كانت تخضع للاستعمار.
الإمبراطوريّات والمستعمرات
ينطوي مفهوم الإمبراطوريّة على فرض كيانٍ سياسيّ - كالدولة مثلًا- سيطرته السياسيّة على استقلال كياناتٍ سياسيّةٍ أخرى، والتي تتمثّل في هذه الحالة في عدّة مستعمرات [8]. على سبيل المثال، قامت بريطانيا العظمى باستعمار مناطق عديدةٍ حول العالم، شأنها شأن دولٍ أوروبيّةٍ أخرى. غير أنّه في المراحل الأولى من توسيع هيمنتها الاقتصاديّة، مارست الدول الأوروبيّة سيطرتها على الأراضي دون إقامة مستعمراتٍ رسميّة. حيث كان يُمارس هذا النوع من السيطرة عبر التجارة والمنظمات المرتبطة بها، مثل شركة الهند الشرقيّة البريطانيّة. ومع توسع التجارة تحوّل تركيز الإمبراطوريّات الأوروبيّة ليشمل استخراج السلع الأساسيّة من بينها المنتجات الزراعيّة والمعادن النفيسة. ومع تزايد أهميّة هذه السلع، عمدت الدول الأوروبيّة إلى إقامة مستعمراتٍ رسميّةٍ، حيث فرضت الدول الأوروبيّة سيادتها على المناطق الاستعماريّة التابعة لها.
بناءً على ذلك، شكلت المستعمرات - التي قامت أساسًا على الغزو- تنظيماتٍ مستحدثةً أُرسيت قواعدها فوق ظروفٍ سياسيّةٍ واقتصاديّةٍ كانت قائمةً سلفًا. وقد اعتمد الحكام الأوروبيّون الأجانب للمستعمرة على (الدولة الأم)، أو (المركز الاستعماريّ) Metropole، الذي فرض سيادةً حصريّةً على إدارة المستعمرة. هؤلاء الحكّام الأجانب - وهم الإداريّون الاستعماريّون- تولوا قيادة حكوماتٍ استعماريّةً أُنيطت بها مسؤوليّة الضبط الإداريّ وتسيير شؤون المستعمرة. وعادةً ما عمد المستعمرون إّما إلى تقويض المؤسّسات السياسيّة القائمة، وإمّا إلى إعادة تشكيلها بهدف تطويعها في تأسيس دولٍ استعماريّة. ومع ذلك، فإنّ الدول الاستعماريّة كانت تتمتع بكيانٍ منفصلٍ نوعًا ما عن المركز الاستعماريّ؛ إذ حاز الإداريّون الاستعماريّون المحليّون على معلوماتٍ لم تكن متاحةً للسلطة الاستعماريّة المركزيّة. وبناءً عليه، كان بمقدور هؤلاء الإداريّين اتّخاذ إجراءاتٍ دون الحصول على موافقة الدولة الأم، بل وكان بإمكانهم أحيانًا، تبنّي سياساتٍ تتعارض مع المصالح الاقتصاديّة للسلطة الاستعماريّة داخل المستعمرة [9].
تعدّدت أشكال الإدارة في الدول الاستعماريّة داخل الإمبراطوريّات الأوروبيّة؛ فعلى سبيل المثال، خضعت بعض المستعمرات البريطانيّة للحكم المباشر برئاسة حاكمٍ بريطانيّ. في حين خضعت مستعمراتٌ بريطانيّةٌ أخرى للحكم غير المباشر وفق ثلاثة ترتيباتٍ رئيسة: 1. تجريد الدول الصغيرة القائمة -لا سيّما في الهند- من سلطاتها في إدارة السياسة الخارجيّة. 2. الإبقاء على بعض الأسر الحاكمة القائمة، كما في مالايا Malaya، مع إخضاعها لإشراف جهازٍ إداريّ محدود. 3. وفي أفريقيا، تم اتباع نموذج مزدوج يجمع بين الحكم المباشر وغير المباشر، سَعى - دون جدوى- إلى الحفاظ على سلطةٍ تقليديّةٍ قويّة. وممّا زاد الأمر تعقيدًا، خضوع المستعمرات المختلفة لمكاتب إداريّةٍ بريطانيّةٍ منفصلة [10]. كما طبقت المستعمرات الفرنسيّة والهولنديّة والألمانيّة سياساتٍ مشابهة.
وبالرغم من تنوع الهياكل الإداريّة، تشاركت الدول الاستعماريّة سماتٍ جوهريّة؛ فقد كانت بحاجةٍ إلى بسط السيطرة على الشعوب المستعمَرة، ووضع خطة اقتصاديّةٍ للمستعمرة. وعادةً ما تطلب تحقيق هذين الهدفين إدارة مجموعات المستوطنين، واعتماد سياسة (فرّقْ تَسدْ) divide-and-conquer للتعامل مع الجماعات العرقيّة، وقمع أيّ احتجاجاتٍ مناهضةٍ للاستعمار أو إضراباتٍ اقتصاديّة. في النهاية، أدّى فرض الأنظمة القانونيّة على النمط الأوروبيّ - بغض النظر عن مدى تفاوت أو غياب العدالة في تطبيقها- إلى خلق شعورٍ بوجود دولةٍ إقليميّةٍ متماسكة. وكما كان معتادًا في مثل هذه الدول، فإنّ الحدود الجغرافيّة الناتجة عن الغزو الأوروبيّ لم تنجح في إرساء دولةٍ قوميّةٍ موحّدة؛ أي دولة منظمة حول هويّة وطنيّة مفترضة واحدة لسكانها. ونظرًا لأنّ حدود هذه البلدان الناشئة ضمّت مجموعاتٍ متناحرة، فقد كانت الحروب الأهليّة إرثًا لهذه العمليّة [11].
وعلى الرغم من تمتّع المستعمرات بـقدرٍ من الاستقلال عن ‹الدولة الأم› (Metropole) كما أُشير سابقًا، إلّا أنّها كانت تفتقر للقوّة النسبيّة مقارنةً بالقوى الاستعماريّة الأوروبيّة. ومع ذلك، كان ثمّة نوعان أساسيّان من المستعمرات: مستعمرات الاستغلال والمستعمرات الاستيطانيّة، واللتان عملتا بطرقٍ مختلفةٍ تمامًا. نشأت مستعمرات الاستغلال عادةً نتيجة الغزو العسكريّ وحُكمت حكمًا استبداديًّا مع تركيزٍ واضحٍ على الاستغلال الاقتصاديّ. وكان العدد المحدود من الإداريّين الأوروبيّين يعودون عادةً إلى بلدانهم الأصليّة بعد انتهاء فترة خدمتهم. وفي هذه المستعمرات، سيطرت أقليّةٌ عدديّةٌ من الأوروبيّين على أغلبيّة من السكّان الأصليّين أو الفئات المستوردة والمستعبدة. وقد اتّبع الحكّام الأوروبيّون سياسات غالبًا ما كانت تضعها الدولة الأوروبيّة، أو تضعها - إلى حدٍّ ما- الدولة الاستعماريّة المحليّة التي تدير شؤون المستعمَرة [12]. ويشير أوستر هاميل إلى هذا النظام بوصفه استعمارًا Colonialism.
في المقابل، نشأت المستعمرات الاستيطانيّة -غالبًا بدعمٍ عسكريّ - بهدف توطين (مزارعين وملّاك مزارع) كسكّان دائمين. وعادةً ما سارعت هذه المستعمرات إلى تأسيس أنظمة حكمٍ ذاتيّ يقودها المستوطنون، مع تجاهلٍ تامٍّ لأيّ حقوقٍ أو مصالحٍ للسكّان الأصليين. وتطلّب قيام هذه المستعمرات عادةً إمّا تهجير السكّان الأصليّين من الأراضي المرغوبة، وإمّا إبادة عددٍ كبير منهم. وفي حين اعتمدت بعض المستعمرات الاستيطانيّة، كما هو الحال في الجزائر وجنوب أفريقيا، على السكّان الأصليّين كقوة عاملة؛ كانت العمالة الأفريقيّة المستعبدة هي الركيزة الأساسيّة في منطقة الكاريبي [13].
مستعمرات الاستغلال والمستعمرات الاستيطانيّة
برزت مستعمرات الاستغلال والمستعمرات الاستيطانيّة كنوعين رئيسين من المستعمرات. كانت مستعمرات الاستغلال تركز على استخراج المنتجات الزراعيّة والمعادن الأساسيّة، مع إدارةٍ حكوميّةٍ يفرضها عددٌ قليلٌ من الإداريّين الاستعماريّين. وفي المقابل، أُسّست المستعمرات الاستيطانيّة على يد مهاجرين من أوروبا، والذين أنشأوا مستوطناتٍ دائمةً ومؤسّساتٍ على النمط الأوروبيّ، كما هو الحال فيما يُعرف الآن بالولايات المتّحدة.
مستعمرات الاستغلال
تنطوي مستعمرات الاستغلال على جانبين رئيسين: (1) الاستيلاء على الإقليم سواء عن طريق الغزو أو الشراء، يتبعه فرض سيطرةٍ سياسيّةٍ وحكمٍ أجنبيّ مستدام. (2) تنظيم المجتمع داخل هذه المستعمرات وفقًا لهيكليّةٍ هرميّةٍ مفترضةٍ للأعراق أو الحضارات داخل الأراضي المستعمَرة، مصحوبةً بقوانين وسياساتٍ تعزّز هذه الهيكليّة وتُخضع الشعوب المحليّة. ومع ذلك، لم تتطلب مستعمرات الاستغلال بالضرورة هجرة مستوطنين إلى الأراضي المُستعمرة. وباختصار، كانت مستعمرات الاستغلال تمثّل نظامًا تسيطر فيه أقليّةٌ من الغزاة الأجانب على أغلبيّةٍ من السكّان الأصليين، أو على أغلبيّةٍ جرى استقدامها قسرًا واستعبادها. كان الحكّام الاستعماريّون يتّخذون القرارات المصيريّة وينفذونها سعيًا وراء مصالح غالبًا ما تُحدّد في المركز الاستعماريّ البعيد. وقد أثرت هذه القرارات بشكل بالغ على حياة الشعوب الخاضعة للاستعمار، حيث رفض المستعمرون أي تسويات ثقافية مع السكّان المحليّين، مقتنعين في ذلك بتفوقهم وبحقهم الإلهي في الحكم[14]. هذه السياسات أدّت إلى ما أصبح يُعرف بالوضع الاستعماريّ القائم، الذي تجسّد في هيمنةٍ مستمرةٍ على الشعوب الأصليّة.
ويمكن تعريف (الوضع الاستعماريّ/ النظام الاستعماريّ) Colonial Situation من خلال عددٍ محدودٍ من الشروط العامّة، أبرزها: هيمنةٌ تفرضها أقليّةٌ أجنبيّةٌ متميّزةٌ عرقيًّا وثقافيًّا، على أغلبيّةٍ محليّةٍ (أصليّة) أدنى منها ماديًّا، وذلك باسم تفوّقٍ عِرْقيّ (أو إثنيّ) وثقافيّ يُؤكَّد عليه بصورةٍ دوغمائيّة. يخلق هذا الوضع علاقاتٍ عدائيّة بين المجتمعين؛ ممّا يفرض على الدولة المهيمنة - لكي تحافظ على موقع نفوذها - الاعتماد على القوة، بالإضافة إلى الاستناد إلى سلسلةٍ كاملةٍ من المبررات الزائفة والأنماط السلوكيّة التي تضمن استمراريّة هذا التفوّق[15].
في هذا السياق لم ينشأ الوضع الاستعماريّ إلّا بعد أن تمكّنت القوة الاستعماريّة من إرساء حكمٍ أجنبيٍّ فعّال طويل الأمد، مع قمع أيّ معارضةٍ لضمان قدرة القوة الاستعماريّة على ممارسة أنشطتها في المستعمرة. وكان الهدف الرئيس هو استغلال المستعمَرة اقتصاديًّا، مع تصاعد معظم المنافع لصالح القوة الاستعماريّة، أي المركز الاستعماريّ. كان هذا الحكم غالبًا يتضمّن فصلًا واضحًا بين المستعمِرين والسكّان الخاضعين للاستعمار، استنادًا إلى فرضياتٍ عنصريّةٍ حول تفوّق أنماط التفكير والتنظيم والسلوك الأوروبيّة. وعادةً ما يفسح القمع الأولي - الذي غالبًا ما واجهته معارضةٌ مسلّحةٌ - الطريق أمام التهديد الضمني باستخدام القوّة، مقترنًا باحتكار المستعْمِرين للسلطة المطلقة [16].
اختلف الحكم الاستعماريّ اختلافًا جوهريًّا عن الحكم التقليديّ؛ فقد صُمِّم الحكم الاستعماريّ ليكون عقلانيًّا، منظَّمًا على أساسٍ وظيفيّ، ومُسجَّلًا بصورةٍ غير شخصيّة. وفي المقابل، كان الحكم التقليديّ يرتكز على علاقاتٍ قائمةٍ على نظام الطوائف والطبقات. أمّا من الناحية التطبيقيّة، فلم تكن أعداد الأوروبيّين كافيةً تمامًا لفرض حكمٍ مباشرٍ في شتّى أنحاء المستعمَرة؛ وبدلًا من ذلك، جرى دمج الحكّام التقليديّين في المستويات الإداريّة الأدنى ضمن منظومة الحكم الاستعماريّ. ورغم أنّ السلطات الاستعماريّة حاولت تجنب تقويض البنى التقليديّة، فإنّ المجتمعات التقليديّة تفككت تدريجيًّا، وتآكلت سلطة حكامها. فكانت النتيجة هي عزل الشعوب المحليّة والتمييز ضدّها. وقد أُجبر هؤلاء السكّان عمومًا على الانخراط في مؤسساتٍ ذات طابعٍ غربيّ - كالاقتصاد النقديّ - والامتثال للقواعد والنظم الغربيّة، في الوقت الذي حُرِموا فيه من المكافآت الأساسيّة التي توفّرها تلك المنظومات[17].
وعلى الرغم من تباين السياسات الاستعماريّة من قوةٍ استعماريّةٍ إلى أخرى، بل اختلافها أحيانًا بين مستعمراتٍ تابعةٍ للقوّة نفسها، فإنّ ثمّة أنماطًا عامّةً قد برزت. فغالبًا ما أدّت المعايير التي فرضتها القوى الاستعماريّة - والتي حدّدت العِرقيّة أساسًا للمقارنة - إلى دفع الجماعات العرقيّة داخل المناطق المُستعمَرة للتنافس فيما بينها على الفرص المتاحة[18]. وعمدت سياسات العمل الاستعماريّة إلى تصنيف جماعاتٍ عرقيّةٍ محدّدةٍ بوصفها (ملائمةً) لأنواعٍ معيّنةٍ من العمل، كما مُنحت الجماعات التي عُدّت (مستضعفةً) وضعًا محميًّا في كثيرٍ من الأحيان. وقد اتّسمت الجماعات المحميّة بولاءاتٍ قويّةٍ للسلطة الاستعماريّة، غير أنّها لم تشهد تطوّرًا اقتصاديًّا يُذكر؛ نظرًا لتوجيه الموارد نحو الجماعات الأكثر تمكينًا (المتميزة). علاوةً على ذلك، لم يكن من غير المألوف أن تقلب السياسات الاستعماريّة الهياكل الهرميّة العِرقيّة القائمة؛ إذ اتّسمت الأسس التي اعتمدتها القوى الاستعماريّة في التمييز والمفاضلة بالعشوائيّة في كثيرٍ من الأحيان. وبشكل عام، استمرّت تلك المعايير الاستعماريّة والانقسامات العرقيّة حتى بعد انتهاء عهد الاستعمار، بل جرى تعزيزها من خلال التعليم الغربيّ، كما في حالتي بوروندي ورواندا. لقد أحدثت السياسات الاستعماريّة تحوّلًا جذريًّا في العلاقات بين الجماعات، ممّا جعل مقارنة سمات الجماعات أمرًا أكثر سهولة، وفي الوقت ذاته، جعل من الهويّة الإثنيّة مسألة أكثر أهميّةً ممّا كانت ستصبح عليه في ظروفٍ أخرى. وتمّثلت الأثار العامّة للسياسات الاستعماريّة في: 1. تبسيط الهويّات الإثنيّة وتعزيزها. 2. كبح التنافسات والصراعات الإثنيّة (مؤقّتًا). 3. توظيف الهويّات الإثنيّة بوصفها مسوّغًا لإنشاء وحداتٍ إداريّة. 4. إضفاء طابعٍ مؤسسيّ على الوحدة الثقافيّة. ونتيجة لهذه السياسات الاستعماريّة استمرّت المعايير الجديدة لتقييم الجماعات لفترةٍ طويلةٍ بعد زوال الاستعمار[19].
المستعمرات الاستيطانيّة
يمثّل الاستعمار الاستيطانيّ نمطًا من أنماط الهيمنة المرتبطة بأشكال الاستعمار الأخرى، وإنْ كان يتميّز عنها بخصائص فارقة. وكما نُوقش أعلاه، عملت مستعمرات الاستغلال على إرساء وترسيخ حكمٍ طبقيّ قائمٍ على التمييز بين المستعمرين الأكثر قوةً، والسكّان الأصليّين الأقلّ قوة، وذلك عبر إدارةٍ استعماريّةٍ محدودة العدد. وفي المقابل، حلّ الاستعمار الاستيطانيّ محلّ الحكم الطبقيّ المباشر؛ إذ عمد عادةً إلى إنهاء العلاقات غير المتكافئة بين المستوطنين والسكّان الأصليّين، إمّا من خلال إبادتهم، وإمّا عبر تهجيرهم إلى محمياتٍ معزولة. وفي حين كانت مستعمرة الاستغلال النموذجيّة تقتضي وجود سكّان أصليّين أو مستعبدين لتوفير العمالة اللازمة لإنجاح المشاريع الاقتصاديّة مثل الزراعة في المزارع الكبرى Plantations، فإنّ المستعمرات الاستيطانيّة، بصفةٍ عامةٍ، لم تعتمد على عمالة السكّان الأصليين، بل قامت على أساس إقصائهم - ديموغرافيًّا أو جغرافيًّا - بالتزامن مع توطين أعدادٍ غفيرةٍ من المستعمرين أو الأفراد المستعبدين في تلك المناطق.
إنَّ الاستيلاء على الأراضي لتمكين المستوطنين من احتلالها - عبر طرد السكّان المحليّين وتدمير بنيتهم الاجتماعيّة - يشكّل العمليّة الجوهريّة للاستعمار الاستيطانيّ. وقد تجلّت هذه العمليّة في جنوب أفريقيا، وأمريكا الشماليّة، وأستراليا والمناطق التابعة لها، بالإضافة إلى المنطقة الجنوبيّة من أمريكا الجنوبيّة. وغالبًا ما انطوت العلاقات مع الشعوب الأصليّة على التهميش، والإخضاع، والإبادة. كما شملت هذه العمليات ممارسات العنصريّة، والتمييز المُقنَّن، والتهجير القسريّ للأقليّات، والمجازر، والحروب ضدّ المقاومة المسلّحة المنظّمة، وصولًا إلى الإبادة الجماعيّة[20].
مارس الأوروبيّون إبادةً ثقافيّةً ضدّ الشعوب الأفريقيّة، وكانت بداية هذه الممارسات في جنوب غرب أفريقيا الخاضعة للاستعمار الألمانيّ (1904) ضدّ شعبَي الهيريرو والناما The Herero and Nama peoples، حيث قُتل نحو 60,000 من الهيريرو، و10,000 من الناما على التوالي. وبالمثل، تعامل البريطانيّون عام 1954 مع (شعب الكيكويو)، ويعرف أيضًا باسم الأجيكويو (The Kikuyu) في مستعمرتهم بشرق أفريقيا (كينيا حاليًا)، مما أدى إلى اندلاع ثورة الماو ماو (Mau Mau Rebellion The). وقد استخدم البريطانيّون العنف في كافة مستعمراتهم كجزءٍ مّما سموه (رسالة التمدين) [21]. وأسفر الصراع الناتج عن فظائع من كلا الجانبين، رغم أنّ الفظائع البريطانيّة كانت أشدّ وطأةً بكثيرٍ مّما ارتكبه شعب الكيكويو. ووقعت اعتداءاتٌ أخرى مماثلةٌ على كرامة الشعوب الأفريقيّة في جنوب روديسيا، وناتال البريطانيّة، والكونغو البلجيكيّة، وإثيوبيا الإيطاليّة. وفي المقابل، وظفّت حركات مناهضة الاستعمار مفاهيم حقوق الإنسان العالميّة في مقاومتها للقوى الأوروبيّة. ورغم تباين التفاصيل، فإنّ زعماء مثل: كينياتا Kenyatta (كينيا)، ونكروما Nkrumah (ساحل الذهب-غانا)، ولومومبا Lumumba (الكونغو)، ونيريري Nyerere (تنجانيقا- تنزانيا لاحقًا) قد استندوا جميعًا إلى أفكار حقوق الإنسان العالميّة المتعلّقة بتقرير المصير، والمساواة العِرقيّة، والحقوق السياسيّة والمدنيّة لدفع حركات مناهضة الاستعمار والفصل العنصريّ قدمًا. بيد أنّه بعد وقتٍ قصيرٍ من انتهاء الاستعمار ونيل الاستقلال، تراجع هذا الزخم حول حقوق الإنسان ليحلّ محلّه الحكم السلطويّ وحكوماتٌ قمعيّةٌ في دول مثل غانا، وتنزانيا، والكاميرون، وأوغندا، وغينيا الاستوائيّة، وإثيوبيا، وليبيريا، وسيراليون، والسودان، وجمهوريّة الكونغو الديمقراطيّة، ورواندا، وجمهوريّة أفريقيا الوسطى. وفي الآونة الأخيرة لجأت بعض الدول الإفريقيّة إلى معارضة خطاب حقوق الإنسان استنادًا إلى فكرة أنّها إملاءاتٌ غربيّةٌ مفروضة، وقد استُخدم هذا الادّعاء لإنكار حقوق الأقليّات الجنسيّة [22].
سعى المستوطنون إلى إقامةٍ دائمةٍ وتأسيس نظامٍ اجتماعيّ واقتصاديّ يحاكي، إلى حدٍّ كبيرٍ، النظام السائد في أوطانهم الاستعماريّة. وقد أسّست دولٌ أوروبيّةٌ عدّة مستعمراتٍ استيطانيّة؛[23] ونتيجة لإقصاء السكّان الأصليّين، لم تنطوِ المستعمرات الاستيطانيّة عمومًا على النمط ذاته من الهيمنة السياسيّة الموجود في مستعمرات الاستغلال التقليديّة. وتبرز جنوب أفريقيا وزيمبابوي (روديسيا الجنوبيّة سابقًا) كحالتين استثنائيتين، حيث خضع السكّان الأصليّون للهيمنة في ظلّ وضعٍ استعماريّ استيطانيّ. لقد شكّل المستوطنون باستمرار القوة السياسيّة الأشدّ تأثيرًا في مستعمراتهم، بل وكان نفوذهم يفوق أحيانًا نفوذ الحكومات الاستعماريّة نفسها. ونظرًا للروابط الثقافيّة التي جمعتهم بدولهم الاستعماريّة الأوروبيّة، أبدت المستعمرات الاستيطانيّة عادةً مقاومةً أشدّ ضدّ حركات إنهاء الاستعمار Decolonization مقارنةً بمستعمرات الاستغلال[24].
الأهداف والنتائج الاستعماريّة
لقد حظي الإرث الاقتصاديّ للاستعمار بنقاشاتٍ واسعةٍ لدى مجموعاتٍ محدودةٍ ومختارةٍ من الدول، حيث اعتمد التطوّر الاقتصاديّ للمستعمرات السابقة، جزئيًّا، على هويّة القوّة الاستعماريّة - على سبيل المثال بريطانيا العظمى أو إسبانيا - وعلى مدى اتّساع نطاق الاستعمار الاستيطانيّ. وقد أثّرت هويّة القوّة الاستعماريّة وحجم الاستيطان معًا في درجة تطوير المؤسّسات على النمط الأوروبيّ في الدول التي انبثقت عن المناطق التي كانت خاضعةً للاستعمار. وكان فرض المؤسّسات ذات الطابع الأوروبيّ أكثر احتمالًا في المستعمرات الاستيطانيّة؛ وبوجهٍ عام، كلما زادت نسبة السكّان ذوي الأصول الأوروبيّة في المستعمرة، كانت التنمية الاقتصاديّة أكثر قوّة [25].
يمكن إيجاد مفارقةٍ داعمةٍ وقويّةٍ عند المقارنة بين التنمية الاقتصاديّة في المستعمرات الإسبانيّة ونظيرتها في المستعمرات البريطانيّة[26]. فإلى حدٍّ ما، كانت المؤسّسات في المستعمرات الاستيطانيّة متوافقةً مع الأفكار الناشئة المتعلّقة بالحقوق، نظرًا لسعي المستوطنين إلى إرساء مؤسساتٍ تحاكي تلك الموجودة في أوطانهم. وبالطبع، وكما هو الحال في الولايات المتّحدة، فقد شاب هذه المؤسّسات ارتباكٌ وتخبطٌ بسبب تاريخ العبوديّة. وفي المقابل، كان من المرجّح بشكلٍ أكبر أن تُنتج مستعمرات الاستغلال مؤسّساتٍ تعجز عن دعم حقوق الإنسان.
كان من أبرز نماذج المستعمرات الاستيطانيّة في أمريكا الشماليّة: المستعمرات الفرنسيّة التي بدأ تأسيسها في عام 1535، والمستعمرات البريطانيّة التي بدأت في عام 1607. ومع وضْعِ أوزار (الحرب الفرنسيّة والهنديّة) في عام 1763 - والمعروفة أيضًا بـ حرب السنوات السبع - تنازلت فرنسا عن مناطق استعمارها لصالح البريطانيّين. وقد تحوّلت هذه المستعمرات في النهاية إلى دولتين مستقلتين هما: كندا والولايات المتّحدة، اللتان تجمعهما روابطُ ثقافيّةٌ وسياسيّةٌ واقتصاديّةٌ وثيقةٌ ببريطانيا العظمى. أمّا في كندا، فتوجد روابطُ ثانويّةٌ مع فرنسا.
أمّا في أمريكا الجنوبيّة، فقد شرعت البرتغال في إرساء دعائم استعمارها عام 1500م، في المنطقة التي تُعرف اليوم بالبرازيل، حيث فرضت منظومة سياسيّة ملكيّة مطلقة استمرّت حتى نالت البرازيل استقلالها سلميًّا عام 1822. وفي المقابل، أسّست إسبانيا مستعمراتٍ في أمريكا الوسطى والجنوبيّة بين عامي 1500 و1780م؛ حُكمت في البداية وفق نموذج الدولة البيروقراطيّة الأبويّة (Bureaucratic-Patrimonial)، حيث أحكمت النخب قبضتها على حكومةٍ مركزيّةٍ قويّةٍ رغم استناد الحكم إلى أطرٍ قانونيّةٍ موحّدة. أدّت الإصلاحات اللاحقة إلى تحويل البنى الاستعماريّة الإسبانيّة إلى أنظمةٍ أوتوقراطيّةٍ (استبداديّة)، تركزت فيها السلطة القانونيّة والتشريعيّة بشكلٍ مطلقٍ في يد الحاكم. ولم تكن هذه السياسات حكرًا على إسبانيا، بل كانت سمةً مميزةً للمستعمرات البريطانيّة والفرنسيّة والهولنديّة على حدٍّ سواء. وبوجهٍ عامٍّ، نجحت مستعمرات أمريكا اللاتينيّة في التحوّل إلى دولٍ مستقلةٍ في مرحلةٍ زمنيّةٍ أسبق من مستعمرات القوى الدوليّة الأخرى.
لقد أفضت حروب الاستقلال، بحلول عام 1826م، إلى هزيمة القوات الموالية للتاج الإسبانيّ، ومع حلول عام 1830م، تحوّلت الممتلكات الإسبانيّة كافّة في الأمريكيتين إلى دولٍ مستقلّةٍ ذات سيادةٍ، باستثناء كوبا وبورتوريكو. وفي منحى متّصل، جاء استقلال البرازيل السلميّ عام 1822م مدفوعًا بهواجس ومخاوف عسكريّةٍ مماثلةٍ لتلك التي اجتاحت جيرانها. وبحلول عام 1888 ترسّخت الحدود السياسيّة للدول الحاليّة في أمريكا اللاتينيّة ومنطقة الكاريبي، بما في ذلك المناطق التي ظلّت تحت سيطرة القوى البريطانيّة والدنماركيّة والهولنديّة والفرنسيّة والولايات المتّحدة، غير أنّ الإرث الاستعماريّ لم يتوقّف عند حدود الجغرافيا؛ إذ إنّ البنى السياسيّة السلطويّة التي أُرسيت دعائمها خلال الحقبة الاستعماريّة قد استمرت وظلّت فاعلةً حتى أواخر القرن العشرين[27].
اتّخذ الاستعمار في آسيا مسارًا تطويريًّا مختلفًا تمامًا؛ فعقب نجاح المستكشفين البرتغاليّين في الدوران حول رأس الرجاء الصالح عام 1486 ودخول المحيط الهنديّ، شرعت الدول الأوروبيّة - لا سيّما البرتغال وهولندا وفرنسا وبريطانيا العظمى - في تأسيس مراكز تجاريّةٍ متقدّمة، وتوسّعت تدريجيًّا عبر المحيط الهنديّ لإقامة علاقاتٍ تجاريّةٍ في شبه القارة الهنديّة، وجنوب شرق آسيا، وصولًا في النهاية إلى اليابان والصين. ومع بداية القرن السادس عشر، نجحت كلٌّ من هولندا وفرنسا وبريطانيا العظمى في إرساء روابط تجاريّةٍ مع أجزاءٍ متفرّقةٍ من آسيا؛ إلّا أنّ تشكيل المستعمرات بمعناها الشامل - بدلًا من مجرد الاكتفاء بالمراكز التجاريّة - لم يبدأ إلّا في أواخر القرن الثامن عشر.
حلَّ الهولنديون محلَّ البرتغاليّين كقوّةٍ مهيمنةٍ، ليخضعوا بدورهم لنفوذ البريطانيّين؛ حيث فرضت (شركة الهند الشرقيّة البريطانيّة) سيطرتها أولًا، تلتها بريطانيا العظمى بشكلٍ مباشرٍ في القرن الثامن عشر. وقد بسط البريطانيّون هيمنةً مطلقةً على التجارة الممتدة من شبه القارة الهنديّة عبر جنوب شرق آسيا وصولًا إلى الصين. وفي المقابل، لم يحقّق الفرنسيّون نجاحًا يذكر كجهاتٍ تجاريّةٍ، إلّا أنّهم - وبدافع أساسيّ من البعثات الكاثوليكيّة - تمكّنوا من بناء نفوذٍ في جنوب شرق آسيا، وتحديدًا فيما يعرف الآن بفيتنام[28].
تُعد السيطرة البريطانيّة على إقليم البنغال، والتي ترسّخت دعائمها بحلول عام 1764، الانطلاقة الفعليّة للمناطق الاستعماريّة بمفهومها الإقليميّ الشامل في آسيا. وقد أدّت المنافسات البريطانيّة-الفرنسيّة في القرن التاسع عشر - ولا سيّما التوغّل البريطانيّ في جنوب شرق آسيا- إلى دفع فرنسا للتوسّع خارج حدود فيتنام؛ لفرض سيطرتها على مناطق شاسعةٍ تضمّ الآن لاوس وكمبوديا. في المقابل، حكم الهولنديّون الأرخبيل الإندونيسي والنصف الغربيّ من غينيا الجديدة. وفي عام 1788، أنشأت بريطانيا العظمى مستعمراتٍ استيطانيّةً في أستراليا، ثم في نيوزيلندا عام 1841. كما استحوذت بريطانيا وألمانيا والولايات المتّحدة على مستعمراتٍ في جزر جنوب شرق آسيا [29].
لقد سبقت الروابط الأوروبيّة مع القارة الأفريقيّة سائر أشكال التوسّع الإقليميّ والاستعماريّ الأوروبيّ في مناطق العالم الأخرى؛ إذ نشأت علاقات تجاريّة محدودة مع الممالك الأفريقيّة القائمة قبل وقتٍ طويلٍ من تأسيس تجارة الرقيق مع الأمريكيّتين. وفي المقابل، تأخّر تشكّل الاستعمار الرسميّ لأفريقيا حتى أوائل القرن التاسع عشر، متمثّلًا في الاستعمار الاستيطانيّ الفرنسي للجزائر. ومع ذلك، فإنّ حركة الاستعمار الشاملة لم تتبلور بجديّةٍ إلّا بعد مضي ما يزيد عن سبعين عامًا على الإلغاء الرسميّ البريطانيّ لتجارة الرقيق عام 1807. فخلال سبعينيّات وثمانينيّات القرن التاسع عشر، تزايدت مطامع القوى الأوروبيّة في الموارد الطبيعيّة للقارة، وهو ما أدّى إلى نشوء ظاهرة (التكالب على أفريقيا). وقد تم تقنين هذه المطامع من خلال مؤتمر برلين (1884–1885)، الذي تولّى الفصل في الادّعاءات السياديّة للدول الأوروبيّة وتوزيع مناطق النفوذ دون أدنى مشاركةٍ من الأطراف الأفريقيّة صاحبة الحقّ الأصيل والأرض. ومن هنا، يبرز تقاربٌ زمنيٌّ لافت؛ إذ تزامن انطلاق عجلة الاستعمار الممنهج في أفريقيا بحلول عام 1888 مع التوقيت الذي شهد الإلغاء الرسميّ للعبوديّة في معظم دول العالم[30].
قبل مرحلة (التكالب على أفريقيا)، كانت مساحاتٌ محدودةٌ نسبيًّا من القارة خاضعةً للسيطرة الأوروبيّة الفعليّة؛ ففي عام 1876، كانت الإمبراطوريّة العثمانيّة تبسط سيطرتها على شمال أفريقيا ووادي النيل. أمّا البريطانيّون فكان نفوذهم ينحصر في غامبيا، وسيراليون، والجزء الجنوبيّ من القارة، بالإضافة إلى سيطرتها على منطقةٍ صغيرةٍ تعرف اليوم بـ (لاغوس) في نيجيريا. وفي المقابل، سيطر البرتغاليّون على سواحل أنغولا، وسواحل موزمبيق، ووادي زامبيزي الأدنى، ومنطقة صغيرة في ‹بورت غينيا› (غينيا بيساو حاليًّا).
وقد اقتصر النفوذ الفرنسيّ على الساحل الجزائريّ، والسنغال، وجزءٍ بسيط ٍمن سواحل الغابون. وفي تلك الأثناء، كانت مناطق عدّة في أفريقيا تخضع لحكم إمبراطوريّاتٍ وممالك محليّة، مثل إمبراطوريّة الحبشة، وإمبراطوريّة (أشانتي) Ashanti Empire، ومملكة (بوغندا). بيد أنّه في الفترة ما بين عامي 1880 و1914م، قُسّمت أفريقيا بأكملها - باستثناء إثيوبيا وليبيريا - إلى مستعمراتٍ أوروبيّةٍ أو محمياتٍ بمختلف أشكالها. ومع ذلك، ظلّت السيطرة الاستعماريّة في (مستعمرات الاستغلال) ضعيفةً وغير مستقرّة[31]. في العديد من المناطق الواقعة خارج المدن الكبرى.
وفي أعقاب مؤتمر برلين، أحكم الملك ليوبولد الثاني، ملك بلجيكا، قبضته الشخصيّة على منطقة حوض الكونغو، وتم تجميد الممتلكات البريطانيّة والفرنسيّة في غرب أفريقيا، وحصلت ألمانيا على توغو والكاميرون وجنوب غرب أفريقيا (ناميبيا حاليًا). كذلك أقرَّ مؤتمر برلين مبدأ يقضي بأنّ المطالبات بالسيادة على المناطق الداخليّة يجب أن تستند إلى الاحتلال الفعلي Effective Occupation لتلك الأراضي[32]، وهو ما أطلق شرارة التكالب لبسط السيطرة على الأراضي الإفريقيّة.
وعن دور المقاومة في إفريقيا، فلم تأتِ السيطرة على أفريقيا دون مقاومةٍ وصراع؛ فقد خاضت الدول الأوروبيّة سلسلةً من الحروب ضدّ الجيوش الوطنيّة للسيطرة على الأراضي. فقد حاربت فرنسا لإخضاع الجزائر والسنغال والمناطق الوسطى من شمال أفريقيا، وخاضت بريطانيا حروبًا للسيطرة على غانا ونيجيريا والسودان وأجزاءٍ واسعةٍ من الجنوب الأفريقيّ. أمّا إيطاليا فقد سعت للسيطرة على ليبيا وإثيوبيا، لكن محاولاتها باءت بالفشل إلى حدٍّ كبيرٍ، وفي الوقت ذاته، قاتلت ألمانيا للسيطرة على جنوب غرب أفريقيا (ناميبيا) وتنجانيقا. وخاض البرتغاليّون حروبًا للسيطرة على أنغولا وموزمبيق؛ في حين، تحوّل حوض الكونغو إلى ملكيّةٍ خاصّةٍ للملك ليوبولد ملك بلجيكا. وبوجهٍ عامٍّ، تُعزى الانتصارات الأوروبيّة إلى تفوّق عتادهم العسكريّ الذي فاق قدرات خصومهم الأفارقة، وهو ما عزّزه في كثيرٍ من الحالات فشل الجيوش الأفريقيّة في تكييف استراتيجيّتها القتاليّة مع الظروف الجديدة. ورغم الثورات المتعدّدة للمستعبدين، أدّت التجارة الثلاثيّة (السكر، والأسلحة، والعبيد) - بالإضافة إلى التجارة في المعادن النادرة والعاج - في النهاية إلى إثراء القوى الاستعماريّة وإفقار القارة الأفريقيّة [33].
ونتيجةً لذلك، أحكمت فرنسا قبضتها بحلول عام 1912 على معظم أجزاء غرب أفريقيا (ما يعرف حاليًّا بمصر والسودان وجنوب السودان) وشمال خطّ الاستواء. وبسطت ألمانيا سيطرتها على ما يعرف اليوم بتوغو، والكاميرون، والمنطقة البريّة من تنزانيا (تنجانيقا سابقًا)، ورواندا، وبوروندي، وناميبيا. أمّا بريطانيا العظمى، فقد استحوذت على ما يعرف الآن بغامبيا، وسيراليون، وغانا، ونيجيريا، بالإضافة إلى كلٍّ من مصر، والسودان، وجنوب السودان، وأوغندا، وكينيا، وأرخبيل زنجبار (الذي يشكل حاليًا جزءًا من تنزانيا) كما سيطرت جنوب خط الاستواء على ما يعرف اليوم بزامبيا، وزيمبابوي، وبوتسوانا، وجنوب أفريقيا، وليسوتو (باسوتولاند سابقًا)، وإيسواتيني (سوازيلاند سابقًا). وفي الوقت ذاته، خضعت غينيا بيساو وأنغولا وموزمبيق للسيادة البرتغالية. وسيطرت بلجيكا على ما يعرف الآن بجمهوريّة الكونغو الديمقراطيّة، واستحوذت إيطاليا على ليبيا وإريتريا وجزء من الصومال.
أدّت تسوية الحرب العالميّة الأولى إلى تعزيز بريطانيا لقبضتها على مستعمراتها، حيث وُزّعت غنائم الحرب على الطرف المنتصر. وباستثناء الولايات المتّحدة، والمستعمرات الإسبانيّة السابقة، والبرازيل البرتغاليّة، بدأت الموجة الأولى من نيل الاستقلال الاستعماريّ مثل، مصر في عشرينيّات القرن الماضي، وامتدّت حتى نهاية الحرب العالميّة الثانية مع تقسيم الهند عام 1947. أمّا حركات الاستقلال في أفريقيا، فقد أدّت إلى نيل معظم تلك المستعمرات مثل غانا والمستعمرات الفرنسيّة استقلالها خلال الخمسينيّات، وتبعتها دولٌ أخرى مثل بوتسوانا وغامبيا وكينيا في الستينيّات، رغم أنّ هذه العمليّة استمرت حتى الثمانينيّات. وبالمثل، أصبحت المستعمرات الفرنسيّة والبريطانيّة في جنوب شرق آسيا دولًا مستقلةً خلال الخمسينيّات والستينيّات[34].
أدّت البُنى السياسيّة والاقتصاديّة التي أفرزها الاستعمار عن أنظمةٍ اقتصاديّةٍ وسياسيّةٍ مجزّأة. وبالرغم من أنّ تلك الفترة شهدت نموًا اقتصاديًّا، إلّا أنّها افتقرت إلى الزخم اللازم لانتشال الدول الناشئة من دائرة الفقر أو تأهيلها للانخراط في المنظومة الصناعيّة المتسارعة. وتُعدّ الأسباب المحدّدة لِمَواطن الضعف الاقتصاديّ في معظم المستعمرات السابقة معقّدةً، وقد أثارت نقاشاتٍ جادّة، ومع ذلك، فإنّ النتيجة واضحةٌ تمامًا؛ إذ انصب اهتمام القوى الاستعماريّة في المقام الأول على استغلال المستعمرات كمصادر للموادّ الخام، سواء كانت زراعيّةً مثل زيت النخيل والمطاط، أو معدنيّةً مثل القصدير. وبناءً عليه، أصبحت المستعمرات موجهةً نحو إنتاج سلعٍ أوليّةٍ خاضعةٍ للحدّ الأدنى من المعالجة بهدف تصديرها للسوق العالميّ، واقتصرت الصناعات التي حظيت بدعمٍ قويّ من القوى الاستعماريّة على تلك التي تخدم تصدير الموادّ الخام فحسب. ونادرًا ما حظي الإنتاج الصناعي واسع النطاق بالتشجيع، إذ كانت السياسة الاستعماريّة تهدف بشكلٍ كبيرٍ إلى حصر دور المستعمرات في توريد السلع الأساسيّة، على أن تظلّ الصناعة حكرًا على أوروبا. وبغض النظر عن نمط الاستعمار، ظلّ التركيز - باستثناء الهند البريطانيّة ربما - منصبًا على استخراج الموارد الزراعيّة والتعدينيّة للأسواق الخارجيّة. أمّا الاستثمارات الرأسماليّة. فقد جاءت من المركز الاستعماريّ (الدولة الأم)، ولم تُوجّه تقريبًا نحو بناء اقتصادٍ صناعيّ وطنيّ في تلك المستعمرات[35].
وبدلًا من ذلك، كانت أمريكا اللاتينيّة ومنطقة الكاريبي - قبيل اندلاع الحرب العالميّة الأولى - تُنتج ما يقرب من 20% من إجمالي الحبوب في العالم، وأكثر من ثلث إنتاجه من السكر، وما يتجاوز 60% من محاصيل القهوة والكاكاو والشاي. كما شملت قائمة الصادرات الحيويّة الرئيسة آنذاك: الأخشاب والمطاط والموز والقطن والتبغ، بالإضافة إلى النحاس والمنجنيز والقصدير والفضة والنترات. والجدير بالذكر أنّ البريطانيين أنشأوا نظامًا واسع النطاق للسكك الحديديّة في الهند، فأسهمت في تحويل الاقتصاد الزراعي الذي أصبح بحلول مطلع القرن العشرين يرتكز على الشاي والقهوة والمطاط والبذور الزيتيّة والقمح وقصب السكر والقطن. وكشأن القوى الاستعماريّة الأخرى، انصبت المصالح الفرنسيّة على تصدير الموادّ الخام أو السلع المُصنعة جزئيًّا، مثل الأرز والمطاط والفحم والقصدير والزنك، مع إهمال تطوير الصناعات المحليّة، في إطار عمليّةٍ أدّت إلى تحويل اقتصاد المنطقة من الزراعة المعيشيّة إلى اقتصادٍ قائمٍ على العمل المأجور. وبحلول منتصف ثلاثينيّات القرن العشرين، شملت الصادرات الرئيسة من أفريقيا الكاكاو، والقهوة، والقطن، والفول السوداني، ومنتجات النخيل، والمطاط، والسمسم، والنحاس، والألماس، والذهب، والمنجنيز، والفوسفات، والراديوم، والقصدير[36].
على الصعيد السياسيّ، لم تتمكن الحركات الاجتماعيّة التي ركزت على هويّاتٍ سياسيّةٍ رمزيّةٍ واسعةٍ من معالجة الأنظمة الاقتصاديّة والسياسيّة المجزّأة، وذلك بسبب محدوديّة نفوذها. وغالبًا ما تفاقمت هذه القيود بفعل الانقسامات الداخليّة داخل الحركات المناهضة للاستعمار نفسها. ففي مثل هذه المجتمعات الاستعماريّة، اتّسمت النظم الاجتماعيّة والاقتصاديّة بالهشاشة والضعف، ممّا أعطى ثقلًا كبيرًا للعلاقات الشخصيّة والرشاوي على المستوى المحليّ. لقد خلّفت الأنظمة السياسيّة للاستعمار في الدول النامية أنظمةً سياسيّةً استبداديّةً أدّت - خاصة خارج المستعمرات الاستيطانيّة - إلى إضعاف السلطات التقليديّة في معظم الأجزاء وتصعيد الانقسامات العِرقيّة، وقد ترك ذلك أساسًا واهيًا للهويّة الوطنيّة الموحّدة الضروريّة لتشكيل دولٍ قوميّةٍ حديثةٍ ناجحة [37]. وكان لتلك الهواجس نتائج خطيرةٌ على مسار التنمية في البلدان التي انبثقت عن الحقبة الاستعماريّة وما ارتبط بها من ممارساتٍ استعماريّة.
باستثناء المستعمرات الاستيطانيّة - التي شهدت إمّا إبادةً للسكّان الأصليّين وإمّا عزلًا جغرافيًّا لهم عن المجتمع - أحدث التدخل الاستعماريّ صدامًا ثقافيًّا حادًّا. وقد تضافرت قوّتان ثقافيّتان رئيستان لإعادة صياغة الثقافات المحليّة؛ القوة الأولى: إدخال المسيحيّة التي عملت على قمع الأديان المحليّة وإعادة تشكيل المفاهيم الثقافيّة الأساسيّة، حيث ركزت على المنظور الفرديّ للإنسان، وأولت أهميةً قصوى للأسرة النوويّة (الصغيرة)، فضلًا عن تقديم مفاهيم جديدةٍ حول الجنسانيّة. ولم تكن هذه التغييرات مجرد نتاج لفرض الكنيسة قسرًا على الشعوب المستعمرة فحسب، بل كانت أيضًا نتيجة لعمليات (التنصير الذاتيّ)، وإقامة كنائس مسيحيّةٍ محليّةٍ. كما أدّى دخول المسيحيّة إلى ظهور حركاتٍ دينيّةٍ مضادّة، وفي المقابل، كان الإسلام المحليّ هو الكيان الوحيد الذي نجح عمومًا في الحفاظ على وجوده وصموده أمام الضغوط الاستعماريّة. والقوة الثانية، التي تبلورت في أواخر الحقبة الاستعماريّة، تمثّلت في التعليم العلمانيّ الغربي، بما في ذلك فرض اللغات الأوروبيّة.
وقد تباينت جودة المدارس التي أنشأتها الدول الاستعماريّة تباينًا كبيرًا، وغالبًا ما انصبّ تركيزها بشكلٍ حصريّ على التعليم المرتبط بالزراعة الأساسيّة، والتقنية، ودراسة الكتاب المقدّس، ولم تُولِ سوى قلةٍ من القوى الاستعماريّة اهتمامًا حقيقيًّا بالتعليم الجماهيريّ. ومن المفارقات أنّ فرض اللغات الأوروبيّة ساعد في توحيد المجموعات العرقيّة المتباينة داخل المستعمرات، كما منحت النخبة القليلة من ذوي التعليم العالي لغةً مكنتهم من صياغة نقدٍ منهجيّ للمؤسّسات والنظم الاستعماريّة. ونتيجةً لذلك، تعرّضت العلاقات والمؤسّسات الاجتماعيّة التي كانت قائمةً سلفًا في المناطق المُستعمرة لزعزعة بنيويةٍ شاملةٍ؛ إذ أدّى هذا التمزّق، في كثيرٍ من الأحيان، إلى غياب أيّ وجهٍ للتشابه بين مكونات الثقافة المحليّة وثقافة المستعمِر، وذلك في ظلّ سعي السياسات الاستعماريّة لتمكين المستعمِرين من تحقيق أهدافهم [38].
من المستعمرات إلى الدول: الانعكاسات على حقوق الإنسان
سعت المستعمرات السابقة إلى التحوّل إلى دولٍ قوميّة، بيد أنّ الحدود الجغرافيّة التي فُرِضت عليها إبّان الحقبة الاستعماريّة خلقت أقاليم جغرافيةً تضمّ مجموعاتٍ متنوعة، لا ينظر أفرادها إلى أنفسهم كشعبٍ ينتمي إلى مجتمعٍ واحد. وقد أفضى هذا الواقع إلى انقساماتٍ وصراعاتٍ سياسيّة، أدّت إلى وضع تحدّياتٍ أمام دعم وتعزيز حقوق الإنسان في عالمنا المعاصر.
مع نيل المستعمرات استقلالها، سعت إلى التحوّل إلى دولٍ قوميّة، وهو مفهومٌ يجمع بين فكرتين منفصلتين: القوميّة: بوصفها شعبًا ينتمي إلى مجتمعٍ واحد. والدولة: بوصفها إقليمًا جغرافيًّا محدّدًا يخضع لسلطةٍ سياسيّة.
ويفترض بالدولة القوميّة، في حالتها المثاليّة، أن تكون جامعةً، يخضع مواطنوها لمنظومةٍ تشريعيّةٍ موحّدةٍ تُطبق على الجميع دون تمييزٍ، ويتوقّع من الحكومة أن تمارس سلطتها نيابةً عن أفراد شعبها كاّفة دون تحيّزٍ لأيّ مجموعةٍ بعينها. وفي الفترة من 1816 إلى 2000، انحسرت نسبة مساحة الأرض الخاضعة للإمبراطوريّات والتنظيمات السياسيّة غير القوميّة من قرابة 60% لتصل فعليًّا إلى الصفر؛ إذ حلّت الدول المستقلّة محلّ الإمبراطوريّات والنظم السياسيّة الأخرى كالمستعمرات. وقد نجحت دولٌ معينة، كإيطاليا، في التحوّل إلى دولٍ قوميّة، أخفقت في ذلك العديد من دول ما بعد الاستعمار. فعلى سبيل المثال، كافحت نيجيريا لإرساء دعائم دولةٍ قوميّةٍ موحّدةٍ نظرًا لأنّ حدودها الجغرافيّة تضمّ جماعاتٍ عِرقيّةً ودينيّةً متنوّعة. ومع ذلك، ارتفع عدد الدول المستقلّة من الصفر تقريبًا في عام 1816 ليهيمن على المشهد العالميّ بنسبة 100% بحلول عام 2000 [39]، فكيف تبلور هذا التحوّل؟ وما هي تداعياته على حقوق الإنسان؟
تطوّر الدول القوميّة
تطوّرت الدولة القوميّة الأوروبيّة الحديثة على مدى مئات السنين؛ حيث عملت النخب على تركيز سلطتها السياسيّة، وفرض الضرائب على السكّان لاستخلاص الموارد اللازمة لتمويل الحروب، وتوسيع نطاق حكمها ليشمل أراضي شاسعةً بشكلٍ متزايد. وفي بادئ الأمر، بسطت هذه الدول حكمها على كلّ من يعيش في أراضيها، ولكن دون وجود فكرة الحقوق التي تُطبق على الجميع بشكلٍ متساوٍ[40].
في البداية، ومع تشكّل الدول القوميّة الجديدة، اعتمد تنظيم السلطة السياسيّة على القوة النسبيّة للنخب والجماهير، ووجود التنظيمات العِرقيّة، وقدرة السلطات المركزيّة على توفير السلع العامّة. على سبيل المثال، إذا كانت الدولة تسيطر على موارد كافيةٍ يمكن توزيعها على جميع السكّان، يصبح من الممكن بلورة دولةٍ قوميّةٍ قائمةٍ تقترب من النموذج المعياريّ المثاليّ. ففي الدول القويّة ذات التعبئة الجماهيريّة العالية، حيث تحتكر نخبةٌ مهيمنةٌ الحصة الكبرى من الموارد، يمكن تحويل ولاء الجماهير إلى موردٍ سياسيّ يُبادَل بالمشاركة السياسيّة وبإتاحة السلع العامّة. وفي هذا السياق، تجد النخب الثانويّة أنّ تعظيم مصالحها يتحقّق على نحوٍ أمثل من خلال الاندماج في التحالف الذي يجمع النخبة المهيمنة بالجماهير، بما يفضي في النهاية إلى تشكّل دولةٍ قوميّةٍ متماسكة [41].
ومع تطوّر الرأسماليّة وحركة التجارة، أدّى زيادة معدلات التعلّم ونمو طبقة المهنيين إلى تحوّلٍ تدريجيّ في موازين القوى. حيث اكتسبت جماعاتٌ اجتماعيّةٌ جديدةٌ نفوذًا دفعها للنضال من أجل نظامٍ سياسيّ يمثّل الشعب ويخدم مصالحه، بدلًا من نظام يُسخَّر لخدمة طبقةٍ حاكمةٍ ملكيّة. وبالتزامن مع هذه التغييرات، تبلورت طبقاتٌ اجتماعيّةٌ جديدةٌ وأيديولوجياتٌ سياسيّةٌ حديثة. وبينما كانت الدولة توفّر الحماية، ومع تزايد الموارد، طالبت الشعوبُ بحقوقٍ مقابل ولائها. وسرعان ما ارتبطت هذه الحقوق بفكرة القوميّة، لدرجةٍ أصبح معها الفرد المولود في دولةٍ قوميّةٍ - كفرنسا مثلًا- يُعدّ عضوًا أصيلًا ودائمًا في تلك الأمة. وفي النهاية، أصبح تعريف المواطنة قانونيًّا في مقابل في مفهوم الأجانب. وبذلك أصبح دور ممارسي السلطة السياسيّة متمثّلًا في تمثيل الشعب، وغدا للشعب حقّ تقرير المصير[42].
ونتيجة لمسار هذه العملية التاريخيّة الطويلة، ترسّخت فكرة الدولة القوميّة بوصفها النموذج السياسيّ الناجح والمشروع، وغدت المبدأ الأساس للانتماء والاستبعاد في المجالات الاقتصاديّة والسياسيّة والثقافيّة والعسكريّة. فالدول القوميّة الحديثة التي تبلورت في أعقاب حروب القرن التاسع عشر، تبادلت الاعتراف بالشرعيّة فيما بينها، وعمدت لاحقًا إلى تعميم نموذجها القوميّ وفرضه على بقية دول العالم. وقد أيّد الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان مبدأ (الجنسيّة) مع تحوّل فكرة الدولة القوميّة تدريجيًّا إلى جزءٍ أصيلٍ من الثقافة الدوليّة. ورغم استنادها إلى حدودٍ استعماريّةٍ فُرضت تعسفيًّا، فإنّ قدسيّة الدولة القوميّة كرّست الانقسامات العِرقيّة، ممّا أدّى إلى ارتفاع معدلات النزاعات المسلّحة [43].
القوميّة ومسارات تشكّل ما بعد الاستعمار
خلال المرحلة الثانية من بناء الدولة القوميّة، سارت العملية على نحوٍ مشابهٍ لما شهدته السياقات الأوروبيّة، إلّا أنّ الدول الجديدة لم تنبثق هذه المرّة عن أنظمةٍ استبداديّةٍ مطلقة، بل شكّلت من قطع فسيفسائيّةٍ لكياناتٍ إمبراطوريّة؛ أي من المناطق الإداريّة للإمبراطوريّات الاستعماريّة. وقد انطوى تطوّر دول ما بعد الاستعمار على انتقالٍ تدريجيّ، امتدّ لأكثر من قرنين من الزمان من إمبراطوريّاتٍ ذات ترتيبٍ طبقيّ إلى دولٍ قوميّةٍ تقوم على مبدأ الشموليّة العالميّة للمواطنين. في البداية، استطاعت الدول الإمبراطوريّة، مثل بريطانيا العظمى، تقليص نفوذ الحركات القوميّة ومنع تشكيل دولٍ قوميّةٍ في مستعمراتها. ومع ذلك، وبالتزامن مع ضعف الدول القوميّة الأوروبيّة، توالت موجاتٌ تشكّل الدول القوميّة في الإمبراطوريّات الاستعماريّة عبر البحار. بدأت هذه العمليّة في القرن التاسع عشر مع تفكك الإمبراطوريّة الإسبانيّة، الذي أعقب تدمير أسطولها في معركة ترافالغار the Battle of Trafalgarعام 1805 وهي معركةٌ بحريّةٌ ضمن الحروب النابليونيّة، وانتهت بتفكك الإمبراطوريتين البريطانيّة والفرنسيّة في أعقاب الحرب العالميّة الثانية [44].
كما نوقش آنفًا، تمكنت الدول الأوروبيّة القويّة التي تمتلك الموارد من التطوّر إلى دولٍ قوميّةٍ عبر عمليّةٍ سياسيّةٍ طويلة. ومع ذلك، إذا كانت الدولة ضعيفةً أو تفتقر إلى موارد كافيةٍ لتلبية احتياجات السكّان، فغالبًا ما يتمّ تنظيم هذه البلدان حول (المؤشّرات/السمات العِرقيّة) Ethnic markers - مثل الدين، واللغة، والزعم بالانحدار من أسلافٍ مختلفين، بحيث جرى تعريف بعض الجماعات المقيمة داخل إقليم الدولة بوصفها غير منتميةٍ إلى الأمة. ونظرًا للتفاوت في الوصول إلى الموارد، يمكن أن يحدث هذا الانقسام حتى لو لم تكن العرقيّة هي الشاغل الرئيس. فعندما لا يتوفّر مركزٌ سياسيٌّ قويٌّ يسيطر على موارد كافية، يضطر معظم السكّان للاعتماد على النخب المحليّة (العِرقيّة عادةً) للحصول على الموارد، في حين تعتمد النخب العرقيّة بدورها على أبناء جماعتها العرقيّة للحصول على الدعم [45]. كان هذا هو الوضع القائم في معظم المستعمرات التي كانت على أعتاب تكوين الدولة.
لقد خلّفت الإدارة الاستعماريّة وراءها حكوماتٍ ضعيفة. وما زاد من تعقيد وضع المستعمرات هو أنّ حدودها الجغرافيّة كانت اصطناعيّةً تمامًا في الغالب، حيث ظلّت الخصومات والنزاعات مكبوحةً بفعل القوة الاستعماريّة حتى مرحلتي إنهاء الاستعمار ونيل الاستقلال. أدّى التركيز الاستعماريّ على محو الأميّة وزيادة النشاط الاقتصاديّ إلى خلق طبقةٍ وسطى ناشئةٍ؛ ونتيجة لذلك، واجهت السلطات الاستعماريّة في النهاية جيلًا شابًا متعلّمًا عارض الحكم الاستعماريّ. كان سعيُ الطبقة الوسطى نحو الاستقلال منصبًّا على نيل فرص الوصول إلى الامتيازات والمكافآت التي كانت حكرًا على الأجانب، ولا سيّما السلطات الاستعماريّة. بالإضافة إلى ذلك، استمرّت أنظمة الولاء والمسؤوليّة العِرقيّة كقوى تنظيميّة، وبدت هذه الظاهرة أكثر جلاءً في المجتمعات الريفيّة مقارنةً بالمراكز الحضريّة.
وسواء انحازت المكوّنات العِرقيّة إلى خيار التحرّر الوطنيّ أو فضّلت الإبقاء على الوضع الاستعماريّ القائم، فإنّ التباين الهيكليّ بين الجماعات المستفيدة والمتضرّرة قد وضع أساسًا متينًا لقيام دولٍ تعاني من انقساماتٍ عرقيّةٍ حاّدة. ورغم الجهود التي بذلها القادة الوطنيّون في استنهاض التاريخ الثقافيّ المشترك، إلّا أنّ إرث الوضع الاستعماريّ أعاق تشكّل ولاءٍ وطنيّ لدولة ما بعد الاستقلال. وقد أتاح ذلك إمكانيّةَ أن تُنكر جماعةٌ ثقافيّةٌ ما على جماعةٍ ثقافيّةٍ أخرى حقَّ الحكم الذاتي، بما يفضي إلى تمزّق الدولة الجديدة نتيجة الصراع بين هذه الجماعات[46].
من الواضح أنّ نموذج الدولة القوميّة المثالي لم يتحقّق دائمًا على أرض الواقع؛ إذ إنّ نزوع النخبة المهيمنة إلى محاباة أبناء عرقيّتهم أمرٌ شائعٌ في الدول الحديثة، ولا سيّما في البلدان التي تفتقر إلى مجتمعاتٍ مدنيّةٍ قوية. إنّ الإخفاق في الالتزام بالمبادئ الأساسيّة التي تقوم عليها الدولة القوميّة يفضي بالضرورة إلى النزاعات، وقد يشجّع على نشوب حروبٍ أهليّةٍ بأنواعها المختلفة. ومن ثم، فإنّ العوامل التي تشجّع على الحروب الأهليّة، مثل إقصاء الجماعات العرقيّة من السلطة، وعدد الشركاء في تقاسم السلطة، وطول أمد الحقبة الاستعماريّة، فضلًا عن التفكك السياسيّ[47]. هي مؤّشراتٌ على انقساماتٍ مجتمعيّةٍ يُتوقّع منها أن تعزّز التمييز الصارخ وانتهاكات حقوق الإنسان.
باختصار، أصبحت التساؤلات الجوهريّة التي تواجه الدول هي: هل ينتمي كلّ من يعيش في البلاد إلى الدولة القوميّة؟ وإذا كان الجواب لا، فمن ينتمي ومن لا ينتمي؟ لقد تمكّنت الدول القويّة المتقدّمة من خلق شعورٍ بالهويّة الوطنيّة، وقد نزعت الدول الضعيفة ذات الاقتصاديّات الهشّة إلى الانقسام على أسسٍ عرقيّة. وبالنظر إلى تعريف الدول القوميّة وإخفاق الدول الناشئة في مرحلة ما بعد الاستعمار في صياغة هويّةٍ وطنيّةٍ شاملة، برزت العنصريّة وكراهيّة الأجانب كنتائج حتميّة لذلك. فأصبحت الجماعات التي استُبعدت من السلطة تُعرف بأنّها خارج نطاق القوميّة، وبالتالي لا تخضع لقوانين الدولة وحقوقها. وقد أدّى هذا الانهيار في المجتمعات المتكاملة للدولة القوميّة إلى تصاعد حدّة العنصريّة وكراهيّة الأجانب، وهي مشكلةٌ عامّةٌ تتجلّى ملامحها عند محاولة بسط الحقوق العالميّة على مجتمعاتٍ تزداد تنوّعًا وانقسامًا [48].
تداعيات حقوق الإنسان اليوم
أجريت بعض الدراسات الإحصائيّة عام 2010 للمقارنة بين أوضاع الدول التي خضعت للاستعمار والدول التي لم تخضع للاستعمار، والتي تُظهر متوسّط العمر المتوقّع عند الميلاد لكلّ مجموعةٍ من الدول. بلغ متوسّط العمر المتوقّع في الدول التي لم تُستعمر مطلقًا 80 عامًا في عام 2010 وفي المقابل، سجلت المستعمرات الهولنديّة السابقة نحو 69 عامًا، والإسبانيّة قرابة 74 عامًا، بينما قارب متوسّط العمر في المستعمرات الأمريكيّة السابقة 70 عامًا، وهو ما يماثل تقريبًا نظيره في المستعمرات البريطانيّة السابقة. أمّا في المستعمرات الفرنسيّة السابقة، فقد استقرّ المتوسّط عند نحو 63 عامًا، في حين سجلت المستعمرات البرتغاليّة السابقة ما يزيد قليلًا عن 55 عامًا، وتجاوز الـ 60 عامًا بقليلٍ في المستعمرات البلجيكيّة السابقة. وتكشف هذه البيانات عن وجود علاقةٍ جوهريّةٍ بين الوضع الاستعماريّ السابق ومتوسّط العمر المتوقّع للأفراد المولودين في عام 2010؛ إذ يزيد متوسّط العمر في الدول التي لم تُستعمر قط بمقدار خمس سنواتٍ ونصف عن المستعمرات الإسبانيّة السابقة (وهي المجموعة التي سجّلت أعلى متوسّط عمرٍ بين دول ما بعد الاستعمار)، وتصل الفجوة بين الدول غير المستعمرة والمستعمرات البرتغاليّة السابقة إلى قرابة 25 عامًا.
بشكلٍ عامّ، أدّى الاستعمار من قبل القوى الأوروبيّة إلى تراجع في مستويات الدعم المقدّمة لحقوق الإنسان. تلخّص هذه الفقرة الأنماط العامّة للنتائج المستخلصة من البيانات، والتي يمكن تحديدها في أربعة أنماط رئيسة:
أولًا: لم تسجل أيّ مجموعةٍ من الدول المستعمرة سابقًا نتائج تضاهي نتائج الدول التي لم تُستعمر قط، بل وكثيرًا ما كانت نتائجها أسوأ بكثير.
ثانيًا: من بين الدول المستعمرة سابقًا، حقّقت المستعمرات الإسبانيّة السابقة الأداء الأفضل في ستةٍ من المقاييس الثمانية لدعم حقوق الإنسان، باستثناء نقص التغذية (حيث جاءت في المركز الثاني كأفضل أداء) ومؤشّر انبعاثات ثاني أكسيد الكربون (حيث كانت ضمن المجموعات الثلاث الأعلى انبعاثًا إلى جانب المستعمرات الهولنديّة والبريطانيّة).
ثالثًا: حلّت المستعمرات البريطانيّة السابقة في المرتبة الثانية من حيث دعم حقوق الإنسان، حيث سجّلت أعلى مستويات الدعم في أربعة مقاييس (حقوق السلامة الجسديّة، مكافحة نقص التغذية، التحصين ضدّ لقاح الثلاثي DPT، والوصول إلى مصادر مياهٍ محسّنة).
رابعًا: سجّلت المستعمرات البلجيكيّة السابقة الأداء الأسوأ على الإطلاق؛ حيث تذيّلت قائمة دعم حقوق الإنسان في ستة مقاييس، باستثناء متوسّط العمر المتوقّع (حيث كانت في المرتبة قبل الأخيرة) ومؤشّر انبعاثات ثاني أكسيد الكربون (حيث سجّلت أدنى مستوى انبعاثات للفرد).
هنا تتضح العلاقة بين الاستعمار ومدى دعم حقوق الإنسان في العصر الراهن. بيد أنّ هذه النتائج قد تكون ناتجةً عن الاستعمار ذاته، أو قد تمثّل في جانبٍ منها آثارًا ممتدةً لتجارة الرقيق في أفريقيا؛ مع الأخذ في الاعتبار أنّ العديد من الدول المستعمرة سابقًا لا تقع في القارة الأفريقيّة، ومن ثم لم تتأثر بتلك التجارة. كما يُحتمل أن تكون هذه النتائج نتاجًا لتحوّلاتٍ اقتصاديةٍ وسياسيّةٍ وثقافيّةٍ وعسكريّةٍ لاحقةٍ أحدثها الاستعمار، أو بفعل عوامل خارجيّة ترتبط تاريخيًّا بالظاهرة الاستعماريّة وبواقع حقوق الإنسان المعاصر في آنٍ واحد.
تشير الأبحاث الأوليّة إلى أنّ كلًا من هويّة القوة الاستعماريّة ونمط الاستعمار الاستيطانيّ قد يؤثّران تأثيرًا جوهريًّا في تطوير المؤسّسات الاجتماعيّة والاقتصاديّة، والتي تؤثّر بدورها على دعم حقوق الإنسان في الموجة الأولى[49]. بيد أنّ تداعيات الحقبة الاستعماريّة وآثارها جاءت متباينةً، إذ اختلفت النتائج الاقتصاديّة طويلة الأمد تبعًا لمدى تنظيم المستعمرات على أساس الاستغلال الاقتصادي (كما في الكونغو). أو ما إذا كان الأوروبيّون قد استوطنوا بكثافةٍ في المناطق المستعمرة (كما هو الحال في الولايات المتّحدة). لم تُنظم مستعمرات الاستغلال لتحقيق نموٍ اقتصاديّ طويل الأمد، بل جرى تنظيمها عادةً حول المؤسّسات السياسيّة القائمة آنذاك (لخدمة أغراض النهب)؛ في حين نزعت المستعمرات الاستيطانيّة نحو التأسيس على غرار المؤسّسات الأوروبيّة. وفي ظلّ هذه الظروف المتباينة، خاض ممثّلو دول أفريقيا وآسيا نضالًا دؤوبًا من أجل إرساء حقوق الإنسان بوصفها مبادئ عالميّة، غير أنّ العديد من حكوماتهم - بعد تحوّلها إلى أنظمةٍ استبداديةٍّ أو ما هو أسوأ- أخفقت في دعم تلك الحقوق والالتزام بها[50].
لقد لعب الإرث الاستعماريّ دورًا في تشكيل وتطوّر القوى الاجتماعيّة الأربع للدولة؛ وهي القوى الاقتصاديّة، والسياسيّة، والثقافيّة، والعسكريّة. ويُفترض أن يحدد نطاق هذه القوى، جزئيًّا على الأقل، مستوى دعم الدولة لحقوق الإنسان لمواطنيها. فمن منظور القوة السياسيّة، يُفترض بالأنظمة الديمقراطيّة أن تكون أكثر دعمًا لحقوق الإنسان مقارنةً بأشكال الحكم الأخرى، كحكم الحزب الواحد على سبيل المثال. «كما تؤثّر القوة الاقتصاديّة - التي يُستدل عليها من خلال نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي- في مستوى دعم حقوق الإنسان، شأنها في ذلك شأن القوة الثقافيّة المتجسّدة في التركيبة الدينيّة للدولة. وأخيرًا، تلقي القوة العسكريّة بظلالها على الحقوق الاقتصاديّة والاجتماعيّة، لاسيما الفرص الاجتماعيّة الأساسيّة مثل الحصول على غذاء كافٍ، وتحسين مرافق الصرف الصحي، والتعليم»[51].
المراجع
Young, Crawford. 1994. The African Colonial State in Comparative Perspective. New Haven, CT: Yale University Press 61.
Acemoglu, D., S. Johnson, and J. A. Robinson. 2001. “The Colonial Origins of Comparative Development: An Empirical Investigation.” American Economic Review 91(5):1369–401. https://doi.org/10.1257/aer.91.5.1369.
Ajayi, J. F. A. [1960] 1966. “The Place of African History and Culture in the Process of Nation-building in Africa South of the Sahara.” Pp. 606–616 in Social Change: The Colonial Situation, edited by Immanuel Wallerstein. New York: John Wiley & Sons.
Albertini, Rudolf von. 1982. European Colonial Rule, 1880–1940: The Impact of the West on India, Southeast Asia, and Africa. With Albert Wirz. Translated by John G. Williamson. Westport, CT: Greenwood Press.
Bakewell, Peter. 1997. A History of Latin America: Empires and Sequels 1450-1930. Malden, MA: Blackwell Publishers.
Balandier, Georges. [1955] 1970. The Sociology of Black Africa: Social Dynamics in Central Africa. Translated by Douglas Garman. New York: Praeger Publishers.
Burke, Roland. 2010. Decolonization and the Evolution of International Human Rights. Philadelphia, PA: University of Pennsylvania Press.
Carlton-Ford, Steve, and Jeffrey Gaver. 2019. Social Power and Support for Human Rights in Cross-National Perspective. New York, NY: American Sociological Association.
Carlton-Ford, Steve, Katherine A. Durante, T. David Evans, and Ciera Graham. 2019. “Guns and Butter: Child Mortality and the Mediators of Militarization.” Armed Forces & Society 45(1):177–197. https://doi.org/10.1177/0095327X18758288
Carlton-Ford, Steve. 2010. “Major Armed Conflicts, Militarization, and Life Chances: A Pooled Time-Series Analysis.” Armed Forces & Society 36(5):864–889. https://doi.org/10.1177/0095327X09335946
Carlton-Ford, Steve. 2011. “Praetorian Militarization and Children’s Life Chances.” Sociological Studies of Children and Youth 14:3–26. https://doi.org/10.1108/s1537-4661(2011)0000014006
Clarno, Andy. 2013. “The Constitution of State/Space and the Limitations of ‘Autonomy’ in South Africa and Palestine/Israel.” Pp. 436–464 in Sociology & Empire: The Imperial Entanglement of a Discipline, edited by George Steinmetz. Durham, NC: Duke University Press.
Connell, Raewyn. 2013. “Conclusion Understanding Empire” Pp. 489–497 in Sociology & Empire: The Imperial Entanglement of a Discipline, edited by George Steinmetz. Durham, NC: Duke University Press.
Cooper, Nicola. 2001. France in Indochina: Colonial Encounters. New York: Berg.
Douglas, Roy. 2002. Liquidation of Empire: The Decline of the British Empire. New York: Palgrave Macmillan.
Du Bois, W. E. B. 2007. The World and Africa | Color and Democracy. New York: Oxford University Press.
Easterly, William, and Ross Levine. 2016. “The European Origins of Economic Development.” Journal of Economic Growth 21:225–257.
Eisenstadt, S. [1954] 1966. “Sociological Aspects of Political Development in Underdeveloped Countries.” Pp. 572–582 in Social Change: The Colonial Situation, edited by Immanuel Wallerstein. New York: John Wiley & Sons.
Elkins, Caroline. 2022. Legacy of Violence: A History of the British Empire. New York: Alfred A. Knopf.
Eltis, David, and David Richardson. 2010. Atlas of the Transatlantic Slave Trade. New Haven, CT: Yale University Press.
Gaastra, Femme S. 2003. The Dutch East India Company: Expansion and Decline. Zutphen, Netherlands: Walburg Pers.
Gluckman, M. [1960] 1966. “Tribalism in Modern British Central Africa.” Pp. 251–264 in Social Change: The Colonial Situation, edited by Immanuel Wallerstein. New York: John Wiley & Sons.
Go, Julian. 2016. Postcolonial Thought and Social Theory. New York: Oxford University Press.
Heath, Elizabeth. 2010. “Berlin Conference of 1884–1885.” Oxford Reference. https://www.oxfordreference.com/view/10.1093/acref/9780195337709.001.0001/acref-9780195337709-e-0467
Heldring, Leander, and James A. Robinson. 2018. “Colonialism and Development in Africa.” Pp. 295–327 in The Oxford Handbook of The Politics of Development, edited by Carol Lancaster and Nicolas van de Walle. New York: Oxford University Press.
Hill, Daniel W., Jr., and Zachary M. Jones. 2014. “An Empirical Evaluation of Explanations of State Repression.” American Political Science Review 108(3):661–87. https://doi.org/10.1017/S0003055414000306
Hironaka, Ann. 2005. Neverending Wars: The International Community, Weak States, and the Perpetuation of Civil War. Cambridge, MA: Harvard University Press.
Hochschild, Adam. 1998. King Leopold’s Ghost. New York: Houghton Mifflin Harcourt Publishing.
Hodgkin, T. [1956] 1966. “The African Middle Class.” Pp. 359–362 in Social Change: The Colonial Situation, edited by Immanuel Wallerstein. New York: John Wiley & Sons.
Horowitz, Donald L. 1985. Ethnic Groups in Conflict. Berkeley, CA: University of California Press.
Kissi, Edward. 2018. “Africa and Human Rights.” Pp. 1089–1107 in The Palgrave Handbook of African Colonial and Postcolonial History, Volume 2, edited by Martin S. Shanguhyia and Toyin Falola. New York: Palgrave Macmillan.
Lange, Matthew, James Mahoney, and Matthias vom Hau. 2006 “Colonialism and Development: A Comparative Analysis of Spanish and British Colonies.” American Journal of Sociology 111(5):1412–1462. https://doi.org/10.1086/499510
Lange, Matthew. 2009. Lineages of Despotism and Development: British Colonialism and State Power. Chicago, IL: University of Chicago Press.
LASO (Latin American Studies Organization). n.d. “Hispaniola: The First Colony.” Accessed August 10, 2021. http://www.latinamericanstudies.org/first-colony.htm
Lawson, Philip. 1993. The East India Company: A History. New York: Longman.
Mann, Michael. 2012. The Sources of Social Power, Volume 3: Global Empires and Revolution, 1890–1945. New York: Cambridge University Press.
Mann, Michael. 2013. The Sources of Social Power, Volume 4: Globalizations, 1945–2011. New York: Cambridge University Press.
Marx, Christoph. 2017. “Settler Colonies.” EGO European History Online. http://ieg-ego.eu/en/threads/europe-and-the-world/european-overseas-rule/christoph-marx-settler-colonies
Meyer, John W. 1999. “The Changing Cultural Content of the Nation-State: A World Society Perspective.” Pp. 123–143 in State/Culture, edited by George Steinmetz. Ithaca, NY: Cornell University Press.
Milner, Murray, Jr. 2012. “Human Rights as Status Relations.” Pp. 164–179 in the Handbook of Human Rights, edited by Thomas Cushman. New York: Routledge.
Murray, Martin J. 1980. The Development of Capitalism in Colonial Indochina (1870–1940). Berkeley, CA: University of California Press.
O’Brien, Patrick K. 2002. Oxford Atlas of World History. New York: Oxford University Press.
Osterhammel, Jürgen. 1997. Colonialism A Theoretical Overview. Princeton, NJ: Markus Wiener Publications.
Reséndez, Andrés. 2016. The Other Slavery: The Uncovered Story of Indian Enslavement in America. Boston, MA: Mariner Books.
Rodney, Walter. 1982. How Europe Underdeveloped Africa, revised ed. Washington, DC: Howard University Press.
Royal Navy. 2022. “The Battle of Trafalgar 1805.” https://www.royalnavy.mod.uk/news-and-latest-activity/features/trafalgar-day/battle-of-trafalgar
Scheppele, Kim Lane. 2013. “The Empire’s New Laws: Terrorism and the New Security Empire After 9/11.” Pp. 245–278 in Sociology and Empire: The Imperial Entanglements of a Discipline, edited by George Steinmetz. Durham, NC: Duke University Press.
Sikkink, Kathryn. 2017. Evidence for Hope: Making Human Rights Work in the 21st Century. Princeton, NJ: Princeton University Press.
Steinmetz, George, ed. 2013. Sociology & Empire: The Imperial Entanglement of a Discipline. Durham, NC: Duke University Press.
Steinmetz, George. 2008. “The Colonial State as a Social Field: Ethnographic Capital and Native Policy in the German Overseas Empire before 1914.” American Sociological Review 73:589–612. https://doi.org/10.1177/000312240807300404
Steinmetz, George. 2016. “Social Fields, Subfields, and Social Spaces at the Scale of Empires: Explaining the Colonial State and Colonial Sociology.” The Sociological Review Monographs 64(2):98–123. https://doi.org/10.1111/2059–7932.12004
Stora, Benjamin. 2001. Algeria 1830–2000: A Short History. Ithaca, NY: Cornell University Press.
ThoughtCo. 2022. “Timeline of the Trans-Atlantic Slave Trade.” https://www.thoughtco.com/trans-atlantic-slave-trade-timeline-4156303
Tilly, Charles. 2004. Contention & Democracy in Europe, 1650–2000. Cambridge: Cambridge University Press.
Vandervort, Bruce. 1998. Wars of Imperial Conquest in Africa 1830–1914. Bloomington, IN: Indiana University Press.
Veracini, Lorenzo. 2016. “Introduction: Settler Colonialism as a Distinct Mode of Domination.” Pp. 1–8 in The Routledge Handbook of the History of Settler Colonialism, edited by Edward Cavanagh and Lorenzo Veracini. London: Taylor & Francis Group. https://ebookcentral .proquest .com /lib /uc /detail .action ?docID =4644203.
Wellington, Donald C. 2006. French East India Companies: A Historical Account and Record of Trade. Lanham, MD: Hamilton Books.
Wild, Anthony. 1999. The East India Company: Trade and Conquest from 1600. New York: The Lyons Press.
Wimmer, Andreas, and Brian Min. 2006. “From Empire to Nation-State: Explaining Wars in the Modern World, 1816–2001.” American Sociological Review 71:867–897. https://doi.org/10.1177/000312240607100601
Wimmer, Andreas. 2002. Nationalist Exclusion and Ethnic Conflict: Shadows of Modernity. New York: Cambridge University Press.
Wimmer, Andreas. 2013. Waves of War: Nationalism, State Formation, and Ethnic Exclusion in the Modern World. New York: Cambridge University Press.
Young, Crawford. 2017. “The Heritage of Colonialism.” Pp. 9–26 in Africa in World Politics: Constructing Political and Economic Order, 6th ed, edited by John W. Harbeson and Donald Rothchild. Boulder, CO: Westview Press
-------------------------------------------------
[1]. أستاذ علم الاجتماع بجامعة سينسيناتي University of Cincinnatiفي الولايات المتّحدة الأمريكيّة. ركزت معظم أعماله المنشورة على دراسةٍ مقارنةٍ عبر الدول لمحددات وفيات الأطفال، بوصفها مؤشّرًا للحقّ في الحياة كما هو محدّد في الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان (UDHR). ويبحث في دراساته الأخيرة محدّدات الحقوق السياسيّة والمدنيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة المذكورة في الإعلان العالمي.
ترجمة: أسماء أحمد محمود/ باحثة دكتوراه في فلسفة التاريخ والحضارة – كليّة الآداب – جامعة سوهاج – مصر.
[2]. زعيم سياسي كونغولي وأحد أبرز رموز التحرّر الوطنيّ في أفريقيا أواسط القرن العشرين، شغل منصب أول رئيس وزراء لجمهوريّة الكونغو الديمقراطيّة.
[3]. Hochschild 1998:225, 301, 37, 269, 273, 280–283.
ملاحظة: أُدرجت المراجع وأرقام الصفحات المرتبطة وفقًا لترتيب الاستشهاد بها داخل الفقرة.
[4]. Go 2016.
[5]. تعدّ مستعمرات الاستغلال، ومستعمرات الاستيطان النوعين الرئيسين اللذين وصفهما أوسترهامل. يستخدم الكتاب مصطلح «مستعمرات الاستغلال» (Exploitation colonies)، كما يستخدم المصطلح الأقل شيوعًا «مستعمرات الاستيطان» (Settlement colonies). أما النوع الثالث، فهو «الجيوب البحرية» أو «المناطق البحرية المحاصرة»(Maritime enclaves)، وهي مستعمراتٌ كانت محدودة العدد، وتنشأ عادةً نتيجة تدخّلٍ بحريّ بهدف إقامة تجارةٍ غير مباشرةٍ مع المناطق الداخليّة أو فرض « . دبلوماسية القوة البحرية» وتتوافق «مستعمرات الاستغلال» مع تلك المستعمرات التي تتسم بظاهرة «الاستعماريّة» (Colonialism). أما المستعمرات الاستيطانيّة (Settler colonies) ــ والتي يسميها أوسترهامل «مستعمرات الاستيطان» (Settlement colonies) ــ فيوصف بأنّها لا تنطوي على «استعمارية» (Osterhammel 1997: 10–12, 15–17). وبشكل عام، سيستخدم هذا الكتاب مصطلح «الاستعماريّة» (Colonialism) للإشارة إلى مستعمرات الاستغلال، بينما سيُستخدم مصطلح «الاستعمار» (Colonization) لوصف كلّ من العمليّات العامّة للغزو الاستعماريّ وتشكيل المستعمرات الاستيطانيّة.
[6]. لا يدرس هذا الكتاب إرث استعمار الدول الأوروبيّة لمناطق أوروبيّةٍ أخرى، كما هو الحال في الاستعمار البريطاني لأيرلندا، كما أنّه لا يبحث في إرث الاستعمار الداخليّ المتمثل في استغلال فئةٍ من الناس داخل الدولة الواحدة، مثل حالة (الداليت) في الهند. وبالمثل، لا يتقصّى الكتاب العلاقات الخاصّة القائمة بين المستعمرات، كالعلاقة بين البرازيل وأنغولا على سبيل المثال، واللتين خضعتا كلتاهما للاستعمار البرتغالي.
[7]. Reséndez 2016:13–39; Latin American Studies Organization (LASO), n.d.
[8]. Steinmetz 2013:9.
[9]. Osterhammel 1997:10; Steinmetz 2013:11–12; Steinmetz 2008:595.
[10]. Osterhammel 1997:51–52; Steinmetz 2016:108.
[11]. Osterhammel 1997:57–60; Hironaka 2005; Osterhammel 1997:67–68
[12]. Eisenstadt [1954] 1966; Osterhammel 1997:10–11; Osterhammel 1997:15–17.
[13]. Osterhammel 1997:11–12.
[14]. Steinmetz 2013:10–11; Osterhammel 1997:4, 16–17.
[15]. Balandier [1955] 1970:52.
[16]. -Albertini 1982:488–489.
[17]. Albertini 1982:489–493; Eisenstadt [1954] 1966.
[18]. يمكن أن تقوم الفروق الإثنية أو العرقية على أساس اللون، وهي تنشأ غالبًا عندما يُقترن اختلاف اللون بإخضاع غير البيض من قِبل البيض، كما هو مشهود في سياقات استعمارية شتى، ولا سيما في استعباد الأفارقة على يد القوى الاستعماريّة الغربية. وقد استُخدمت مؤشرات متعددة للإثنية، مثل اللغة أو الدين، للتمييز بين الجماعات، مع إمكانيّة حدوث تغيراتٍ في مكانة الأفراد أو الجماعات. وتُعدّ أصل الميلاد والسمات المرئية ذات أهمية، إلا أن هناك خصائص أخرى لا تقل شأنًا. وبناءً على ذلك، ينبغي النظر إلى الإثنيّة بوصفها نتاج الإيمان بوجود قاسم مشترك (Horowitz 1985:41–53).
[19]. Albertini 1982:489–493; Heldring and Robinson 2018; Horowitz 1985:148–150, 156–160, 162–164; Rodney 1982:147–281
وللاطلاع على تحليل مقارن بين المستعمرات الأفريقيّة وغيرها من المستعمرات، انظر:
Young 1994:278–281, 2017.
[20]. Balandier [1955] 1970; Veracini 2016:3; Osterhammel 1997; Connell 2013:494–495; Marx 2017; Clarno 2013.
[21]. Elkins 2022:27.
[22]. Kissi 2018. Quotations from 1095, 1096–1097.
[23]. أقامت فرنسا مستعمرات في الجزائر وكاليدونيا الجديدة New Caledonia؛ وألمانيا في ناميبيا؛ وبريطانيا العظمى في أستراليا، وكندا، ومستعمرة الكاب (جنوب أفريقيا حاليًا) ، وإسرائيل، وكينيا، ونيوزيلندا، وروديسيا الجنوبية Southern Rhodesia (زيمبابوي حاليًا) ، والولايات المتّحدة؛ والبرتغال في أنغولا وموزمبيق؛ وإسبانيا في الأرجنتين، وتشيلي، وأوروغواي (Marx 2017)
[24]. Osterhammel 1997:12, 53–54; Veracini 2016:3.
[25]. Acemoglu, Johnson, and Robinson 2001; Lange 2009; Easterly and Levine 2016.
[26]. Lange, Mahoney, and vom Hau 2006.
[27]. See Bakewell 1997:457–462; Osterhammel 1997:54–57; O’Brien 2002:110–111, 122–123.
[28]. Gaastra 2003:121–127; Lawson 1993:18–41, 86–125, 181, 182; Wild 1999:34–45, 142–146; Cooper 2001:12; Wellington 2006, especially pp. 118–119.
[29]. Cooper 2001:12–17, 29–42; Lawson 1993:48; O’Brien 2002:194–197.
[30]. Eltis and Richardson 2010:299–300; Stora 2001; ThoughtCo 2022; Heath 2010.
[31]. See Vandervort 1998: viii, Map 1, 183, Map 6.
[32]. O’Brien 2002:204–207; Vandervort 1998:35–37.
[33]. Vandervort 1998:56–84, 119–126, 84–112, 133–135, 166–182, 185–195, 156–166, 204–208, 196–203, 146–156, 136–144, 113–119; Du Bois 2007:28–51.
[34]. Vandervort 1998; Douglas 2002:1–11, 64–67, 91–107, 109–125, 127–140.
[35]. Albertini 1982:493–508; Du Bois 2007:28–51; Mann 2012:32; Heldring and Robinson 2018; Osterhammel 1997:71–79.
[36]. O’Brien 2002:190–193, 194–197; Murray 1980:207–209, 255–373, 428–462; O’Brien 2002:204–207.
[37]. Eisenstadt [1954] 1966; Albertini 1982:489–493.
[38]. Osterhammel 1997:95–104; Steinmetz 2016:101.
[39]. Wimmer 2013:52–53, 113–114; Wimmer and Min 2006:870, Figure 1; Wimmer 2013:1–2.
[40]. Mann 2012; Tilly 2004.
[41]. Wimmer 2013:37–72.
[42]. Wimmer 2002:74–75, 57–59.
[43]. Wimmer 2002:57, 72, 212–217; Scheppele 2013; Meyer 1999; Hironaka 2005.
[44]. Wimmer 2002:74–75; 2013:101; Royal Navy 2022.
[45]. Wimmer 2013:37–72.
[46]. Albertini 1982:489–493; Hodgkin [1956] 1966; Gluckman [1960] 1966; Horowitz 1985:191–193, 236–237; Ajayi [1960] 1966.
[47]. Wimmer 2013:117; Hironaka 2005; Wimmer 2013:143–173.
[48]. Wimmer 2002:212–217; Milner 2012:164–179.
[49]. Carlton-Ford and Gaver 2019.
[50]. Acemoglu et al. 2001; Sikkink 2017; Burke 2010.
[51]. . Mann 2013; Hill and Jones 2014; Carlton-Ford 2010, 2011; Carlton-Ford, Durante, Evans, and Graham 2019