البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

السياسات الدينيّة للقوى الاستعماريّة في البلاد الإسلاميّة

الباحث :  أ.د. طلال عتريسي
اسم المجلة :  الاستعمار
العدد :  8
السنة :  صيف _ 2026 م
تاريخ إضافة البحث :  July / 21 / 2026
عدد زيارات البحث :  92
تحميل  ( 430.226 KB )
يتناول النصّ السياسات الدينيّة التي انتهجتها القوى الاستعماريّة في البلدان العربيّة والإسلاميّة، مبرزًا دورها في تأجيج الانقسامات المذهبيّة والعرقيّة لخدمة مصالحها السياسيّة. يوضح أنّ الاستعمار لم يكتفِ بالسيطرة العسكريّة والاقتصاديّة، بل تدخّل في البنى الدينيّة والاجتماعيّة، فدعم الأقليّات أحيانًا وأثار النزاعات بين الطوائف، وأسهم في إنشاء كياناتٍ سياسيّةٍ على أسسٍ مذهبيّة. كما يشير إلى التناقض في السياسات الغربيّة التي دعت إلى فصل الدين عن الدولة، لكنّها في الوقت نفسه دعمت الإرساليّات التبشيريّة والمؤسّسات الدينيّة. ويعرض أمثلةً من لبنان والعراق والهند وأفريقيا، حيث استُخدمت الانقسامات لإضعاف المجتمعات. ويربط النصّ بين هذه السياسات التاريخيّة والواقع المعاصر، مبرزًا استمرار توظيف الدين والمذهب في الصراعات الحديثة، بما يخدم الهيمنة الخارجيّة ويؤدّي إلى تفكيك المجتمعات وإشغالها بصراعاتٍ داخليّةٍ بدل مواجهة التحدّيات الكبرى.

الكلمات المفتاحيّة: الاستعمار، الطائفيّة، السياسات الدينيّة، التفكيك الاجتماعي، الصراع المذهبي[2].

تمهيد
تشهد كثيرٌ من البلدان العربيّة والإسلاميّة منذ بضع سنواتٍ حالةً غير مسبوقةٍ من التوتّر ومن التحريض المذهبيّ بين المسلمين. حتى تحوّل هذا التحريض إلى عمليات قتلٍ وتفجيرٍ استندت إلى مبرراتٍ عَقَديّةٍ وفقهيّةٍ لتكفير الآخر. ويتداخل هذا التوتّر المذهبيّ الدينيّ مع مستوياتٍ سياسيّةٍ محليّةٍ وخارجيّةٍ لا يمكن تجاهلها أو إخفاؤها على الرغم من شدّة التحريض المذهبي. ويمكن أن نذكر كثيرًا من الأمثلة على هذا التداخل بين المذهبيّ وبين السياسيّ فيما يجري في سوريا أو لبنان أو العراق أو باكستان أو غيرها من الدول.

لم تكن الدول الغربيّة لا قديمًا في المرحلة الاستعماريّة، ولا حديثًا بعد الحرب الباردة، بعيدةً عن استخدام الخلافات أو تأجيج التناقضات الدينيّة والمذهبيّة لتحقيق سياساتها في السيطرة. وقد استفادت مراكز صنع القرار في الغرب من كثيرٍ من الدراسات الاجتماعيّة والثقافيّة التي قام بها علماء وانتروبولوجيّون منذ القرن الثامن عشر بالإضافة إلى ما كتبه أو وصفه الرحّالة الذين أتوا إلى البلدان الإسلاميّة حتى قبل تلك المرحلة. ويكفي أن نذكر كيف استخدمت الولايات المتّحدة في نهايات القرن الماضي البعد الدينيّ الإسلاميّ في مواجهة الاتّحاد السوفياتي (الكافر) بعد احتلال افغانستان (1980). وحوّلت أفغانستان إلى ملتقى للجهاد الإسلاميّ العالميّ يأتي إليه، ويلتحق به (المجاهدون) بحسب التوصيف الغربي من أنحاء العالم كافة.
كانت سياسة التوسّع الأوروبي من القرن السادس عشر إلى القرن العشرين ـــ الذي ترافق مع احتلالٍ مباشرٍ لكثيرٍ من بلدان العالم بما فيها بلدان العالم الإسلاميّ ـــ حدثًا تاريخيًّا مدويًّا في تاريخ الإنسانيّة، ترك إلى اليوم تأثيراتٍ سلبيّةً قويّةً ومهيمنةً على جوانب كثيرةٍ من حياة البلدان والشعوب التي خضعت لهذا الاحتلال. فقد تدخّلت القوى الاستعماريّة بشكلٍ مباشرٍ وتفصيليّ في كلّ ما يمسّ حياة الشعوب التي احتلّتها، على المستويات الدينيّة والسياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والتعليمية؛ ولذا استعانت هذه القوى بعلماء النفس والانتروبولوجيا وعلماء الاجتماع والمستشرقين لفهم الشعوب التي أخضعتها ولضمان الهيمنة عليها.

وقد تفاوتت سياسات هذه القوى بين دولةٍ وأُخرى. بين من رأى ضرورة ضمّ البنى والمؤسّسات المحليّة، وبين من اختار المحافظة عليها، ولكن مع وجود حاكمٍ أجنبيّ مباشرٍ أو غير مباشر. وقد اختلف الأمر بين بلدٍ وآخر من البلدان المستعمرة. هكذا شهدنا تارةً تدمير بعض المدارس المحليّة بعد منعها من القيام بمهامها، في حين بقيت مدارس تعمل وفق نظامها، ولكن مع وجود مدرّسين أجانب لطلّابها وفي إدارتها.
ما يهمّنا هنا هو التركيز على السياسات الدينيّة للقوى الاستعماريّة. والمقصود بالسياسات الدينيّة يتجاوز الفتن المذهبيّة بين السنّة والشيعة إلى دعم الأقليّات الدينيّة، والى إثارة العصبيّات بين المسلمين والمسيحيين أو بين القوميّات، والى دعم تأسيس الكيانات السياسيّة على أسسٍ دينيّة. والأمثلة على ذلك كثيرة. لكن هذا التركيز على البعد الدينيّ لا ينبغي أن ينسينا الترابط الواقعيّ الذي استندت إليه القوى الاستعماريّة بين تدخّلها الدينيّ وبين تدخلاتها الأخرى السياسيّة والاجتماعيّة والتجاريّة، مثل تكوين نخبٍ سياسيّةٍ وثقافيّةٍ تابعةٍ لها، أو تشكيل مؤسّساتٍ وبنى اقتصاديّةٍ مرتبطةٍ بمصالحها المباشرة، في الوقت نفسه الذي عملت فيه على تشجيع الكيانات الدينيّة، وعلى دعم أدوارها السياسيّة في هذا البلد أو ذاك.

من هنا اختلفت القراءات حول الأهداف الاستعماريّة في بلادنا، وحول علاقتها بالدراسات الاستشراقيّة بين من رآها اقتصاديّةً لنهب الثروات، ومن رآها دينيّةً لمحاربة الإسلام، أو لنشر المسيحيّة، أو حتى لهيمنة العلمانيّة والفكر اللادينيّ، وذلك كلّه بناءً على نصائح أو توصيات المستشرقين أو استنادًا إلى الدراسات التي قاموا بها. لكن بعض المفكّرين الغربيّين من جهةٍ ثانيةٍ عدّوا الاحتلال (أمرًا حضاريًا)؛ لذا هو (ضروري وواجب). فقال Jules Ferry على سبيل المثال في البرلمان الفرنسيّ عام :1885 «إنّ من حقّ الأعراق الأعلى أن تهتمّ بالأعراق الأدنى.. وعلى الأمم الأوروبيّة الكبرى أن تلتزم بشرف هذا الواجب الحضاريّ».
وبهذا المنطق (التحضيري) برّر الفرنسيّون أيضًا احتلال الجزائر، الذي استمرّ كما هو معلومٌ نحو مئة سنةٍ، دمّر خلاله المستعمرون الفرنسيّون اقتصاد البلاد، ورهنوه لهم وحوّلوا الثقافة إلى الفرنسيّة. حتى أنّ جيلًا كاملًا من الجزائريّين بات يجد صعوبةً في التعامل مع لغته العربيّة الأم، في حين تبدو الفرنسيّة أقرب إليه وأكثر سهولةً في النطق والكتابة. والتوسّع الاستعماريّ بالنسبة إلى Ferry ضمانة ضدّ الاضطرابات الاجتماعيّة؛ لأنّ عدم وجود مستهلكين جددٍ يعني انهيار المجتمع الحديث[3].
كانت صدمة المسلمين الأولى مع الغرب في نهاية الحرب العالميّة الأولى عندما تفكّكت الدولة العثمانيّة، رمز وحدة المسلمين ومركز الخلافة في ذلك الوقت. لقد اختفت السلّطة الإسلاميّة لحساب دولٍ وكياناتٍ وإداراتٍ استعماريّةٍ جديدةٍ. لكن اللافت أنّ الاحتلال الغربيّ للبلدان الإسلاميّة في القرنين التاسع عشر والعشرين، تم تحت شعارات (التمدين) و(التحضير). ماذا يعني ذلك؟ سوف نلاحظ هنا مفارقةً مهمّة. فالتمدين المقصود كان يعني بالنسبة إلى الدول الغربيّة نقل فكر الأنوار إلى الشعوب الإسلاميّة المتخلّفة. ومن أهمّ ما عرفه هذا الفكر هو العلمنة، وفصل الدينيّ عن السياسيّ. أي إنّ المطلوب من المسلمين لكي يدخلوا إلى التمدّن أن يدعوا الدين جانبًا ولا يقحموه في شؤونهم السياسيّة أو التعليمية أو سواها... وثمة من رأى أنّ المسلمين بسبب تخلّفهم و(قلّة تمدّنهم)، لا يستحقّوا الحقوق نفسها مثل باقي الفرنسيّين (المثل العلمانيّة والجمهوريّة الفرنسيّة)؛ لأنّهم شديدو التمسّك بدينهم، ولذا يجب أن يبقوا تحت السيطرة.

لكن من جهةٍ أخرى اهتمّ المستعمرون الغربيّون في الوقت نفسه بالبعثات التبشيريّة والدينيّة، وقدّموا لها الدعم والحماية، وساعدوها في تأسيس المدارس في المناطق كافّة التي خضعت لحكمهم. أي إنّهم مارسوا سياسةً متناقضةً تجاه الدين. فهم من جهةٍ أرادوا من المسلمين أن يبتعدوا عن الإسلام في إدارة حياتهم السياسيّة والتعليميّة والإداريّة، ولكنّهم في الوقت نفسه شجّعوهم على الالتحاق بالمدارس الدينيّة الأجنبيّة.
ومن مفارقات السياسات الاستعماريّة الدينيّة أيضًا، (وهي دولٌ علمانيّةٌ خرجت لتوها من تحت السيطرة الكنسيّة الدينيّة وحاربت هذه السيطرة، ودعت إلى نبذها وإلى التخلّص منها...) أنّها جعلت الأقليّات الدينيّة الكاثوليكيّة في الدولة العثمانيّة تحت حمايتها. وعملت أيضًا على تقسيم البلدان الإسلاميّة إلى كياناتٍ دينيّةٍ ومذهبيّةٍ، (انسجامًا مع كثيرٍ من الدراسات الاستشراقيّة حول طبيعة المجتمعات الإسلاميّة)، وجعلت أنظمة الحكم في معظم تلك البلدان تقوم على الأساس الدينيّ والطائفيّ.

فكانت السياسة الفرنسيّة في المشرق العربيّ على سبيل المثال سياسةً مسيحيّةً واضحةً (دعم وحماية بعثات العازاريّين والدومينيكان واليسوعيّين وغيرهم، ودعم وحماية المسيحيّين الموارنة، والاهتمام بمستقبلهم الدينيّ والعقائديّ والسياسيّ...). ومن المعلوم أنّ استقلال لبنان الذي تحقّق عام 1943م، تم على أساس ما سمّي بالتسوية التاريخيّة بين المسلمين والمسيحيين: أي إنّ يتخلّى المسلمون عن المطالبة بالالتحاق بسوريا، ويتخلّى المسيحيّون بالمقابل عن المطالبة ببقاء السيطرة الفرنسيّة. هكذا كانت سياسة فرنسا الدينيّة في مرحلة الانتداب سياسة إدارة الطوائف الدينيّة في لبنان تحت إشراف الجنرال غورو المباشر. وقد فاقمت هذه السياسة من التمازج أو من التداخل بين الدينيّ والسياسيّ لدى الطوائف اللبنانيّة المختلفة. خصوصًا أنّ قانون الانتداب نفسه أكّد في بنوده رقم 6و8و9 على أنّ الإصلاحات ستضمن حماية الأقلّيّات الدينيّة...[4].
واجهت شعوب المنطقة السياسات الغربيّة بالتشبّث بهويّتها الدينيّة. بحيث باتت هذه الهويّة السلاح الفاعل في المقاومة العسكريّة والثقافيّة والسياسيّة؛ لحماية الذات الجماعيّة والمحافظة على الوجود المستقلّ خشية الذوبان في دينيّة أو لا دينيّة الغزاة. لكن هذا التشبّث بالهويّة الدينيّة دفع القوى الاستعماريّة إلى العمل بقوّةٍ من أجل تفكيك هذا السلاح وتفتيته ونزعه من أيدي مستخدميه، بنحو لا يتمكّن هؤلاء من استخدامه فقط، بل ينشغلوا عن ذلك أيضًا في صراعاتٍ جانبيّةٍ بسبب انتمائهم الديني؛ «لأنّ انتصار الإسلام على المسيحيّة ــ كما يقول Etienne Lamy رئيس فدراليّة المجموعات الكاثوليكيّة عام 1900 ــ ليس انتصار حضارةٍ على أخرى، بل هو انتصار للبربريّة على الحضارة».

كما سبق وكتب مسؤول بعثة العازاريين الدينيّة التعليميّة في دمشق إلى رئيسه في 1861م: «إنّ سبب الثورة هو حضارة الغرب التي تتقدّم بخطى متسارعةٍ نحو الشرق الفاسد، الذي سنقوم بإعادة إصلاحه».
استغلّت بريطانيا وفرنسا المستعمرتين الواقع الدينيّ الطوائفيّ في بلاد الشام. ومن أجل تقسيم سوريا، قامتا بـتأسيس أربع كياناتٍ مذهبيّةٍ سنيّةٍ، ودرزيّةٍ، وعلويّةٍ ومارونيّة. ويقول منظّر هذا التقسيم Robert de Caix : «إنّ السلام في العالم سيكون أفضل إذا كان الشرق مقسّمًا إلى مجموعة دويلاٍت صغيرةٍ، وتكون العلاقات فيما بينها تحت سيطرة بريطانيا وفرنسا. وتمنح هذه الدويلات أقصى حدٍّ من الإدارة الذاتيّة، ولكن من دون أن يكون لديها الطموحات العدوانيّة للدول القوميّة الموحّدة»[5]. وفي العراق ستتحالف بريطانيا مع النخب السنيّة، وستعمد إلى تهميش الشيعة واستبعادهم من الحكم، وهم الذين رفضوا الاحتلال البريطاني، وأفتى علماؤهم بقتاله وشاركوا في ثورة العشرين ضدّه. كما سيتمّ تهميش الأكراد أيضًا (بذريعة العروبة).

وسيفسّر هذ التهميش الذي استمرّ طوال العهود اللاحقة في العراق، الكثير ممّا يجري اليوم على الساحة العراقيّة (بين 2003 و2010م) من انقساماتٍ ومن تحالفاتٍ، ومن صراعاتٍ على السلطة بين مكوّنات الشعب العراقي. وستترك هذه الأنظمة الطائفيّة السياسيّة المجتمعات العربيّة - الإسلاميّة مفتوحةً على مستويات التوتّر المختلفة وعلى مستويات التدخّل الخارجي المتعدّدة الذرائع. وسنشهد في الألفيّة الثالثة بعد انقضاء أكثر من قرنٍ على السياسات الدينيّة الاستعماريّة الأوروبيّة، عودة إلى السياسات نفسها مع الولايات المتّحدة في العراق (بعد احتلاله عام 2003م)، التي ستؤسس لنظامٍ جديدٍ من الطائفيّة السياسيّة سيترك العراق فريسةً بين الانقسام الداخليّ وبين التدخّل الخارجيّ.
ومن مفارقات تأسيس الكيان الإسرائيليّ في فلسطين، أنّ هذا الكيان نشأ بدعمٍ غربيّ مباشرٍ على قاعدةٍ دينيّةٍ واضحة. فالدول الغربيّة التي كانت تبتعد عن الدين وترفضه نظامًا سياسيًّا ولا تريد منه التدخّل في شؤون الناس العامّة، بذلت هي نفسها الجهود الجبّارة لتأسيس دولةٍ دينيّةٍ يهوديّة.

وفي مذكّرات (موشي شاريت) ـ رئيس وزراء إسرائيل ــ سنة 1954ــ أي قبل أكثـر مـن عشرين عامـًا على الحـرب الأهلية اللبنانيّـة، سوف نجـد نـصّ اقتراح (بن غوريون) لتحريك الأقليّات المسيحيّة في العالم العربي «لتدمير المجتمعات المستقرّة، وإذكاء النار في مشاعر الأقليّات المسيحيّة في المنطقة، وتوجيهها نحو المطالبة بالاستقلال.. وتثبيت الميول الانعزاليّة للأقليّات في العالم العربي.. بدءًا بالأقليّة المارونية»!
يضيف بن غوريون، في إطار استراتيجيّة تفتيت المنطقة على قاعدةٍ دينيّةٍ، تحمي الدولة العبريّة الناشئة، من خلال نماذج أخرى مشابهةٍ لها (دولة مسيحيّة) بالقول: «إنّ لبنان هو الحلقة الأضعف في الجامعة العربيّة.. إذ يشكّل المسيحيّون الأغلبيّة عبر التاريخ اللبنانيّ، وهذه الأغلبيّة لها تراثها وثقافتها المختلفة عن تراث وثقافة الدول العربيّة الأخرى.. وهكذا تبدو مسألة خلق دولةٍ مسيحيّةٍ أمرًا طبيعيًّا، لها جذورها التاريخيّة، وستلقى مثل تلك الدولة دعمًا واسعًا من العالم المسيحيّ الكاثوليكيّ والبروتستانتيّ.. وإذا كان مثل هذا الأمر يبدو شبه مستحيلٍ في الظروف العادية... فإنّ الوقت الحالي هو الظرف المناسب لخلق دولةٍ مسيحيّةٍ مجاورةٍ لنا، ومن دون مبادرتنا ودعمنا القوي لا يمكن إخراج تلك الدولة إلى حيز الوجود!.. ويبدو لي أنّ هذا هو واجبنا الأساسي...».

وفي الولايات المتّحدة برزت في السنوات القليلة الماضية سياساتٌ مسيحيّةٌ دينيّةٌ مباشرةٌ من خلال ما عرف بالصهيونيّة المسيحيّة التي عبّر عنها المحافظون الجدد الذين هيمنوا على الإدارة الأميركية في عهد الرئيس بوش الابن طوال ثماني سنواتٍ بين (2001م)، و(2009م). وقد كان الهدف الأبرز لهذه المسيحيّة الصهيونيّة هو دعم إسرائيل المطلق استنادًا إلى خلفيّةٍ دينيّةٍ توراتيّة. وهذا ما أطلق عليه بعضهم (التحالف المقدّس) بين المحافظين الجدد وبين اليمين المسيحيّ المتصهين، لخدمة الدولة العبريّة، وقد أسّس أصحاب هذا الاتجاه مؤسّساتٍ عدّةً في إطار رؤيتهم لطبيعة الصراع الدينيّ في العالم عمومًا وفي الشرق الأوسط خصوصًا حيث ينبغي حماية الدولة اليهوديّة. ومن ذلك على سبيل المثال ما سُمّي بيت الحرية (فريدوم هاوس) حيث تتم متابعة أوضاع الحريّات الدينيّة في العالم؛ وقد كان هذا المركز الفكريّ والبحثيّ وراء أشدّ التقارير انتقادًا للدول العربيّة والإسلاميّة وخصوصًا فيما يتعلّق بمواقفها من إسرائيل واليهود، وانتقادات الدول العربيّة لإسرائيل، وتصنيفه المستمر لها على أنّها مواقف معادية للسامية. وكذلك (برنامج الحريات الدينيّة الأصوليّة)، و(لجنة الحريّات الدينيّة الدوليّة) (USCIRF) التي أسّسها الكونجرس في 1998م، تحت ضغوطٍ قويّةٍ من تيّار اليمين المسيحيّ وفروعه من النصارى المتصهينين. وتقوم هذه اللجنة بزياراتٍ لدولٍ إسلاميّةٍ وعربيّةٍ، خصوصًا مصر والأردن؛ لتقصي أوضاع الأقليّات المسيحيّة وإيراد تقارير للكونجرس، للمطالبة بحريّة التنصير، وحريّة ممارسة الديانات في الدول التي توجد فيها أقليّاتٌ مسيحيّةٌ، وقد نتج عنه (قانون الحريّات الدينيّة) 1998م، الذي سمح بتأسيس لجنة الحريّات الدينيّة الأمريكيّة التي أصبحت فيما بعد جهازًا رقابيًّا على الدول العربيّة. ومن هذه المؤسّسات والمراكز الفكريّة والبحثيّة كانت الدعوات تصدر إلى فرض العقوبات على السودان، والى اتّخاذ إجراءاتٍ رادعةٍ ضدّ المملكة العربيّة السعوديّة ومصر بحجّة اضطهاد الأقليّات الدينيّة[6].

لقد جعل كثير من المفكّرين ومن الاستراتيجيّين في الولايات المتّحدة من الإسلام، بعد انهيار الاتّحاد السوفياتي (إمبراطوريّة الشرّ) الخطر القادم على المصالح الأميركيّة وعلى الحضارة الغربيّة كلّها. (كما فعل هانتنغتون). وترافق التركيز على هذا (الخطر الأخضر) مع اهتمامٍ دقيقٍ وتفصيليّ بالخلافات بين المسلمين. فتارةً تكون الأصوليّة الشيعيّة في مطلع الثمانينيّات (بعد انتصار الثورة في إيران، ومواجهة القوات الأطلسيّة في بيروت) هي الخطر والشرّ الذي ينبغي مواجهته والتصدّي الدولي له. ويتحوّل هذ الخطر بعد عام 2001م إلى الأصوليّة السنيّة المتشدّدة. وهكذا يتنقل هذا الخطر من مذهبٍ إسلاميّ إلى آخر. مع بذل الجهود لجعل (الأصوليّات) في مواجهة بعضها بدل مواجهتها للولايات المتّحدة أو للمصالح الغربيّة.

في إفريقيا الغربيّة اختلفت السياسة الفرنسيّة عمّا فعلته في المشرق؛ فهناك كان المسلمون أكثر تقدّمًا من الوثنيين؛ لذا (تصالحت) السلطات الاستعماريّة مع الإسلام في تلك البلاد. لكن هذه السياسة سرعان ما تبدّلت لاحقًا بعد التوجّس من تهديد الإسلام للاستعمار الفرنسيّ. ومن قدرة الإسلام على الربط بين العالم العربي وبين إفريقيا على قاعدة رفض الاستعمار والعداء له؛ لذا انقلبت السياسة الفرنسيّة بعد عام 1910م من التصالح مع الإسلام إلى التحريض ضدّه من خلال تشجيع الدعوة إلى (الهويّة الأفريقيّة)، و(الإسلام الأسود) في مقابل الإسلام العربي الذي يتهدّد تلك الهوية[7]. ولعلّ ما يجري اليوم في السودان وفي جنوبه تحديدًا (دعم الانفصال وتقسيم السودان) هو استعادةٌ استعماريّةٌ غربيّةٌ واضحةٌ لتلك السياسات التفتيتيّة التي جعلت العرب في مواجهة الأفارقة في القرن الماضي. في حين أنّ الهيمنة على الجميع هي الهدف المعلن تارةً والمستتر تارةً أخرى. (يمتلك جنوب السودان ثروات هائلة من النفط والمعادن المختلفة...).‏

في الهند لعبت بريطانيا على فجوة العداء بين الهندوس والمسلمين؛ لذا دعمت تقسيم القارة الهنديّة إلى دولتين واحدة ذات أغلبيّةٍ هنديّة، وأخرى ذات أغلبيّةٍ مسلمة. ولا تزال الخلافات والصراعات مستمرّةً إلى اليوم بين الهند وباكستان. واتّبع الإنكليز سياسة إبعاد المسلمين عن الوظائف وعن خيرات البلاد، وشجّعوا الهندوس وثبتوا أقدامهم في المراكز العليا والمناصب الرفيعة، كما فتحوا لهم أبواب الرخاء وميادين الرقي، ويسّروا أمام أبنائهم التعليم بالمدارس في حين كانوا يعملون على إبقاء المسلمين في ظلمات الجهل والتخلّف، وإلى ذلك عمل الإنكليز على دعم التنصير وتشجيعه. فقد كان لشركة الهند الشرقيّة الإنجليزيّة مهمّةٌ تنصيريّةٌ منذ تأسيسها، إلى جانب مهامّها الأساسية في التجارة والكشف والاستعمار.
وحديثًا شكّلت قضيّة كشمير ــ منذ إعلان جواهر لآل نهرو ضمَّها إلى الهند عام 1947م ــ الفتيل الذي ظلَّ يُشعِل التوتر باستمرار بين نيودلهي وإسلام آباد، وسبَّبت ثلاثة حروبٍ بينهما في أعوام 1949م، 1965م، 1971م، فخلَّفت مئات الآلاف من القتلى في الجانبين، كما أنّها دفعت البلدين إلى الدخول في سباق التسلُّح عام 1974م للوصول إلى توازن القوَّة بينهما.

اليوم وبعد نحو قرنين تتكرّر السياسات الدينيّة الغربيّة الاستعماريّة نفسها. العقلية نفسها، والوقود المستخدم هو نفسه (الدين والمذهبيّة والعرقيّة) والأهداف هي نفسها (الانقسام والتفتيت الداخلي). أي إنّ هذه السياسات الغربيّة ستعمد إلى ثنائيّات: العربيّ والكرديّ، والفارسيّ والعربيّ، والسنّيّ والشيعيّ، والمسيحيّ والمسلم، والإفريقيّ والعربيّ (على غرار معظم ما كتبه المستشرقون عن طبيعة الانقسامات في هذه المجتمعات).
عندما انتصرت الثورة الإسلاميّة في إيران عام 1979م، بدأ التركيز على الإسلام الشيعيّ في الأدبيّات البحثيّة والإعلاميّة والسياسيّة والثقافيّة الغربيّة. وكأنّ هذا الإسلام أو كأنّ الشيعة لم يكونوا موجودين قبل الثورة. والمقصود من التركيز على شيعيّة الثورة أنّها غير إسلاميّة. بمعنى أنّ السنّة شيءٌ، والشيعة شيءٌ آخر، وأنّ الثورة التي حصلت هنا ليس بالضرورة أن تحصل هناك حيث السنّة هم المذهب الأكثر انتشارًا، وربما يراد من (شيعيّة الثورة) الإيرانيّة، الإيحاء للسنّة بأنّ الشيعة باتوا خطرًا جديدًا بعدما نجحوا في تشكيل دولةٍ لهم، هكذا بدأت مراكز الدراسات والمؤسّسات الديبلوماسيّة والسياسيّة والأمنية في الولايات المتّحدة وأوروبا تعقد المؤتمرات والندوات وحلقات النقاش لبحث (الخطر الشيعي القادم).

فقال هنري كيسنجر في بعض تلك الندوات على سبيل المثال عام 1982: «يجب أن تعتبروا الثورة الإيرانيّة ثورةً شيعيّة، ويجب على العالم السنّي أن يقف بوجه الغزو الشيعي. أمّا وزير الخارجيّة جورج شولتز فعدّ بعد انتصار الثورة أنّ الثورة الإسلاميّة هي أخطر عدوٍ مشتركٍ للحضارة الغربيّة على طول تاريخها»[8].
كان المطلوب من وجهة النظر الغربيّة ألّا تمتدّ الثورة الإسلاميّة إلى بلدان أخرى؛ ولذا يجب محاصرتها بالوسائل كافّة. ومن أحد أهمّ هذه الوسائل كان التركيز على شيعيّة الثورة من جهة، وعلى الخلاف السنّيّ الشيعيّ من جهةٍ ثانية. وقد ساعدت الحرب التي شنّها العراق ضدّ إيران في الترويج كثيرًا لبيئة هذا الخلاف القوميّ والمذهبيّ.

وفي لبنان كانت فرنسا (أم الموارنة الحنون). عند تأسيس الكيان اللبنانيّ منذ عام1920م. أي إنّ أبناء الطوائف الأخرى لم يكونوا كذلك. وقد عملت فرنسا من خلال سياساتها المباشرة وسياساتها التعليميّة والاقتصاديّة على ربط الموارنة خصوصًا والمسيحيّين عمومًا بها، وأصبح جبل لبنان في الوقت نفسه مقرًّا للبعثات التعليميّة من اليسوعيّين والعازاريّين والكرمليين وسواهم من الذين تدعمهم فرنسا، بحيث أسهم نشاط هذه البعثات في تغيير الواقع الثقافيّ بين الطوائف اللبنانيّة لمصلحة الموارنة الذين لم يكونوا أحسن حالًا من الطوائف الأخرى قبل القرن التاسع عشر.
اختلفت سياسات الدول الغربيّة في توظيف الواقع السنّيّ الشيعيّ في البلاد الإسلاميّة. فهي لا تعير هذا الواقع أيّ اهتمامٍ إذا كان لا يفيد مصالحها المباشرة. وهي تؤلّب السنّة على الشيعة، والشيعة على السنّة، إذا كان الأمر يلبّي السيطرة الغربيّة ويساعد عليها، ويضعف الجبهة الإسلاميّة المناهضة لهذه السيطرة. ففي أثناء الإحتلال السوفياتي لأفغانستان على سبيل المثال (1980-1990) لم تنشغل السياسات الأميركيّة بالفروقات أو بالخلافات بين السنّة والشيعة.

كان الهمّ الغربيّ والأميركيّ تحديدًا هو عدم السماح للسوفيات بالاستقرار في أفغانستان؛ ولذا كانت واشنطن وأجهزة استخباراتها تؤيّد وتشجّع الدول الإسلاميّة على إرسال المتطوّعين للقتال إلى جانب إخوانهم في الدين. وكانت وسائل الإعلام الغربيّة ومعها المسؤولون في العواصم الغربيّة لا يتردّدون في تسمية هؤلاء المقاتلين بـ(المجاهدين). وكانت الأموال والتبرّعات تُرسل علانيةً من الشخصيّات ومن المؤسّسات وعبر كلّ البنوك في العالم الإسلاميّ ومن العالم الغربي إلى هؤلاء المجاهدين. ولم يعترض أحدٌ طريق تلك الأموال بحجّة (تجفيف منابع الإرهاب).
وحتى اليوم لا تجد الولايات المتحّدة أيّ مبررٍ لسياسات دينيّةٍ مذهبيّةٍ في المواجهة مع حركة طالبان في أفغانستان، على الرغم من اشتداد ساعد الحركة في مقاومتها للاحتلال الغربيّ الأطلسيّ (لا تذكر الاتهامات الأميركيّة انتماء طالبان السنّي، كما تتعمّد ذلك على سبيل المثال مع المقاومة في العراق، أو مع حزب الله في لبنان)؛ لأنّ هذه الاتّهامات غير مجديةٍ في أفغانستان، ولن تسهم في تغيير مسار الصراع مع هذه الحركة ولا في محاولات إضعافها أو تفتيت قواها، وهي لا تشير على الإطلاق إلى (سنّية) الحكومة الباكستانيّة في المواجهات مع تنظيم القاعدة أو مع حركة طالبان في أفغانستان أو في باكستان نفسها.

لكن في بقعةٍ أُخرى من بقاع العالم الإسلامي كانت السياسات الغربيّة ـ الأميركيّة نقيض ذلك تمامًا. ففي لبنان مثلًا كان من اللافت أن يتعمّد الساسة الغربيّون ووسائل الإعلام الغربيّة إضافة صفة (الشيعيّ) و(المتشدّد) إلى حزب الله عندما يشار إليه في المقاومة ضدّ إسرائيل. بحيث تجعله هذه الصفة مختلفًا عن المسيحيّ، أو عن السنّي في لبنان.
وقد اشتدّ التركيز على (شيعيّة) حزب الله، ولكن مع تأكيدٍ جديدٍ هو ارتباطه بإيران، خصوصًا في أثناء الأزمة السياسيّة والأمنيّة التي عصفت بالبلاد منذ عام 2005م (بعد اغتيال الرئيس الحريري). ما يعني أنّ ما يقوم به الحزب ليس حركة مقاومةٍ للدفاع عن لبنان أو لصدّ الاعتداءات الإسرائيليّة، بل هو لخدمة أهدافه الشيعيّة من جهة (يثير حفيظة السنّة)، أو لخدمة أهداف دولةٍ أُخرى غير لبنان (يثير حفيظة باقي اللبنانيّين وخصوصًا المسيحيّين).
ينطبق ما جرى في لبنان على العراق أيضًا بعد احتلاله عام 2003م وبعد سقوط النظام. فقد تدخّل الأميركيّون مباشرةً في كلّ تفاصيل الواقع العراقي من تسمية المقاومة العراقيّة بالمقاومة (السنّية)، للقول بأنّ الشيعة موافقون على الاحتلال الأميركيّ لبلادهم. إلى التدخّل في صياغة الدستور العراقيّ الجديد الذي جعل التوزيع الطائفيّ أساس هذا الدستور، ما يعني احتمالًا دائمًا للانقسام بين الشعب العراقيّ. كما أسهمت بعض الأدبيّات السياسيّة العربيّة في جعل احتلال العراق وسقوط نظامه مسؤوليّةً إيرانيّةً شيعيّة، بدل أن تكون مسؤوليّةً أميركيّةً عربيّة. بحيث ألقت تلك الأدبيّات اللوم على إيران؛ لأنّها لم تقاتل إلى جانب العراق، وعلى الشيعة في داخل العراق؛ لأنّهم ــ كما تقول تلك الأدبيّات ــ تلقّوا أوامر إيرانيّة بعدم القتال دفاعًا عن النظام العراقيّ وضدّ الاحتلال الأميركي.
ومع إيران بلغ التحريض المذهبيّ الدينيّ والعرقيّ ذروته. خصوصًا بعد احتلال العراق، وبعد تعثّر التسوية السلميّة في المنطقة. فقد عدّت السياسات الأميركيّة إيران (وليس إسرائيل) هي العقبة أمام التقدّم في عمليّة التسوية. وعدّت برنامجها النووي خطرًا على الدول العربيّة. وشجّعت بسبب ذلك كلّه على جعل إيران عدو العرب الأول وليس إسرائيل. والمقصود بهذا التحريض تحقيق أكثر من هدف:

الأول: هو تهميش التهديد النوويّ الإسرائيليّ.
والثاني: هو التذكير بالاختلاف العرقيّ مع إيران الذي يفترض الحذر وعدم التوافق (لنلاحظ أنّ التحريض على هذا المستوى لا يتناول الدور التركي المتنامي. فليس ثمّة من يشير إلى الخلاف العرقيّ العربيّ التركيّ)
والثالث: هو تحريك الشعور المذهبي السنّيّ الشيعيّ، في ظلّ بيئةٍ مناسبةٍ لمثل هذا التحريض ممتدةٍ من لبنان إلى العراق. بحيث يصعب إلى حدّ الاستحالة التفاهم العربي الإيراني لحلّ المشكلات الإقليميّة أو لبحث قضايا الخلاف والمخاوف المتبادلة.
والرابع: هو تشجيع العرب والفلسطينيّين على المسارعة إلى التفاهم مع إسرائيل (بغضّ النظر عن سياساتها الاستيطانيّة التوسعيّة) لمنع إيران من الاستمرار في دعم حركات المقاومة وفي تعطيل عمليّة التسوية، وللحدّ من تقدّم نفوذها في المنطقة على حساب نفوذ العرب (حلفاء الولايات المتّحدة) التقليديّ.
هكذا نفهم كيف ولماذا نشأت فكرة (الهلال الشيعيّ)، ومعها تهمة أنّ الشيعة العرب يتبعون إيران ولا يتبعون مصالح بلادهم. وذلك في إطار التحريض ضدّ الشيعة في المنطقة العربيّة. وترافق الأمر مع تضخيم ما سمّي بظاهرة (تشيّع أهل السنّة). فقام بعض العلماء والخطباء ووسائل الإعلام المختلفة بالتحريض المباشر والقوي ضدّ الشيعة وضدّ إيران التي (تثير الفتن في الدول السنية)، بحيث بات الحديث عن الخطر الشيعيّ مألوفًا بعدما تكرّرت الإشارة إليه في مناسباتٍ كثيرةٍ، خصوصًا أنّ البيئة السياسيّة المذهبيّة في بلدان كثيرةٍ مثل العراق ولبنان، ثمّ في سوريا بعد (الثورات) العربيّة ساعدت على هذا التحريض الذي يعود إليه بعضهم حتى على المستويات الدينيّة الرسميّة، كما فعل مؤخّرًا وزير الأوقاف المغربيّ السابق عبد الكبير العلويّ الذي حذّر في الملتقى العالميّ الخامس لخريجي الأزهر المنعقد في القاهرة من محاولات المدّ الشيعيّ مطالبًا بتوحيد السنّة للتصدّي له.
وقد حذّر العلويّ أيضًا من «توظيف الدين لأغراضٍ سياسيّةٍ، ومن فرض المذهب الشيعيّ على العالم لخدمة هذه الأغراض» (10/5/2010).

ومن اللافت أنّ العلوي هو المدير العام لوكالة (بيت مال القدس الشريف). أي بدلًا من الدفاع عما تتعرّض له القدس من تهويد، ومن بناءٍ لا يتوقّف للمستوطنات، يذهب تحريض وزير الأوقاف المغربيّ السابق ضدّ الشيعة والتشيع؛ فيجعلهم الخطر الملحّ، بدل أن تكون إسرائيل، منطقيًّا وواقعيًّا، هي هذا الخطر، ومن الواضح أنّ هذا التحذير نفسه ينطوي على بعدٍ سياسيّ يطال إيران التي ترى كثيرٌ من الحكومات العربيّة (حتى بعد الثورات)، أنّ نفوذها يتّسع ويتمدّد على حساب نفوذهم التقليديّ؛ لذا تحوّل التشيّع إلى هدفٍ للتحريض بدل أن يقتصر الخلاف مع إيران على المستوى السياسيّ.
وقد أسهم صعود السلفيّة بعد (الثورات) بتيّاراتها المختلفة، في نشر هذا التحريض ضدّ الشيعة وفي اعتبارهم الخطر الأول والعدو القريب، وقد يحتمل مثل هذا التحريض ردًّا مماثلًا من أوساطٍ شيعيّةٍ موازية، وإذا حصل ذلك فإنّه سيخدم الغلاة من الجانبين السنّيّ والشيعيّ، ما سيعزّز ثقافة العداء والكراهية المتبادلة، ويؤدي فعليًّا إلى التحضير الجيّد لبيئة الفتنة المذهبيّة بين المسلمين.
هكذا يتّصل التاريخ بالحاضر، لا انقطاع بين السياسات الغربيّة في بلاد المسلمين. وعلى الرغم من غياب الاحتلال العسكريّ المباشر، فقد استمرّ التدخّل في هذه البلاد عبر تفكيك المجتمع، والهيمنة على الثروات، والتحريض الدينيّ والعرقيّ والمذهبيّ، وقد تفاوتت الاستجابة لهذه السياسات الغربيّة في التفكيك والتحريض، بين من أصبح مطيّةً لها ووقع في شرك الدعوة لها، فجعل المسلم الآخر أو العرق الآخر هدفًا للحرب أو للكراهية، وبين من عمل على مواجهتها فجعل من الوحدة الوطنيّة، أو من مقاومة الاحتلال ومن التدخّل الغربي بأشكاله كافّة هدفًا للمقاومة بأشكالها كافّة. كان الأمر كذلك في الماضي، وهو ما يزال كذلك إلى اليوم.

مراجع البحث
طلال عتريسي، البعثات اليسوعيّة ومهمة إعداد النخبة السياسيّة في لبنان، الوكالة العالميّة للتوزيع، بيروت ، 1987م.
محمود حيدر، لاهوت الغلبة، التأسيس الديني للفلسفة السياسيّة الأميركيّة، دار الفارابي، بيروت 2008م.
محمد عارف زكاءالله، الدين والسياسة في أميركا، مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، بيروت 2007م.
يان ريشار، الإسلام الشيعي، دار عطية للنشر والتوزيع، بيروت 1996م.
Le choc colonial et l’islam,sous la direction de Pierre-Jean Luizard,editions La decouverte,Paris 2006.
Chevallier Dominique:La societe’du Mont Liban a l’epoque de la revolution industrielle en Europe.Paris 1971.
Gontaut-Biron,Comment la France s,est installee’ en Syrie,1918-1919,Paris 1922
L’Algerie francaise.Indigenes et immigrants,editions Seguier,Paris 2002.

-----------------------------------------
[1]. أستاذ علم الاجتماع/ الجامعة اللبنانيّة.
[2]. هذا البحث مقتبسٌ من العدد الأول من مجلة دراسات استشراقيّة، الصادرة عام 2014م/ 1435هـ، عن المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجيّة التابع للعتبة العباسيّة المقدّسة.
[3]. 1-Le choc colonial et l’islam,sous la direction de Pierre-Jean Luizard,editions La decouverte,Paris 2006.p.11.
[4].Chevallier Dominique:La societe’du Mont Liban a l’epoque de la revolution industrielle en Europe.Paris 1971. P.12-18.
[5]. Gontaut-Biron,Comment la France s,est installee’ en Syrie,1918-1919, Paris 1922. P.345.
[6]. محمود حيدر، لاهوت الغلبة التأسيس الدينيّ للفلسفة السياسيّة الأميركيّة، ص 165-180؛ وكذلك: محمد عارف زكاء الله، الدين والسياسة في أميركا، ص 112- 125.
[7]. L’Algerie francaise.Indigenes et immigrants,editions Seguier,Paris 2002.p.148.
[8]. يان ريشار، الإسلام الشيعي، ص 231.