البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

فكر ما بعد الاستعمار تيّارٌ نقديٌّ وليس درسًا أكاديميًّا حوارٌ مع المؤرّخ الفرنسيّ جاك بوشيباداس

الباحث :  جول نودِت
اسم المجلة :  الاستعمار
العدد :  8
السنة :  صيف _ 2026 م
تاريخ إضافة البحث :  July / 21 / 2026
عدد زيارات البحث :  102
تحميل  ( 429.844 KB )
يناقش هذا الحوار مع المؤرّخ الفرنسيّ جاك بوشيباداس طبيعة (فكر ما بعد الاستعمار) بوصفه تيّارًا نقديًّا راديكاليًّا وليس مجرد مادّةٍ أكاديميّة. يوضّح بوشيباداس أنّ هذا الفكر نشأ في الجامعات الأنكلوسكسونيّة متأثّرًا بكتاب (الاستشراق) لإدوار سعيد، والنظريّات الفرنسيّة لما بعد البنيويّة.
يتتبع الحوار الجذور التاريخيّة لهذا التيار، رابطًا إيّاه بـ «الدراسات الهامشيّة» (Subaltern Studies) في الهند التي سعت لكتابة التاريخ (من تحت) لإعادة الكرامة للشعوب المستعمَرة. كما يتطرق للنقود الموجّهة لهذا الفكر، سواء من الماركسيّين الذين انتقدوا مثاليّته النصوصيّة، وابتعاده عن الواقع المادّي، أو من المؤرّخين الذين عابوا عليه تعميم نموذج الهيمنة الاستعماريّة.
أمّا في السياق الفرنسيّ، فيفسّر المؤرّخ تأخّر قبول هذا الفكر بسبب التمسّك بالوحدة السياسيّة وتوهمّ الاكتفاء بإرث مفكّرين مثل فانون وسيزار. ويخلص الحوار إلى أنّ مستقبل هذه الدراسات يكمن في تحوّلها نحو قضايا العولمة، والتنقل، والتعايش، متجاوزةً حصرها في الحقبة الاستعماريّة لتشمل مجالاتٍ معرفيّةً أوسع كالدراسات البصريّة والإعلاميّة.

الكلمات المفتاحيّة: ما بعد الاستعمار، الدراسات الهامشيّة، إدوار سعيد، المركزية الأوروبيّة، النقد المعرفيّ.

س: ماذا نعني بدراسات ما بعد الاستعمار؟
جاك بوشيباداس: دراسات ما بعد الاستعمار، هي حقلٌ من الفكر النقديّ، ولد في الجامعات الأنكلوسكسونيّة خلال الثمانينيّات، وخصوصاً في الولايات المتّحدة. نشأ من كتابٍ مهمٍّ ومشهور، نشره إدوارد سعيد سنة 1978م بعنوان الاستشراق، وكان هدفه دراسة ونقد خطاب الغرب عن العالم الإسلاميّ. الحقبة الزمنيّة التي درسها إدوارد سعيد في هذا المؤلََّف، تخصّ كلّ مرحلةٍ علاقة الغرب الاستعماريّة، مع سائر العالم وخصوصًا الحقبة الثانية، من الانتشار الأوروبيّ للقرن الثامن عشر، حتى منتصف القرن العشرين.

استوحى إدوارد سعيد في هذا المشروع فكر ميشال فوكو. اهتمّ بدراسته بمجمل الإنتاج العلميّ والأدبي، وخصوصًا الروائيّ الغربيّ، الذي يتناول الشرق، وافترض مبدئيًّا أنّ مجموع هذه الكتابات، كانت تشكّل أو بالأحرى تمثّل ما كان ميشال فوكو قد سمّاه صياغةً استدلاليّة، أيْ نوعًا من العالم الذهنيّ والثقافيّ، الذي يجد تعبيره في التناصّ الشامل للمرحلة. هذا التركيز على الخصائص الأساسيّة للنصوص، الذي من البديهي، كان له علاقةٌ مع ما نسميه المنعطف اللسانيّ، هو ثورةٌ أساسيّةٌ في الحياة الفكريّة، لهذه السنوات. وقد كان لهذا السبب منتقدا بشدّة بالطريقة نفسها، التي انتقدت بها، مرحلة ما بعد الحداثة على نحوٍ قليل، في كلّ أنحاء العالم، وخصوصًا في فرنسا.
وقامت استشراقيّة أدوار سعيد بتجديدٍ شاملٍ في الخطاب العلميّ، حول الغرب و«آخريه» «ses autres».وقد أخذ عددٌ كبيرٌ من المثقفين يعملون في الوجهة نفسها. وكان هؤلاء يتّحدرون غالبًا من البلدان التي كانت تسمّى في تلك المرحلة بالعالم الثالث، أو بالأحرى، بلدان الجنوب كما يقال اليوم، وكانوا ملتحقين بالجامعات الأنكلوسكسونيّة، وخصوصا في الولايات المتّحدة. وكان هؤلاء المفكّرون، بسبب الجو الثقافيّ، الذي كانوا يعيشون ويعملون داخله، مهيئين لتبني موقف العودة النقديّة هذه، حول الخصائص الأساسيّة للنصوص، التي تتناول الاستعمار.

وعلى نقيض المعاداة التقليديّة للاستعمار، التي تصدر عن النقد السياسيّ والاقتصاديّ والاجتماعيّ، فقد تجاوز إلى نقدٍ أكثر معرفيّة épistemique، نقد كان يتّخذ أساسه من مجمل نصوص المرحلة الاستعماريّة. إنّ هذه النصوص التي كان ينطلق منها، هي التي أعطت ما أصبح يطلق عليه مُذَّاك فكر ما بعد الاستعمار، الذي ينمو الآن في الجامعات الأنكلوساكسونيّة والأميركيّة، وعلى نحوٍ أقلّ في كلّ أنحاء العالم.

س: ما هي العلاقة التي يمكن أن نعقدها بين دراسات ما بعد الاستعمار والدراسات الهامشيّة؟
جاك بوشيباداس: إنّ الدراسات الهامشيّة، هي بكلّ دقةٍ عنوان سلسلة من الأعمال التي ظهرت في الهند، منذ العام 1982م، وقد ظهر العمل الثاني عشر والأخير منها، في 2005م، كانت هذه الأعمال بمبادراتٍ جماعيّةٍ، مجموعةً من المقالات، أدارها مجموعةٌ من المؤرّخين الشباب، الذين ضموا إليهم مؤرّخين آخرين، يعملون بمقتضى رؤيتهم، بإدارة مؤرّخٍ ماركسيّ بنغاليّ، يكبرهم سنًّا بكثيرٍ، وكان مستقِرًّا في إنكلترا، يدعى راجانيت جحا.
كانت رؤية جحا ومرافقيه الشباب تستلهم التاريخ، تاريخ الطبقة الدنيا من المؤرّخين المدعوين بالراديكاليّين، الذين يهتمون بالشعب أكثر من اهتمامهم بالنُخب، وما أراده جحا وأتباعه: تغيير النظرة المهيمنة على تاريخ الهند الاستعماريّ، وكتابة تاريخ الهند من تحت. وكان هذا التاريخ الذي واجهه جحا، ينتظم بقطاعين؛ التاريخ الاستعماريّ بالمعنى التقليديّ للكلمة، الذي كان تاريخًا إنجليزيًّا إلى حدٍّ بعيد، قام على كتابة تاريخ الإنجليز في الهند، بدلًا من كتابة تاريخ الهند في المرحلة الاستعماريّة، هذا من جهة. ومن جهةٍ أخرى، ما يمكن أن نسمّيه الرواية الرسميّة لتكوّن الأمة الهنديّة، التي توجد في كلّ كتب التعليم الجامعيّ، إذا كان يُمجّد فيها مسار نخب الهند الوطنيّة، خلال معركة الاستقلال، ويُبيّن كيف تحرّكت الجماهير الهنديّة وراءهم، وانتزعت في النهاية الاستقلال، باتبّاع توجيهاتهم بدلًا من أن يكون ذلك بمبادرة الجماهير الخاصّة.

أمّا رؤية جحا وأقرانه مختلفة كليًّا عن ذلك؛ إذ كانوا يقصدون أن يستعيدوا، في آنٍ واحدٍ، كرامة الشعب الهنديّ، وقدرته على المبادرة والفعل، واستقلاله الذاتيّ حيال النُخب، ليبرهنوا أنّ الفضل في إخراج الإنكليز من الهند الحقيقة، كان يعود للشعب. لكن النخب التي كانت مضطرةً للسير خلف الشعب، استولت على السلطة في النهاية، وحرمته من مكتسبات انتصاره. كانت في هذا المسار أخطاء في المنهج، أو على الأقل، مواقف يصعب الدفاع عنها، وقد وُجّه إليها النقد سريعًا: من جهة، حقيقة أنّ الشعب بوصفه كيانًا نُظِر إليه بإعمامٍ من خلال خصائص عامّة، حالت دون التمييز حتى داخل الجماهير الشعبيّة الهنديّة.
ومن جهةٍ أخرى، وكان هذا هو على الأخص نقد اليسار حقيقة أنّ الدراسات الهامشية، كانت تسند إلى قطاعات الشعب المبادرة بكاملها، دون الاعتراف أنّه لم يكن بإمكانه، أن يفعل شيئًا دون نخبةٍ، أو طليعةٍ لها تنظيمها وتوجّهاتها. كان ذلك بوضوح نقدًا صادمًا. من هنا فإنّ الدراسات الهامشية، أو بالأحرى المجموعة التي تكوّنها غيّرت قليلًا توجّهاتها. وبدلًا من الاستمرار في اتّجاه الدفاع عن الشعب، انتقلت إلى انتقاد خطاب النخبة الاستعماريّة والهنديّة. وهكذا قامت، انطلاقًا من هذه اللّحظة، بإنشاء تاريخٍ ينتقد خصائص المرحلة. وفي فعلهم هذا وجد الهامشيّون أنفسهم على أرضيّة دراسات ما بعد الاستعمار، التي كانت حينذاك في أوجّ انطلاقها. وقد اتّفق فضلًا عن ذلك، أنّ هؤلاء المؤرّخين الهامشيين كان عددٌ منهم لامعًا، وقد توظّفوا في الجامعات الأمريكيّة، ووجدوا أنفسهم في المكان نفسه، الذي ولدت فيه، دراسات ما بعد الاستعمار. وقد نشأ نوعٌ من الترابط بين الاثنين، وكفّت الدراسات الهامشيّة عن الظهور سنة 2005م، كمؤسسة نشرٍ مميّزة؛ لأنّها ذابت في ركام ثقافة ما بعد الاستعمار.

وقد انضمّ عددٌ آخر إلى مجموعة الدراسات الهامشيّة، وأصبحوا نجوم فكر ما بعد الاستعمار: مثل، غياتري سبيفاك وديبيش شاكرا باتري وبعض الآخرين. وهكذا، سوف تمثّل دراسات التابع ربما مرحلة ما قبل التاريخ للدراسات ما بعد الاستعماريّة، ولكن في كلّ الحالات هي تمثّل تاريخها الأوّلي.

س: هل يمكن القول إنّ دراسات ما بعد الاستعمار هي في الحقيقة متعدّدة الاختصاصات؟ (transdisciplinaires)
جاك بوشيباداس: إنّ دراسات ما بعد الاستعمار، ليست حقلَ دراسةٍ خاصًّا، بل هي تيّارٌ فكريٌّ نقديٌّ، يمكن وصفه بالراديكاليّ، وقد تأثّر في أصوله، بالسياق الفكريّ الذي ظهر داخله: سياق ما بعد البنيويّة، وما بعد الحداثة، وكلّ ما أُطلق عليه في حينه النظريّة الفرنسيّة؛ لأنّ هذا الموقف الفلسفيّ كان في قسمٍ كبيرٍ منه، ينطلق من كتابات فوكو، داريدا ودولوز إلخ.
هذا الموقف النقديّ، يتوجّه إلى كلّ الدراسات الإنسانية المخصوصة، وإلى العلوم الاجتماعيّة، ويدعوها إلى نوعٍ من التميّز، إلى تحوّل في النظرة، ما أسهم كثيرًا في دفعها إلى العمل على نفسها، وعلى أن تنفّك من طريقة في التفكير، تضع النموذج الأوروبيّ، في قلب كلّ شيء، وأن تعترف لطرق التفكير غير الأوروبيّة بجدارتها المساوية للتفكير الأوروبيّ. وسّعت دراسات ما بعد الاستعمار، على نحوٍ كبيرٍ، حقلَ كلّ واحدٍ من حقولها المخصوصة.
وحقيقةً، أنّها ولدت في حقل الدراسات الأدبيّة، وأنّ معظم الرواد الأوائل في تلك اللحظة، كانوا أساتذة أدبٍ أو أساتذة أدبٍ مقارنٍ في الجامعات الأنكلوسكسونيّة. ولكن الأسئلة والتخلّي عن المركزيّة الأوروبيّة، التي تقترحها، تتوجّه إلى الحقول المخصوصة وخصوصًا إلى التاريخ، الذي لم يعد ينبغي أن يكون برأيهم روايةً لأوديسة الحداثة في أرجاء العالم، ولصدمة الرأسماليّة التي ولدت في الغرب، واتّجهت إلى مختلف مناطق العالم، أو لمسار التاريخ المتناقض والغامض للبلدان ذات الثقافة غير الأوروبيّة، باتجاه نموذج التطوّر الغربي الذي يُعرض عليها. وعلى العكس، ينبغي للتاريخ أن يُخلي مكانًا، لكل ما يُسمّى بحسب النظرة الأوروبيّة التقليديّة، تواريخ هامشيّة، أو تاريخ الأطراف، بالتخلّي عن فكرة المركز أوالهامش.

ليس ثمّة سوى تواريخ ذات قيمٍ متساويةٍ، وجدارةٍ متساوية، وأهميّةٍ متساويةٍ، وهي جميعًا تتبع طريقها في ارتهانٍ ما، نحو ظروفٍ عالمية، ودون أن تكون منذورةً لتشبه نماذج محدّدةً مسبقًا، أو أن تتوق إليها.
وكذلك فإنّ الاتنولوجيا، الحقل المخصوص، الذي ظلّ لوقتٍ طويلٍ، وربما لا يزال، على شجارٍ مع عيبٍ ضمّه الأولي إلى مشروع الاستعمار، عليه أن يغتني بالكثير، وعلى أيّ حال، كان قد تمّ الاشتغال عليه كثيرًا من خلال استبانات ما بعد المرحلة الاستعماريّة. والمقصود بالنسبة له وصف الثقافة وليس التاريخ، ولكن المسألة في الحقيقة هي نفسها جوهريًّا.
فالدراسات الأدبيّة، من حيث انطلقت دراسات ما بعد الاستعمار، كانت قد اهتزّت هي نفسها بعمق. فمعيار الأعمال الكلاسيكيّة التي هي في قلب برامج التعليم تغيّرت على نحوٍ هائل. لقد أُدخل فيها بالطريقة نفسها الأعمال الأوروبيّة الكلاسيكيّة، وأعمالٌ صادرةٌ عن حقل آداب البلدان التي اُستعمرت سابقًا.
إنّ دراسات الآداب التقليديّة، قد اصطدمت بقوّةٍ بعلاقتها الجديدة كلّيًّا، بالنظريّة التي بدأها النقد الأدبي، لمرحلة ما بعد الاستعمار، وبأدواتها المفهوميّة والمنهجيّة. فمعظم فروع دراسات ما بعد الاستعمار، في الجامعات الأنكلوساكسونيّة هي في الأساس فروع دراساتٍ أدبيّة.
ولكن في الحقيقة إذا نظرنا إلى برامجها التعليميّة، وإلى الحقول الأصليّة لطاقمها التعليميّ، نتحقّق أنّها فروعٌ تتمثّل فيها العلوم الاجتماعيّة إلى حدٍّ ما، وأنّ الهموم الجماليّة التقليديّة تحتلّ أحيانًا بكاملها، الدرجة الثانية. ثمّة جوهريًّا ميزة تحوّلٍ لحقل الدراسة المخصوص لأبحاث ما بعد الاستعمار، وهذا ما جعل لها جزئيًّا المقدرة على الخلخلة والتجديد في آنٍ واحدٍ، في العلوم الاجتماعيّة والإنسانيّات.

س: ما هي حدود مشروع بهذا الاتّساع؟
جاك بوشيباداس: إنّ دراسات ما بعد الاستعمار، كانت قد اُنتقدت كثيرًا، وكان قسمٌ من هذا النقد هو النقد نفسه الذي قد وجّهتْهُ هي ذاتها إلى حقول الدراسة المعنية. ويمكن أن نميّز بين نوعين من النقد يشيران أيضًا إلى تحديدين كبيرين لفكر ما بعد الاستعمار؛ الأول هو حقيقة أنّ دراسات ما بعد الاستعمار تعمل بشكلٍ أساسٍ على النصوص.

فكانت إذًا ــ وعلى نحوٍ سريع ــ موضوعًا لنقدٍ ذي طبيعةٍ ماديّة، يصدر غالبًا من مفكّرين ماركسيين، إذ يأخذون عليها مثاليتها المتمثّلة في التخندق في نقد النصوص، الذي كان ملحوظًا كطريقة لهجران أرض واقع النضالات الاجتماعيّة الحقيقيّة، وكخيانة للشعوب الفقيرة والمحرومة، التي نصّب مفكّرو ما بعد الاستعمار أنفسهم المتحدّث باسمها، بمقدار ما تستمر هذه الشعوب في النضال كلّ يومٍ من أجل نجاتها، أو ضدّ الأنظمة المضطهدة، وطالما ظلّت مرتهنةً بشدةٍ إلى شروط الحياة التي صنعوها لها. إنّها ليست غير مباليةٍ، بل هي ــ على العكس ــ ملتزمة بمعركة التحديث والتقدم، والحريّات الملموسة إلخ وهي معارك لا يقدّم لها نقد النصوص شيئًا.
والميزة الأُخرى للنقد نفسه هو أنّ نقد المجتمعات المستعمَرة سابقًا، حصرًا، من خلال الزاوية التي يستمر فيها الغرب بممارسة تأثيره عليها، يعني السكوت على عدم المساواة، داخل هذه المجتمعات أو تجاهلها، إذ إنّ أصل هذا الاضطهاد، هو في داخل هذه المجتمعات نفسها. هذه المثالية النصوصيّة لدراسات ما بعد الاستعمار، ستكون نتيجتها العامة ترك الجماهير المقموعة لقدرها الماديّ الحزين، لمصلحة اهتمامات ذات طبيعةٍ ثقافيّةٍ محضة.

هذا النقد الماديّ لمثاليّة دراسات ما بعد الاستعمار، يترافق في الأغلب مع اتّهام المثقّف ما بعد الاستعماري نفسه. كثيرون يقولون: (انظر إلى هؤلاء المؤلّفين الذين يعيشون برفاهيّةٍ عاليةٍ في جامعاتٍ أنكلوسكسونيّة، في بلدان الشمال التي تدفع لهم ببذخ؛ إنّ شروط حياتهم لا تشبه على الإطلاق شروط حياة الناس الذين يدّعون الدفاع عنهم).
هذا النقد، كما يبدو، قلّما يقبل في الحدود التي يترجم فيها شكلًا معاديًا للنزعة الفكريّة، حتى وإن كانت لاواعية، ثمّة فكرة ضمنيّة هي أنّ العمال وحدهم يستطيعون على سبيل المثال، التكلّم بطريقةٍ صحيحةٍ عن العمال[1]، وهذا موقفٌ غير ماركسيّ إلى حدٍّ بعيد؛ لأنّ الماركسيّة نفسها، وضعت على الدوام، في المقام الأول، التعاون بين المثقّفين والجماهير، الماركسيّة نفسها يمكن أن تعدّ باطلةً في هذا المنظور؛ لأنّ ماركس كان بورجوازيّا صغيرًا لا عاملًا، وانجلس كان ابن أحد صانعي النسيج الكبار.

الحشد النقديّ الكبير الآخر، للحدود المعترف بها، أو التي تعزى لمرحلة ما بعد الاستعمار، يخصّ طابعها المؤرّخ، الطريقة التي ينظر فيها مفكّرو ما بعد الاستعمار إلى التاريخ، وقد أخذ عليهم المؤرّخون بشدّة قطيعتهم مع الإمبرياليّة؛ إذ إنّ هوسهم بالنصوص حال دون رؤيتهم للأشياء كما هي، ويؤخذ عليهم بشكلٍ خاصٍّ، ميلهم للكلام عن الأنظمة الاستعماريّة، كما لو أنّ المقصود نوعٌ من الهيمنة وحيد الشكل، وثابت على امتداد الكرة الأرضيّة، ومنذ بدايات التوسّع الأوروبي، والأنظمة الاستعماريّة في الحقيقة، مختلف بعضها عن بعضها الآخر، والسلطة الاستعمارية لم تكن أبدًا متراصةً، وذات سلطةٍ مطلقة، وعلى العكس، كان يتخللها تناقضاتُ، وتضطر للتفاوض باستمرارٍ مع المجتمعات المحليّة، وكانت تتطوّر أيضًا تبعًا للظروف. هذا النقد هو صحيح تمامًا.
إنّ مفكّري ما بعد الاستعمار كانوا يريدون كتابة التاريخ، من دون الأخذ في الحسبان التطوّرات التاريخيّة، وهذا العيب يعود بالتأكيد في جزءٍ منه إلى أنّ دراسات ما بعد الاستعمار، ذات مصدرٍ أدبيّ، وهذا على ما أعتقد تعبيرٌ جديدٌ للتوتّر الدائم في العلاقة بين الأدب والتاريخ؛ إذ التاريخ يأنف أن يأخذ الأدب في الحسبان لأنّه خيالٌ، ولكن في الوقت عينه، يستنكف من النظر إلى ذاته، وأن يعترف أنّه هو أيضًا على مستوى المخيلة، وعلى مستوى الكتابة، حقلٌ أدبيٌّ، ويصعب عليه الاعتراف أنّه مشروعٌ لا ينتهي أبدًا، إذ إنّ أعماله تُستعاد على الدوام، وتُكتب من جديد. وحقيقة أنّ التاريخ بذاته حقيقة، لن أقول إنّها حقيقةٌ مشابهةٌ لتلك التي تنبثق من الأعمال الخياليّة، ولكن مع ذلك، هو حقيقةٌ هشّةٌ، وهي أيضًا ممهورةٌ بالنزعة النصوصيّة.

لم يكن المؤرّخون ــ فضلًا عن غيرهم ــ الوحيدين الذين انتقدوا مرحلة ما بعد الاستعمار، من خلال أخطاء منهجها. أقول إنّ معظم هذا النوع من النقد، الذي وُجّه لفكر ما بعد الاستعمار، من خلال التاريخ، كان قد أخذه مفكّرو ما بعد الاستعمار أنفسهم بالحسبان. ليس ثمّة فكرٌ جامدٌ لما بعد الاستعمار نستطيع نقده كنوعٍ من العقيدة، أو النسق؛ لأنّه في تطوّرٍ دائم. ومفكّرو مرحلة ما بعد الاستعمار يصرّحون غالبًا، أنّه يتعبهم أن يوضعوا غالبًا موضع اتّهامٍ، يصدر على الدوام، خصوصًا من بين صفوفهم. وما لا يمكن تجنبه هو أنّ الأسئلة التي يطرحها مفكّرو ما بعد الاستعمار على التاريخ، هي أسئلةٌ يطرحها وسيطرحها كلّ الناس: هل من المقبول أن يرجع التاريخ على الدوام إلى تاريخ الحداثة وإلى مسار الغرب؟ هل هذا المسار هو النموذج الضروريّ لتاريخ كلّ شعوب الكرة الأرضيّة؟ وهل الرأسماليّة هي حقيقة، أو اختراع غربيّ حصرًا؟

س: لمتابعة فكر ما بعد الاستعمار، رأينا أخيرًا أنّ نظريّة ما بعد الاستعمار قد أثارت نقاشاتٍ حيويّةً في فرنسا. أيبدو لك ذلك بمستوى أهميّة المسألة، التي يطرحها هذا السؤال النظري؟ ماذا يمكن لدراسات ما بعد الاستعمار، أن تقدّم لتقدّم الجدل العلميّ الفرنسيّ؟
جاك بوشيباداس: بدايةً لن يكون من دون جدوى، التساؤل لِمَ لَمْ تخترق دراسات ما بعد الاستعمار النقاش العام في فرنسا إلّا بعد مضيّ وقتٍ طويلٍ على انطلاقها، في العالم الأنكلوسكسونيّ، أي بعد خمس وعشرين سنة تقريبًا على صدور كتاب الاستشراق. لِمَ هذا الفارق؟ إنّني أرى في ذلك عدّة أسباب ممكنة، تنفي الاختلافات الإثنيّة والثقافيّة لتركّز كليًّا على الوحدة الداخليّة للجسم السياسيّ الذي هو جزءٌ من ثقافة القاعدة المتوسطة. وبهذه العقليّة لم نكن مهيّئين لاستقبال نموذج الاستبانات التي تقترحها دراسات ما بعد الاستعمار. وثمّة تفسيرٌ آخر يمسّ العالم الفكريّ، وهو أنّ دراسات ما بعد الاستعمار كانت منذ البداية مرتبطةً ـــ من قريبٍ أو بعيد ــ بتياّرات فكر ما بعد الحداثة، وعليه لم تختزل ما بعد الحداثة بسرعة في فرنسا، ولكن في النهاية تضرّرت كثيرًا من ارتياب معظم المثقّفين. وهذا ما نسميه فكر الـ 68. إذ لم تؤخذ دراسات ما بعد الاستعمار بجديةٍ لوقتٍ طويل.

وربما ثمّة سبب ثالث أيضًا، ذلك أنّنا في فرنسا، استطعنا أن نكوّن مع دراسات مع بعد الاستعمار، انطباعًا أنّنا رأينا ذلك من قبل؛ فقد كان لدينا في فرنسا فرانز فانون، وإيمي سيزار، وليبولد سيدار سنغور، وسارتر، وألبير ميمِّي وجورج بالنديي، وهؤلاء جميعًا مؤلّفون كانوا قد كتبوا في الخمسينيّات، وقد تابع الكتابة عددٌ منهم لاحقًا. وعليه فقد احتفلّ مفكّرو ما بعد الاستعمار بهؤلاء كأيقونات أو كروّاد كبار. استطعنا إذًا أن نفكّر على نحوٍ خاطئٍ كليًّا، إنّنا في فرنسا كنّا قد سلكنا هذا المسار، وأنّه لم يعد من الضروري، العودة إليه. إنّه لخطأ أساسي في الحدود التي إذا كان هؤلاء المؤلّفون الناطقون بالفرنسيّة، استشهدتْ بهم فعليًّا دراسات ما بعد الاستعمار، فعلى الأغلب أعاد المؤلّفون شرح كتاباتهم. على سبيل المثال فرانز فانون، أعاد متخصّصو ما بعد الاستعمار، التفكير أنّه بشكلٍ أساسيّ لاكاني (نسبة إلى لاكان) اشتغل على العلاقة مع الآخر، في حين أنّه كان مناضلًا من العالم الثالث، وحليفًا للوطنيين الجزائريين. وكثيرٌ من هؤلاء المؤلّفين كانوا مثله، من العالم الثالث، داعمين للحركات الوطنيّة الحديثة، في فترتهم، وكانوا أيضًا ماركسيين بمقدار الخصائص التي تفرقهم كليًّا عن فكر ما بعد الاستعمار.

إنّ ما فتح الباب في فرنسا أمام مرحلة ما بعد الاستعمار، هي أزمة النموذج الفرنسيّ، في الاندماج، الذي انفجر في الفضاء العام في العام 2005 م، في لحظة أزمة الضواحي الشهيرة. وقد تسبّب آنذاك عددٌ من المبادرات التشريعيّة للحكومة باضطراباتٍ حقيقيّة، حول مسألة ذاكرة الاستعمار، وتصريحات ممثّلي الجمعيّة التي أصبحت لاحقًا حزبًّا سياسيًّا باسم «مواطنو الجمهورية الأصليين» (Indigène de la République)، الذين أخذوا يتكلّمون عن دراسات ما بعد الاستعمار في فرنسا، في وقتٍ لم تكن فيه الظروف مهيّأةً لنقاشٍ هادئ، ولتفكيرٍ عقلاني.
ولقد تمّ الاستيلاء على وسْم (label) ما بعد الاستعمار، على نحوٍ عَجولٍ، وفي أغلب الأحيان، دون أيّ صفة. أقول إنّ ذلك كان على وجه الخصوص حالة فئتين من الأشخاص. من ناحية، ممثّلو الحركات المطلبيّة لما نسميه بمجازٍ فرنسيّ النموذج (الاختلاف)، الذين هم ممثّلون لـ(أقلياتٍ واضحةٍ)، وهؤلاء أعلنوا أنّهم ما بعد استعماريين قائلين: (إنّ ما نعيشه اليوم هو الإرث المباشر للاستعمار، إنّ عيشنا في الغيتوات، والتمييز الذي نحن ضحاياه، يعيد إنتاج ما كان قد حصل في الفترة الاستعماريّة).

لا يقرّ أيّ مؤرّخٍ ــ على نحوٍ منصفٍ ــ هذا الاستخدام. كان في ذلك استغلالٌ لأفكار ما بعد الاستعمار، من قبل أقليّات تعيش بالتأكيد ضمن شروطٍ صعبةٍ جدًّا، وهم مواطنون فرنسيّون، وليسوا تابعين من بلاد مستعمرةٍ سابقًا، إنّهم يستخدمون على نحوٍ شرعيّ تمامًا رأسمالًا رمزيًّا، كضحايا؛ للدفاع عن مكانهم، في الجدل الديمقراطيّ، ولكنّنا هنا في وضعيّةٍ لا علاقة لها إطلاقًا مع ما هي عليه وضعيّة ما بعد الاستعماريّة؛ هذه، على العكس، عرفت نقاشاتٍ امتدت طويلًا جدًّا، حول معنى الـ(ما بعد)، (post) في عنوانها حيث تبين أنّ الـ(ما بعد) (post) المقصودة ليست «بعد»(après) كتسلسل تاريخي ولكن هي بالأحرى ما بعد (au_dèla) معرفي. إنّ المقصود بالذات هو نقد ما تبقّى اليوم، من طرق الرؤية والتفكير، خلال المرحلة الاستعماريّة، في العلوم الاجتماعيّة وربما في بعض المواقف المشتركة، في طرق النظر، إلى الناس الذين يأتون من مكانٍ آخر. ولكننا نكون إذّاك في نظريّة المعرفة (épistemologie) لا في علم اجتماع اليوم.
إنّ (القرصنة) الأخرى، إذا أمكن القول لوسْم (label) ما بعد الاستعمار، هي صنيع مؤرّخَي الاستعمار، الذين أعلنوا أنّهم ما بعد استعماريين، ليقدّموا مظهرًا جديدًا لما ليس هو في الحقيقة سوى التاريخ القديم ليسار الاستعمار. وهذه طريقةٌ محترمةٌ تمامًا، وأوافقها إلى حدٍّ بعيد في رؤية تاريخ التوسّع الفرنسيّ، وهو نمط تاريخٍ يظلّ غالبًا في سجل الإدانة والفضيحة والجرم، وعلى مسافةٍ سنين ضوئية، من استبانات دقيقة للغاية، ومتطورة لدراسات ما بعد الاستعمار.

إذًا، هل يمكن لدراسات ما بعد الاستعمار، أن تحمل شيئًا للنقاش الفرنسي؟ أنا مقتنعٌ بذلك، أعتقد أنّنا بحاجةٍ في فرنسا إلى تفكيرٍ معمّقٍ يهدف إلى إعادة تأسيس عقدنا الاجتماعيّ، وأن نتفحّص ما إذا كان في المجتمع الفرنسيّ غير مفكّرٍ فيه استعماريًّا، ينخر فيه من الداخل. نحن بحاجةٍ إلى هذا النوع من النقاش، إلى هذه الدقة النظريّة. فالتجربة الكبيرة لدراسات ما بعد الاستعمار في نقاش هذه المسائل، يمكن أن تقدّم بعض المساعدة. كان علينا أن نتجنب، مهما كان الثمن، تبسيطها أو اختصارها أو أن نجعل منها أدواتٍ في نقاشاتٍ لا تحمل لها شيئًا، كما فعلنا غالبًا حتى الآن.

س: هل لدراسات ما بعد الاستعمار مستقبلٌ بعد مضي خمسين عامًا على نهاية الإمبراطوريّات؟
جاك بوشيباداس: إذا أقررنا أنّ دراسات ما بعد الاستعمار هي مرتبطةٌ بدقة، بواقعةٍ تاريخيّةٍ محدّدة، أي الماضي الاستعماريّ للعالم الغربي، فلن يكون بوضوح مستقبلٌ لدراسات ما بعد الاستعمار. وبالمقابل إذا رأينا أنّها حقًّا حجةٌ فرعيّةٌ لنقد استبانات العلوم الاجتماعيّة والعلوم الإنسانيّة، إذا رأينا بشكلٍ خاصٍّ، إلى أيّ درجةٍ لا تني تتجدد، بمقتضى عقل الزمن أو المسائل التي تنشأ، آنذاك، أعتقد أنّ الإجابة ستختلف. فإحدى النقاشات الضخمة التي دارت داخل وحول دراسات ما بعد الاستعمار، في البلدان الأنكلوسكسونيّة خلال العقد الأول من هذا القرن كانت لمعرفة إذا ما كانت الإمكانات النقديّة والمردود الفكريّ لدراسات ما بعد الاستعمار، تستطيع أن تحافظ على بقائها مع العولمة، ومع التغييرات الكبيرة، لتوازن القوى في العالم، بحيث يبدو أنّ التوازن الاستعماريّ لم يعد من مكوّنات الواقع، إذ إنّ عددًا من مفكّري مرحلة ما بعد الاستعمار لاحظوا ذلك بأنفسهم وتوقّعوا أن تكون استبانات ما بعد الاستعمار، في طريقها إلى الاختفاء، وأنّها ستخلي مكانها، قريبًا، لشيءٍ آخر.

ينبغي أنّ نرى جيدًا، من هذا الموقع، أنّ ثمة فكرة ما نسميه العولمة، التي هي ظاهرةٌ جذريّةٌ بجدتها. وعليه فإنّ النقاش حول هذه المسألة، أبعد من أن يقفل. فالقرابة بين الاستعمار أو بالحري مرحلة السيطرة الاستعماريّة، وعولمة اليوم قد أوضحها عددٌ كبيرٌ من المحللين. والعولمة - أستخدم الكلمة الإنكليزية -globilisation- ليست سوى التمدّد الأقصى لما كانت عليه إمبرياليّة المرحلة الاستعماريّة. وبالتأكيد لا يزال هناك الكثير ممّا ينبغي فعله لنفهم العالم، الذي نعيش فيه اليوم، بالأدوات التي كانت بحوزتنا لشرح نظام العالم منذ قرن.
ولكن هذا النقاش لم يقفل مرةً أخرى، فدراسات ما بعد الاستعمار، هي بصدد دمج عددٍ كبيرٍ من الأبحاث (هي في الحقيقة مرتبطةٌ بعمق بما كانت عليه في البداية) التي تأخذ في الحسبان ظاهرات معاصرة جدًّا. إذ إنّ عددًا من فروع دراسات ما بعد الاستعمار، غيّرت اسمها من (ما بعد الاستعمار)، (poscolonial) ليصير «عابر للاستعمار» (transcolonial). ويبدو أنّها تطوّر استبانات متمحورة حول مسألة الهيمنة، باتجاه استباناتٍ تتناول أكثر حقائق التنقل، والتبادل، والتعايش وتدفق المهاجرين. إنّنا نسير باتجاه إندماج (fusion) هذين الحقلين: دراسات ما بعد الاستعمار ودراسات العولمة. ويمكن أن نفكّر في هذا الوضع المتحرك، أن دراسات ما بعد الاستعمار، في طريقها إلى التحوّل باتجاهٍ يعطيها عقد إيجارٍ غير محدود، أو على أيّ حال، بأفقٍ بعيدٍ جدًّا.
والمسألة بعد ذلك هي في معرفة إذا ما لا زلنا نستطيع تحديد حقل دراسات متقلّب، إلى هذا الحد. والصحيح أنّ دراسات ما بعد الاستعمار، تتطوّر منذ البداية في مناخٍ متعدّد الاختصاصات (transdisaplinaire)، وفي جوٍّ جدلٍ مستمر، وكانت تطمح لأن تكون محلّ استبانات متقاطعة، ذات نزعةٍ لاستثمار حقول الدراسات من الداخل، ولفتحها وخلع إطاراتها.
ثمة شيءٌ متكافئ مع الدراسات من النوع نفسه. ويمكن عدّها حقلَ دراساتٍ خاصًا، ونستطيع أيضًا عد مسألة النوع مطروحةً في كلّ ميادين الدراسات، وأنّه ثمة في كلّ حقل دراسةٍ نمطٌ من الاستبانات يجعل تكامليّة الحقل المعنيِّ في موضع اتهام.

وينبغي الاعتراف أنّ دراسات ما بعد الاستعمار نفسها، تتبدل بطريقةٍ أخرى، هي على حدود المعقول: نرى راهنًا من دراسات ما بعد الاستعمار، ما يُطبّق في الكرة الأرضيّة على مناطق لم تعرف أبدًا الاستعمار، مثل الشرق الأقصى الصيني أو الياباني. وكان أن أُنشئت نشرة في جامعة استوكهولم (أوروبا ما بعد الاستعمار)، وهي تعنى بأوروبا الوسطى والشرقيّة، وتطبّق دراسات ما بعد الاستعمار، على مراحل من التاريخ، هي خارج هذا الحقل كليًّا.
إنّك تجد دراسات ما بعد استعمار تُطبق على العصور القديمة، وفي مجالاتٍ لم يعد لها علاقة تَمَاهٍ مع ما عنته أصلًا، وعلى سبيل المثال، دراسات إنجيليةّ ما بعد استعماريّة. ولديك نزعة ما بعد الاستعمار، في الدراسات البَصَريّة، وفي دراسات الإعلام. وعلى هذا الشكل، فإنّ الدراسات ما بعد الاستعماريّة، تملك كلّ المستقبل الذي يمكن أن تطمع إليه!

-----------------------------------------
[1]. Bennet, Lawtence, morris New keywors: A Revised Vocabulary of Culture and society, 2005, by Blackwell publishing LTD, oxford. pp. 225.