العدد 6

العدد 6

رئيس التحرير :

د. هاشم الميلاني

مدير التحرير :

د. عمار عبد الرزاق الصغير

سكرتير التحرير :

د. فرقان الحسيني

 

فهرس المحتويات : 

■ الافـتتـاحــية: الاستعمار الرقمي هيمنة عصر البيانات وثورة الذكاء الاصطناعي

الحوارات

■ الاستعمار والتعليم حوارٌ مع الدكتور طلال عتريسي

د. طلال عتريسي

بحوث ودراسات

■ جهود الأدباء والشعراء في مواجهة الاستعمار

د. محمد دياب غزّاوي

■ الاحتلال الأكاديمي:  سياسة الاحتلال الفرنسي التّعليميّة في سورية

د. علاء محمود مسعود

■ الأهداف الاستعماريّة للاستشراق الفرنسي في الجزائر

د. محمد تونسي

■ الاقتصاد المصريّ في ظل الاستعمار البريطانيّ من دخول الاحتلال إلى قيام الحرب العالميّة الأولى (1882: 1914م)

د. محمود عبد العظيم عبد العال

■  الاستعمار الفرنسيّ وسرقة الآثار في سورية

د. همام سعد

قراءات علمية

■ جاك فوكار و(فرانس أفريك): صناعة النفوذ الفرنسي في إفريقيا ما بعد الاستعمار

د. دعاء عبد النبي حامد

■ قراءة في كتاب قيادة المرجعية الدينية لثورة العشرين لمؤلفه السيد الدكتور عبد الهادي الحكيم

د. فرقان الحسيني

ترجمات

■ العنصريّةُ والاستعمارويّةُ الجديدةُ الفرنسيّتان

منظمة بقاء

وثائق

■ الاستعمار وما بعد الاستعمار  المفهوم والمصطلح والنظريّة

خضر إبراهيم حيدر

ترجمة ملخصّات المحتوى بالإنكليزيّة

 

 

افتتاحية العدد 

الاستعمار الرقمي هيمنة عصر البيانات وثورة الذكاء الاصطناعي

يُعَدّ الاستعمار الرقمي (Digital Colonialism) واحدًا من أبرز المصطلحات الحديثة وأكثرها قدرةً على توصيف أنماط السيطرة والهيمنة الجديدة في القرن الحادي والعشرين. يشير هذا المفهوم إلى أشكال الاستغلال والتبعيّة التي تفرضها القوى التكنولوجيّة المهيمنة- سواء كانت دولًا كبرى تمتلك أدوات التقنية أو شركات تكنولوجية عملاقة (Big Tech) - على الدول النامية والمجتمعات عبر التحكّم في مواردها الرقميّة، وبُناها التحتيّة، وبياناتها الحسّاسة. إنّه شكلٌ جديدٌ من الاستعمار يتخفّى وراء مظاهر التقدّم والخدمات المجانيّة، بينما ينطوي في جوهره على آلياتٍ ناعمةٍ للنهب والسيطرة تفوق في تأثيرها أساليب الاستعمار التقليدي.

تفكيك المفهوم: ما وراء الشاشة والكابل؟

يمكن تلخيص مفهوم الاستعمار الرقمي بأنّه هيمنة طرفٍ خارجيّ على البنية التحتيّة الرقميّة أو البيانات أو المنصّات التقنيّة الأساسيّة الخاصّة بدولٍ وشعوبٍ أخرى، بما يؤدّي إلى نشوء تبعيّةٍ تقنيّةٍ واقتصاديّةٍ وثقافيّةٍ منظّمة. إنّه ليس شكلًا من أشكال الاحتلال العسكري؛ بل هو سيطرةٌ على الفضاء المعلوماتي والعقل الجمعي، تُمارَس عبر أدوات التكنولوجيا.

الهدف الأساس من هذه الهيمنة هو:

 اقتصاد البيانات: (Data Economy) تحويل بيانات الشعوب إلى موادّ خام غير مدفوعةٍ تُستخدم لتغذية آليات الذكاء الاصطناعي وصناعة نماذج الأعمال التي تدرّ مليارات الدولارات على القوى المهيمنة.

 التحكم الجيوسياسي: توظيف هذه الأدوات لتعزيز النفوذ السياسي والاقتصادي والثقافي، والتأثير في مسارات التنمية، وصنع القرار الوطني في الدول التابعة أو الخاضعة.

مظاهر الاستعمار الرقمي وآلياته الخفيّة

تتجسّد آليات الاستعمار الرقمي في أربعة محاور أساسيّة تُبرز أشكال الهيمنة الحديثة:

1 . الهيمنة على البيانات (Data Domination)

البيانات هي النفط الجديد، أمّا الشركات التكنولوجيّة الكبرى فهي تمتلك مصافي تكريره العالميّة. تجمع هذه الشركات كمياتٍ ضخمةً من بيانات المستخدمين حول العالم، ثم توظّفها بمهارة ذات طابعٍ استعماريّ عبر إعادة تشكيلها وتحليلها وتسخيرها في توجيه السلوك، وصنع القرارات، وتعزيز أنماط الهيمنة الرقميّة، من خلال:

 صناعة نماذج الذكاء الاصطناعي: تُشكّل هذه البيانات الضخمة المادّة الخام التي تُبنى عليها خوارزميات الذكاء الاصطناعي، ونماذج التعلم الآلي التي باتت تقود العالم المعاصر. ونتيجة لذلك، فإنّ الدول التي تُستخرج بياناتها لا تجني القيمة المضافة المتولّدة منها، بل تُسهم عمليًّا في تعزيز قوّة المستعمِر الرقمي وترسيخ هيمنته.

 التأثير السلوكي: تُستغل البيانات في تحليل الأنماط السلوكيّة للمستخدمين على المستويين الاستهلاكي والسياسي؛ ممّا يمنح الجهات المهيمنة قدرةً واسعةً على توجيه القرارات الشرائيّة، والتلاعب بالرأي العام بطرقٍ غير مرئيّة.

خلق التبعيّة: يغدو النظامان الاقتصادي والتقني المحلّيان معتمدين بشكلٍ كاملٍ على خدمات تلك الشركات في مجالات التخزين والمعالجة والتحليل.

2 . احتكار البنية التحتيّة الرقميّة

لا تقتصر السيطرة على البيانات السطحيّة، بل تمتد إلى الأعماق التي يقوم عليها الفضاء الرقمي للدول:

 كابلات الإنترنت البحريّة: تمتلك وتسيطر الدول والشركات الكبرى على الجزء الأكبر من شبكة الكابلات البحريّة التي تحمل تدفق البيانات العالمي؛ ممّا يمنحها سلطة التحكّم في تدفق المعلومات عالميًّا.

 الحوسبة السحابيّة: (Cloud Computing) اعتماد الشركات على خدمات التخزين والمعالجة السحابيّة التي تديرها قلّةٌ من الشركات الأجنبيّة العملاقة يعني أنّ أصولها الرقميّة الحيويّة في القطاع الخاص تُخزَّن خارج نطاق سيطرتها القضائيّة والسياسيّة.

 السيطرة على أنظمة التشغيل: احتكار أنظمة التشغيل للهواتف الذكيّة والحواسيب يضمن للشركات المهيمنة السيطرة على بوابة الولوج إلى الفضاء الرقمي نفسه.

3 . التحكّم في المعلومات والمعرفة

أصبحت المنصّات الرقميّة هي البوّابة الرئيسة للمعرفة والتواصل؛ ممّا جعلها أدواتٍ قويةً للتحكّم في سرديّات الأمم:

 منصّات التواصل الاجتماعي ومحرّكات البحث: تُستخدم هذه الأدوات لتصفية المعلومات، وترتيب أولويّات الظهور (الألغوريتم)، وتوجيه الخطاب العام، وهو ما يتيح فرض أجنداتٍ ثقافيّةٍ أو سياسيّةٍ معينة، أو إهمال المحتوى المحلّي لصالح المحتوى المهيمن ثقافيًّا.

 هيمنة النمط الثقافي: يؤدّي هذا التحكّم إلى فرض قيم وأنماط سلوك أجنبية؛ ممّا يهدد الهويّة الثقافيّة المحلّية، ويسهم في اضمحلال المحتوى الرقمي المعبّر عن الثقافات غير الغربيّة.

4. الذكاء الاصطناعي مستعمِرٌ جديد

في عصر الذكاء الاصطناعي، تبرز صورٌ جديدةٌ للهيمنة، حيث يصبح الذكاء الاصطناعي نفسه أداةً استعماريّة:

الخوارزميّات المنحازة: عندما تُبنى نماذج الذكاء الاصطناعي وتُدرّب على بياناتٍ ذات انحيازٍ ثقافيّ أو لغويّ غربي، فإنّ المخرجات والتطبيقات الناتجة ستعكس هذا الانحياز؛ ممّا يؤدّي إلى تهميش وتغريب الثقافات الأخرى.

فجوة البنى التحتيّة: تتطلب صناعة وتطوير الذكاء الاصطناعي بنى تحتيّة ضخمة ومكلفة، وهي غير متاحةٍ عمليًّا للدول الضعيفة؛ ممّا يعمق الفجوة التقنيّة ويجعلها مستهلكًا أبديًّا لمنتجات الذكاء الاصطناعي الغربيّة.

التبعات: الثمن الباهظ للتبعية الرقمية

تترتب على الاستعمار الرقمي نتائج وخيمةٌ تمسّ قلب استقلال الدول وسيادتها:

التبعات الاقتصاديّة:

نزيف الموارد: تُنفق مبالغ طائلة على شراء التراخيص، والخدمات السحابيّة، والتقنيات الأساسيّة من الشركات الأجنبيّة.

 تثبيط الابتكار المحلّي: يصبح من الصعب على الصناعات التقنيّة المحليّة منافسة العمالقة؛ ممّا يخنق جهود التنمية التقنيّة المستقلّة.

التبعات السياسية والأمنية:

تهديد الأمن السيبراني: تخزين البيانات الحسّاسة خارج الحدود يعرضها للتدخّلات الأجنبيّة.

سلاح العقوبات الرقميّة: يصبح من السهل على الدول المهيمنة فرض عقوباتٍ رقميّةٍ، أو حجب خدماتٍ أساسيّةٍ في أيّ لحظة؛ ممّا يهدّد الاستقرار الوطني.

التأثير على الوعي العام: توجيه الآراء والتلاعب بالمعلومات يُضعف القرار الوطني المستقل.

التبعات الثقافية:

تغيير الهويّة: الذوبان في الأنماط الثقافيّة الأجنبيّة التي تروّجها المنصّات العالميّة.

هيمنة اللغة: تعزيز هيمنة اللغة الإنجليزيّة على الفضاء الرقمي مقابل تراجع اللغات المحلّية.

استراتيجيّات المواجهة: نحو السيادة الرقميّة

تتطلّب مواجهة الاستعمار الرقمي خطةً وطنيّةً متكاملةً تهدف إلى تحقيق السيادة الرقمية (Digital Sovereignty)، وتتركز هذه الخطّة في المحاور التالية:

 سنّ تشريعات سيادة البيانات: إصدار قوانين تُلزم الشركات بتخزين ومعالجة بيانات المواطنين الحسّاسة داخل الحدود الوطنيّة . (Data Localisation)

 تطوير البنية التحتيّة الوطنيّة: الاستثمار الضخم في بناء شبكات إنترنت وطنيّة، ومراكز بيانات محليّة (Cloud Centres) ، وخدمات حوسبة سحابيّة ذات ملكيّةٍ وطنيّة.

 تشجيع الصناعة التقنيّة المحلّية: دعم الشركات الناشئة والمطوّرين المحلّيين في إنتاج حلولٍ تقنيّةٍ بديلة، سواء في مجال البرمجيات (أنظمة التشغيل، تطبيقات التواصل)، أو الأجهزة (الهواتف، الأجهزة الذكيّة).

 بناء نماذج ذكاء اصطناعي محلّية: الاستثمار في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي على مجموعة بياناتٍ تعكس اللغة والثقافة المحلّية، لضمان مخرجاتٍ غير منحازةٍ ثقافيًّا.

 تعزيز المحتوى الرقمي المحلّي: دعم إنتاج محتوى رقميّ عالي الجودة باللغات المحلّية، والعمل على تعزيز تواجده، وتداوله لكسر هيمنة المحتوى الأجنبي.

والخلاصة: يمثّل الاستعمار الرقمي التحدّي الأكبر لسيادة الأمم في عصر المعلومات. إنّه ليس صراعًا على الأرض والموارد الطبيعيّة، بل صراع على العقول والبيانات والتحكّم في مصادر المعرفة. إنّ تحقيق الاستقلال الوطني الحقيقي في هذا العصر لم يعد يقتصر على الحدود الماديّة، بل يتطلّب بالضرورة تحقيق السيادة على الفضاء الرقمي، والتحوّل من مستهلكٍ سلبيّ للتقنيّة إلى صانعٍ ومتحكّم ٍفي مصيره الرقمي.

يضمّ هذا العدد من مجلة الاستعمار مجموعةً من الأبحاث التي تعنى بالاستعمار ونقده. ويفتتح العدد بحواريّةٍ تحمل عنوان (الاستعمار والتعليم)، أجراها الدكتور طلال عتريسي، وكان محاورَهُ الدكتور عمّار عبد الرزّاق الصغير. توضّح المقالة أنّ الاستعمار أعاد تشكيل الهويّة العلميّة والتعليميّة عبر فرض نماذج تعليميّةٍ غربيّةٍ تُضعِف التعليم التقليدي وتخدم مصالحه. كما أدّى ذلك إلى انقسامٍ ثقافيّ ولغويّ، واغترابٍ لدى المتعلمين. وترى أنّ مواجهة هذا الإرث تتطلب بناء مناهج تنطلق من الهويّة الثقافيّة والدينيّة، والانتقال من استهلاك المعرفة إلى إنتاجها.

وتضمّن قسم الدراسات والبحوث خمسة أبحاث:

الأول: جهود الأدباء والشعراء في مواجهة الاستعمار: يبيّن البحث الدور المحوري الذي أدّه الأدباء والشعراء في العالم العربي في التصدّي للهجمة الاستعماريّة خلال أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. فقد شكّل الأدب، شعرًا ونثرًا، أداة مقاومةٍ فعّالةٍ تعرّي أهداف المستعمِر وتحفّز الجماهير على الثورة. استخدم المبدعون الكلمة لتجسيد ثنائيّة (السيف والقلم) في مواجهة الاحتلال، مسلّطين الضوء على الظلم والاستبداد والدعوة إلى الحرية. ورصد البحث نماذج من مقاومة الاستعمار الفرنسي والبريطاني والإيطالي في عددٍ من البلدان العربيّة. ومن أبرز رموز هذا التيار: البارودي، وحافظ إبراهيم، وأحمد شوقي، وعبد الله النديم، وأبو القاسم الشابي.

الثاني: الاحتلال الأكاديميّ: سياسة الاحتلال الفرنسيّ التّعليميّة في سوريا: يتناول البحث سياسة الاحتلال الفرنسي في سوريا من خلال دراسة (الاحتلال الأكاديمي) وأثره في تشكيل التعليم خلال تلك الحقبة. يستعرض الوضع التعليمي في البلاد آنذاك، وأهداف الاحتلال وأدواته في فرض سياساته عبر القوانين والتشريعات والقرارات التربويّة. كما يحلّل المناهج الدراسيّة في المدارس والجامعات، مبرزًا تأثيرها في الطلّاب والمجتمع والبنية التنظيميّة للمؤسّسات التعليميّة. ويعرض البحث إحصاءات حول المدارس الرسميّة والخاصّة لفهم حجم التغييرات التي أحدثها الاحتلال. إضافةً إلى ذلك، يقيم الباحث ملامح السياسة التعليميّة الفرنسيّة، وأبرز المشكلات التي واجهتها وزارة المعارف. ويختتم البحث بخلاصةٍ ونتائج تتناول الدروس المستفادة من هذه التجربة التاريخيّة.

الثالث: الأهداف الاستعمارية للاستشراق الفرنسي في الجزائر: يبيّن النص أنّ الاستشراق الفرنسي في الجزائر ارتبط مباشرةً بالمشروع الاستعماري منذ بدايته عام 1830م، وكان موجّهًا لخدمة الاحتلال الاستيطاني الساعي إلى محو الهويّة العربيّة الإسلاميّة. اعتمدت مؤسّساته على جمع معلوماتٍ دقيقةٍ عن المجتمع الجزائري ولغاته وأديانه وتاريخه؛ لتسهيل السيطرة وقمع المقاومة. كما روّج المستشرقون لنظريّاتٍ عرقيّةٍ لتبرير التفوّق الأوروبي ودعم (الرسالة الحضاريّة) المزعومة. واستُخدمت دراساتهم، خصوصًا ما يتعلّق بالفصل بين العرب والأمازيغ، لزرع الانقسام الداخلي. وقد صُوِّر المستشرقون كجنودٍ بلباسٍ مدني، يقدّمون المعرفة اللازمة للغزو الثقافي والسياسي.

الرابع: الاقتصاد المصريّ في ظل الاستعمار البريطانيّ من دخول الاحتلال إلى قيام الحرب العالمية الأولى (1882: 1914م): يُظهر النصّ أنّ السياسة الاقتصاديّة للاحتلال البريطاني في مصر هدفت إلى ربط الاقتصاد المصري ببريطانيا، وجعله خادمًا لمصالحها، مع التركيز على الزراعة والتجارة وإهمال الصناعة. كرّس الاحتلال جهوده لتطوير مشاريع الري وتوسيع الرقعة المزروعة بالقطن، حتى أصبح العمود الفقري للاقتصاد على حساب محاصيل أساسيّة أُهمِلت أو مُنِعت؛ ممّا تسبّب في نقص السلع وإرهاق التربة. وفي المقابل، تعرّضت الصناعة المحليّة للتجريف المتعمد لتحويل مصر إلى سوق للمنتجات البريطانيّة. كما طُوّرت شبكات النقل لتيسير الصادرات والواردات، مع سيطرةٍ واسعةٍ للأجانب على قطّاع التجارة. ورغم ارتفاع حجم التجارة، ظلّت الواردات أعلى بكثير، فيما تحمّل المصريون العبء الضريبي الأكبر لخدمة الديون، بينما نال الأجانب امتيازاتٍ واسعة.

الخامس: الاستعمار الفرنسيّ وسرقة الآثار في سوريا: يبرز البحث جذور اهتمام الغرب بالآثار السوريّة منذ زمن المستشرقين والرحّالة، وما رافقه من محاولاتٍ لنهب التراث الثقافي. كما يوضّح جهود الدولة العثمانيّة في سنّ القوانين للحدّ من خروج الآثار، رغم استمرار تقديمها كهدايا دبلوماسيّةٍ للقوى الغربيّة. ومع الانتداب الفرنسي، شارك علماء الآثار والجيش في عمليات تنقيبٍ واسعةٍ أدّت إلى تخريب المواقع وسرقة مئات القطع من أماكن مثل دورا أوروبوس وقطنا. وأسّست سلطات الانتداب (مصلحة الآثار)، وأصدرت قانون 1926 الذي أتاح تقاسم المكتشفات، ما مهّد لنقلها إلى متاحف أوروبيّة كالمتحف الفرنسي وجامعة ييل. ويشير البحث إلى أنّ الفكر الاستعماري انعكس في القوانين الدوليّة التي ما تزال تُعقّد استرداد الآثار المنهوبة. كما يلفت إلى بروز أنماطٍ جديدةٍ من الاستعمار بعد عام 2011 تستهدف التراث الثقافي بطرقٍ مختلفة.

وفي هذا العدد العديد من المقالات المتنوّعة الأخرى توزّعت على عدّة محاور:

في محور القراءات العلميّة نجد دراستين: الأولى: تحت عنوان جاك فوكار و(فرانس أفريك): صناعة النفوذ الفرنسي في إفريقيا ما بعد الاستعمار تبيّن الدراسة الدور المحوري الذي لعبه جاك فوكار في تشكيل السياسة الإفريقيّة لفرنسا عبر منظومة (فرنس أفريك) التي أعادت إنتاج الاستعمار بصورته غير المباشرة. وتوضح آليات نفوذه عبر التدخّلات العسكريّة، ودعم الأنظمة السلطويّة، وتوظيف الاقتصاد والشركات كأدواتٍ هيمنة. كما تقدّم قراءةً نقديّةً لإرثه السياسي الذي ما زال يؤثّر في العلاقات الفرنسيّة الإفريقيّة حتى اليوم.

والثانية: قراءة في كتاب (قيادة المرجعيّة الدينيّة لثورة العشرين: وقائعها ومبدئيّة موقفها من المحتلّ وتابعيه، وشكل النظام وحكمها، مع مقارنته بنظريّة سماحة السيد السيستاني ورؤاه العلميّة) تبيّن الدراسة الدور المركزي للمرجعيّة الدينيّة في قيادة ثورة العشرين وتوجيه الشعب لمقاومة الاحتلال البريطاني عبر مزيجٍ من الشرعيّة الدينيّة والتأثير السياسي. فقد استخدمت المرجعيّة الفتاوى والتوجيهات لتعبئةٍ مختلف الفئات، وتعزيز الوعي الوطني والوحدة الاجتماعيّة. كما اعتمدت آلياتٍ تنظيم المقاومة الشعبيّة، وترسيخ القيم الأخلاقيّة في مواجهة الاحتلال. وأسهمت المرجعيّة في التنسيق بين القيادات الشعبيّة والسياسيّة مع الحفاظ على دور الوساطة عند الحاجة. وتخلص الدراسة إلى أنّ نجاح الثورة ارتبط مباشرةً بدور المرجعيّة في ترسيخ مفهوم المقاومة المشروعة، وصياغة هويّةٍ وطنيّةٍ موحّدة.

أمّا في محور الترجمة فتوجد ترجمة تحت عنوان (العنصريّةُ والاستعمارويّةُ الجديدةُ الفرنسيّتان) يوضّح النصّ أنّ الاستعمار الفرنسي الجديد واستغلال إفريقيا قائمان على إرث العنصريّة التي برّرتها الإيديولوجيا والقوانين منذ العصور الاستعماريّة. كما يبرز استمرار هذه العنصريّة في فرنسا الحديثة على شكل ممارساتٍ تمييزيّةٍ، وعنفٍ مؤسّسي ضدّ السود والعرب. وتشير المنظمة إلى أنّ فرنسا ما تزال تمارس أشكالًا حديثةً من الاستعمار في أراضي ما وراء البحار.

وفي محور النصوص المستعادة يُعاد نشر بحثٍ تحت عنوان: (الاستعمار وما بعد الاستعمار المفهوم والمصطلح والنظريّة) توضّح الدراسة أنّ الاستعماريّة تمثّل منطق هيمنةٍ سياسيّةٍ واقتصاديّةٍ وثقافيّةٍ لدول أوروبيّة، اعتمد على (المعرفة الاستعماريّة) لتبرير السيطرة وإنتاج ثنائيات كـ(الـغرب والشرق). بينما يمثّل ما بعد الاستعمار نقدًا ثقافيًّا وسياسيًّا للاستعمار القديم وتحليل الهيمنة الجديدة، مع التركيز على المقاومة الفكريّة والثقافيّة. كما يشير النص إلى أنّ النقد الموجّه لما بعد الاستعمار يتضمّن تجاهل النضالات الماديّة والقضايا الداخليّة للبلدان المستقلة، واستخدام المعرفة الاستعماريّة في خدمة مصالح مختلفة.

يختتم هذا العدد بعد استعراض الأبحاث المتنوّعة بالإشارة إلى أنّ الاستعمار بمختلف أشكاله-السياسيّ والاقتصاديّ والتعليميّ والثقافيّ- ترك تأثيراتٍ عميقةً على المجتمعات المستعمَرة، من الهيمنة المباشرة وصولًا إلى أشكال الاستعمار الجديد وغير المباشر. وقد أدّى الأدب والتعليم والدين دورًا أساسيًّا في مقاومة الاحتلال والحفاظ على الهويّة الوطنيّة والثقافيّة، في حين أسهمت السياسات الاستعماريّة في إثارة الانقسامات، ونهب الموارد، وإعادة إنتاج التبعيّة على المستويات الاقتصاديّة والسياسيّة والثقافية. وتشير الدراسات إلى أنّ آثار الاستعمار لم تختفِ بعد الاستقلال الرسمي، بل استمرت في صورٍ من الهيمنة الحديثة والعنصريّة البنيويّة؛ ما يجعل دراسة هذه التجارب التاريخيّة وتحليلها أمرًا حيويًّا لإعادة بناء الهويّة الوطنيّة، وتعزيز السيادة الفكريّة والسياسيّة والثقافيّة لتلك المجتمعات.

ونأمل أن تسهم هذه الدراسات في تعميق فهمنا لتاريخ الاستعمار وآثاره المستمرة، وتمكين الأجيال القادمة من صون الهويّة الوطنيّة والثقافيّة، والارتقاء بالوعي الفكري والسياسي.