رئيس التحرير :
د. هاشم الميلاني
مدير التحرير :
د. عمار عبد الرزاق الصغير
سكرتير التحرير :
د. فرقان الحسيني
فهرس المحتويات :
■ الافـتتـاحــية: الاستلاب المائي: آليات الهيمنة وتقويض السيادة المحلية
الحوارات
■ الاستعمار الرقميّ ومآلات الحداثة: من عبادة العقل إلى هيمنة الخوارزميّات
د. محمود حيدر
بحوث ودراسات
■ الاستعمار الرقميّ والهيمنة التكنولوجيّة الأمريكيّة - الصينيّة في القارّة الإفريقيّة: قراءةٌ نقديّةٌ في بنية السيطرة الرقميّة الجديدة
د. دعاء عبد النبي حامد
■ تطوّر الاقتصاد المصريّ من الحرب العالميّة الأولى إلى ثورة 1952، معضلة التبعيّة للكولونياليّة
د. شريف إمام
■ ثورة الزعاطشة في المقاومة الشعبيّة الجزائريّة، نقطة تحوّلٍ في العام 1849 م
زينب رزيوي
■ دور علماء الأزهر في مقاومة الاستعمار الفرنسيّ والإنجليزيّ
د. غيضان السيّد علي
■ هولوكوست الأغواط، الاستعمار الفرنسي والإبادة الجماعيّة في الجزائر
د.شريف الدين بن دوبه
قراءات علمية
■ قراءةٌ في كتاب (معضلة التنمية الاستعماريّة نظراتٌ في دعاوى إيجابيّات الاستعمار)
م.م مصطفى الشمري
■ قراءةٌ في السيرة الجهاديّة للسيّد عبد الرزّاق الحلو (قدس)
السيّد خالد الحلو
ترجمات
■ التّصويرُ التّاريخيُّ المضِلُّ للإسلام والمسلمين: مُراجَعةٌ وَصْفيّةٌ لهوليوود
د. نورين عبيدة، د. نظر شبانة، مصطفى نيّار
وثائق
■ نظريّة ما بعد الاستعمار الأطروحة في خدمة علم الاستغراب
د.جميل حمداوي
ترجمة ملخصّات المحتوى بالإنكليزيّة
افتتاحية العدد
الاستلاب المائي ،آليات الهيمنة وتقويض السيادة المحلّيّة
يُعدّ مفهوم «استعمار المياه» (Water Colonialism) أحد أخطر تجليات الصراع الحديث على الموارد، حيث يتجاوز مجرد النقص المادّي للمياه ليدخل في سياق السيطرة السياسيّة والقانونيّة. إنّه نظامٌ يعيد صياغة ملكيّة المياه لتكون أداةً في يد القوى المهيمنة (دولًا أو شركات) لتطويع الشعوب الأصليّة والمجتمعات المحليّة.
أوّلًا: جوهر استعمار المياه
لا يتوقّف استعمار المياه عند احتلال منابع الأنهار، بل يتغلغل عبر أدواتٍ ناعمةٍ وخشنة تشمل:
• نزع الملكيّة التاريخيّة: إلغاء الحقوق العرفيّة للسكّان الأصليين في مياههم لصالح قوانين مركزيّة حديثة.
• تسييس العطش: تحويل الوصول إلى المياه إلى سلاحٍ أو أداة ضغطٍ سياسيّ لفرض تبعيّةٍ مطلقة.
• السلعنة القسريّة: تحويل المياه من حقٍّ إنسانيّ مشاعٍ إلى سلعةٍ تجاريّةٍ تخضع لقوانين السوق والشركات العابرة للقارات.
ثانيًا: تجليات الاستعمار المائي
1. الاستعمار الاستيطاني: الجغرافيا السياسيّة للعطش
يتمثّل في إعادة هندسة الطبيعة والموارد لخدمة المستوطِن على حساب السكّان الأصليين، بنحوٍ تتحول المياه من موردٍ مشتركٍ إلى أداةٍ للهيمنة وإعادة تشكيل المجال الحيوي.
• نموذج أستراليا
خلال التوسع الاستيطاني البريطاني في أستراليا، أُعيد تنظيم استخدام الأراضي ومصادر المياه بما يخدم المزارع والمستوطنات الأوروبيّة، خصوصًا في حوض حوض موراي- دارلينغ. فقد سيطر المستوطنون على الأنهار والينابيع وحوّلوها إلى ملكياتٍ خاصّةٍ تُدار وفق منطق الزراعة التجاريّة، بينما حُرمت جماعات السكّان الأصليين (الأبورجينال) من الوصول الحرّ إلى مصادر المياه التي شكّلت أساس نمط حياتهم التقليدي.
هذا التحوّل لم يكن اقتصاديًّا فحسب، بل جغرافيًا سياسيًا؛ إذ جرى تثبيت المستوطن عبر شبكات الري والسدود، في حين تراجعت المجتمعات الأصليّة إلى أطرافٍ قاحلةٍ أقلّ خصوبةً ومحدودة الموارد. وهكذا أصبحت المياه أداةً لإعادة رسم الخريطة السكانيّة والاجتماعيّة، بما يعكس علاقةً غير متكافئةٍ في توزيع الموارد والقدرة على التحكّم بها.
2. استعمار المشاريع الكبرى: السدود واغتيال النظم البيئيّة
تستخدم الحكومات المركزيّة التنمية ذريعةً لبناء سدودٍ عملاقةٍ تؤدّي إلى تهجيرٍ قسريّ وتدميرٍ للهويّة الثقافيّة.
• مأساة سد «إيتايبو» (البرازيل/باراغواي): التهجير: تشريد 10,000 أسرة من ضفاف نهر بارانا.
3. الاستعمار النيوليبرالي: خصخصة الوجود
فرضُ سياساتٍ اقتصاديّةٍ من مؤسّساتٍ دوليّةٍ تجبر الدول النامية على بيع قطاع المياه لشركاتٍ خاصّة؛ ممّا يجعل القدرة الشرائيّة هي معيار البقاء.
نموذج بوليفيا (2000م): حرب المياه في كوتشابامبا، حيث انتفض المجتمع ضدّ خصخصة المياه التي جعلت حتى جمع مياه الأمطار أمرًا غير قانوني لضمان أرباح الشركات.
ثالثًا: التبعات المترتبة على السياسة الاستعماريّة للمياه
تتجاوز الآثار العطش لتشمل تدميرًا شاملًا لنسيج الحياة، من ذلك:
• تجفيف الأراضي الرطبة، وفقدان التنوع البيولوجي، وتغير النظم المناخيّة المحلّيّة.
• تفكّك المجتمعات المحلّيّة، وفقدان الهويّة المرتبطة بالأرض، والتهجير القسري.
• انتشار الأوبئة نتيجة اضطرار السكّان لاستخدام مصادر ملوثة بعد مصادرة المصادر النقيّة.
• تصاعد وتيرة (حروب المياه)، والنزاعات الحدوديّة العنيفة.
رابعًا: المسار نحو «السيادة المائيّة» (إستراتيجيّات المواجهة)
لمواجهة هذا الاستعمار، يبرز مفهوم «السيادة على المياه» (Water Sovereignty) كإطارٍ بديلٍ يقوم على:
1. استعادة المشاع: التأصيل القانوني والمجتمعي للمياه بوصفه حقًّا طبيعيًّا غير قابلٍ للبيع أو المقايضة.
2. الإدارة اللامركزيّة: تمكين المجتمعات المحلّيّة من إدارة مواردها وفقًا لخبراتها التاريخيّة واحتياجاتها الفعليّة بعيدًا عن إملاءات المركز.
3. الاستقلال التقني: تبنّي حلولٍ مستدامةٍ ومنخفضة التكلفة (مثل حصاد مياه الأمطار، والتحلية الصغيرة، وإعادة تدوير المياه الرمادية) لكسر التبعيّة للشبكات التي تسيطر عليها القوى المهيمنة.
يحتوي هذا العدد على مجموعة أبحاثٍ تناقش قضايا الاستعمار من زوايا معرفيّة متنوعة:
تتناول الحواريّة النقديّة للدكتور محمود حيدر مفهوم (الاستعمار الرقمي) بوصفه وجهًا معاصرًا للحداثة الغربيّة، التي انتقلت من سلطة العقل الأداتي إلى هيمنة الخوارزميّات واحتكار البيانات. وتحلّل الحواريّة كيف تنتج الشركات الكبرى أشكالًا جديدةً من التبعيّة والاغتراب الرقمي؛ ممّا يسلب المجتمعات سيادتها الثقافيّة والسياسيّة عبر أدواتٍ تقنيّةٍ ناعمة. كما تدعو إلى ضرورة تحقيق السيادة الرقميّة، وتوطين التكنولوجيا ضمن إطارٍ قيميّ يوازن بين التقدّم المادي والبعد الروحي للإنسان. وتخلص الحوارية إلى أهميّة التحرّر من الاستلاب التقنيّ لحماية الهويّة والمستقبل من هيمنة القوى التكنولوجيّة الكبرى.
أمّا محور (الدراسات والبحوث) فقد تضمّن خمسة أبحاث:
الأول: تناول «الاستعمار الرقمي» بوصفه شكلًا جديدًا للهيمنة على القارة الإفريقيّة عبر الخوارزميّات والبنى التحتيّة التكنولوجيّة بدلًا من الجيوش. وحلّل الصراع الأمريكي- الصينيّ، وآليات سيطرتهما على البيانات في (الجنوب العالمي) ضمن تحوّلٍ رقميّ يفتقر للسيادة الوطنيّة. كما كشف البحث في مقاربته النقديّة أوجه التشابه بين الاستعمار التقليديّ والاستعمار الرقميّ، مع رصد محاولات المقاومة الرقميّة لبناء أنظمةٍ مستقلّة. وخلص إلى ضرورة تبنّي منظورٍ تحرّري يعزز العدالة الرقميّة والاستقلاليّة المعلوماتيّة للدول النامية.
الثاني: استعرض تحوّل الاقتصاد المصري من التبعيّة المطلقة للاحتلال البريطاني و(أحادية القطن) إلى محاولات التصنيع الوطني التي قادها بنك مصر عام 1920م. ورغم نجاح البرجوازيّة المحلّيّة في استغلال ظروف الحربين العالميتين والحماية الجمركيّة لعام 1930م لتعزيز الإنتاج المحلي، فإنّها ظلّت مكبلةً بجدليّة الشراكة مع رأس المال الأجنبي. وانتهت هذه الحقبة بتحقيق مكاسب في (التمصير)، وإلغاء الامتيازات، لكن مع بقاء عوائق هيكليّة متمثلة في هيمنة كبار الملاك والارتباط بالنظام الرأسمالي العالمي حتى عام 1952م.
الثالث: سلّط الضوء على مقاومة واحة الزعاطشة عام 1849م، كنموذجٍ بطوليّ للمقاومة الشعبيّة في الجنوب الجزائري بقيادة الشيخ بوزيان. وبيّن عوامل صمود الواحة الأسطوري أمام الحصار والقوات الاستعماريّة الفرنسيّة، رغم انتهائها بإبادةٍ جماعيّةٍ شكّلت بداية التوغّل الفرنسي نحو الصحراء. وأبرز هذا البحث كيف تحوّلت هذه المعركة إلى مدرسةٍ ملهمةٍ للثورات اللاحقة وأولى عتبات التضحية من أجل الحريّة والكرامة. وتؤكّد النتائج أنّ الزعاطشة لم تكن مجرد معركةٍ خاسرة، بل نقطة تحوّلٍ مفصليّة في سجل الكفاح الجزائري ضدّ الاحتلال.
الرابع: أثبت هذا البحث الدور المحوريّ لعلماء وخريجي الجامع الأزهر بوصفهم حائط صدٍّ أول في مواجهة الاستعمارين الفرنسي والإنجليزي وحماية الهويّة الثقافيّة. وتستعرض هذه الورقة انخراطهم الميداني والسياسي بدءًا من ثورات القاهرة التاريخيّة وصولًا إلى حركات التحرّر الكبرى في القرنين العشرين والتاسع عشر. كما تظهر النتائج أنّ نضال الأزهر تجاوز العمل العسكري ليرسخ الوعي القومي والتحرّر من التبعيّة الفكريّة والسياسيّة للمستعمِر. وبذلك، ينتهي هذا البحث إلى أنّ الأزهر ظلّ مؤسّسةً وطنيّةً جامعةً قادت حركات التحرّر، وحافظت على كيان الدولة المصريّة عبر العصور.
الخامس: سلّط الضوء على «محرقة الأغواط» (1852) بوصفها نموذجًا صارخًا للإبادة الجماعيّة التي ارتكبها الاستعمار الفرنسي ضدّ الشعب الجزائري، والتي راح ضحيتها ثلثا سكان المدينة. ويبيّن هذا البحثُ أنّ هذه الجريمة لم تكن مجرد مواجهة عسكريّة، بل خطّة استراتيجيّة وحشيّة للسيطرة على موارد الطاقة، تضمّنت استخدام أسلحةٍ كيماويّةٍ محظورةٍ كغاز الكلوروفورم؛ ممّا يجعل هذه الواقعة جريمةَ حربٍ مكتملة الأركان، مدعومةً باعترافاتٍ رمزيةٍ عبر تخليد ذكراها في باريس، لتظلّ شاهدًا حيًّا على وحشيّة المركزيّة الاستعماريّة.
وفي هذا العدد، تتوزع المواد على مجموعةٍ من المحاور والبحوث المتنوّعة:
في محور القراءات العلميّة هناك دراستان مهمّتان:
الأولى: تؤرّخ للسيرة الجهاديّة لآية الله العظمى السيّد عبد الرزاق الحلو، مبرزةً نموذجه الفريد في المزاوجة بين الاجتهاد الفقهي والقيادة الميدانيّة ضدّ الاحتلال البريطاني. وتسلّط الضوء على دوره الرياديّ في استنهاض عشائر الجنوب وقيادة جبهات البصرة والكوت، معتمدًا على الإمكانات الذاتيّة لترسيخ استقلال القرار المقاوم. كما تؤكد أنّ حركته انطلقت من منطلقٍ شرعيّ لحماية بيضة الإسلام؛ ممّا عمّق التلاحم التاريخيّ بين الحوزة العلميّة والقضايا الوطنيّة. وبذلك، تخلص الدراسة إلى عدّ سيرته مدرسةً ملهِمةً في تاريخ المقاومة الدينيّة والسياسيّة العراقيّة المعاصرة.
الثانية: يفنّد فيها الكاتب أطروحات «تبييض» الاستعمار، مؤكدًا أنّ المنجزات التنمويّة الماديّة لم تكن إلّا أدوات لخدمة مصالح المستعمِر وتكريس هيمنته بعيدة الأمد. ويُظهر المؤلّف آليات تحوّل الاستعمار إلى صيغته (الجديدة) التي تستخدم نُخبًا محليةً لإعادة إنتاج التبعيّة والتجزئة تحت شعارات التحديث المضلّلة. كما يرفض تحميل الدولة الوطنيّة وحدها مسؤوليّة الفشل، معيدًا الجذور إلى البنية المشوّهة والإرث الاستغلالي الذي خلفته الحقبة الاستعماريّة. ويخلص إلى أنّ أيّ نفعٍ عرضيّ لا يغيّر من جوهر الاستعمار القائم على الاحتكار وسلب الإرادة السياسيّة للشعوب.
أما في محور الترجمة، تستعرض هذه الترجمة التي تحمل عنوان ((التّصويرُ التّاريخيُّ المضِلُّ للإسلام والمسلمين: مُراجَعةٌ وَصْفيّةٌ لهوليوود)) الجذور التاريخيّة للصورة الذهنيّة المشوّهة للعرب والمسلمين في سينما هوليوود، عادّةً هذا التشويه امتدادًا لصراعاتٍ قديمةٍ كالحروب الصليبيّة والإرث الاستعماري. وتكشف الترجمة أنّ (الإسلاموفوبيا) السينمائيّة ليست صدفة، بل أداة لترسيخ الهيمنة الثقافيّة والسياسيّة في ظلّ الليبراليّة الجديدة، وتحوّل مركز القوة إلى الولايات المتّحدة. كما تبرز الورقة كيف أعيد إنتاج العداء التاريخي في قوالب فنيّةٍ معاصرةٍ تخدم السرديّة الاستشراقيّة، وتكرّس النمطيّة المهينة. وتخلص في النهاية إلى ضرورة تفكيك هذه الصور النمطيّة لفهم أبعاد الصراع الثقافي العميق بين الغرب والعالم الإسلامي.
وفي محور نصوص مستعادة، يعاد نُشر بحثٍ يستعرض «نظريّة ما بعد الاستعمار» بوصفها تيّارًا نقديًّا يسعى لتقويض المركزيّة الغربيّة وتفكيك ثنائيّة (الأنا والآخر) التي كرسها الخطاب الإمبراطوري. ويوضّح تحوّل هذه النظريّة إلى أداةٍ فاعلةٍ لخدمة (علم الاستغراب)، عبر تحويل الغرب إلى موضوعٍ للدراسة بدلًا من كونه سلطةً معرفيّةً مطلقة. كما يحلّل إسهامات الرواد مثل إدوارد سعيد، وهومي بابا، وفرانز فانون في تعزيز مفاهيم التهجين والمقاومة الثقافيّة لاستعادة الهويّة الوطنيّة. ويخلص البحث إلى أنّ هذه النظريّة تمثّل حركةً تحرريّةً تسعى لإثبات التعدّديّة الثقافيّة ومواجهة سياسات التغريب والإقصاء في عالم ما بعد الحداثة.
ويختتم العدد بهذا النصّ، ليغلق ملف هذا الإصدار برؤيةٍ تحليليّةٍ توثّق صراع الشعوب في سبيل تقرير المصير.
﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾