العدد 8

العدد 8

رئيس التحرير :

د. هاشم الميلاني

مدير التحرير :

د. عمار عبد الرزاق الصغير

سكرتير التحرير :

د. فرقان الحسيني

 

فهرس المحتويات : 

■ الافـتتـاحــية: الاستعمار الثقافيّ: تجلّيات الهيمنة في عصر العولمة والتحول الرقميّ

الحوارات

■ فكر ما بعد الاستعمار تيّارٌ نقديٌّ وليس درسًا أكاديميًّا حوارٌ مع المؤرّخ الفرنسيّ جاك بوشيباداس

جول نودِت 

بحوث ودراسات

■ دور المرأة المهاجرة في تحرير الجزائر حقبة ما بين 1954-1962م

سميرة نميش

■ العدوان الثلاثيّ تحالفٌ استعماريٌّ ضدّ الدولة الوطنيّة دراسةٌ توثيقيّةٌ تحليليّةٌ

د. أيمن أحمد عبد الفتاح عبد السلام

■ القوّة الناعمة في الاستشراق تؤسّس لصناعة الكراهيّة ضدّ المسلمين

أ.د خميس غربي حسين ،  أ.د نزهان حمود نصيف

■ الجيش المصريّ في مواجهة التدخّل الأجنبيّ الثورة العرابيّة (1881 – 1882م) أُنموذجًا

نبيل السيّد الطوخي

قراءات علمية

■ قراءةٌ في كتاب (قصّة الاستعمار في العالم العربيّ)للمؤرخ نقولا زيادة

د. فرقان الحسيني

■ قراءة في السيرة الجهاديّة للسيّد مهدي الحيدريّ (قدس سره)

السيّد أحمد الحسينيّ

ترجمات

■ الإرث الاستعماريّ وحقوق الإنسان

ستيف كارلتون فورد

نصوص مستعادة

■ السياسات الدينيّة للقوى الاستعماريّة في البلاد الإسلاميّة

أ.د. طلال عتريسي

ترجمة ملخصّات المحتوى بالإنكليزيّة

 

افتتاحية العدد 

الاستعمار الثقافيّ: تجلّيات الهيمنة في عصر العولمة والتحول الرقميّ

يُعَدّ الاستعمار الثقافيّ من أبرز أشكال الهيمنة الحديثة وأكثرها تأثيرًا في المجتمعات المعاصرة؛ إذ لم تعد السيطرة مقتصرةً على الاحتلال العسكريّ أو النفوذ السياسيّ المباشر، بل أصبحت تمارس عبر أدواتٍ ناعمةٍ تستهدف الفكر والوعي والهويّة.

فالقوى المهيمنة تسعى إلى فرض منظومتها القيميّة والثقافيّة على الشعوب الأخرى، حتى تتحول ثقافتها إلى النموذج المرجعيّ في التفكير والسلوك وأنماط الحياة، وبذلك يتحقّق نوعٌ من السيطرة غير المرئيّة التي تتسلل إلى العقول قبل الحدود.

ويقوم الاستعمار الثقافيّ على جعل المجتمع المستهدَف يتبنى تدريجيًا رؤية المستعمِر للعالم، بحيث تبدو قيمه ومعاييره وكأنّها النموذج الطبيعيّ أو العالميّ الذي ينبغي الاقتداء به. ومن هنا، تتجاوز خطورته حدود السيطرة السياسيّة؛ لأنّه يعمل على إعادة تشكيل الوعي الجمعيّ، وإضعاف الارتباط بالهوية الثقافيّة المحليّة.

الإطار النظريّ والفلسفيّ للاستعمار الثقافي

 برز مفهوم الاستعمار الثقافيّ ضمن دراسات ما بعد الاستعمار والنظريّات النقديّة التي اهتمت بتحليل آثار الهيمنة بعد انتهاء الاستعمار التقليديّ.

وقد أسهم عددٌ من المفكّرين في توضيح أبعاده الفكريّة والثقافيّة، ومن أبرزهم أنطونيو غرامشي الذي طرح مفهوم (الهيمنة الثقافيّة)، موضّحًا أنّ السيطرة لا تتحقّق بالقوة الماديّة وحدها، بل عبر المؤسّسات التعليميّة والإعلاميّة والدينيّة والثقافيّة التي تعمل على ترسيخ قيم الطبقة أو الدولة المهيمنة، حتى تبدو كأنّها قيمٌ طبيعيّة ومسلّماتٌ اجتماعيّة.

كما كشف إدوارد سعيد في كتابه الاستشراق عن الكيفيّة التي صاغ بها الغرب صورةً نمطيّةً عن الشرق بوصفه فضاءً متخلّفًا يحتاج إلى الوصاية، وهو ما استُعمل لتبرير الهيمنة عليه سياسيًّا وثقافيًّا. أما فرانز فانون فقد ركز على الآثار النفسيّة للاستعمار، مبيّنًا أنّ أخطر نتائجه تكمن في خلق شعورٍ بالدونية لدى الشعوب المستعمَرة، يدفعها إلى تقليد المستعمِر والتخلّي عن خصوصيّتها الثقافيّة.

آليات الاستعمار الثقافيّ في العصر الرقميّ

مع تطوّر التكنولوجيا ووسائل الاتّصال، اتّخذ الاستعمار الثقافيّ أشكالًا أكثر تعقيدًا وانتشارًا. فقد أصبحت وسائل الإعلام الرقميّة ومنصّات التواصل الاجتماعيّ من أهمّ أدوات التأثير في الرأي العام وصناعة الذوق الثقافيّ. وتقوم الخوارزميّات الرقميّة بتوجيه المحتوى الذي يتلقّاه الأفراد؛ ممّا يسهم في نشر أنماطٍ ثقافيّةٍ محدّدةٍ وتعزيز النموذج الاستهلاكيّ العالميّ المرتبط بالثقافة الغربيّة.

كما برزت ظاهرة (الأمركة الثقافيّة)، حيث تحوّلت الثقافة الأمريكيّة إلى ثقافةٍ عالميّةٍ مهيمنةٍ عبر السينما والموسيقى والأزياء ومنتجات الترفيه، حتى أصبحت رموزها الثقافيّة معيارًا للحداثة والتطوّر. ويضاف إلى ذلك هيمنة اللغات الأجنبيّة، ولا سيما الإنجليزيّة، على مجالات التعليم والبحث العلميّ والإعلام، الأمر الذي يؤدّي إلى تراجع اللغات المحليّة وإضعاف حضورها الثقافيّ والمعرفيّ.

ولا ينفصل هذا التأثير الثقافيّ عن البعد الاقتصاديّ؛ إذ ترتبط الهيمنة الثقافيّة بالنظام الرأسماليّ العالميّ الذي يسعى إلى تحويل الثقافة إلى سلعةٍ استهلاكيّةٍ. فالإعلانات والصناعات الترفيهيّة تعمل على خلق حاجاتٍ جديدةٍ لدى الأفراد، وربط النجاح الاجتماعيّ بامتلاك المنتجات والعلامات التجاريّة العالميّة؛ ممّا يؤدّي إلى تهميش الإنتاج المحليّ وترسيخ التبعيّة الاقتصاديّة والثقافيّة معًا.

الاستعمار الثقافيّ والتبادل الثقافيّ

على الرغم من أنّ التفاعل بين الثقافات يُعدّ ظاهرةً إنسانيّةً طبيعيّةً، فإنّ هناك فرقًا جوهريًّا بين التبادل الثقافيّ والاستعمار الثقافيّ.

فالتبادل الثقافيّ يقوم على الانفتاح المتبادل والتفاعل المتكافئ بين الشعوب، حيث تستفيد كلّ ثقافةٍ من الأخرى دون أن يؤدّي ذلك إلى إلغاء الهويّة الأصليّة أو تهميش الخصوصيّة الحضاريّة. ويسهم هذا النوع من التواصل في تعزيز التنوّع الثقافيّ، وتوسيع آفاق المعرفة والتفاهم الإنسانيّ.

أمّا الاستعمار الثقافيّ، فإنّه يقوم على علاقةٍ غير متوازنةٍ تسعى فيها الثقافة المهيمنة إلى فرض قيمها ومعاييرها على الثقافات الأخرى، حتى تصبح النموذج الأعلى الذي ينبغي تقليده.

وفي هذه الحالة، لا يكون الهدف تحقيق التفاعل الحضاريّ، بل إعادة تشكيل وعي المجتمع المستهدَف بما يخدم مصالح القوى المهيمنة سياسيًّا واقتصاديًّا وفكريًّا. وينتج عن ذلك تراجع الهويّة المحليّة، وضعف اللغة الوطنيّة، وتنامي الشعور بالدونيّة تجاه الثقافة الأجنبيّة.

آثار الاستعمار الثقافيّ

يترك الاستعمار الثقافيّ آثارًا عميقةً في بنية المجتمعات وهويّتها الحضاريّة. فمن جهة، يؤدّي إلى تآكل الهوية الثقافيّة وضعف الانتماء إلى التراث والقيم المحليّة، كما يسهم في تكريس التبعيّة الفكريّة والمعرفيّة، بحيث تصبح المجتمعات المستهدفة مستهلكةً للأفكار والمنتجات الثقافيّة دون القدرة على إنتاج بدائل مستقلّة.

ومن جهةٍ أخرى، لا يمكن إنكار أنّ الانفتاح على الثقافات الأخرى قد يسهم أحيانًا في نقل الخبرات العلميّة والتقنية وتطوير بعض المجالات المعرفيّة، غير أنّ الإشكاليّة تكمن في طبيعة العلاقة بين الثقافات: هل تقوم على التفاعل المتوازن أم على الهيمنة والإلغاء؟

استراتيجيّات المقاومة والتحرّر الثقافيّ

إنّ مواجهة الاستعمار الثقافي لا تعني الانغلاق أو رفض التواصل مع العالم، بل تتطلب بناء وعي نقديٍّ قادرٍ على التمييز بين الانفتاح الحضاريّ والتبعيّة الثقافيّة.

ومن أبرز وسائل المقاومة تعزيز السيادة المعرفيّة عبر دعم البحث العلميّ والإنتاج الفكريّ باللغة الأم، إلى جانب إحياء الهويّة الثقافيّة والمحافظة على اللغة والتراث والقيم المحليّة بوصفها عناصر حيّةً قابلةً للتطوّر.

كما تبرز أهميّة التربيّة الإعلاميّة التي تساعد الأجيال الجديدة على تحليل الرسائل الإعلاميّة، ونقد المحتوى الرقميّ بدل تلقيه بصورةٍ سلبيّة.

ويُعد دعم الصناعات الثقافيّة المحليّة، كالأدب والسينما والفنون، من الوسائل الأساسيّة للحفاظ على الخصوصيّة الحضاريّة ومواجهة هيمنة النموذج الثقافيّ الواحد.

خاتمة

يمثّل الاستعمار الثقافيّ أحد أخطر تحدّيات العصر الحديث؛ لأنّه يستهدف الوعي والهويّة أكثر ممّا يستهدف الأرض والحدود. فالقوّة في عالم اليوم لم تعد تُقاس بالتفوّق العسكريّ وحده، بل بالقدرة على التأثير في العقول وصياغة المفاهيم والمعايير الثقافيّة. ومن هنا، فإنّ حماية الهويّة الثقافيّة لا تتحقّق بالانعزال عن العالم، وإنّما بالانفتاح الواعي الذي يجمع بين الأصالة والتفاعل الحضاريّ المتوازن، بحيث تبقى الثقافة المحليّة قادرةً على التطوّر دون أن تفقد خصوصيتها أو تتحوّل إلى تابعٍ للآخر.

يضمّ هذا العدد من مجلة الاستعمار مجموعةً من الدراسات التي تتناول ظاهرة الاستعمار من زوايا نقديّةٍ متعدّدة. ويُفتتح العدد بحوار يحمل عنوان: (فكر ما بعد الاستعمار تيّارٌ نقديٌّ وليس درسًا أكاديميًّا)، وهو حوارٌ أُجري مع المؤرّخ الفرنسيّ جاك بوشيباداس، بإشراف جول نودِت[1].

يرى بوشيباداس أنّ فكر ما بعد الاستعمار نشأ بوصفه تيّارًا نقديًّا داخل الجامعات الأنكلوسكسونيّة، متأثّرًا بشكلٍ واضحٍ بأعمال إدوارد سعيد، ولا سيّما كتابه (الاستشراق)، إضافةً إلى أفكار ميشال فوكو حول السلطة والخطاب. وقد تشكّل هذا الفكر في سياق محاولة تفكيك المركزيّة الأوروبيّة، وإعادة مساءلة الخطاب الغربيّ في تمثيله للشعوب المستعمَرة.

ويهدف هذا الاتجاه، بحسب بوشيباداس، إلى إعادة الاعتبار لتجارب الشعوب المهمّشة، وفتح التاريخ على قراءاتٍ متعدّدةٍ تتجاوز الرؤية الأوروبيّة الأحاديّة، بما ينعكس في مجالات الأدب والتاريخ والعلوم الاجتماعيّة. ومع ذلك، فقد وُجّهت إليه انتقادات، أبرزها تركيزه المفرط على تحليل النصوص والخطابات على حساب الواقع الاجتماعيّ والسياسيّ المعيش.

كما يشير إلى أن انتشار هذا الفكر في السياق الفرنسيّ كان أبطأ مقارنةً بالفضاء الأنكلوسكسوني، وذلك بفعل خصوصيّة التقليد الجمهوريّ الفرنسيّ، فضلًا عن وجود إسهاماتٍ فكريّةٍ سابقةٍ في نقد الاستعمار، مثل أعمال فرانز فانون وإيمي سيزار، التي أسّست مبكّرًا لوعي نقدي بالهيمنة الاستعماريّة.

ويختم بوشيباداس بالإشارة إلى أنّ مستقبل فكر ما بعد الاستعمار سيظلّ مرتبطًا بالتحوّلات الراهنة في العالم، ولا سيّما قضايا العولمة والهجرة وأشكال الهيمنة الجديدة التي تتخذ صورًا أكثر تعقيدًا في السياق المعاصر.

وتضمّن قسمُ الدراسات والبحوث أربعةَ أبحاثٍ:

الأول: دور المرأة المهاجرة في تحرير الجزائر حقبة ما بين 1954-1962م، يتناول البحث دور المرأة الجزائريّة المهاجرة في فرنسا خلال الثورة التحريريّة (1954-1962)، موضحًا أن الهجرة الجزائرية تحولت بعد الحرب العالمية الثانية من هجرة فردية ذكورية إلى هجرة عائلية سمحت ببروز دور المرأة. شاركت النساء بفعاليّةٍ في دعم جبهة التحرير الوطنيّ عبر نقل الأموال والأسلحة والوثائق، وتنظيم الاتّصالات، وإخفاء المناضلين، وجمع المعلومات. كما ساهمن في النشاط النقابيّ والتوعويّ داخل الوداديّة العامّة للعمال الجزائريّين، وشاركن في مظاهرات أكتوبر 1961 ضدّ القمع الفرنسيّ. ولم يقتصر دورهن على الجانب السياسيّ، بل امتدّ إلى التمريض والمشاركة في العمليات الفدائيّة، ونقل المتفّجرات. ويؤكّد البحث أنّ المرأة المهاجرة كانت شريكًا أساسيًّا في الثورة الجزائريّة، رغم قلّة الدراسات التي تناولت مساهمتها بسبب سريّة العمل الثوريّ آنذاك.

الثاني: العدوان الثلاثي كتحالفٍ استعماريّ ضدّ الدولة الوطنيّة دراسةً توثيقيّةً تحليليّة: يتناول البحث العدوان الثلاثي عام 1956م بوصفه تحالفًا استعماريًّا بين بريطانيا وفرنسا وإسرائيل ضدّ مصر، في ظلّ تصاعد حركات التحرّر الوطني ورفض مصر الانضمام للأحلاف الغربيّة. شكّلت صفقة السلاح التشيكيّة وتأميم قناة السويس عوامل رئيسة في تصاعد الأزمة، إذ رأت بريطانيا وفرنسا في السياسة المصريّة تهديدًا لنفوذهما الاستعماريّ، وأمّا إسرائيل فكانت تسعى إلى كسر الحصار وتعزيز تفوّقها العسكريّ. تناول البحث التخطيط للعدوان عبر بروتوكول سيفر، وتطوّر العمليّات العسكريّة، إضافةً إلى المواقف الدوليّة التي عارضت العدوان، خاصّة من الولايات المتّحدة والاتّحاد السوفيتيّ والأمم المتّحدة. وانتهى البحث إلى فشل العدوان في تحقيق أهدافه، مقابل تعزيز مكانة مصر الدوليّة، وترسيخ سيادتها على قناة السويس، وتسارع تراجع النفوذ الاستعماريّ التقليديّ في الشرق الأوسط.

الثالث: القوّة الناعمة في الاستشراق تؤسّس لصناعة الكراهية ضدّ المسلمين: يناقش البحث دور الاستشراق بوصفه أداةً فكريّةً وثقافيّةً وظّفت القوة الناعمة لصناعة الكراهية ضدّ المسلمين عبر الإعلام والنتاج الفنيّ. ويرى الباحثان أنّ الاستشراق ارتبط منذ نشأته بالأهداف الدينيّة والسياسيّة والاستعماريّة، وأسهم في تقديم صورةٍ نمطيّةٍ سلبيّةٍ عن الإسلام والمسلمين من خلال الأفلام والروايات ووسائل التواصل. كما اعتمد بعض المستشرقين على مصادر ضعيفةٍ أو منحازةٍ لتشويه العقيدة والتاريخ الإسلاميّ، ممّا عزّز خطاب الخوف والكراهية في الغرب. ويؤكّد البحث أنّ القوّة الناعمة أصبحت وسيلة أكثر تأثيرًا من المواجهة العسكريّة في اختراق المجتمعات الإسلاميّة والتأثير في الشباب. ويخلص الباحثان إلى أنّ مواجهة هذه الظاهرة تتطلّب الوعي الفكريّ والحوار العلميّ والنقد الموضوعيّ، مع إبراز القيم الإنسانيّة والحضاريّة للإسلام القائمة على التسامح والتعايش واحترام الآخر.

الرابع: الجيش المصريّ في مواجهة التدخّل الأجنبي الثورة العرابّية (1881 – 1882م) أنموذجًا: يتناول البحث دور الجيش المصريّ في مواجهة التدخّل الأجنبيّ خلال الثورة العرابيّة (1881–1882)، بوصفها بداية الحركة الوطنيّة الحديثة في مصر. يوضح أنّ التمييز ضدّ الضباط المصريّين لصالح الأتراك والشراكسة، إلى جانب الأزمة الاقتصاديّة والتدخّل الأوروبيّ، أدّى إلى تصاعد السخط داخل الجيش. برز أحمد عرابي قائدًا لحركةٍ وطنيّةٍ طالبت بالإصلاح والدستور والاستقلال. تحوّلت الحركة إلى ثورةٍ شعبيّةٍ دعمتها فئات المجتمع المختلفة، لكن بريطانيا وفرنسا تدخلتا لحماية مصالحهما والخديو توفيق.

قاوم الجيش المصريّ الاحتلال البريطانيّ في معارك عدّة، أبرزها كفر الدوار والقصاصين، إلا أنّ الخيانة الداخليّة والتفوّق العسكريّ البريطانيّ أدّيا إلى هزيمة التلّ الكبير واحتلال مصر سنة 1882، مع بقاء الثورة رمزًا للنضال الوطنيّ المصريّ.

وفي هذا العدد العديد من المقالات المتنوعة توزعت على عدة محاور:

في محور القراءات العلميّة نجد دراستين، الأولى: تحت عنوان قراءة في كتاب (قصّة الاستعمار في العالم العربيّ)، للمؤرّخ نقولا زيادة، يتناول كتاب (قصّة الاستعمار في العالم العربيّ (للمؤرّخ نقولا زيادة تطوّر الظاهرة الاستعماريّة في البلاد العربيّة منذ بدايات التوسّع الأوروبيّ حتّى مرحلة ما بعد الاستقلال. يعرض الكتاب الدوافع الاقتصاديّة والسياسيّة والعسكريّة التي قادت القوى الأوروبيّة إلى احتلال المشرق والمغرب العربيين، مثل السيطرة على الطرق التجاريّة والموارد الطبيعيّة والمواقع الاستراتيجيّة.

كما يوضّح أساليب الاستعمار في الحكم، سواء المباشر أو غير المباشر، وما رافقه من سياسات تفكيك البنى الاجتماعيّة والاقتصاديّة، وإضعاف الهويّات الوطنيّة. ويتوقّف المؤلّف عند حركات المقاومة العربيّة في مختلف الأقطار، مبرزًا دورها في مواجهة الاحتلال رغم تفاوت الظروف والإمكانات. ويخلص الكتاب إلى أنّ الاستعمار لم يكن مجرد احتلالٍ عسكريّ، بل كان مشروعًا شاملًا لإعادة تشكيل المجتمعات العربيّة، وأن الاستقلال السياسيّ لم ينهِ تمامًا آثار هذا المشروع الممتدة في الاقتصاد والسياسة والثقافة.

والثانية: قراءة في السيرة الجهاديّة للسيد مهدي الحيدريّ؟ق؟. يتناول النص سيرة السيّد مهدي الحيدريّ ودوره في ثورة العشرين ضدّ الاحتلال البريطانيّ في العراق، إذ أعلن الجهاد بعد دخول القوات البريطانيّة البصرة عام 1332هـ، وأصدر فتوى الدفاع عن البلاد، وقاد حركة تعبئةٍ دينيّةٍ وعشائريّةٍ واسعة.

شارك بنفسه رغم كبر سنّه في ميادين القتال متنقلًا بين العمارة والقرنة والكوت، وبرزت قيادته بالثبات والزهد ومشاركة المجاهدين حياتهم. واجهت القوات الإسلاميّة صعوبات وانسحابات، لكنّه حافظ على الروح المعنويّة. تميّزت مواقفه بالرمزيّة مثل إبقاء الخيام تحت القصف، ورفض الامتيازات، والصبر في الغرق والانسحاب.

وبعد تراجع الجبهات عاد إلى الكاظميّة، وظلّ رافضًا للاحتلال ومغرياته حتى وفاته. يقدم النصّ صورة قائدٍ دينيّ مجاهدٍ جمع بين العلم والفقه والزهد والقيادة العسكريّة، وترك أثرًا كبيرًا في الذاكرة الوطنيّة والدينيّة العراقيّة. وما زال رمزًا للمقاومة والتضحية في العراق.

أما في محور الترجمة فتوجد ترجمة تحت عنوان (الإرث الاستعماريّ وحقوق الإنسان) يتناول النصّ أثر الإرث الاستعماريّ في تشكيل واقع حقوق الإنسان في أفريقيا، موضّحًا أنّ الاستعمار لم يكن سيطرةً سياسيّةً فقط، بل كان مشروعًا اقتصاديًّا وثقافيًّا أعاد تشكيل المجتمعات والحدود، وأضعف البنى التقليديّة.

يشرح مراحل الاستعمار من تجارة العبيد إلى مؤتمر برلين، ثم التقسيم الاستعماريّ، وما نتج عنه من أنظمةٍ استغلاليّةٍ واستيطانيّة. كما يبرز دور الاستعمار في ترسيخ التمييز العرقيّ، وتدمير المؤسّسات المحليّة، وخلق دولٍ هشّةٍ بعد الاستقلال تعاني من الانقسام والصراعات. ويربط بين نوع الاستعمار ومستوى التنمية وحقوق الإنسان لاحقًا، حيث تظهر فجوةٌ واضحةٌ بين الدول المستعمَرة سابقًا وغير المستعمَرة. ويخلص إلى أنّ فهم حقوق الإنسان اليوم لا ينفصل عن السياق التاريخيّ للاستعمار وآثاره الممتدّة في السياسة والاقتصاد والمجتمع.

وفي محور النصوص المستعادة يُعاد نشر بحثٍ تحت عنوان (السياسات الدينيّة للقوى الاستعماريّة في البلاد الإسلاميّة)، يتناول نصّ الباحث طلال عتريسي السياسات الدينيّة للقوى الاستعماريّة في العالم الإسلاميّ، مبيّنًا كيف وظّفت الدين لإدارة المجتمعات وتفكيكها عبر دعم الأقليّات وإثارة الانقسامات المذهبيّة والعرقيّة لخدمة الهيمنة السياسيّة والاقتصاديّة.

يوضّح أنّ الاستعمار لم يقتصر على السيطرة العسكريّة، بل تدخل في البنى التعليميّة والدينيّة عبر البعثات التبشيريّة وصناعة نخبٍ محليّةٍ مرتبطةٍ به مع تناقض بين الدعوة للعلمانيّة ودعم المؤسّسات الدينيّة. ويعرض أمثلةً من لبنان والعراق والهند وأفريقيا حيث جرى تقسيم المجتمعات على أسسٍ طائفيّة. ويربط النصّ هذه السياسات بالواقع المعاصر مشيرًا إلى استمرار توظيف الدين والمذهب في الصراعات الإقليميّة بما يعيد إنتاج التفكيك الاجتماعيّ وإضعاف وحدة المجتمعات الإسلاميّة أمام التدخّلات الخارجيّة. ويخلص إلى أنّ هذه الاستراتيجيّات تشكّل امتدادًا تاريخيًّا متواصلًا لسياسات التفكيك الاستعماريّ حتى اليوم في العالم الإسلاميّ حاليًا مستمرًّا.

في ختام هذا العدد، وبعد مسار بحثي تتبّع مختلف تجليات الظاهرة الاستعمارية، يتضح أن الاستعمار لم يكن مجرد لحظة صدام عسكري عابرة في التاريخ، بل كان مشروعًا بنيويًا طويل الأمد، استهدف إعادة تشكيل المجتمعات المستعمَرة على نحو يُفقدها استقلال إرادتها ويعيد توجيه مواردها ومعارفها لخدمة المركز الغربي.

وقد أظهرت الدراسات التي تناولها هذا العدد، من تجارب المقاومة في الجزائر ونضال المرأة المهاجرة، إلى الثورة العرابيّة في مصر، وصولًا إلى سِيَر المجاهدين في العراق، أن فعل المقاومة لم يكن ردّ فعل ظرفيًّا، بل كان تعبيرًا عن وعي وجوديّ عميق، يرفض منطق الهيمنة ويؤسّس لفكرة الاستقلال بوصفه حقًا إنسانيًّا أصيلًا.

كما يكشف تتبع الخطاب النقديّ للاستعمار، ولا سيّما في إطار دراسات ما بعد الاستعمار ونقد الاستشراق، أنّ أخطر أدوات الهيمنة لم تكن عسكريةً فحسب، بل معرفيّة وثقافيّة بالدرجة الأولى؛ إذ سعى الاستعمار إلى إعادة تشكيل صورة الذات لدى الشعوب المستعمَرة، بحيث ترى نفسها من خلال منظور المستعمِر، ما يجعل معركة الوعي اليوم امتدادًا مباشرًا لمعركة التحرر التاريخيّة.

وفي السياق ذاته، تُظهر التحليلات المتعلّقة بالسياسات الاستعماريّة في إفريقيا وغيرها أنّ منطق (فرّقْ تَسدْ) لم ينتهِ برحيل الجيوش، بل ترك إرثًا من الحدود المصطنعة والهويّات المجزّأة والبُنى الاقتصاديّة التابعة، التي ما تزال تعيد إنتاج أشكالٍ متعدّدةٍ من الضعف والتبعيّة.

أمّا على مستوى التحوّل التاريخي في أشكال الهيمنة، فيتبدى أنّ الاستعمار لم يتوقف، بل أعاد إنتاج نفسه بأدواتٍ جديدةٍ، من القوة العسكريّة المباشرة كما في العدوان الثلاثي، إلى أنماطٍ أكثر نعومةً وتعقيدًا تتمثّل في الهيمنة الثقافيّة والرقميّة والعولمة الاقتصاديّة، حيث باتت الخوارزميّات والثقافة الاستهلاكيّة أدواتٍ لإعادة تشكيل الوعي والسلوك.

ومن هنا، فإنّ هذا العدد لا يكتفي باستحضار الماضي، بل يسعى إلى تفكيك الحاضر أيضًا، عبر قراءةٍ نقديّةٍ تكشف استمرار آليات الهيمنة في صورٍ جديدة، أكثر خفاءً وأشدّ تأثيرًا.

وفي المحصلة، يظلّ الرهان الحقيقيّ هو رهان الوعي، أي القدرة على إعادة بناء الإدراك التاريخيّ والسياسيّ بما يتيح للأجيال القادمة التمييز بين التفاعل الثقافيّ الخلّاق وبين أشكال الاستتباع المقنّع. فحماية الذاكرة التاريخيّة، وتعزيز السيادة المعرفيّة، يشكّلان مدخلًا أساسيًّا لأيّ مشروعٍ تحرّريّ معاصر .وهكذا، تبقى الهويّة الوطنيّة والثقافيّة في جوهرها خطّ الدفاع الأعمق، ومنطلقًا لبناء مستقبلٍ يقوم على الاستقلال والعدالة، لا على إعادة إنتاج التبعيّة بأشكالٍ جديدة.

واللّه ولي التوفيق