رئيس التحرير :
د. هاشم الميلاني
مدير التحرير :
د. عمار عبد الرزاق الصغير
سكرتير التحرير :
د. فرقان الحسيني
فهرس المحتويات :
■ الافـتتـاحــية:الاستعمار بالدَّين الاقتراض الخارجيّ كأداةٍ للهيمنة الاقتصاديّة وسبل الاستقلال المالي
الحوارات
■ الاستعمار الرقميّ: من السيطرة على الأرض إلى الهيمنة على البيانات والخوارزميّات
د. عادل عوضّ
بحوث ودراسات
■ الاستعمار الجديد وتحوّل الثقافة إلى أداةٍ للهيمنة
أ.د غيضان السيّد علي
■ المشاريع الاستعماريّة من خلال المؤسّسات العلميّة الغربيّة منصّة Persee وCairn وJSTOR نموذجًا
د. محمّد البشير رازقي
■ سلاحُ المقاطعة الاقتصاديّة مقاربةٌ في النّظريّة والتّطبيق والاستراتيجيّات المُتقدِّمَة
نبيل علي صالح
■ الحرب الغربيّة على اللغة العربيّة: دراسةٌ أنثروبولوجيّةٌ وثقافيّةٌ
د.لبنى المسعودي
قراءات علمية
■ قراءة في كتاب (نموذج المستعمِر للعالَم) ل جي. إم. بلاوت
م.م/ مصطفى الشمريّ
ترجمات
■ استعماريّةُ القدرة، النّزعةُ الأورومحوريّةُ وأمريكا اللاتينيّة
حنّبعل كِيجانُو
نصوص مستعادة
■ دور السيّد كاطع العوّادي في الإعداد للثورة العراقيّة ١٩٢٠م
د. جميل موسى النجار (رحمه الله)
ترجمة ملخصّات المحتوى بالإنكليزيّة
الافتتاحية
الاستعمار بالدَّين الاقتراض الخارجيّ كأداةٍ للهيمنة الاقتصاديّة وسبل الاستقلال الماليّ
شهد مفهوم الاستعمار خلال القرنين التاسع عشر والعشرين تحوّلاتٍ عميقةً في أدواته وآليّات ممارسته؛ فبعد أن ارتبط الاستعمار التقليديّ بالاحتلال العسكريّ المباشر، والسيطرة على الأراضي، وإخضاع الشعوب لإدارة القوى الأجنبيّة، أخذت أشكالٌ جديدةٌ من الهيمنة بالظهور مع تراجع شرعيّة الاحتلال المباشر وارتفاع كلفته السياسيّة والعسكريّة. وفي ظلّ هذه التحوّلات، برز الاقتصاد والمال والتجارة وحركة رؤوس الأموال والاستثمارات والقروض بوصفها مجالاتٍ يمكن من خلالها إعادة إنتاج علاقات القوّة والتبعيّة، حتّى في ظلّ بقاء الدولة المستقلّة محتفظةً بمؤسّساتها السياسيّة وسيادتها القانونيّة.
ومن بين هذه الأدوات يكتسب الدَّين الخارجي أهميّةً خاصّةً؛ إذ يمكن أن يكون وسيلةً مشروعةً لتمويل التنمية والاستثمار ومواجهة الأزمات الاقتصاديّة، لكنّه قد يتحوّل، في ظروفٍ معينةٍ، إلى أداةٍ للضغط وإنتاج التبعيّة، ولا سيّما عندما تتراكم المديونيّة وتتراجع قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها، فتغدو حاجتها إلى التمويل الخارجي مدخلًا للتأثير في خياراتها الاقتصاديّة والماليّة. ومن هنا يبرز مفهوم (الاستعمار بالدَّين) بوصفه مدخلًا نقديًّا لدراسة الكيفيّة التي يمكن أن تتحوّل بها العلاقات الماليّة غير المتكافئة إلى علاقات هيمنةٍ تتجاوز الجانب الاقتصاديّ لتطال القرار السياسيّ والسيادة الوطنيّة.
ولا يعني ذلك أنّ الدَّين الخارجي يمثّل استعمارًا في ذاته، أو أن جميع القروض والمؤسّسات الماليّة الدوليّة تعمل بمنطقٍ استعماريّ؛ فالاقتراض قد يكون ضرورةً اقتصاديّةً تسهم في تمويل البنية التحتيّة، وتنشيط الاستثمار، ودعم الإنتاج، ومواجهة الأزمات. غير أنّ الإشكاليّة تظهر عندما تتحوّل المديونيّة إلى حالةٍ من الاعتماد المستمرّ على التمويل الخارجي، أو عندما تقترن القروض بشروطٍ تؤثّر بصورةٍ جوهريّةٍ في السياسات الاقتصاديّة والاجتماعيّة للدولة، بحيث تضيق مساحة القرار الوطنيّ وتتزايد قدرة الجهات الدائنة على التأثير في أولويّات الدولة وخياراتها.
وتتخذ هذه العمليّة، في بعض الحالات، مسارًا متدرّجًا يبدأ بالاقتراض لتغطية عجزٍ ماليّ أو تمويلٍ مشروعٍ تنمويّ، ثم تتفاقم أعباء خدمة الدَّين نتيجة ضعف النمو أو محدوديّة الموارد أو سوء توظيف القروض، فتظهر الحاجة إلى قروضٍ جديدةٍ أو إعادة جدولة الالتزامات القائمة. ومع اشتداد الأزمة الماليّة، قد تضطرّ الدولة إلى قبول برامج إصلاحٍ أو شروط تمويلٍ تَحدّ من قدرتها على رسم سياساتها الاقتصاديّة بصورةٍ مستقلّة. وهكذا يمكن أن تنتقل العلاقة من التمويل إلى الاعتماد، ومن الاعتماد إلى التبعيّة، ومن التبعيّة إلى التأثير في القرار الاقتصاديّ.
ويكشف هذا المسار عن إحدى أبرز سمات الاستعمار الاقتصاديّ الحديث؛ إذ لم تعد السيطرة على الأرض شرطًا لازمًا للتأثير في موارد الدولة، بل قد يصبح التأثير في القرار الاقتصادي وسيلةً كافيةً لتحقيق بعض أهداف الهيمنة. فالدولة قد تحتفظ بعلمها وحكومتها وبرلمانها وحدودها ومؤسّساتها السياديّة، بينما تتقلّص قدرتها الفعليّة على تحديد أولويّات الإنفاق والاستثمار والسياسة الماليّة والنقديّة نتيجة ضغوط المديونيّة والالتزامات الخارجيّة. ومن هنا تظهر المفارقة بين السيادة الشكليّة والسيادة الفعليّة، وهي مفارقةٌ تمثّل أحد المحاور الأساسيّة في دراسة الاستعمار الجديد.
الدَّين بين التمويل والتنمية وإنتاج التبعيّة
تتحدّد آثار الاقتراض الخارجي إلى حدٍّ كبيرٍ وفق طبيعة استخدامه والقدرة على إدارته. فإذا وُجّهت القروض إلى قطاعاتٍ إنتاجيةٍ قادرةٍ على زيادة الناتج والصادرات والإيرادات العامّة، فقد يتحوّل الدَّين إلى أداةٍ للنمو الاقتصاديّ، ويسهم في توسيع القدرة الإنتاجيّة للدولة وتعزيز استقلالها المالي. أما إذا استخدم لتمويل نفقاتٍ استهلاكيّةٍ متكرّرة، أو لتغطية عجزٍ هيكليّ دون معالجة أسبابه، أو لسداد ديون سابقة، فإنّه قد يؤدّي إلى تكوين حلقةٍ مفرغةٍ تتزايد فيها الحاجة إلى الاقتراض وتتراجع القدرة على الوفاء بالالتزامات.
وتتفاقم هذه المشكلة عندما تستنزف خدمة الدَّين نسبةً كبيرةً من الموارد العامّة، فتضطرّ الدولة إلى تقليص الإنفاق التنموي، أو زيادة الضرائب، أو بيع بعض الأصول، أو إعادة هيكلة مؤسّسات القطاع العام، أو اتّخاذ إجراءاتٍ اقتصاديّةٍ تحت ضغط الحاجة إلى التمويل. وفي هذه الحالة لا يعود الدَّين مجرّد التزامٍ ماليّ، وإنّما يتحوّل إلى عنصرٍ مؤثّرٍ في تحديد الخيارات الاقتصاديّة والاجتماعيّة للدولة.
ومن هنا فإنّ دراسة الدَّين الخارجي من منظورٍ نقديّ للاستعمار لا ينبغي أن تنحصر في حجم المديونيّة أو أسعار الفائدة أو آجال السداد، وإنّما ينبغي أن تتسع لتشمل علاقات القوّة التي تحيط بعمليّة الاقتراض، وطبيعة الشروط المرتبطة بالتمويل، ومدى تأثيرها في السياسات العامّة، وقدرة الدولة المدينة على التفاوض، وحدود استقلالها في اتخاذ القرار.
من السيطرة على الأرض إلى التأثير في القرار
تقدّم التجارب التاريخيّة شواهد مهمّةً على العلاقة بين المديونيّة والتدخّل الخارجي. وتبرز التجربة المصريّة في القرن التاسع عشر مثالًا تاريخيًّا مهمًّا؛ فقد أدّى تراكم الديون الأجنبيّة وعجز الدولة المصريّة عن الوفاء بالتزاماتها إلى إنشاء ترتيباتٍ للرقابة على الماليّة العامّة، وتزايد التدخّل الأوروبيّ في إدارة الموارد والإيرادات، وصولًا إلى الاحتلال البريطانيّ سنة 1882. وتكشف هذه التجربة أنّ الأزمة الماليّة يمكن، في سياقاتٍ تاريخيّةٍ معينةٍ، أن تتحوّل من مسألةٍ اقتصاديّةٍ إلى مدخل للتدخّل السياسي، وأنّ الدائن قد ينتقل من المطالبة باسترداد أمواله إلى السعي للتأثير في كيفيّة إدارة الدولة لمواردها.
وهنا تتضح إحدى أهم خصائص (الاستعمار بالدَّين): فالقوّة لا تُمارس بالضرورة من خلال الاحتلال العسكريّ، وإنّما يمكن أن تمارس من خلال التحكّم في شروط التمويل والقدرة على الوصول إلى الموارد الماليّة. وكلّما ازدادت حاجة الدولة إلى التمويل الخارجي، ازدادت احتمالات تقلّص هامش المناورة أمامها، ولا سيّما إذا كانت البدائل التمويليّة محدودة.
نحو الاستقلال الماليّ
إذا كان الدَّين يمكن أن يتحوّل إلى إحدى أدوات إنتاج التبعيّة، فإنّ مواجهة هذه التبعيّة لا تتمّ بمجرّد رفض الاقتراض الخارجيّ، وإنّما ببناء منظومةٍ اقتصاديّةٍ وماليّةٍ تقلل الحاجة إلى التمويل الخارجيّ وتزيد قدرة الدولة على التفاوض. ويأتي في مقدّمة ذلك توجيه القروض نحو القطاعات الإنتاجيّة والمشروعات التي تخلق قيمةً مضافةً وتزيد القدرة على توليد الإيرادات والعملات الأجنبيّة، إلى جانب تعزيز الشفافيّة في إدارة الديون وإخضاع قرارات الاقتراض لرقابةٍ مؤسّسيّةٍ وتشريعيّةٍ فعّالة.
كما يتطلّب الاستقلال الماليّ تعزيز الموارد المحلّيّة من خلال إصلاح النظام الضريبيّ، ومكافحة التهّرب والفساد، وتنمية المدّخرات الوطنيّة، وتطوير القطاعات الصناعيّة والزراعيّة والخدميّة القادرة على تقليل الاعتماد على الواردات وزيادة الصادرات. فكلّما ازدادت قدرة الاقتصاد الوطني على إنتاج موارده وتوفير احتياجاته من الداخل، تراجعت حاجته إلى الاقتراض الخارجيّ، واتّسع هامش استقلال قراره الاقتصاديّ.
وفي حالات ارتفاع أعباء المديونيّة، تبرز أهميّة إعادة هيكلة الديون، وتمديد آجال السداد، وخفض كلفتها، واستخدام آليات مقايضة الديون بالتنمية والاستثمار في المجالات التي تخدم المصالح الوطنيّة، فضلًا عن إجراء مراجعاتٍ وتدقيقاتٍ مستقلّةٍ للديون للكشف عن طبيعة الالتزامات ومشروعيّة استخدامها وآثارها على الأجيال الحاليّة والمقبلة. كما أنّ تعزيز التعاون الإقليميّ بين الدول المدينة يمكن أن يوفّر قدرةً تفاوضيّةً أكبر في مواجهة اختلالات النظام الماليّ الدوليّ.
ولا يقلّ أهميّةً عن ذلك إصلاح بنية النظام الماليّ الدوليّ بما يضمن قدرًا أكبر من العدالة في إدارة الديون وإعادة هيكلتها، ويمنح الدول النامية مساحةً أوسع للمشاركة في صياغة القواعد الماليّة الدوليّة. فمعالجة أزمة المديونيّة لا يمكن أن تقتصر على مسؤوليّة الدول المَدينة وحدها، بل تتطلب أيضًا النظر في طبيعة النظام الماليّ العالميّ وآليات الإقراض والتصنيف الائتماني وإعادة هيكلة الديون.
خاتمة
إنَّ الاستعمار في صوره الجديدة لا يُقاس فقط بحضور الجيوش أو غيابها، وإنّما بمدى قدرة القوّة الخارجيّة في التأثير في خيارات الدولة وتوجيه مواردها وتقييد استقلال قرارها. ومن هذه الزاوية يمثّل الدَّين الخارجيّ مجالًا مهمًّا لدراسة تحوّلات الاستعمار الاقتصاديّ؛ فهو ليس استعمارًا في ذاته، لكنّه قد يتحوّل إلى أداةٍ للهيمنة عندما تتشابك المديونيّة مع اختلال موازين القوّة، وتصبح حاجة الدولة إلى التمويل الخارجي سببًا في تضييق مجال قرارها الاقتصاديّ.
وعليه، فإنّ مواجهة (الاستعمار بالدَّين) لا تعني الانغلاق عن الاقتصاد العالميّ أو رفض التعاون الماليّ الدوليّ، وإنّما تعني بناء استقلالٍ ماليّ قادرٍ على إدارة العلاقات الخارجيّة من موقعٍ أكثر توازنًا. ويتحقّق ذلك من خلال اقتصادٍ إنتاجيّ، وموارد محليّةٍ قويّة، وحوكمةٍ شفافةٍ للدّيون، ومؤسّساتٍ رقابيّةٍ فاعلة، وقدرةٍ تفاوضيّةٍ جماعيّةٍ، إلى جانب العمل على إصلاح النظام الماليّ الدوليّ.
فإذا كان الاستعمار التقليديّ قد سعى إلى السيطرة على الأرض والثروات، فإنّ التحدّي المعاصر يتمثّل في ضمان ألّا تتحوّل الحاجة إلى التمويل إلى وسيلةٍ للسيطرة على القرار. ومن هنا تصبح السيادة الاقتصاديّة أحد الشروط الأساسيّة للسيادة الوطنيّة، ويغدو التحرّر من التبعيّة الماليّة جزءًا من المشروع الأوسع لنقد الاستعمار الجديد وإعادة بناء علاقاتٍ دوليّةٍ أكثر عدالةً وتوازنًا.
يقدّم هذا العدد ملّفًا علميًّا واستكشافيًّا متكاملًا يرصد تحوّلات الاستعمار من أشكاله التقليديّة والميدانيّة القائمة على احتلال الأرض والسيطرة على الموارد، إلى أنماطه المعرفيّة والثقافيّة والاقتصاديّة والرقميّة الحديثة. ويسعى الملف إلى تفكيك آليات الهيمنة المعاصرة، والكشف عن أدواتها الظاهرة والخفيّة، واستجلاء سبل مواجهتها، وذلك من خلال افتتاحيّةٍ و حوار وأربعة محاور رئيسة.
الحوارية: الاستعمار الرقميّ: من السيطرة على الأرض إلى الهيمنة على البيانات والخوارزميّات – حوار مع د. عادل عوض
تفتح هذه الحواريّة أفقًا جديدًا لفهم مفهوم الهيمنة الاستعماريّة، من خلال الانتقال من السيطرة على الأرض والموارد إلى التحكّم في البيانات والخوارزميّات والبنى التحتيّة التكنولوجيّة. وتبرز البيانات الضخمة بوصفها موردًا استراتيجيًّا تتنافس عليه القوى التقنيّة الكبرى، بما يكرّس أنماطًا جديدةً من التبعيّة التكنولوجيّة، ويمسّ جوانب من السيادة السياسيّة والأمنيّة والمعرفيّة للدول النامية. وتنتهي الحواريّة إلى التأكيد على أهميّة بناء السيادة الرقميّة وتطوير البدائل الوطنيّة بما يضمن قدرًا أكبر من الاستقلال في صناعة القرار الرقمي.
المحور الأول: الدراسات والبحوث
يضمّ هذا المحور أربع دراساتٍ تبحث في مظاهر الهيمنة الاستعماريّة الجديدة وآلياتها، وتتناول سبل مقاومتها وتفكيك بنياتها:
1. الاستعمار الجديد وتحوّل الثقافة إلى أداةٍ للهيمنة
يسلّط البحث الضوء على الأشكال الخفيّة للاستعمار المعاصر، ولا سيّما توظيف الثقافة والتعليم والإعلام والاقتصاد في إعادة تشكيل الوعي والقيم والأنماط الاجتماعيّة. كما يكشف مظاهر التبعيّة الثقافيّة، من تهميش اللغات الوطنيّة إلى انتشار القيم الاستهلاكيّة والنماذج الثقافيةّ الوافدة، مؤكّدًا أنّ مواجهة هذه الأشكال من الهيمنة تستلزم ترسيخ التفكير النقديّ، وبناء تعليمٍ وطنيّ مستقلّ، وتعزيز التراث والهويّة الثقافيّة.
2. المشاريع الاستعماريّة من خلال المؤسّسات العلميّة الغربيّة: JSTOR و Cairn و Persée نموذجًا
يكشف البحث عن الكيفيّة التي يمكن أن تتحوّل بها المنصّات والمؤسّسات الأكاديميّة إلى فضاءاتٍ لإنتاج المعرفة وتأطيرها بما يخدم تصوّراتٍ ومصالح معيّنة. كما يقارن بين بعض الاتجاهات الأنجلوسكسونيّة ذات الطابع التحليليّ والاستراتيجيّ، والاتجاه الفرنسيّ الذي يولي اهتمامًا أكبر بالذاكرة والمخيال الاستعماريّ، داعيًا إلى مساءلة العلاقة بين المعرفة والسلطة والمصلحة، وتفكيك البنى التي قد تجعل إنتاج المعرفة جزءًا من منظومة الهيمنة.
3. سلاح المقاطعة الاقتصاديّة: مقاربةٌ في النظريّة والتطبيق والاستراتيجيّات المتقدّمة
يقدّم البحث مقاربةً تأصيليّةً للمقاطعة بوصفها أداةً سلميّةً يمكن توظيفها في مقاومة الاحتلال والظلم والضغط الاقتصاديّ. ويتناول أبعاد المقاطعة الاقتصاديّة والثقافيّة، مع استعراض عددٍ من التجارب العربيّة في مقاطعة الكيان الصهيونيّ، وتحديد مجموعةٍ من المقوّمات اللازمة لفاعليّتها، وفي مقدّمتها التوعية المجتمعيّة، ودعم البدائل الوطنيّة، وتوظيف الأدوات السياسيّة والقانونيّة.
4. الحرب الغربيّة على اللغة العربيّة: دراسةٌ أنثروبولوجيّة وثقافيّة
يرصد البحث مظاهر استهداف اللغة العربيّة عبر مراحل تاريخيّةٍ مختلفة، من الاستشراق والتبشير إلى سياسات التهميش اللغويّ، وما رافقها من محاولات إضعاف مكانة العربيّة الفصحى وتوسيع حضور اللغات الأجنبيّة. ويؤكّد أنّ مواجهة أشكال الهيمنة اللغويّة والثقافيّة تقتضي تعزيز حضور العربيّة في مجالات التعليم والتقنية والبحث العلميّ والمعرفة، بما يسهم في صون الاستقلال الثقافيّ والحضاريّ.
المحور الثاني: القراءات العلميّة
قراءةٌ في كتاب (نموذج المستعمِر للعالم) لـ ج. إم. بلاوت
تُعرّف هذه القراءة بكتاب (نموذج المستعمِر للعالم) عبر استعراض مفاهيمه وأفكاره ومحاوره الرئيسة، إذ يقدّم هذا الكتاب تفكيكًا نقديًّا للمركزيّة الأوروبيّة ولمقولة التفوّق الذاتيّ للغرب، مبيّنًا أنّ التطوّر العلميّ والحضاريّ لم يكن نتاج مسارٍ أوروبيّ منفردٍ، بل حصيلة تفاعلٍ تاريخيّ واسعٍ أسهمت فيه حضاراتٌ متعدّدة، من الإسلاميّة والآسيويّة إلى الأفريقيّة. كما يناقش الكتاب أثر التوسّع الأوروبيّ والاستغلال الاستعماريّ لثروات الشعوب، ولا سيّما منذ عام 1492م، داعيًا إلى تبنّي رؤيةٍ تاريخيّةٍ متعدّدة المراكز تتجاوز السرديّة الأوروبيّة التقليديّة.
المحور الثالث: الترجمة
استعمارية القدرة، النزعة الأورومحوريّة وأمريكا اللاتينيّة لـ حنّبعل كيجانو
تقدّم المقالة مدخلًا إلى مفهوم (استعماريّة القدرة)، موضّحةً الكيفيّة التي أسهمت بها التصنيفات العِرقيّة التي نشأت في سياقات الهيمنة الأوروبيّة في إعادة تنظيم البشر والعمل والثروة وفق تراتبيّةٍ استعماريّة. كما تكشف عن احتكار الخطاب الغربي لمفاهيم الحداثة والعقلانيّة والتقدّم، وما ترتّب على ذلك من تهميش لتواريخ وتجارب الشعوب غير الأوروبيّة وإقصائها من السرديّات المركزيّة للحداثة.
المحور الرابع: نصوص مستعادة
دور السيّد كاطع العوّادي في الإعداد للثورة العراقيّة 1920
يستعيد النصّ جانبًا من الدور التنفيذيّ والتنسيقيّ المبكّر للسيّد كاطع العوّادي في التحضير للثورة العراقيّة عام 1920، من خلال نشاطه في (حزب النجف السريّ)، ودوره في وصل المرجعيّة الدينية العليا، برئاسة الشيخ الشيرازيّ، بشيوخ العشائر والنخب الوطنيّة. كما يبرز جهوده في الجمع بين الاستعداد للمقاومة المسلّحة والعمل التفاوضي، بما أسهم في تعبئة المجتمع العراقيّ ومواجهة الاحتلال البريطانيّ وإطلاق شرارة ثورة العشرين.
وفي مجموعها، تسعى مواد هذا العدد إلى تقديم قراءةٍ نقديّةٍ متعدّدة الأبعاد للاستعمار، لا تقتصر على صورته العسكريّة المباشرة، بل تمتدّ إلى أنماطه الثقافيّة والمعرفيّة والاقتصاديّة واللغويّة والرقميّة، بما يفتح المجال أمام إعادة التفكير في مفاهيم الهيمنة والسيادة والمقاومة في عالم تتغيّر فيه أدوات القوّة باستمرار.
﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [سورة الزمر: الآية 18].